أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 015 أ - اسم الله المبين 1 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 015 أ - اسم الله المبين 1


2007-07-02

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: ( المُبِين ):

1 – ورودُ اسم ( المبين ) في القرآن الكريم:

 مع اسم من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المبين )، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في آية واحدة، قال تعالى:

﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾

( سورة النور )

 

2 – ورودُ اسم ( المبين ) معرَّفًا بـ ( أل ) إشارة إلى الوصفية:

 ورد هذا الاسم في القرآن الكريم معرفا بـ ( أل )، فلان اسمه راشد، راشد اسم علم، أما إذا عرفت الاسم لقلت: جاء الراشد، أنت تريد أن تؤكد اتصاف هذا الإنسان بالرشد، فحين يعرّف اسم العلم يقصد منه التعريف، ودقة اتصاف صاحب الاسم بصفته، إذا قلت: جاء راشد، قد يكون جاء رجل اسمه راشد، لكنه غير راشد، كأن تقول: فلان سعيد، اسمه سعيد، وهو من أشقى الناس، فلان كامل، وفيه كمية نقص لا تعد ولا تحصى.
  لذلك إذا عُرِّف الاسم العلم بـ ( أل ) أُشير إلى اتصاف صاحبه بهذه الصفة، فاسم الله تعالى ( المبين ) ورد معرَّفا بـ: أل:

﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾

( سورة النور )

 شيء آخر أيها الأخوة، نحن نعلم في اللغة أن الكلمات معارف ونكرات، المعرفة ما دلت على معين، والنكرة ما دلت على غير معين، تقول: عاصمة، فهي غير معين، نكرة، أما دمشق فمعرفة.
  قال بعض النحاة:

إن المعارف سبعة في قولنا كَمُل   أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل

  الضمير معرفة، اسم العلم معرفة، اسم الإشارة معرفه، اسم الموصول معرفة، المُعرف بأل معرفة، المضاف معرفة، المنادى معرفة.

 

إن المعارف سبعة في قولنا كَمُل   أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل.

 

 

3 – اسم ( المبين ) مفيدٌ للمدح والثناء:

 هذا الاسم يفيد المدح والثناء، والعبد عبد والرب رب، شأن العبد الافتقار، وشأن الرب المدح والثناء، لكن لو أن غنياً تواضع، وقال لمن يسأله عطاءً: أنا لا أملك شيئًا، ليس هذا المقام مقام تواضع، مقام أن تذكر له أنك يمكن تساعده، فشأن الله المدح والثناء، وشأن العبد الافتقار.

غزوة بدرٍ وحنين درسان بليغان:

  في حياة الناس درسان بليغان، الدرس الأول درس بدر، والدرس الثاني درس حنين.
 النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه سيد الخلق وحبيب الحق، وهو قمة البشر وقد اختاره الله، واختار له أصحابه، قال:

(( إن الله اختارني واختار لي أصحابي ))

[ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أنس ]

 أصحابه والنبي على رأسهم في بدر افتقروا إلى الله في بدر فقال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )

 النبي نفسه، وهو في أعلى درجات القرب والافتقار إلى الله، لكن أصحابه في حنين قالوا:

 

(( لن نغلب من قلة ))

 

[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم، عن ابن عباس ]

  فتخلى الله عنهم، قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة الآية: 25 )

لا تقل: أنا، لي، عندي:

 درْسا بدر وحنين يحتاجهما المؤمن في كل يوم، بل في كل ساعة، فإذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، وإذا قلت: الله، تولاك، قل: أنا ابن فلان، يتخلّ الله عنك، قل: أنا عندي علم يتخلّ الله عنك، قل: أنا عندي تجربة غنية في هذا الموضوع، قل: أنا أعلم من حولي يتخلّ الله عنك، إياك أن تقول: أنا، قالها إبليس:

﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 12 )

 فأهلكه الله، وقالها قوم بلقيس:

 

﴿ قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

 

( سورة النمل الآية: 33 )

 وقالها قارون:

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

( سورة القصص الآية: 78 )

  فخسف به الأرض، وقال فرعون:

 

﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

 

( سورة الزخرف الآية: 51 )

