الخطبة : 0855 - أسباب النصر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0855 - أسباب النصر .


2002-10-18

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغـاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسـلم رسول اللـه سـيد الخلق والبشر مـا اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الهزيمة أمام الآخر :

 أيها الأخوة المؤمنون، ما من شيء يوقع أشدّ الألم في نفس المسلم كأن يهزم، والهزيمة أنواع، قد يهزم أمام شهواته، أو أمام مصالحه، أو أمام الأقوياء من عشيرته، أو أمام أعدائه، وما من شيء يبعث الحيوية والنشاط ويجعل المؤمن متألقاً كأن ينتصر، والنصر أنواع قد ينتصر على شهواته، وقد ينتصر على مصالحه، وقد ينتصر على بشريته وعلى الأقوياء في عشيرته، وقد ينتصر على أعدائه التقليديين.
 لذلك أيها الأخوة، موضوع النصر من أقرب الموضوعات إلى المسلمين اليوم أين النصر؟ هل له أسباب؟ بيد من؟ هل له شروط؟ ما هي هذه الشروط؟ إن كان له أسباب ما هي أسبابه؟
 أيها الأخوة الكرام: هذا محور خطبة اليوم، لا شك أنكم تسمعون، وترون أن الكفار والمشركين والمجرمين والمعتدين والطغاة والإباحيين هم في أعلى درجات القوة، ما من شيء محرم عندهم، كل شيء مباح لهم، حتى درجات من الانحطاط قد لا يتصورها الإنسان، يعيشون للذاتهم، ومصالحهم، ومستعدون أن يضحوا بثلثي سكان الأرض من أجل مستوى معيشتهم، مستعدون أن يرتكبوا أقبح الجرائم من أجل دخلهم، مستعدون أن يفعلوا أشنع الأعمال من أجل بقائهم وهم أقوياء، ويفرضون إرادتهم على الشعوب كلها وهذا واقع، وسامحونا لقول الحقيقة المرة: يفرضون إرادتهم وثقافتهم وأنماط حياتهم وإباحيتهم وعولمتهم، وليتهم اكتفوا أن ينتصروا بالقوة المسلحة، أرادوا أن يغيروا المناهج، وأن نغير ثقافتنا، تجاهلوا ديننا وثقافتنا، وصلوا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم.
 أيها الأخوة الكرام، هذه المفارقة الحادة جداً نحن معنا وحي السماء، وكتاب الله وسنة نبيه، وشباب خشّع، وشيوخ ركّع، وأطفال رضّع، وبهائم رتّع، ومع ذلك أمرنا ليس بأيدينا، والمستقبل مظلم.

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46]

 هل تستطيع قوى الأرض مجتمعة أن تزيل هذا الجبل الصغير وتزيل قاسيون من مكانه إلى الجنوب؟ يقول الله عز وجل:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46]

 يخططون ليستلبوا كل ثروات الأرض، وكل ما يقال خلاف ذلك لا أصل له، ولا معنى له، ولا طعم له، هم يريدون ثروات الأرض، ويريدون احتلال البلاد، احتلال البلاد عسكرياً تقليدياً كما كان الاستعمار قبل عشرات السنين .

 

تخلي الله عن المسلمين لعدم التزامهم بأمره :

 أيها الأخوة الكرام، هذه المفارقة الحادة كيف تفسرونها؟ كيف تفسر أمة معها كتاب الله ومعها سنة رسول الله ومع ذلك ليس أمرها بيدها ولأعدائها ألف سبيل وسبيل؟ وكيف تفسر أمة لا تعرف عن القيم شيئاً ولا عن العدل ولا عن الذوق شيئاً ومع ذلك تفرض كل ما تريد على كل شعوب الأرض؟ لعل الساعة قد اقتربت.

