الخطبة : 0890 - ذكر الموت - الغفلة و طول الأمل من أخطر الأمراض التي تصيب الإنسان . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0890 - ذكر الموت - الغفلة و طول الأمل من أخطر الأمراض التي تصيب الإنسان .


2003-07-18

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الأوراق الرابحة بيد الشيطان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يأتي الشيطان لابن آدم فيوسوس له أن يكفر ، فإذا رآه على إيمان وسوس له أن يشرك ، فإذا رآه على توحيد وسوس له أن يبتدع ، فإذا رآه على سنة وسوس له أن يقترف كبيرة ، فإذا رآه على طاعة وسوس له أن يقترف صغيرة ، فإذا رآه على ورع وسوس له بشيئين ، الأول التحريش بين المؤمنين ، وهذه ورقة رابحة بيد الشيطان ، حينما ييئس أن يصرفك إلى كفر ، أو إلى شرك ، أو إلى بدعة ، أو إلى كبيرة ، أو إلى صغيرة ، يوسوس لك بالتحريش بين المؤمنين ، وهذه ورقة رابحة بيد الشيطان ، فإن لم يفلح بقيت بيده ورقة أخيرة المباحات ، أن تستغرق بالمباحات ، أن تمضي الوقت كله في المباحات التي لا تتصل بآخرتك، لذلك يأتي ذكر الموت ليقطع عن الشيطان هذه الوسوسة . يقول عليه الصلاة والسلام :

((أكثروا ذكر الموت))

[ابن أبي الدنيا عن أنس رضي الله عنه]

((أكثروا ذكر هادم اللذات))

[ الديلمي عن أنس رضي الله عنه ]

 الموت ، مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات ، عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به .

 

ذكر الموت ليس من باب التشاؤم بل للتكيف معه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من صعبت عليه نفسه فعليه بذكر الموت ، لأنه ما ذكر في كثير إلا قلله ، وما ذكر في قليل إلا كثره .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ذكر الموت حقيقة ، ما من حقيقة صارخة آتية لا ريب فيها كالموت ، فأنت إن ذكرت الموت أنت إنسان واقعي ، أنت إن ذكرت الموت أنت مع الحقيقة ، أنت إن ذكرت الموت مع الواقع ، ما من قادم يزلزل كيان الإنسان كالموت ، لأن الذي يجمعه الإنسان في عمر مديد يخسره في ثانية واحدة ، بل إن كل ممتلكات الإنسان ، ومكانة الإنسان ، وكل شأن الإنسان في الأرض متعلق بقطر شريانه التاجي ، بل متعلق بسيولة دمه ، بل متعلق بنمو خلاياه ، والموت يأتي بغتة ، والقبر صندوق العمل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ذكر الموت ليس من باب التشاؤم ، لكن من باب أن تعرف المصير وأن تتكيف معه ، ففي أدق تعريف للذكاء إنه التكيف ، أنت حينما تتفكر بما أنت قادم عليه وتتلاءم مع هذه الحقيقة التي لا ريب فيها عندئذٍ لا تندم عند الموت ، وما رأيت من تعريف للعقل كهذا التعريف ، العاقل لا يندم ، إن آمنت أنك سوف تغادر الدنيا ، وأنك سوف تسأل عن كل صغيرة وكبيرة ، عندئذٍ تتكيف مع هذه الحقيقة ، والذكاء هو التكيف ، عندئذٍ تتوقع ما هو متوقع ، لن تفاجأ بالموت ، الموت مصير كل حي ، هذه حقيقة ثانية ، بل إن الله سبحانه وتعالى حينما قال :

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾

[ سورة الملك : 2]

 قدم ذكر الموت لأنه أكثر أهمية ، بمعنى أنك حينما تولد أمامك خيارات لا تعد ولا تحصى ، أما حينما يأتي الموت فأمامك خياران لا ثالث لهما .

((فو الذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب ، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار))

[ البيهقي من رواية الحسن ]

 ورد : أيها الناس إن الأيام تطوى ، وإن الأعمار تفنى ، وإن الأبدان تبلى ، وإن الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد ، يقربان كل بعيد ، ويخلقان كل جديد ، وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات ، ورغب في الباقيات الصالحات .