 فدمره الله، أنا، ونحن، ولي، وعندي كلمات مهلكات، فإذا قلت أنا تخلى الله عنك، وإذا قلت الله تولاك الله، ونحن جميعا بحاجة ماسة لهذين الدرسين في كل ساعة من حياتنا.
 هناك طبيب جراح نسائي في بلد عربي متفوق، له زميل طبيب من المستوى نفسه، له زوجه في حملها إشكال، فذهب إليه، واتفق أن تكون الولادة عنده، ثم سأله زميله: هل ترى أن نسأل طبيبا آخر؟ قال: أنا أعلم مَن في هذه المدينة بهذا الاختصاص، بكل كِبْر، القصة طويلة، لكن مغزاها أن هذا الطبيب ارتكب خطأ فادحا جداً لا يرتكبه ممرِّض، الأمر الذي وجب على القائمين على شؤون الصحة أن يسحبوا منه الشهادة لأول مرة في تاريخ البلد العربي بعد النهضة والاستقلال.
 لا تقل: أنا، لا تقل: ليس هناك من هو أعلم مني.

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة يوسف )

  إن شاب ناشئًا ألقى درساً فتحلق والتف الناس حوله، وأحبوه، ورجل آخر مِن أهلِ العلم آلمه هذا الإقبال على هذا الشاب، فجاء إليه، وأراد أن يصغّره، فحضر درسه، فلما انتهى الدرس، سأل هذا الفتى: وقال له: يا هذا، هذا الذي قلته ما سمعناه، تصغيرا له، فالشاب مؤدب جداً، قال: يا سيدي، وهل تعلمت العلم كله، فإذا قال: نعم، فقد خالف قوله تعالى:

 

﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾

 

( سورة الإسراء )

 قال: لا، قال: كم تعلمت منه ؟ قال: شطره، قال: يا سيدي هذا الذي قلته من الشطر الذي لا تعرفه.
 إياك أن تقول: أنا، قل: بفضل الله، الله مكني أن أنال هذه الشهادة، الله مكني أن أتقن هذه الحرفة، الله مكني أن ألقي هذه الكلمة، الله مكني أن تنجح هذه العلمية.
 أعرف طبيبا جراحاً عصبياً، المريض على الطاولة، يصلي أمامه ركعتين، ويقول: يا رب، ألهمني الصواب، أنا مفتقر إليك.
 عوِّد نفسك في كل عمل تقدم عليه أن تقول: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا المتين، شأن العبد أن يفتقر، وشأن الرب أن تثني عليه، وأن تمدحه، كي نطمع بفضله، وكي نقبل عليه، وكي نلجأ إليه، وكي نعتمد عليه.

 

لا تُظهِر نفسَك وتعتِّم على غيرك:

 أيها الإخوة، لكن بالمناسبة، إذا مُدح المؤمن ربَا الإيمان في قلبه، وهناك إنسان بطبيعته لا يُظهِر مَن حوله إطلاقاً، تعتيم شديد على مَن حوله، وتسليط للإضاءة شديد على شخصه، هو يكبُر ومَن حوله يصغرون، ليس هذا من شأن النبي عليه الصلاة والسلام.

(( لو كان نبيا بعدي لكان عمر ))

[ أخرجه الترمذي عن عُقْبَةَ بنِ عامرٍ ]

 سيدنا الصديق ما ساءني قط، وما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر.
 سيدنا ابن الجراح أمين هذه الأمة، كل صاحبي أعطاه النبي حقه، هذه بطولة أن تُظهِر مَن حولك، لا أن تعتم من حولك.
  فذالك أيها الإخوة، إذا مُدح المسلم رَبا الإيمان في قلبه، والمؤمن الصادق إذا مُدح والله يزداد تواضعاً لله، يزداد محبة له، يقول: يا رب، إني تبرأت مِن حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، يا رب، هذا فضلك، يا رب، هذا توفيقك يا رب، هذا من عندك، يا رب، هذا من تأييدك.
  المؤمن الصالح إذا مُدح ربا الإيمان في قلبه، وهناك أشخاص إذا مدحتهم، يصدقون، ويستعلون، ويتغطرسون، ويعانون من أمراض نفسية كانوا في غنىً عنها.
 إذاً: أنت أيها الأخ المؤمن كن حكيما، إذا كان مدحك يسوق الإنسان إلى الفجر فإياك أن تمدحه، لذلك ورد أيضاً:

 

(( احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ المَدَّاحِينَ ))

 

[ أخرجه مسلم المقداد بن الأسود ]

 ورد النهي عن المديح، وورد الثناء على المديح، هذا بحسب حال الممدوح، فإذا كان مؤمناً ربا الإيمان في قلبه، وإن كان غير مؤمن ازداد كبراً وغطرسة واستعلاء.