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

[سورة يونس: 24]

 أيها الأخوة: أنا لا أضيف إلى ثقافتكم شيئاً بهذا الكلام، لكنني أتساءل معكم كيف نفسر هذا التناقض وهذه المفارقة الحادة؟
 الحقيقة أيها الأخوة أننا محسوبون على الإسلام ولسنا مسلمين، طبعاً بأكثريتنا ولا أعمم، والتعميم من العمى، ولأننا لا نقيم الإسلام في بيوتنا ولا في أعمالنا ولا نأخذ به، فالله عز وجل مستحيل وألف ألف مستحيل أن ينزل نصره علينا، لكن الطرف الآخر:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 ما من آية تنطبق على واقع الطرف الآخر كهذه الآية:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 وما من آية تنطبق علينا كقوله تعالى:

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾

[ سورة الممتحنة: 5]

 وهذه الآية أيها الأخوة عميقة جداً، المسلم حينما لا يلتزم أمر الله، المسلم حينما لا يقيم أمر الله في بيته يتخلى الله عنه، فيأتي الكافر فيرى أن إنساناً يدّعي أنه على حق، ويدّعي أن معه الوحي والتنزيل وهو مسيطر عليه، ماسك بمقاتله، فماذا يتوهم الكافر؟ أنه على حق، من الذي أقنع الكافر بكفره؟ نحن المسلمون، من الذي حمل الكافر أن يتشبث بكفره؟ نحن المسلمون من الذي أغرى الكافر بكفره؟ نحن المسلمون، لأننا بتقصيرنا وعدم تطبيق منهج ربنا تخلى الله عنا، وجعلنا في قبضة أعدائنا، العدو ماذا يرى؟ أنه هو القوي، لو كنا على حق لما كنا في قبضته ولا تحت سيطرته ولما تفرقنا، اجتمعوا على كفرهم وتفرقنا على حقنا.
 ذكرت في الأسبوع الماضي أن واحداً ينطق باسم المجموعة الأوروبية، أن واحداً يفاوض باسمها ويمثلها، ومليار ومئتي مليون مئات الأشخاص كل شخص منهم له موقف، وله ولاء وبراء.
 أيها الأخوة الكرام: المشكلة هي انطباق الآية علينا.

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾

[ سورة الممتحنة: 5]

 أين المسلمون؟ وأين مروءتهم وغيرتهم وشرفهم وورعهم؟ وأين حبهم للحق واتباعهم لمنهج نبيهم؟

 

على المسلمين مراجعة حساباتهم و ترتيب أوراقهم :

 أيها الأخوة الكرام، يجب أن نراجع أنفسنا، ونعيد ترتيب أوراقنا، ونبحث في الأولويات، ولا يؤلم الغيور على هذا الدين إلا أن يرى المسلمين غارقين في جزئيات مرتبتها بعد المئة ألف في سلم الأولويات، وينسى هذا المسلم أن وجوده بقي في خطر، وأن دينه بقي في خطر، وأن مناهج تعليم أولاده بقيت في خطر، وأن الغرب وصل إلى غرفة نومه وإلى بيته وتسلم أولاده منه، كم أب يملك أولاده ومنهجهم؟ الغرب تسلمهم منا، هو يوجههم بدءاً من سن مبكرة جداً عن طريق هذه الأفلام الكرتونية التي تشيع في الطفل الإباحية والإلحاد، دون أن نشعر ودون أن نراقب، وتفعل فعلها بشبابنا وشاباتنا، والآباء غافلون والأمهات غافلات وكادت عدوى الإباحية تنتقل إلى بلاد المسلمين، لا أقول نحن مثلهم ولكننا نقترب منهم، جرائم أخلاقية ما كنت تسمع بها في بلاد المسلمين هي الآن تزداد رقعتها في بيوتات المسلمين.
 أيها الأخوة الكرام:

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾

[ سورة الممتحنة: 5]

 أنت حينما تكون مؤمناً صادقاً، وملتزماً، وواعياً، وورعاً، ومطبقاً، ومخلصاً، ومقبلاً يأتيك نصر الله، فيكون هذا النصر حجة لك أمام خصمك، أما حينما يتخلى الله عنك، وتدعي أنت أنك على حق فيأتي الطرف الآخر ليشمت بك، وليتشبث بكفره ، وليعتقد أنه على حق وأنه على صواب.