 

الزمن وعاء عمل الإنسان ينفق استثماراً أو استهلاكاً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أدق فكرة في الموت أنك زمن ، أنك بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك ، أن رأس مالك هو الزمن ، أن أثمن شيء تملكه هو الزمن ، أن الزمن وعاء عملك ، وأن هذا الزمن يمكن أن ينفق استهلاكاً كشأن الناس جميعاً ، يأكل ، ويشرب ، وينام ، ويستريح ، ويستجم إلى أن يفاجأ بالموت وهو صفر اليدين ، أو ينفق الزمن استثماراً بأن تعمل في الزمن الذي سينقضي عملاً ينفعك بعد انقضاء الزمن ، وهذا فحوى قول الله عز وجل:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر : 1-3]

 هو في خسارة محققة لأن مضي الزمن يستهلكه ، لكنه بإمكانه أن يتلافى هذه الخسارة حينما يستثمر هذا الوقت ، فيؤمن ، يزداد علماً بالله ، ويزداد طاعة له ، ويدعو إلى الله عز وجل ، ويصبر على كل ذلك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إن الأيام تطوى ، والأعمار تفنى ، والأبدان تبلى ، وإن الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد ، يقربان كل بعيد ، ويخلقان كل جديد ، وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات ، ورغب في الباقيات الصالحات ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( من أكرم الناس وأكيسهم ؟ - أي أعقلهم - قال : أكثرهم للموت ذكراً ، وأشدهم له استعداداً))

[ ابن ماجه عن ابن عمر ]

 ألا ومن علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزود لسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور .
 للإمام علي كرم الله وجهه كلمة رائعة في الموت : " أيها الناس اتقوا الله الذي إن قلتم سمع ، وإن أضمرتم علم ، بادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم ، وإن أقمتم أخذكم ".

 

الموت بوابة الخروج من الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا مهرب من الموت .

﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ﴾

[ سورة الجمعة : 8 ]

 وفي الآية تصوير رائع ، الإنسان يهرب من الموت وكأن الموت وراءه ، ثم يفاجأ أنه أمامه ، فقد يصاب الإنسان بمرض ، ويغلب على يقينه أنه ميت بهذا المرض ، فيأخذ كل الاحتياطات ، ويتبع كل التعليمات ، ثم يفاجأ أن الموت جاءه من باب آخر ، لم يكن يحسب له حساب :

﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ﴾

[ سورة الجمعة : 8 ]

 إن الناس يموتون كما ينامون ، ويبعثون كما يستيقظون .
 أيها الأخوة : ليس قبل الموت شيء إلا والموت أشدّ منه ، وليس بعد الموت شيء إلا والموت أيسر منه - كلام دقيق - ليس قبل الموت شيء إلا والموت أشدّ منه ، وليس بعد الموت شيء إلا والموت أيسر منه ، هذا للغافل عن الله عز وجل ، هذا للشارد ، هذا الذي يعيش يومه ، هذا الذي لا تحكمه النصوص .
 أيها الأخوة : ذكرت مرة أن الإنسان العاقل يحكمه البيان ، بينما الإنسان الجاهل يحكمه الواقع ، وضربت على هذا مثلاً أنك إذا أردت السفر إلى حمص مثلاً في أيام الشتاء القارس ، ورأيت لوحة في ظاهر دمشق كتب عليها : الطريق مغلقة إلى حمص بسبب تراكم الثلوج في النبك ، ماذا يفعل أي إنسان عاقل أراد الذهاب إلى حمص وقد رأى هذه اللافتة بظاهر دمشق ؟ يرجع من توه ، بينما الدابة إذا سارت أين تقف ؟ تقف عند الثلج ، الدابة يحكمها الواقع فقط ، بينما العاقل يحكمه النص ، وفرق كبير بين الذي يحكمه البيان ، وبين الذي يحكمه الواقع .
 المدخن الذي أصيب بالسرطان يمتنع عنه قطعاً عن إصابته بالسرطان ، ولكن العاقل من إذا قرأ عن التدخين بحثاً طبياً وفقهياً ابتعد عنه وهو في تمام صحته . يقول بعض الصلحاء : أيها الإنسان إن بقاءك إلى فناء ، وإن فناءك إلى بقاء ، فخذ من فنائك الذي لا يبقى إلى بقائك الذي لا يفنى ، وأي عيش يطيب وليس للموت طبيب . الموت ليس له دواء ، الموت بالتعريف الدقيق بوابة الخروج ، لا بد لكل واحد منا من بوابة خروج ، قد يبدأ مرض الموت من أحد أعضاء الجسم ويتفاقم ، ومرض الموت لا شفاء له ، لأنه بوابة الخروج .

