الخطبة : 0469 - الوقت4 - كيف يطيل الإنسان عمره ؟ - رمضان على الأبواب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0469 - الوقت4 - كيف يطيل الإنسان عمره ؟ - رمضان على الأبواب.


1994-01-28

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سِّيدُ الخلق والبشر ، ما اتَّصلت عينٌ بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علمَ لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

حبّ الإنسان بفطرته الخلود و الحياة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ منذ أسابيع عدة بدأت موضوع الوقت في أول العام الميلادي وبقي من هذا الموضوع خطبةٌ واحدة ، ننتقل بعدها إن شاء الله تعالى إلى موضوعات الصيام .
 الخطبة الأخيرة في الوقت كيف يطيل الإنسان عمره ؟ الإنسان أيها الأخوة بفطرته يحب الحياة ، و يحب أن يطول عمرُه ، بل يحب الخلود لو استطاع ، قال تعالى :

﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾

[سورة البقرة : 96]

 من هذا الباب كما قال علماء التفسير دخل إبليس على أبي البشر آدم عليه السلام فوسوس إليه ، قال تعالى :

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾

[سورة طه: 120]

 و اليوم الأدوية التي توهم الناس أنها تطيل أعمارهم ، وتعيد لهم شبابهم تروج رواجاً كبيراً ، لأن الإنسان مفطور على حبِّ الحياة ، يتمنى أن يطول عمره ، يتمنى لو استطاع أن يخلد في الدنيا .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الدين نفسه يعدّ طول العمر نعمةً إذا استُخدم في نصرة الحق و عمل الخير ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ :

((يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ]

 لكنكم كما تعملون و كما يعلم كلُّ حيٍّ الموتُ نهاية المطاف ، و كل مخلوق يموت و لا يبقى إلا ذو العزة و الجبروت ، و الليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر :

و كل ابن أنثى وإن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنـــــــــــــازة  فاعلم بأنك بعدها محمـــــــــولُ
***

 وملَك الموت تخطَّانا إلى غيرنا ، و سيتخطى غيرنا إلينا .

 

الموتُ خاتمة المطاف ونهاية الحياة :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ إذا كان الموتُ خاتمة المطاف ، ونهاية الحياة ، فالعمر إذًا جدُّ قصير ، قصير جداً مهما طال ، العمر الذي يعيشه الإنسان لأنه ينتهي ولأن الموت ينهيه هو جدّ قصير ، لكن الإنسان أيها الأخوة بإمكانه أن يطيل عمره إلى ما شاء الله ، بإمكانه أن يعيش عمراً ثانياً بعد موته ، ما السبيل إلى ذلك ؟
 أيها الأخوة ؛ يقول عليه الصلاة و السلام مؤكِّداً هذه الحقيقة :

(( عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، و اعمل ما شئت فإنك مجزيّ به و مسؤول عنه ....))

[ الشيرازي و الحاكم والبيهقي عن علي ]

 فلابد من موت ينهي الحياة ، الطب مهما تقدَّم لم يستطع - تقدم الطب كثيراً وزرع قلب مكان قلب - أن يمدَّ العمر الذي أعطاه الله للإنسان ، و الإنسان بالعلم وصل إلى القمر ، ومع ذلك لم يستطع أن يزيد في عمره ، لذلك قال عليه الصلاة و السلام في حديث صحيح رواه الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 لا بد من الموت .

العمر الحقيقي للإنسان هو مقدار الأعمال الصالحة التي فعلها فيه :