 

منهج الله عز وجل منهج موضوعي :

 أيها الأخوة الكرام: شيء آخر: لو تساءلت عن سبب قوتهم أنا أصدقكم أن كل إيجابياتهم إسلامية دون أن يشعروا، هم يعبدون المال فقط، ويعبدون مصالحهم وشهواتهم، لأنهم يعبدون مصالحهم وشهواتهم وجدوا أن الصدق أربح، وإتقان العمل أربح لهم، وإعطاء الإنسان حقه وكرامته أربح لهم، فلو دققت في مفردات حياتهم لوجدت كل إيجابيات حياتهم إسلامية دون أن يشعروا، بسبب أن هذا منهج الله، لو أتى كافر وملحد وطبقه قطف ثماره، لكن وماله في الآخرة من خلاق.
 لو جاء ملحد أو أعدى أعداء الدين وأخذ مفردات هذه الشريعة وطبقها في مجتمعه لقطف ثمارها، مرة كنت عائداً من بلاد عاد الثانية فسألني سائل عما رأيت وعما شاهدت فخطر في بالي أن قانوناً في الفيزياء لو جعلته رمزاً للإسلام، المعادن تتمدد بالحرارة، نحن أثنينا على هذا القانون، ومدحناه، وعظمناه، وألفنا الخطب عليه، وعقدنا المؤتمرات للإشادة بهذا القانون، أما حينما بنينا بيوتنا لم نأخذ به فانهارت بيوتنا، هم هاجموا هذا القانون وتوعدوا واتهموه بالإرهاب، أما حينما بنوا بيوتهم أخذوا بهذا القانون فصمد بناؤهم وانهار بيتنا، هذه الحقيقة المرة التي أنادي بها كثيراً، دعوكم من مديح الإسلام ومديح هذه الرسالة، المديح لا يرفعنا، ابحثوا عن التطبيق، قلت كثيراً والله أيها الأخوة لا يتمنى الدعاة اليوم إلا شيئاً واحداً أن يعفوا من الكلام ويصمتوا لأن الواقع متناقض مع الذي يلقى أشدّ التناقض.
 أيها الأخوة الكرام: منهج الله عز وجل منهج موضوعي لو أخذ به الكافر لقطف ثماره في الدنيا، لذلك رحم الله من قال: إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة! كلام صحيح، وقال أيضاً: إن الدنيا تصلح مع الكفر والعدل ولا تصلح مع الظلم.
 لذلك أيها الأخوة كملخص لهذه المقدمة المعركة بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، والمعركة بين الحق والباطل لا تطول لأن الله مع الحق، وهو القوة المطلقة في الكون، فإذا كانت مع جهة فهي منتصرة في أقصر وقت، أما المعركة بين باطلين فلا تنتهي إلى يوم القيامة، فيمكن أن تعرف هوية المتحاربين من هذه المقولات الثلاث: المعركة بين حقين لا تكون، وبين حق وباطل لا تطول، وبين باطلين لا تنتهي.

أنواع النصر :

1 ـ النصر الاستحقاقي :

 أيها الأخوة الكرام: بعض العلماء تحدث عن النصر الاستحقاقي:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 النصر استحقاقي، كيف نستحق النصر؟ وهذا أهم شيء في هذه الخطبة، نستحقه بشرطين أو بسببين؛ الشرط الأول أن نكون مؤمنين لا على توهمنا، ولكن وفق مصطلحات القرآن والسنة، والإيمان الذي يقبله الله منا هو الإيمان الذي يحملنا على طاعة الله، الإيمان الذي يترجم إلى حركة، وإلى موقف، وعطاء ومنع، وغضب ورضا، وصلة وقطيعة، الإيمان الذي يترجم إلى مواقف وسلوك والتزام، هذا هو الإيمان الذي أراده الله، لذلك يخاطب الله المؤمنين المقصرين فيقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا﴾