 

من آثر الآخرة على الدنيا ربحهما معاً :

 أيها الأخوة : يقول عليه الصلاة والسلام في بعض ما ذكر عن الموت : " أقلل من الدنيا تعش حراً ، وأقلل من الذنوب يهون عليك الموت ، وانظر إلى حيث تضع ولدك فإن العرق دساس " الشاهد في هذا الكلام الطيب : أقلل من الذنوب يهون عليك الموت .
 أما هذا الذي حمل من الذنوب ما لا يطيق فكيف سيواجه الواحد الديان ؟

﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾

[ سورة البقرة : 175]

 اعمل للجنة بقدر مقامك فيها ، واتقِ النار بقدر صبرك عليها ، واعمل لله بقدر حاجتك إليه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ من آثر الآخرة على الدنيا ربحهما معاً ، ومن آثر الدنيا على الآخرة خسرهما معاً .

 

من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت :

 شيء آخر أيها الأخوة : قال بعض الشعراء : لا تأمن الموت في طرف ولا نفس، من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت . من قال دون أن ينتبه : غداً أفعل كذا ، غداً أسدد هذه الفاتورة ، غداً أزور أختي ، من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت .

لا تأمـــن الموت في طـــــــرف ولا نفس  وإن تمنعــــــــــــــت بالحجاب والحــرس
فما تزال سهــــــــــــــام المـــــــــوت نـــــافذة  في جنب مدّرع منـــــــــــــها ومـــــــتّرس
أراك لســــــــــــــــت بوقــــــــــــاف ولا حـــــذر  كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسلك مســــــــــــــــالكها  إن السفينة لا تجــــــري على اليبــس
***

 أيها الأخوة الكرام ؛ سيدنا عمر قال لأبي ذر : عظني ؟ فقال : ارضَ بالقوت وخف من الفوت واجعل صومك الدنيا وفطرك الموت . أي هذه الدنيا محدودة وفانية ، أطع أمر الله فيها ، لكن بعد الموت ليس هناك تكليف ، هناك جنة عرضها السموات والأرض .

﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾

[ سورة ق : 35]

((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول : ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من يقين نحن فيه ـ أي الإنسان متيقن أنه سيعيش ، وأنه إذا رأى الناس يموتون تباعاً كأنه هو في منجاة لهذا المصير . وقال بعضهم : نهارك ضيفك فأحسن إليه فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك ، وإن أسأت إليه ارتحل بذمك ، وكذلك ليلك .

 