علاقة التوكل بالأخذ بالأسباب:

 أيها الإخوة، قضية التولي والتخلي، أخطر شيء في حياتنا، قل: الله، حقيقة المؤمن أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، سهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها، وأن تؤلهها، وأن تنسى الله معها، وهذا شأن العالم الغربي، وسهل أيضاً ألا تأخذ بها جهلاً وتواكلاً وتقول: توكلنا على الله.
  سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج، سألهم: << من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله >>.
 يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا شيء مهم جداً أيها الإخوة.
  إذاً: المؤمن الصادق يأخذ بالأسباب ولا يعتمد عليها، يعتمد على الله، وقبل أن يسافر يراجع مركبته مراجعة دقيقة، ثم من أعماق أعماقه يقول: يا رب، أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المسلم، أما ألاّ يأخذ بالأسباب، ولا يراجع المركبة، ولا يتفقد مكابحها، ولا أجهزتها، ولا وسائلها، ويقع الحادث، ثم يقول: هذه مشيئة الله، فهذا افتراء على الله، هذه نتائج التقصير، ولو فهِم المسلمون أن الأخذ بالأسباب من الدين، بل هو من صلب الدين لما كانوا فيما هم فيه الآن من ضعف، لكن العالم الغربي وقع في متاهة أخرى، أخذ بالأسباب واعتمد عليها، ونسى الله، وتغطرس، فأدبه الله عز وجل.
 الإنسان يؤدَّب مرتين، مرة إذا أخذ بالأسباب واعتمد عليها، وأشرك مع الله، وينسي ربه، ومرة إن لم يأخذ بها، ففي الحالتين يؤدب، لذلك البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست شيء.

الكون مسخَّر للإنسان تعريفًا وتكريما:

 أيها الإخوة، الكون كما تعلمون مسخر تسخير تعريف وتكريم، تماماً لو قدم لك أحدهم هاتفا متطورا جداً، وفيه خدمات كبيرة جداً، قدمه لك أحدهم هدية، وهذا الجهاز من اختراعه، أنت بماذا تشعر ؟ تشعر بإكبار لهذا الإنجاز العلمي، وتشعر بامتنان، لأنه أعطاك إياه هدية، هذا مثل للتبسيط.
  هذا الكون الذي سخره الله للإنسان، سخره له تسخير تعريف وتكريم، من أين جئنا بهذا المعنى ؟ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ:

(( هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

[ رواه أبو داود وفي سنده ضعف ]

 هلال خير أنتفع به، وهلال رشد يرشدني إلى ربي، هذا منهج.
  الطعام أمامك، طعام خير ورشد، تنتفع به، وتتعرف إلى خالقه، نظرت إلى السماء، نظرت إلى النجوم، إلى البحار، إلى الجبال، نظرت إلى الأسماك، إلى الأطيار كل شيء سخره الله لنا تسخير تعريف وتكريم، فردُّ فعل التعريف أن تؤمن، وردُّ فعل التكريم أن تشكر، وحينما تؤمن، وحينما تشكر فقد حققت الهدف من وجودك، وإنْ آمنت وشكرت توقفت المعالجة، الدليل قال تعالى:

﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾

( سورة النساء )

  في اللحظة التي تؤمن بها بالله، وتشكره على نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد ونعمة الهدى والرشاد، فقد حققت سر وجودك وغاية وجودك، واعلم علم اليقين أنه ربما وفي العمل الأغلب وإن شاء الله تتوقف كل المعالجات، لذلك ورد في بعض الأحاديث عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ ))

 

[ أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك ]

 إذا دعوت وأنبت، واستقمت، وتبت يتوقف كل شيء في حقك، وهذه بشارة كبيرة جداً.

التوحيد لا يغفي من المسؤولية:

 أيها الإخوة، ولكن كما تحدثت عن التوحيد لا بد من التنويه أن الله عز وجل حينما سمح لموضوع حديث الإفك أن يكون، قال في القرآن الكريم:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

( سورة النور الآية: 11 )

 لأن كل شيء وقع أراده الله، ولأن كل شيء أراده الله وقع، ولأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، ولأن حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فخير، لكن لئلا يتوهم الإنسان أن القضاء والقدر يعفيه من المسؤولية، قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

 

( سورة النور )

  كي أترجم هذه الفكرة إلى حياتنا: طبيب اشتغل مع ممرضة في المستشفى بحديث غزلي، جاء إنسان في الإسعاف، قال لهم: انتظروا، حتى مات، فالطبيب مسؤول، ولا يقل: سبحان الله ! مات بأجله، لا، أنت مسؤول، الدليل: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))

 

[ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم ]

 التوحيد لا يلغي المسؤولية.