[ سورة النساء: 136]

 هم مؤمنون، يا رب أنت وصفتهم بأنهم مؤمنون، إيمانهم لا ينجيهم، أليس إبليس مؤمناً؟ ألم يقل: ربي فبعزتك؟ ألم يقل: خلقتني من نار وخلقته من طين؟ ألم يقل: أنظرني إلى يوم يبعثون؟ آمن بالرب وبالعزيز وبالخالق وبالآخرة، فهل إيمانه ينجيه؟
 أيها الأخوة، النصر الاستحقاقي يحتاج إلى إيمان مقبول عند الله، منج لصاحبه، لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

 حق لا إله إلا الله أن تحجزه عن محارم الله، والشرط الثاني أن نعد لأعدائنا القوة المتاحة، تسمعون أحياناً بطائرة تسمى B52 هذه الطائرة صنعت عام ألف وتسعمئة وستين، وهي صالحة لعام ألفين وأربعين، تطير خمساً وثلاثين ساعة من دون توقف، فيها ثمانية محركات، تستطيع أن تقصف أي مكان في الأرض وتعود لقاعدتها، أعددنا لهم أم أعدوا لنا؟ قال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

 والقوة جاءت نكرة لتدل على كل أنواع القوة، فقد تكون المعلومات قوة، أو الأقمار الصناعية، هذه الأقمار قد ترصد من مكان قريب من القمر إنساناً على الأرض مضطجعاً يقرأ قصة، وإلى جانبه حاجة من الحاجات، هذه الصورة ترصد قريباً من سطح القمر، المعلومات قوة، والأقمار قوة، والاتصالات قوة، والإعداد قوة، والقيادة قوة، والجهد البشري قوة، والتنظيم قوة، والأسلحة قوة، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ:

(( } وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ]

 كيف يفتخر بالسلاح اليوم؟ بدقة الإصابة، تأتي أشعة ليزرية تركبها القنبلة فتدخل في مدخنة المصنع.
 أيها الأخوة الكرام، الشرط الثاني أن نعد لهم لا أن يكون بأسنا بيننا، أن نعد جميعنا لأعدائنا، لأن المسلمين جميعاً على اختلاف مللهم ونحلهم مستهدفون، لأن هناك حرباً عالمية ثالثة مستهدفة على المسلمين، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام عندهم أكبر إرهابي فكل المسلمين مستهدفون.
 أيها الأخوة الكرام، النصر الاستحقاقي يحتاج لأمر يقبله الله، ولإيمان ينجي صاحبه من المعاصي والآثام، وهذا الإيمان من لوازمه التوكل، هذا الذي يتوهم أن النصر عن طريق زيد أو عبيد، أو أن تكون صديقاً لزيد أو عبيد، أو متحالفاً مع زيد أو عبيد، أو إن كانوا يغطونك حين الخطر فهذا هو الشرك بعينه، ومهما اعتززنا بغير الله أذلنا الله.

 

2 ـ النصر التفضلي :

 أما النصر التفضلي كما نصر الله الروم على الفرس حينما وعد المؤمنين فقال:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الروم: 2-4]

 وفي الآية إشارة دقيقة إلى أن المؤمن يهتم بما حوله من أحداث، فرح المؤمنون لانتصار الروم على الفرس، هم ليسوا روماً، والروم ليسوا مسلمين، لكنهم أقرب إلى الدين من الفرس، وهذا يؤكد الموقف النسبي في الدين، نحن حينما نبتعد عن حقيقة الدين لا نرى إلا الأبيض أو الأسود، لا نرى لوناً رمادياً بين اللونين، وقد يكون من الحكمة أن ينصر أناساً لا يستحقون النصر الاستحقاقي بل نصرهم الله عز وجل نصراً تفضلياً.