خواطر إنسان كان على وشك الموت فأنقذه الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الحديث كما يقولون ذو شجون ، ولكن أريد في هذه الخطبة أن أقرأ لكم رسالة كتبها إنسان ذو شأن في العلم وفي الأدب ، كان يسبح فأدركه الغرق فبقي في الماء دقيقتين وجاءته خواطر لا تعد ولا تحصى .
 يقول هذا الأديب : كنت ممتلئاً صحة ، أكاد أتوثب من النشاط توثباً ، وكان الموت بعيداً عن فكري ، والموت أبعد شيء عن أفكارنا ، وإن كان أقرب شيء في الحقيقة إلينا ، نتناساه وهو عن أيماننا وشمائلنا ، نشيع الجنائز ونمشي معها ونحن في غفلة عنها ، نتكلم كلام الدنيا ، ونرى مواكب الموت تمر بنا كل يوم ، فلا نفكر ولا نعتبر ، ولا نقدر أننا سنموت كما ماتوا ، ومات من كان أصح منا صحة ، ومات من كان أشدّ منا قوة ، وأكبر سلطاناً ، وأكثر أعواناً ، فما دفعت عنه الموت لما جاءه صحته ولا قوته ، ولا حماه منه سلطانه ولا أعوانه ، نعرف بعقولنا أن الموت كأس سيشربه كل حيّ ، ولكننا ننسى هذه الحقيقة بمشاعرنا وعواطفنا ، وتحجبها عنا شواغل يومنا ، وتوافه دنيانا ، يقول كل واحد منا بلسانه : إن الموت حق ، وإنه مقدر على كل حيّ ، ويقول بفعله لن أموت ، لقد كتب الموت على كل نفس إلا نفسي ، فلا يزال في العمر فسحة ، ولن يأتي أجلي أبداً ، هذا لسان حاله ، لسان مشاعره ، أما لسان قاله فالموت حق وقد كتب على كل حي .
 أيها الأخوة : هذا الموت يراه هذا الكاتب بعيداً عنه ، لم يحن حينه ، ولم يدنُ موعده ، يقول : لذلك كنت أؤجل التوبة من يوم إلى يوم ، أقول : إذا بلغت من الشباب تبت ، فلما بلغتها قلت : أتوب في الأربعين ، فلما تجاوزتها قلت : أنتظر حتى أتمّ بناء الدار ، فلما أتممتها قلت : أتوب وأتفرغ إلى الله إذا بلغت سنّ التقاعد ، كأني أخذت على ملك الموت عهداً ألا يطرق بابي حتى أبلغ سن التقاعد ، فها هو قد جاء على غير ميعاد ، وكان أول ما خطر على بالي أني كنت أتمنى ميتةً سهلةً سريعة تكون على إيمان ، وأن هذه الأمنية تلازمني من أزمان ، فخشيت أن قد سعيت إلى هذه الميتة فأكون منتحراً والعياذ بالله ، ورحت أفكر دخلت الماء فإذا أنا لا أذكر من ذلك شيئاً ، وإذا أنا أشعر أنا غداً بعيداً عني كأنه قد كان من سنة لا من دقائق معدودة ، وصغرت الدنيا في عيني ، كأني أراها من طيارة قد علت فوق أطباق الجو، ومن كان على سفر يسرع فيلحق القطار ، هل يرى من الشوارع التي يجتازها شيئاً ؟ هل يغريه منها جمال ساحر أو فن طريف ؟ إنه يحس بها غريبة عنه ، وأنها ليست له ، يغدو منظرها في عينه كصورة زائفة ، فكيف ينظر إلى هذه الدنيا من أيقن بالموت ؟ الذي أيقن بالموت لا يرى شيئاً من الدنيا ، نراها نحن وقد توهمنا أن الموت بعيد عنا .
 أيها الأخوة ؛ يقول هذا الكاتب : والله لقد محوت صورة الدنيا من أمامي ، ما لي وللدنيا ، لم يبقَ لي فيها إلا لحظات معدودة وأنا أتجرع كأس الآلام ، لم يبقَ لي منها ما لا يغريني ، حتى الأهل والولد ، شغلت بنفسي عنهم فلا تصدقوا ما تقرؤونه من القصص من أن المشرف على الغرق يفكر في أحبائه ، أو في أعماله ، أو في أدبه ، أو في علمه ، أو في مقالاته ، أو في أشعاره ، أو يهمه ما يقال فيه من بعد موته ، ربما كان هذا من غير المسلم ، أما المسلم فلا يرى في تلك الساعة إلا ما هو قادم عليه ، وازدحمت عليّ الخواطر فيما أفعله فحاولت التشهد والتوبة أولاً ، فلم أستطع النطق بشيء مما كان في فمي من الماء ، وازدادت عليّ الآلام ولكنها لم تقطع خواطري ، وكان ذهني في نشاط عجيب ، ما أحسست مثله في عمري كله ، وكنت في خوف من الموت ورغبة فيه ، أرغب فيه ، أرجو أن تكون هذه الميتة على الإيمان ، وأخاف لأنه ليس لدي ما أقدمه لله عز وجل ، لقد فاجأني الموت كما يفاجئ الرسوب التلميذ المهمل الذي لا يزال يؤجل المطالعة والحفظ ، ويقول : الامتحان بعيد ، وتمضي الأيام حتى إذا رآه صار أمامه قطع أصابعه ندماً ، وأذهب نفسه حسرةً ، وما نفعه من ذلك شيء ، هذا في امتحان يسير ، أسوأ ما فيه أن تذهب بالسقوط فيه سنة من عمره سدى ، فكيف بالامتحان الأعظم الذي لا بعده إلا النعيم الأبدي في الجنة أو الشقاء الطويل في النار ؟ الامتحان الذي ليس فيه إكمال ، ولا تعاد له دورة ، ولا يجبر فيه كسر ، ولا تنفع فيه شفاعة شافع ، ورأيت موقف الحساب رأي العين ، والناس يدعون ليأخذوا نتائج الامتحان ، فمن أخذ كتابه بيمينه وحمل إلى الجنة فهذا هو الفائز ، ومن أخذ كتابه بشماله وسيق إلى النار فهو الخاسر وهذا هو الخسران المبين .
