الخطبة : 0888 - الإسلام والفطرة - الساعة البيولوجية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0888 - الإسلام والفطرة - الساعة البيولوجية .


2003-07-04

الخطبة الأولى :

  الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

التّوافق بين الدّين و الفطرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إن الله جلّ جلاله خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وكرمه أعظم تكريم ، وسخر له الكون تسخير تعريف ، ووهبه نعمة العقل ليتعرف إلى الله من خلاله ، وفطره فطرة تدله على خطئه ، وأنزل على أنبيائه كتباً هي منهج تفصيلي لحركة الإنسان في الحياة . سأختار أيها الأخوة من مقومات التكليف مقوم الفطرة ، فمن البديهيات في حس كل مسلم ومسلمة أن خالق هذه الفطرة هو منزل هذا القرآن ، لأن التطابق عجيب بين ما فطر عليه الإنسان وبين ما نزل به الدين .
 فمن الطبيعي أيها الأخوة أن نعلم يقيناً أن هذا الدين لا بد من أن يكون موافقاً للفطرة ، والدليل :

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

[ سورة الروم : 30 ]

 التطابق تام بين تكاليف الدين وبين خصائص النفس البشرية .

 

ملامح الفطرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كل أمر شرعي يخطر في بالك أنه يعارض الفطرة يجب أن تعلم علم اليقين أنه لا يخلو من أحد احتمالين ، إما أنه يخالف الفطرة حتماً ، إذاً ليس هذا الأمر أمراً شرعياً ، حديثاً موضوعاً أو مكذوباً ، أو أنه أمر شرعي ولا يعارض الفطرة ، إلا أن الإنسان واهم ، إذاً يتطابق الأمر الشرعي مع فطرة الإنسان تطابقاً تاماً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ من ملامح هذه الفطرة جاء هذا الدين الحنيف مقراً بالفطرة ، حتى إن الكلمة التي تدور على كل الألسنة الإسلام دين الفطرة . فمثلاً حب الحياة فطرة مركوزة في أعماق الإنسان ، والقرآن يؤكد ذلك ، حينما تحدث عن اليهود قال :

﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾

[ سورة البقرة : 96 ]

 أحرص اسم تفضيل ، أي أن الناس جميعاً حريصون على الحياة ، ولكن أحرصهم عليها اليهود .
 أيها الأخوة ؛ آية ثانية تبين ملامح الفطرة .

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾

[ سورة آل عمران : 14 ]

 هذا من فطرة الإنسان ، أن يحب البقاء ، أن يحب المرأة ، أن يحب المال ، أن يحب الولد ، أن يحب المسكن ، أن يحب هذا الذي وجد في أعمق كيانات البشر ، لكن الإسلام وجّه هذه الفطرة وجهة نظيفة ، الإنسان أعطي منهجاً يتوافق مع الفطرة ، لكن هذه الفطرة ينبغي أن تكون في حدود هذا المنهج .

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 5-7]

 أي ما من شيء أودع في كيانك ، ما من فطرة فطرت عليها ، ما من حظ نلته من الله عز وجل ، ما من شهوة غرست فيك إلا ولها قناة نظيفة في منهج الله تسري خلالها .
 أيها الأخوة ؛ الفطرة أن تحب هذا الشيء ، الفطرة لا تمدح ولا تذم ، لكنك حينما تتصل بالذي أنزل هذا القرآن تنتقل من الفطرة إلى الصبغة ، أن تحب الخير هذا من فطرتك ، أن تقدر الكمال هذا من فطرتك ، أن تحب العدل هذا من فطرتك ، أن تحب الرحمة هذا من فطرتك ، أما أن تكون رحيماً هذا من صبغتك ، أن تكون عدلاً هذا من صبغتك ، فالفطرة أن تحب الشيء ، إنك مبرمج بالتعريف الحديث بالمصطلح الحديث مولف مفطور مجبول على ما أمرك الله به ، لذلك الإنسان حينما يستقيم على أمر الله يجد نفسه ، يصطلح مع نفسه ، ينسجم مع نفسه ، تتناغم حركته مع رغباته .

 

ضبط الفطرة وفق منهج الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الأنبياء وهم قمم البشر أودعت فيهم هذه الشهوات التي أودعت في كل البشر ، ولولا أن الأنبياء بشر تجري عليهم كل خصائص البشر لما كانوا قمم البشر ، يقول الله عز وجل :

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾

[ سورة الرعد : 38 ]

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الروم : 21]

 هذا من الفطرة .

﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾

[ سورة الأعراف : 189 ]

 هذا من الفطرة .