 الآن دخلنا في الموضوع أيها الأخوة ، العمر الحقيقي للإنسان ليس هو مجموعة السنوات التي يقضيها الإنسان بين ولادته و بين دفنه ، لكن العمر الحقيقي للإنسان هو مقدار الأعمال الصالحة التي فعلها في هذا العمر ، العمر يغتني بالأعمال الصالحة ، ويضعف ، ويقصر بفقر الأعمال الصالحة ، أو بقلة الأعمال الصالحة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان قد يعيش مئة وثلاثين عاماً كشأن معمِّري بعض البلدان في شمال الكرة الأرضية ، ومع ذلك ربما لا نعرفهم ، ولا نعرف شيئاً عنهم ، وقد يعيش عمراً قصيراً مفعماً بالأعمال الصالحة ، فبعض الأئمة والعلماء عاشوا أقلَّ من خمسين عاماً ، ومع ذلك ملأ علمُهم الآفاق ، وسارت بأخبارهم الركبان ، فالعبرة في العمر لا بمدته ، بل بغنائه بالعمل الصالح .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ابن عطاء الله السكندري صاحب الحكم يقول : " رُبَّ عمر اتسعت آمادُه و قلَّت أمدادُه ، و رب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده ، و من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة و لا تلحقه الإشارة " أقرب مثل يوضِّح هذه الحقيقة : إنسان يعمل في التجارة ، فتح محلَّه التجاري ساعةً واحدة باع بمليون ليرة ، و إنسان فتح محله التجاري عشر ساعات ، وباع بمئة ليرة ، فقيمة هذا العمل التجاري بمدَّة افتتاح المحل التجاري أم بمقدار الغلَّة التي حصَّلها في هذا العمل ؟ هكذا المؤمن، فإذا أردتم أن تنموَ أوقاتُكم ، وأن تغتنيَ أعماركم عليكم أن تستغلوها في معرفة الله ، ومعرفة منهجه ، وفي اتِّباع منهجه ، وفي العمل الصالح الذي يدني منه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان بإمكانه أن يطيل عمرَه بمقدار ما يُوفَّق فيه من عبادة لله تعالى متقنة ، وخالصة ، ومن إحسان إلى خلقه ، و كلما توفر لعمله الإخلاص والإتقان كان فضلُه وأجره أعظمَ عند الله ، عبادة خالصة متقنة ، صلوات ، صيام ، حج ، زكاة، ائتمار بالأمر ، وانتهاء عن عملٍ نهى الله عنه ، خدمة الخلق ، هذه العبادة ، وتلك الأعمال المتقنة و الخالصة هي التي تغني العمر ، وتجعله مفعماً بالخيرات .

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

 شيء آخر يغتني به العمر ، هذه الأعمال الصالحة كلما كانت أشدَّ نفعاً ، وأكثر غنى ، وأشمل اتِّساعاً كان العمرُ أغنى من عمر آخر ، أي إنسان وُفِّق لهداية إنسان واحد ، هذا عمل طيِّب لقول النبي عليه الصلاة و السلام عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَهْلٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ :

((لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ أَيْنَ عَلِيٌّ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))

[البخاري عَنْ أَبِي حَازِمٍ]

((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))

[متفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي ]

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))

[الطبراني عن أبي رافع ]

(( خير لك من الدنيا وما فيها ))

[أحاديث الإحياء للعراقي ]

 إذا الإنسان وُفِّق لهداية عشرة ، العدد كثُر ، فكيف بالنبي عليه الصلاة و السلام الذي أرسله الله رحمة للعالمين ؟ و كيف بالنبي عليه الصلاة و السلام الذي بدأ وجه الأرض بدعوته ؟ و الذي رسَّخ الفضائل و القيم بسيرته ؟ وكيف بهؤلاء الصحابة الكبار الذين فتحوا البلدان ووصلوا إلى مشارق الأرض و مغاربها و نشروا دين الحق في هذه الأرجاء التي كانت تعبد الأوثان ؟ إذًا ننتقل إلى فكرة ثانية وهي أن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، فكلما اتَّسعت رقعةُ هذا العمل الصالح ، و كلما كثر عددُ الذين انتفعوا من هذا العمل الصالح ، و كلما امتدَّ أمدُ هذا العمل الصالح ، و كلما عمُق تأثيرُ هذا العمل الصالح، كلما كان عمرك أغنى و أعظم عند الله .

 

العمر يمكن أن يكون وعاء لبطولة الإنسان و سبباً لرفعته عند الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لعلكم تغفلون عن أن الله سبحانه و تعالى أقسم بعمر النبي عليه الصلاة و السلام ، قال تعالى :

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 72]

 خالق السموات والأرض يقسم بعمر النبي عليه الصلاة و السلام ، إذًا أنت أيها الأخ الكريم تتمتع بالحياة ، وبإمكانك في هذه الحياة المحدودة أن تكون بطلاً ، أن تتعرف إلى الله ، وأن تتعرف إلى منهجه ، أن تطلب العلم ، أن تخلص العمل ، فإذا بهذا العمر الذي يعدُّه الناسُ شيئاً مألوفاً هو وعاءٌ لبطولتك ، و سبب لرفعتك عند الله عز وجل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مرة ثانية : العمل كلما اتسعت رقعته ، و كثر عدد المنتفعين به ، و امتد أمده ، و قوي أثرُه ، كان أدعى لأن يرفع شأنك عند الله ، وكان أدعى لأن يكون هذا العمر ثميناً جدًّا ، حيث أن المؤمن يعرف قيمة الوقت ، يعرف أن الوقت الذي يعيشه سوف يمضيه ، ويعرف أنه ما مضى فات ، والمؤمل غيبٌ ، وله الساعة التي هو فيها .