 الآن دققوا أيها الأخوة ؛ وعرضت عملي فلم أجد لي أعمالاً من أعمال الصالحين، فلا أنا من أهل المراقبة الذين لا يغفلون عن الله طرفة عين ، ولا أنا من المتعبدين الذين يقيمون الليالي الطوال ، والناس نيام ، ويناجون ربهم بالأسحار ، ولا أنا من المتقين الذين يتجنبون المحرمات ، ما أنا إلا واحد من الغافلين المذنبين فبما أقدم على الله ؟ هذه كلها في دقيقتين ، هذه الخواطر ، وتلك المشاعر ، وهذا الألم ، وهذا التفكر في المصير في دقيقتين ـ ونظرت فإذا كل ما ربحته من عمري لحظات ، لحظات كنت أحس فيها حلاوة الإيمان ، وأخلص فيها التوجه إلى الله الواحد الديان ، تقابلها عشرات من السنين ، كنت سابحاً في بحار الغفلة ، تائهاً في بيداء الغرور ، أحسب من جهلي أن الأيام ستمتد بي ، لم أدر أن العمر ساعات محدودة ، وأن ذلك هو رأس مالي ، فإن أضعته لم يبقَ لي منه شيء بعد ، ذكرت حديثاً كنت حفظته في صباي :" اغتنم خمساً قبل خمس ؛ شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وغناك قبل فقرك ، وحياتك قبل موتك " و ندمت لأنني لم أكن وضعته في مجلسي ، واتخذته منهجاً لحياتي ، ولكني لم أعرف مع الأسف معناه ولم أدرك حقيقته إلا عندما انتهت حياتي ، وفكرت فيما كنت أكابد من ألم الطاعة ، فإذا الألم قد ذهب وبقي الثواب ، ونظرت فيما استمتعت به من لذة المعصية فإذا هو قد ذهب وبقي الحساب ، فندمت على كل لحظة لم أجعلها لله طاعة ، نظرت فإذا المقاييس كاملة تتبدى ساعة الموت وإذا كل ما كنت أحبه وأنازع عليه قد صار عدماً ، وإذا أنا لم آخذ معي شيئاً ، بنيت داراً فما حملت معي منها حجراً ، اقتنيت مالاً فما كان لي منه شيء ، إلا ما ظننت وأنا في الدنيا من قبل أني خسرته ، وهو ما أخرجته لله ، وكتبت آلاف من المقالات في عشرات من السنين وكان لي من القراء والمستمعين ملايين وملايين ، فما نفعني إلا كلمة قلتها لوجه الله وأين هي ؟ لقد تركني هؤلاء المعجبون بأدبي وبياني أموت الآن وحدي ، وما جاء واحد منهم ليأخذ بيدي ، وما أقبل واحد منهم يدفع الموت عني ، وعرفت لذائذ الحياة كلها فما الذي بقي في يدي وأنا أموت غرقاً ؟ ماذا بقي من لذائذ ؟ وما الذي استبدلته بالعمل الصالح الذي لا أرجو النجاة إلا به ؟
 هذه أيها الأخوة مشاعر كل إنسان شارف على الموت ، لقد كان إبليس يشغلني عن الخشوع في الصلاة ، ويخوفني أن تذهب صحتي بقطع المنام لصلاة الفجر ، أو صيام أيام الحر ، وأنا أخسر حسن رأي الناس إن جهرت بقول الحق ، أو ينالني في ذلك أذى في جسدي أو في رزقي ، فوجدتني الآن أخسر الناس إذ بعت الباقي بهذا الوهم الزائل ، أما العاقل فيبذل ما لديه من متاع ويعلم أن الذي يعطيه اليوم هو الذي يبقى له غداً ، وأن الذي يحتفظ به اليوم ويخفيه يخسره غداً ، ويكون مستعداً للسفر في كل لحظة ، وأما الأحمق فيتمسك في خيمته ومتاعه القليل ، ويقول : أنا باق هنا ، هذه هي داري ، هذا متاعي ، وما الدار الآخرة إلا وهم في وهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يرى الإنسان الناس يطيرون كل يوم فلا يفكر ، ويظن وحده هو الباقي حتى يجيء دوره فيحمل قسراً لا يملك دفعاً ولا منعاً ، ويخسر كل ما كان له ، ولا يلقى أمامه من شيء يعتمد عليه . وغلبني ألم الموت ، ولم يعد في طوقي أن أفكر ، فرجعت إلى الله وتصورت كرمه وعفوه ، وكان يغلب عليّ الأمل وحبّ الحياة ، فأضرب بيدي ورجلي وأرفع يميني أشير بها ، ثم يدركني اليأس فأسلم أمري إلى الله ، ولم أكن أتمنى بعد المغفرة إلا شيئاً واحداً أن يخفف الله عني بتعجيل موتي ، أخشى أن يطول بي هذا الألم فوق ما طال ، وقد خيل إليّ أني بقيت على ذلك ساعات ، ولكن تبين لي من بعد أني لم ألبث أكثر من دقيقتين ، أحسست هذه الآلام ، ومرت في ذهني هذه الخواطر ، وهذا من العجائب التي أودعها الله في النفس البشرية ، فأنت ترى حلماً تعيش فيه عشرين سنة بأحداثها ، و لا تكون قد نمت أكثر من خمس دقائق ، ولما خارت قواي ، وأوشكت أن أغوص فلا أطفو أبداً خيل إليّ أني أسمع أصواتاً تناديني ، أحسست بيدي تمس شيئاً صلباً ، أدركت أنه طرف من زورق ، ففرحت فرحةً ما فرحت قط مثلها ، وشعرت أني في الزورق ، ثم غبت عن نفسي ، وهم يمسكون برجلي لأخرج بعض الماء الذي في جوفي ، ثم خرجت بنفس جديدة ، واتعظت موعظة فريدة أرجو أن تدوم لي.