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة الكهف : 46 ]

 هذا من الفطرة ، لكن هذه الفطرة مرشدة في دين الله ، لكن هذه الفطرة منظمة في دين الله ، لكن هذه الفطرة تسمو في دين الله ، فمن حب المرأة إلى تأسيس أسرة ، من حبّ المرأة إلى إنجاب أولاد صالحين ، من حب المرأة إلى ضبط المجتمع ، من حب المرأة إلى صيانة المجتمع من الزلل والخلل ، ما الذي يجري في بلاد المسلمين إن كانوا حقاً مسلمين ؟ أنهم يلبون نداء فطرهم وفق منهج الله ، وما الذي يجري في بلاد غير المسلمين ؟ أنهم يلبون نداء فطرهم من دون قيد أو ضابط .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((إذا خطبَ إليكُمْ من ترضونَ دينهُ وخلقهُ فزوِّجوهُ إلاَّ تفعلوا...))

[ الترمذي و ابن ماجه عن أبي هريرة ]

 الإنسان إن لم يطلب العلم عنده دافع قوي ، فإن وجد في حقل الدين قناة نظيفة لهذا الدافع استعمل هذه القناة ، وإن وجد أن الطريق في حقل الدين مسدود انحرف الإنسان إلى طريق الهاوية .

((....إلاَّ تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ))

[ الترمذي و ابن ماجه عن أبي هريرة ]

 لأن هذا الميل مركوز في أعماق الإنسان ، فإن لم يلبِّ بالطريق النظيف ، بالطريق المشروع عمّ الفساد في الأرض .

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم : 41]

التضحية ببعض الحظوظ من أجل مرضاة الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ شيء آخر : حب المال مركوز في الإنسان جاء التنظيم :

﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾

[ سورة البقرة : 275 ]

 أكاد أقول أيها الأخوة : ما من شهوة أودعت في كيان الإنسان ، ما من جبلة جبل عليها ، ما من فطرة فطر عليها إلا وفي الإسلام العظيم لأنه دين الفطرة قناة نظيفة تسري خلالها ، فالإنسان يلبي حاجاته الأساسية وهو مرتاح البال ، وهو آمن إلى أن الله راضٍ عنه لأنه تحرك وفق منهجه ، وأفرغ رغبته وفق القناة النظيفة التي شرعها الله عز وجل ، فالمجتمع إذا تمسك بالدين ليس فيه حرمان ، لكن فيه انضباطاً وتنظيماً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حتى إن الإنسان مركوز فيه حبّ أبيه ، وحبّ زوجته ، وحبّ أبنائه ، وعشيرته ، وقومه ، وحبّ المال ، قال تعالى :

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 24]

 أرشدك الله إلى أن هذه الأشياء مركوزة في أعماقك ، ولها قنوات نظيفة تسري خلالها ، لكنك مكلف أن تحب الله أكثر منها ، من أجل ذلك يجب أن تضحي ببعض الحظوظ التي لا ترضي الله عز وجل من أجل مرضاة الله ، وهذا ثمن الجنة ، ما من شهوة أودعت بالإنسان إلا ولها قناة ، أما إذا أردت أن تنفس عن هذه الشهوة بخلاف منهج الله فينبغي أن تكون محبتك لله ، وطلب رضوانك له ، أغلى عندك من قضاء هذه الشهوة .

 

الإنسان الموفق هو من يضحي بشهواته من أجل الآخرة :

 ثم يقول الله عز وجل حينما قال :

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

[ سورة آل عمران : 14 ]

 عقب على ذلك فقال :

﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾

[ سورة آل عمران : 14- 15]

 هذا هو الفوز العظيم ، الإنسان عندما يضحي برغبة طارئة ، بشهوة عارمة ، بحركة لا ترضي الله ، من أجل ما وعده الله به من جنة عرضها السموات والأرض ، فهو الإنسان الموفق ، وهو الفالح ، وهو الناجح . لما أدخل الله المال والبنون قال :

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾

[ سورة الكهف : 46]

 أي صحيح أن المال والبنين من زينة الحياة الدنيا ، ولكنك إذا اتقيت الله في تربية أولادك ولم تأخذ من المال إلا ما أحلّ الله لك عند الله مقام عظيم في الآخرة " وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ " كأنك إذا آثرت ما عند الله على ما يفنى تركت عملاً صالحاً يسعدك إلى أبد الآبدين .