4 – الاشتقاق اللغوي لاسم ( المبين ):

 أيها الإخوة، المبين اسم فاعل من المشتقات نحن لغتنا لغة اشتقاق، وهي من أرقى اللغات ( المبين ) اسم فاعل، نحن في لغتنا اللغة أُسَر، هناك أسرة جدها بانَ، فيها اسم فاعل بائن، فيها فعل رباعي، أبان، فيها اسم فاعل رباعي مبين، وهناك بينونة، عندنا فعل ماضٍ، وفعل مضارع، وفعل أمر، واسم فاعل واسم مفعول، وصفة مشبهة باسم الفاعل، واسم تفضيل، اسم مكان، واسم زمان، واسم آلة، لغتنا من أرقى اللغات، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى اختارها لكلامه:

﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾

( سورة الشعراء )

  وفي اللغة لقطات مذهلة، اللغة العربية تتسع اتساعاً مذهلاً، فهناك كلمة نظر، وحدّج، حدج نظر مع المحبة، وفي الحديث الشريف:

 

(( حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم ))

 

 هناك نظر شزراً، مع الاحتقار، وهناك شَخَص مع الخوف، وحَدج، وهناك بَحْلق مع التحديق، وحملق، ظهر حملاقُ العين، واستشرف مع التمطي، واستشف مع اللمس، ولَمَح، نظر، وأعرض، هناك ولّى، وظهر، واختفى.
  العربية من أرقى اللغات الإنسانية، لكن اللغة تضعف بضعف أهلها، وتقوى بقوتهم، وفي العربية مثلا: كتب، ومكتب، وكتابة، وكتاب، من أسرة واحدة، وفي اللغة الإنجليزية Write, book, table، كل كلمة من اشتقاق، نحن كتب، يكتب، كاتب، مكتوب، مكتب، كتاب، هل نظرت إلى النظام ؟
  فلذلك ( المبين ) اسم فاعل من أبان، أظهر، أما بائن مِن بان، وهو فعل لازم، اسم فاعله بائن، أما أبان: اسم فاعله مبين.
 بانت المرأة ؛ انفصلت عن زوجها، وفي الطلاق الثالث تكون البينونة الكبرى.

5 – معنى اسم ( المبين ):

 شيء الآخر، ( المبين ) الواضح:

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾

( سورة الأعراف )

  السحرة جاءوا بأنابيب، وطلوها على شكل ثعبان، ووضعوا فيها زئبقًا، ثم وضعوها على مكان ساخن، تمدد الزئبق، تحركت هذه الأنابيب المطاطية

 

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾

 

( سورة الأعراف )

﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾

( سورة الشعراء )

 شيء رائع جداً:

 

﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾

 أي: واضح.

 

﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

( سورة الدخان )

 حينما يرى الإنسان أنه خسر الأبد، وخسر الآخرة قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

( سورة الزمر )

  الخسارة الحقيقية أن تخسر الله، أن تخسر الجنة، أن تخسر الأبد.
 لذلك أبان ؛ أظهر، والبيان ؛ الفصاحة.

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن )

 

البيان أرقى أداة اتصال بشري:

 البيان أرقى أداة اتصال بشري، فلو فرضنا دولة فيها نظام، لكن ما فيها لغة، وأراد حاكم هذه البلدة أن يمنع التجول، ماذا يفعل ؟ يحتاج على شرطي لكل مواطن يدفعه إلى البيت، لكنه يصدر بلاغا في أربع كلمات لا تجد بعد ذلك إنسانا في الطريق.
 أرقى أداة اتصال بين البشر اللغة، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن )

 أيضا البيان شفهي للتواصل المباشر، وكتابي للتواصل الغير مباشر.

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾

 البيان الكتابي ينتقل من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر، والبيان الكتابي مع الترجمة ينتقل من أمة إلى أمة، ومن ثقافة إلى ثقافة، والإنسان خُص بالبيان:

 

 

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

 

( سورة الرحمن )

(( وإن من البيان لسحرا ))

[ أخرج مالك أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عمر ]

(( إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً ))

[ أخرجه البخاري عن أُبي بن كعب ]

  وسوف نتابع هذا الموضوع في لقاء آخر إن شاء الله.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018