 

خيار الإنسان مع الموت خيار وقت فقط :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الكلمات التي ألمت بهذا الإنسان الأديب الذي أشرف على الغرق تصيب كل إنسان اقترب من الموت ، بل إن كتاباً صدر وقد ترجم إلى اللغة العربية هو : الحياة بعد الموت ، أخذ من عشرات الذين أوشكوا على الموت ثم نجوا منه ، ما المشاعر التي انتابتهم ؟ العجيب أن هذا الكتاب كان تحت يدي ، وجعلت منه قبل عشر سنين فيما أذكر خطبة ، الناس جميعاً على اختلاف مللهم ونحلهم وانتماءاتهم وأديانهم يشعرون شعوراً واحداً ، وينطقون بكلمات موحدة ، إنهم يدركون الحقيقة الصارخة عندما يقتربون من الموت ، مصداق ذلك أن الله ذكر في قرآنه الكريم أن فرعون وهو أكفر كفار الأرض الذي قال :

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات : 24]

 والذي قال :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص : 38 ]

 حينما أدركه الغرق قال :

﴿آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة يونس : 90]

 أخواننا الكرام ؛ خيارك مع الموت خيار وقت فقط ، فإما أن نؤمن قبل فوات الأوان وننتفع من هذا الإيمان ، أو لا بد من أن نؤمن بعد فوات الأوان ولا ننتفع بهذا الإيمان ، فهذا الموت مصير كل حي ، لا يعرف صغيراً ولا كبيراً ، ولا شاباً ولا شيخاً ، ولا غنياً ولا فقيراً ، ولا حاكماً ولا محكوماً ، ولا قوياً ولا ضعيفاً ، قد يأتي بغتةً وقد يبقى الإنسان على فراش المرض ثلاثين عاماً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أكثروا ذكر هادم اللذات ، مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات ، عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ، الموت مصير كل حي .