 

الراحة النفسية والسكينة ثمن من انسجم مع فطرته فأطاع ربه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الفطرة التي أودعها الله في الإنسان تدلك على خطئك بدليل قوله تعالى :

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس : 7-8]

 ليس المعنى قطعاً لا سمح الله أن الله خلق فيها الفجور ، ولكن المعنى أن الله فطرها فطرة عالية تكشف خطأها بذاتها ، فالراحة النفسية والسكينة والسعادة هي ثمن من انسجم مع فطرته فأطاع ربه ، أطاع ربه فانسجم مع فطرته ، والقلق والتشاؤم والسوداوية والكآبة والضيق هي عقاب سريع تعاقب النفس به ذاتها ، أكثر الأمراض النفسية مبعثها مخالفة الفطرة ، ويكاد مرض الكآبة يكون أوسع الأمراض انتشاراً في العالم ، لأن الإنسان عن علم أو عن جهل يخالف مبادئ فطرته ، فتعذبه نفسه ، سمّه الكآبة ، أو سمّه الشعور بالذنب ، أو سمّه عقدة الذنب ، الإنسان يحاسب نفسه بناء على فطرته ، ولولا أن الفطرة تحب الكمال ، وتتطلع إلى الكمال لما عذب أحد نفسه إذا خالف الكمال ، ما من إنسان كائناً من كان يخرج عن منهج الله عز وجل إلا وتعذبه نفسه ، هذا العذاب يظهر بطبع حاد ، بردود فعل قاسية ، بكلمات لا تحتمل ، بضجر ، بضيق ، إنه يعاني من اضطراب داخلي .

 

من يستقيم على أمر الله يصطلح مع فطرته :

 أيها الأخوة الكرام :

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات : 40-41]

 يتضح من هذا العرض السريع أن الشهوات التي أودعت في الإنسان لها قنوات نظيفة في منهج الله عز وجل ، وأي اتباع للشهوة خارج منهج الله يورث اضطراباً واختلال توازن وكآبة في النفس ، فالإنسان حينما يستبطن ذاته ، ويتأمل ذاته ، يجد أنه حينما يستقم على أمر الله يصطلح مع فطرته ، وحينما ينحرف عن منهج الله تنشأ معركة طاحنة في داخله تظهر بعدم التوازن ، لكن أيها الأخوة فضلاً عن ذلك الإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام :

((كل مولود يولد على الفطرة))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أي رغبات الإنسان متوافقة مع منهج الله عز وجل ، ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :

(( َإِنّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلّهُم ْ . وَإِنّهُمْ أَتَتْهُمُ الشّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِم))

[ مسلم عن عياض بن حمار ]

 أي الشيطان أحياناً يطمس الفطرة ، لذلك أنا مضطر أن أقول : الفطرة السليمة هي مقياس ، لكن الفطرة المطموسة بالشهوات هذه لم تعد مقياساً صالحاً لتقييم أعمال الإنسان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الفطرة والعقل ملكتان للإدراك البشري ، وطريقان للمعرفة الإنسانية ، يكمل كل منهما الآخر لمعرفة الحق والباطل ، وتمييز الخير من الشر ، والحسن من القبيح ، وسبيل الفطرة السياحة في ملكوت السموات والأرض ، السياحة الفكرية .

 

التّعاون و التّكامل بين الفطرة و العقل :

 أيها الأخوة : العقل يحلل ، ويركب ، ويستنبط ، ويستدل ، ويعتقد ، ويؤمن ، ويشكك ، ويغلب على ظنه ، ويرفض ، هذه كلها محاكمات عقلية العقل مختص بها ، والنفس ترتاح ، لا ترتاح تتألم ، تقلق ، تخاف ، تحب ، تندفع ، هذا نشاط نفسي ، فالفطرة دليل والعقل دليل ، بل إنهما يتعاونان ، بل إنهما يتكاملان ، بل إنهما يجتمعان ليتعرف الإنسان من خلالهما على الحق ويكشف الباطل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ شيء آخر في موضوع الفطرة : العقل لا يعد وحده مرجعاً لأمور الدين ، ذلك أن العقل مرتبط ببيئة محددة ، فقصوره عن الإحاطة والشمول بكل القضايا من جميع جوانبها ، وفي كل زمان ومكان ، هذا لا يؤهله أن يكون وحده مرجعاً ، تماماً كما أن هذه العين لا يمكن أن ترى إلا بالضوء ، فالضوء يسمح للعين أن ترى الأشياء .
 يجب أن نؤمن جميعاً أيها الأخوة أن العقل يحتاج إلى وحي السماء ، بالوحي يهتدي العقل إلى الحقيقة المطلقة ، أما من دون الوحي فلا يعد العقل وحده كافياً لأنه مرتبط ببيئة ، بوقت ، بمعطيات ، بزمان ، بمكان ، بمحدودية لا تؤهله أن يكون مرجعاً في أمور الدين، لكن العقل له مهمتان مع النقل ؛ مهمة قبل النقل ، ومهمة بعد النقل ، فالتي قبل النقل التأكد من صحة النقل ، والتي بعد النقل فهم النقل ، هذا هو دور العقل حيال النقل ، ولا يتعارض العقل مع النقل لأن الأصل واحد ، النقل وحي الله عز وجل الذي أنزله على نبيه ، والعقل مقياس أودعه الله فينا ، والفطرة جبلة جبلنا عليها ، والواقع خلق الله عز وجل ، فكأن الحق دائرة يمر بها أربعة خطوط ، خط النقل الصحيح ، والعقل الصريح ، والفطرة السليمة ، والواقع الموضوعي ، فالعقل وحده من دون نور ، من دون وحي لا يستطيع أن يكون مرجعاً للمعرفة .