 

3 ـ النصر الكوني :

 أما النصر الثالث هو النصر الكوني، إذا كان الطرفان بعيدين عن حقائق الدين فالأقوى هو الذي ينتصر، الذي يملك سلاحاً مداه المجدي أبعد هو الذي ينتصر، الذي يملك سلاحاً دقة إصابته أكبر هو الذي ينتصر، والذي يملك معلومات أدق هو الذي ينتصر، والذي يملك الأقمار الكاشفة لكل بقاع الأرض هو الذي ينتصر، حينما يبتعد الطرفان عن منهج الله، وحينما يكفر الطرفان النصر للأقوى، والأذكى، ولصاحب المعلومات الأكثر، ولصاحب التخطيط المحكم، هذا الذي ينتصر، بعيداً عن الدين المنتصر هو الأقوى.

4 ـ النصر المبدئي :

 أيها الأخوة الكرام، شيء آخر: هناك نصر مبدئي ونصر واقعي، والنصر المبدئي متاح لنا جميعاً، يكفي أن يموت الإنسان على دين الإسلام، ويكفي أن يموت على الإيمان، ويكفي أن يكون مستقيم السلوك وذا عمل صالح، فهذا كيفما مات لو مات ظلماً وغدراً، هذا يموت على الإيمان، لأن الله سبحانه وتعالى أثنى على أصحاب الأخدود.

﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة البروج: 8-9]

 هم لم ينتصروا بل أحرقوا ومع ذلك أثنى الله عليهم، قال العلماء: هم المنتصرون من حيث المبدأ، والذي أحرقهم هو المنهزم من حيث المبدأ، فإن لم يتح لنا النصر الواقعي، النصر الذي يفرح به المؤمنون، النصر بالمفهوم المألوف التقليدي في الأرض، فينبغي أن ننتصر انتصاراً مبدئياً.

 

التّولي و التّخلي :


 أيها الأخوة الكرام، حاول قدر إمكانك أن تصلح من حولك، فإن لم تستطع فأصلح نفسك، حاول أن تصلح من حولك من أقربائك، فإن لم تستطع فاكتف ببيتك.

﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

[سورة التحريم: 6]

 أيها الأخوة الكرام، درسان بليغان من بدر وحنين، الحديث ليس عن مسلمين مقصرين عندهم المعاصي والآثام متبعثرين مشرذمين مشركين شركاً خفياً غارقين في شهواتهم ومعاصيهم وآثامهم، يقلدون الكفار في أدق حياتهم، في كل دقائق حياتهم، الحديث عن أصحاب رسول الله صفوة البشر، هم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه، همْ هم وفيهم سيد الخلق حينما قالوا كلمة واحدة:

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[سورة التوبة: 25]

 فإذا كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله وصلاته قالوا: لن نغلب من قلة فتخلى الله عنهم، فما بال المسلمين اليوم وفيهم من عقائد الشرك والانحراف في السلوك ما لا يعد ولا يحصى؟ ومع ذلك بسذاجة ما بعدها سذاجة، وبتفكير طفولي ما بعده تفكير، ينتظرون أن ينصرهم الله عز وجل بمعجزة، ويجأرون بالدعاء وليسوا مستعدين أن يغيروا من حياتهم شيئاً، ليسوا مستعدين أن يبذلوا شيئاً لهذا الدين ولهذه الأمة، هذا درس حنين، أما درس بدر حينما افتقروا إلى الله، وتوكلوا عليه، وأخذوا بالأسباب فنصرهم الله عز وجل، هل تصدق يا أخي المؤمن أن درس بدر وحنين تحتاجه كل يوم ؟ مئات المرات لو لم تخض معركة، إذا قلت: أنا ابن فلان، أنا من الأسرة الفلانية، أنا أحمل هذه الدرجة العلمية وأملك خبرات متراكمة، حينما تتحدث عن ذاتك وتعزي نجاحك لذاتك وقعت في الشرك الخفي، وحينما تقع في الشرك الخفي يتخلى الله عنك رحمة بك وتأديباً لك، درس بدر وحنين يحتاجه كل مسلم كل يوم وكل يوم مئات المرات.
 أما حينما تقول: الله أنا مفتقر إليه، وجودي هبة منه، وإمدادي هبة منه، وهدايتي هبة منه، وأعمالي من إكرامه، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك، أنت حينما توحد وتفتقر وتعترف بالفضل يمدك الله عز وجل، قل: أنا، يتخلى عنك، قل: الله، يتولاك، أنت بين التخلي والتولي، يتولاك إذا وحدته، ويتخلى عنك إذا أشركت به، هذان الدرسان نحتاجهما كل يوم، وفي أعمالنا، وفي خططنا، وفي تجارتنا، وفي وظائفنا، وفي دراستنا وعلاقتنا بأهلنا وتربية أولادنا، حينما تعزو الفضل لذكائك وخبرتك يتخلى الله عنك، ومن اتكل على نفسه أوكله الله إياه، وحينما تعزو الفضل إلى الله عز وجل يتولاك برعايته.