 

الفرق بين أن يكون الموت فكرة أو حقيقة :

 أخواننا الكرام ؛ فرق كبير بين أن يكون الموت فكرة ، وبين أن يكون الموت حقيقة ، الحقيقة أن الإنسان لا يشعر بحقيقة الموت إلا حينما يأتيه خطر شديد ؛ إن على صحته ، أو على أشياء أخرى ، أما حينما يرى الأمر يطول ، والموت ليس قريباً ، فيبقى الموت فكرة ، لكن هل يعني التفكر بالموت هو التشاؤم ؟ لا والله ، ولكن التفكر بالموت يجعلك على الطريق المستقيم ، والتفكر بالموت يجعلك تحث الخطا إلى الله عز وجل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ذكر الموت حصن يحصن الإنسان من معصية الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مما جاء في خطب النبي صلى الله عليه وسلم :

((يا أيها الناس ! كأن الموت على غيرنا كتب ، وكأن الحق على غيرنا وجب، وكأن الذي يشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون ، نؤويهم أجداثهم ، وتأكل تراثهم كأنا مخلدون ، قد نسينا كل واعظة ، وأمنا كل جائحة ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، طوبى لمن طاب كسبه ، وصلحت سريرته ، وحسنت علانيته ، واستقامت طريقته ، طوبى لمن تواضع لله من غير منقصة ، وأنفق مالاً جمعه في غير معصية ، وخالط أهل الفقه والحكمة ، ورحم الله أهل الذل والمسكنة ، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله ، ووسعته السنة ولم يعد عنها إلى بدعة ، ثم نزل))

[ البزار عن أنس رضي الله عنه ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ يروى أن بعض الصالحين حفر في صحن بيته قبراً ، وكان يضطجع فيه كل خميس ، وكان يتلو قوله تعالى :

﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون : 99 ـ 100]

 فيخاطب نفسه ويقول : قومي يا نفس لقد أرجعناكِ . التفكر في الموت يجب أن يكون دورياً ، في الأسبوع مرة ، في اليوم مرة ، التفكر في الموت يجعلك تنضبط وفق منهج الله، والتفكر بالموت يجعلك تحث الخطا إلى الله ، لكن لا علاقة له بالتشاؤم ، لك أن تدرس ، ولك أن تعمل ، ولك أن تؤسس عملاً ، ولك أن تتزوج ، ولك أن تربي أولادك ، هذا لا يتعارض مع ذكر الموت ، لكن ذكر الموت حصن يحصنك من أن تعصي الله عز وجل ، و يحثك إلى السبق في مرضاة الله عز وجل ، للموت معنى إيجابي ، الناس يكرهون ذكر الموت ، يظنونه تشاؤماً ، يكرهون ذكر القبور ، يكرهون أن تحدثهم بمصيرهم ، لكن العاقل يقبل الحقيقة المرة ويؤثرها على الوهم المريح .
 والله أيها الأخوة في هذه الأشهر العديدة أخوة كثر والله صلوا الظهر ودفنوا العصر ، أخوة كثر خطفوا خطفاً ، افتقدناهم فجأة ، الموت قريب جداً ، الموت يأتي بغتةً ، والقبر صندوق العمل ، الإنسان حينما يولد كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده ، فإذا وافته المنية كل من حوله يبكي فإذا كان بطلاً يضحك وحده . واكربتاه يا أبتِ ، قال : لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه .
 الإنسان حينما يقدم عملاً صالحاً بين يدي الله عز وجل الموت لا يعود مخيفاً كما يخافه معظم الناس ، لك عند الله شيء ، قدمت عملاً طيباً ، فالذي يرجو رحمة الله عز وجل ينبغي أن يرجوها بعمل .

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

[ سورة الإسراء : 19]

الغفلة و طول الأمل من أخطر الأمراض التي تصيب الإنسان :