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾

[ سورة المدثر : 18-25]

 والله عز وجل يريد أن يشير إلى أن العقل محدود في مهمته قال تعالى :

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 85]

 وقال تعالى :

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾

[ سورة الروم : 7]

 بل إن العقل أحياناً يخضع لضغوط المصالح الشخصية ، هذا هو العقل التبريري، الإنسان حينما ينطلق ليحقق شهوته ومعه خلق يستخدمه لصالح شهوته ليبرر ، فما من واحد يتبع شهوته المحرمة إلا ويغطيها بفلسفة بنحو أو بآخر ، فهذا العقل التبريري أيضاً من زلاته ، من نقائصه ، هذا هو الهوى ، وقد قال الله عز وجل :

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾

[ سورة الجاثية : 23 ]

 شيء آخر : هذا العقل مصدره الوحيد الحواس ، فإذا كان هناك شيء لا يحس فالعقل لا يصدقه ، أو لا يصل إليه ، لكن الوحي يخبرنا أحياناً عن أشياء واقعة خارج حواسنا ، إذاً العقل مختص بالواقع بالمحسوس ، بل إنه يأخذ من المحسوس ، ويستنبط حقيقة مغيبة عن المحسوس ، أما إذا كان شيئاً غير محسوس كالماضي السحيق ، والمستقبل البعيد ، وما بعد الموت ، والكائنات التي أخبرنا الله عنها العقل مستحيل أن يصل إلى ذلك ، لابد من وحي يخبرنا بها .
 والعقل أيضاً أيها الأخوة لا يستطيع أن يلزم صاحبه بالصواب ، فكم من إنسان يتمتع بأعلى ثقافة وهو يدخن ، معنى ذلك أن المعلومة وحدها لا تكفي ، لا بد من إرادة تدعم هذه المعلومة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ وأما الفطرة فقد تنطمس ، وقد تشوه ، والبيئة قد تمحقها ، ما الذي بقي ثابتاً في حياة المسلمين ؟ الوحي ، وحي السماء ، هذا الوحي الذي :

﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾

[ سورة فصلت : 42 ]

 هذا الوحي هو الحق الصرف ، هذا الحق هو الميزان ، هذا الوحي هو القيمة المطلقة ، فلذلك أي جولة للعقل وصلت إلى نتيجة تتوافق مع الوحيين فقد أصاب العقل ، وأية نتيجة وصل العقل إليها تخالف الوحيين فهي خطأ صارخ ، ولا مجال لقبوله ، لأن الوحي مطلق في أحقيته . وأي شيء ترتاح له الفطرة المشوهة يخالف الدين هذا ليس من الفطرة السليمة بل من الفطرة التي شوهت ، من الفطرة التي تغيرت .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الكتاب والسنة ما إن نعتصم بهما فلن نضل أبداً ، لكن العقل يعينك على معرفة الله من خلال خلقه ، والفطرة تعينك على السير في طريق الله من خلال راحتها لطاعة الله ، واضطرابها من معصية الله .
 أقول قولي هذا ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ، فاستغفروه يغفر لكم ، فيا فوز المستغفرين أستغفر الله .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الساعة البيولوجية :