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

[ سورة الطور: 48 ]

 درسان آخران، درس أحد وحنين، لماذا لم ينتصر المسلمون في أحد؟ لأنهم عصوا، ولو أنهم انتصروا لسقطت طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم و تصبح عندئذ لا قيمة لها، في أحد لم ينتصروا لأنهم عصوا أمراً تنظيمياً، ولم يعصوا أمراً تشريعياً، ومع ذلك لم ينتصروا، يريدنا الله عز وجل أن نكون في صف واحد، وعلى قلب واحد ورأي واحد، أما في حنين فلم ينتصروا لأسباب عقائدية، هم قالوا: لن نغلب من قلة، اعتدوا بكثرتهم ولم يتوكلوا على الله، فالإنسان ينهزم إما لأسباب في اعتقاده، أو لأسباب في سلوكه، فكيف بالمسلمين اليوم وفيهم انحرافات خطيرة في اعتقاداتهم وسلوكهم؟ لذلك من السذاجة بمكان أن ينتظر المسلمون معجزة تنصرهم على أعدائهم وهم قاعدون وخاملون وكسالى وعبيد شهواتهم ومصالحهم، هؤلاء المسلمون وهذه حالهم لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزناً، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَقِيلَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، قَالَ: فَأَقُولُ: بُعْدًا بُعْدًا، أَوْ قَالَ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي))

[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]

 أيها الأخوة الكرام، هذه بعض النقاط المتعلقة بالنصر، والنصر هدف أكبر لكل المسلمين، فإما أن يسلكوا المنهج الصحيح، أن يسلكوا منهج الكتاب والسنة، وإما أن يسلكوا قوانين الله عز وجل، أما أن يبتعدوا عنها ويضعوا أنفسهم في التأملات وفي الأحلام فهذا طريق مسدود.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

العبادة علة وجودنا في الحياة الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام: الآية التي أرددها كثيراً:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 أيها الأخوة، نحن معذبون لأن النبي عليه الصلاة والسلام ليس فينا، وسنته ليست مطبقة فينا، أنماط الحياة الغربية هي المطبقة، القيم الغربية هي المطبقة، والأساليب الغربية هي المطبقة.

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 فلا بد من تطبيق منهج الله عز وجل، ولابد إن أخطأنا أن نستغفر، ولا سبيل إلى النجاة إلا بهذين إما أن تطبق وإن أخطأت فاستغفر، والذي أود أن أنهي به الخطبة حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:

((بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا أَخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ))

[البخاري عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه]

 الله جل جلاله لكرمه أنشأ لنا حقاً عليه، فلا سبيل إلى أن نتلافى عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إلا أن نعبده، والعبادة علة وجودنا.

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56]

 والعبادة طاعة لله عز وجل، كن لها أصل معرفي، حتى أن بعض المفسرين فسر كلمة العبادة بـ: يعرفون.

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56]

 أي ليعرفون، فالعبادة طاعة طوعية مسبوقة بمعرفة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذلّ الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم شتت شملهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى، اجمعهم على الحق والخير والهدى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018