 أخوتنا الكرام ؛ حينما تجعل من ذكر الموت منهجاً لك كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام حينما تتصور أنك غبت عن الدنيا ، هذا الذي يحصله الإنسان يفقده في ثانية واحدة ، فإذا كان مستعداً لهذا اليوم يخف ندمه ، ويخف ألمه ، وتخف مصيبته ، هذا المتوقع خطير جداً، الناس في غفلة .
 أيها الأخوة ؛ من أشدّ الأمراض التي تصيب الإنسان غفلته عن الله وطول أمله .
 ذكرت كثيراً أنني كنت مع شخص حدثني والله عن خططه لعشرين عاماً ، والله تفاصيل كثيرة ذكرتها في عدة مناسبات ، وغادرت هذا اللقاء إلى عمل ثم إلى البيت ، وذهبت إلى مركز المدينة ، وفي طريق العودة إلى البيت رأيت نعوته على الجدران في اليوم نفسه ، والله في اليوم نفسه ، الموت يأتي بغتة ، والقبر صندوق العمل . اسأل نفسك هذا السؤال هل أعددت لله جواباً عن كل شيء ؟ هل عندك جواب عن كل عمل تعمله ؟ لو أن الله سألك لمَ فعلت كذا ؟ لمَ أخذت هذا المال ؟ لمَ كنت قاسياً مع زيد ؟ لمَ نافقت لعبيد ؟ لمَ قلت كذا ؟ لمَ لم تقل كذا ؟ لمَ وصلت ؟ لمَ قطعت ؟ لمَ غضبت ؟ لمَ رضيت ؟ لمَ زرت ؟ لمَ جافيت ؟ هل عندك جواب ؟ هل عندك جواب تقدمه لله عن كل حركة أو سكنة أو عمل أو موقف أو إنفاق أو تقتير أو قطيعة أو صلة ؟ البطولة أن تهيء جواباً لله عز وجل ، البطولة والله عز وجل راضٍ عنك ، أن يرضى الله عنك ، هذا أعظم كسب في حياة الناس أن يرضى الله عنك ، أن تأتي الله وهو راضٍ عنك ، راض عنك باستقامتك .

 

أعقل إنسان من يعمل للساعة التي لابد منها :

 أيها الأخوة ؛ ربنا عز وجل هناك قوانين وضعها لنا ، رضوانه ليس مستحيلاً ، أسباب رضوانه بين أيدينا ، طاعة الله رضوانه ، أن تأتي ما أمرك ، وأن تجتنب ما نهاك ، ليس الولي الذي يطير في الهواء ، ولا الذي يمشي على وجه الماء ، الولي كل الولي أن يجدك حيث أمرك ، وأن يفتقدك حيث نهاك .
أيها الأخوة الأحباب ؛ كان من الممكن أن نأتي إلى الدنيا جميعاً دفعة واحدة ، وأن نغادرها كذلك ، إذاً لا موت ، ولكن شاءت حكمة الله أن نأتيها تباعاً ، وأن نغادرها تباعاً ، ليتعظ بعضنا ببعض ، والله أيها الأخوة حينما أقف على قبر حين دفن إنسان ، والله لا أجد على وجه الأرض من هو أعقل ممن يعمل لهذه الساعة التي لا بد منها ، سوف تسأل عن كل شيء.

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر : 92-93]

 تسأل عن عمرك فيم أمضيته ؟ تسأل عن مالك من أين اكتسبته ؟ فيم أنفقته ؟ تسأل عن صلاتك ، تسأل عن عبادتك ، تسأل عن كل شيء ، وليس معك أحد .

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام : 98 ]

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾

[ سورة الأنعام : 98 ]

 فهل تثبت حجتك ؟ فاطمة زوجة عمر بن عبد العزيز دخلت عليه وهو يبكي في مصلاه ، فقالت له : مالك تبكي ؟ قال : دعينِي وشأني ، فلما ألحت عليه قال : يا فلانة ذكرت الفقير البائس ، والجائع ، والمسكين ، وابن السبيل ، والشيخ الكبير ، والمريض ، والعاجز ، والأرملة ، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً ، وأن حجيجي دونهم رسول الله لهذا أبكي ، فدعينِي وشأني .
 ألم يقل عمر - والله ما قالها مزاودة - قال : والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها ، لمَ لم تصلح الطريق لها يا عمر ؟ والله لو تعثرت - هو في المدينة - بغلة في العراق ، لحاسبني الله عنها لمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر ؟ يقول عليه الصلاة والسلام :

((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها ، فلم تطعمها ، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض ، حتى ماتت))

[متفق عليه عن ابن عمر]

 والله أستمع أحياناً إلى أشياء لا تصدق ، كمثل إنسان دخل لبيت ضرب صاحبه ضرباً حتى جعله قعيد الفراش ، وقتل أولاده بالرصاص ، وسلب أثاث بيته ، وأخذ كل ماله ، ثم قال له : هذا يوم عيد لك ، يجب أن تحتفل به كل عام ، هذا عيدك ، هذا الذي نسمعه ، هناك جرائم ترتكب في العالم لماذا ترتكب ؟ لأن الناس يغفلون عن الدار الآخرة :

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر : 92-93]

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم : 42]

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾

[ سورة إبراهيم : 47]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافينا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018