 أيها الأخوة : اكتشف أحد العلماء أن في مقدور النبات حساب الزمن ، حيث أن بعض أوراق مجموعة من النباتات تؤدي حركات معينة بوقت محدد من اليوم ، إذاً هذا النبات عنده ما يسميه العلماء : ساعة بيولوجية تحسب له الزمان ، واكتشف العلماء أيضاً أن في الحيوان ما يشبه النبات ، فهناك حيوانات تعرف بدقة بالغة مرور الزمن ، فتتجه إلى مكان سباتها في الشتاء ، لو تأخرت أو بكرت قليلاً لماتت ، إذاً بحساب في غاية الدقة تأوي بعض الحيوانات إلى أوكارها ، لترقد طوال فصل الشتاء ، ولولا أنها تعرف كيف يمر الزمن لما أمكنها ذلك ، قال تعالى :

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه : 49-50]

 أما الإنسان فبجوار الغدة النخامية مجموعة خلايا لها خاصة عجيبة ، هذه الخلايا التي إلى جوار الغدة النخامية تستشعر الضوء الذي يسقط على قاع الشبكية في أثناء النهار ، إذاً استشعرت هذا الضوء ، أي أن الوقت نهار ، فإذا غابت هذه الأشعة استشعرت فقدانها ، إذاً الوقت ليل ، ومعنى ذلك أن هذه الخلايا التي إلى جانب الغدة النخامية تعرف ما إذا كان الوقت نهاراً أو ليلاً ، ماذا يكون في النهار ؟ وماذا يكون في الليل ؟ في النهار أيها الأخوة يزداد استهلاك الجسم للطاقة ، فترتفع درجة حرارته نصف درجة عن المعدل الوسطي ، وفي الليل تنخفض نصف درجة في الليل ، فمن يشعر الخلايا وخلايا الاستقلاب أن الوقت وقت نهار ؟ هذه الخلايا التي إلى جوار الغدة النخامية ، فسر بعض العلماء هذه الظاهرة بالشكل التالي : إن سقوط الضوء فوق الشبكية ينتقل بوساطة سيالات عصبية عبر أعصاب البصر إلى الغدة النخامية وهي ملكة الغدد ، والتي تؤمن تكامل التكيف بين وظائف الأجهزة الداخلية .
أيها الأخوة : في النهار تزداد ضربات القلب من عشر إلى عشرين ضربة عنها في الليل ، ويزداد إدرار البول من ضعفين إلى أربعة أضعاف في النهار عنه في الليل ، وهذا رحمة في الإنسان .
 ومن خلال تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ تبين أنه يزداد في النهار ، ويضعف في الليل ، وتزداد في النهار درجة لزوجة الدم عنها في الليل ، ويزداد في النهار عدد الكريات البيضاء كسلاح دفاعي في الإنسان عنها في الليل ، ما الذي يشعر الجسم أن الوقت نهار وأن الوقت ليل ؟ أنت بإدراكك وحواسك الخمس تدرك أن الوقت نهار ، لكن هذه الغدد الصماء من الذي يخبرها أن الوقت نهار ؟ يخبرها بهذا ساعة أودعت في الإنسان سماها العلماء الساعة البيولوجية ، قال تعالى :

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين : 4]

 أيها الأخوة : حتى إن كميات الهرمونات تتبدل من النور إلى الظلام ، فهذه الهرمونات لها نسب في الليل ، ولها نسب في النهار ، لأن الله جعل النهار معاشاً ، وجعل الليل لباساً ، في الليل يزداد هرمون النمو ، وتزداد هرمونات الإخصاب ، ويقل استهلاك السكر ثلاثين في المئة عما هو في النهار ، لذلك في الليل تقل فعالية الجهاز التنفسي إلى ثلاثين بالمئة عما عنه في النهار .
 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

[ سورة النمل : 88 ]

 المعدة ؛ قدراتها الإفرازية في النهار ضعف قدرتها في الليل.

 أيها الأخوة : هذه الساعة البيولوجية هي التي تبرمج كل هذه الغدد ليكون لها نشاط خاص في النهار ، ونشاط خاص في الليل ، لذلك الإنسان في النهار هو في أعلى درجة من النشاط ، وفي الليل في أدنى درجة ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

((بورك لأمتي في بكورها))

[ الطبراني عن أبي هريرة ]

 والإنسان الذي يعمل ليلاً وينام نهاراً يحدث عنده اضطراب شديد ، والإنسان الذي يكثر الأسفار إلى أماكن بعيدة تضطرب عنده هذه الساعة البيولوجية :

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين : 4]

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات : 21]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافينا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مآلنا ، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، انصرهم على أعدائك أعداء الدين ، شتت شملهم ، اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، اجعل بأسهم بينهم ، انصرنا عليهم نصراً عزيزاً مؤزراً ، أرنا قدرتك في قهرهم يا رب العالمين ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018