 

الدعوة إلى الله و إسداء الخير للبشر في قمة الأعمال الصالحة :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ كما قال علماء التفسير : الدعوة إلى الله عز وجل بعد معرفته حقَّ المعرفة ، ومعرفة منهجه حق المعرفة ، و التطبيق ، والإخلاص ، هي في قمة الأعمال الصالحة ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

 مرة ثانية : حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، قال تعالى :

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

[سورة الأحقاف: 19]

 روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أي هذا الذي دعوته إلى الله ، و تعبت في دعوته إليه ، أجهدت نفسك ، و بذلت الليالي الطويلة من أجل أن تدلَّه على الله ، أعماله كلها في صحيفتك ، من دون أن ينقص الله من أعماله شيئاً . ومن الأعمال الجليلة فضلاً عن الدعوة إلى الله الخالصة و المخلصة ، من الأعمال الجليلة كما قال بعض الأئمة و الولاة لما فيه من إسداء الخير لمجموعات كبيرة من البشر ، قال عليه الصلاة و السلام :

((يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة))

[فضيلة العادلين من الولاة لأبي نعيم عن ابن عباس]

 وقد ورد في الأثر أن العدل حسن ، لكن في الأمراء أحسن ، و أن الورع حسن ، لكن في العلماء أحسن ، و أن السخاء حسن ، لكن في الأغنياء أحسن ، و أن الصبر حسن ، لكن في الفقراء أحسن ، وأن الحياء حسن ، لكن في النساء أحسن ، و أن التوبة حسن ، لكن في الشباب أحسن .
 أيها الأخوة الكرام ؛ كم من أناس وُفِّقوا لأعمال كبيرة في أزمنة يسيرة حتى لتحسب إنجازاتهم ضرباً من الخوارق ، لكنها البركة ، والتوفيق ، قد يعجب الإنسان فلان كيف يوزِّع وقته رغم أعماله الجليلة ؟ إنه التوفيق ، و أن الله سبحانه و تعالى وضع البركة في أوقاته، أي أن الإنسان حينما يطع الله عز وجل ، و يخلص له ، اللهُ سبحانه و تعالى يبارك له في أوقاته ، أي يلهمه إنجازات كبيرة في وقت يسير ، و بجهد قليل ، هناك من العلماء من أحصوا صفحات مؤلَّفاتهم وقسَّموها على أيام حياتهم فكانوا قد كتبوا في اليوم الواحد ما يزيد عن تسعين صفحة ، و هل بإمكان واحد منا أن يقرأ تسعين صفحة كل يوم بشكل مستمر ؟!
 أيها الأخوة الكرام ؛ قدوتنا في هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي أخرج الناسَ من الظلمات إلى النور ، و غيَّر وجه التاريخ البشري إلى اليوم ، و إلى ما شاء الله ، في ثلاث و عشرين سنة أقام دنيا جديدة و ديناً جديداً ، ربَّى عليه جيلاً فريداً ، و أنشأ أمَّة مثالية ، و أسَّس دولة عالمية في زمن يسير على الرغم من كل الصعوبات والمعوِّقات .

 

عوامل ترفع من قيمة العمل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ موضوع الوقت موضوع دقيق جداً ، وهناك شيء آخر : يزداد ثقلُ العمل في ميزان الحق ، و تتضاعف قيمته ومثوبته عند الله عز وجل كلما كثرت المعوِّقاتُ فيه ، وعظمت الصوارفُ والمغريات عنه ، وقلَّ المعينُ عليه ، من هنا كان فضل الصحابة على من بعدهم كبير لأنهم صدَّقوا رسول الله حينما كذَّبه الناس ، و آووه حينما أخرجه الناس ، ونصروه حينما خذله الناس ، فليسوا سواء من آمن من قبل ، والذي آمن بعد الفتح ، ليس هناك نسبة تجمعهم ، قال تعالى :

﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾

[سورة الحديد: 10]

 شيء آخر مما يرفع قيمة العمل أيضاً أن يكون عند فساد المجتمعات ، و اضطراب الأحوال ، حين يجور الأمراءُ ، ويترف الأغنياء ، ويتجبَّر الأقوياء ، ويداهن العلماء ، وتشيع الفاحشة ، ويظهر المنكر ، ويختفي المعروف ، في هذا الظرف الصعب تزداد قيمة العبادة ، و يزداد أجر الدعوة إلى الله ، ويزداد فضلُ الآمر بالمعروف ، والناهي عن المنكر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ في صحيح مسلم و الترمذي حديث قدسي ، فعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((قَالَ الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ - أي في الفتن - كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ))

[مسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ]

 و :

(( عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قُلْتُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا ، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعْ الْعَوَامَّ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ))

[الترمذي عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ]

 رواه ابن ماجه و الترمذي وقال حديث حسن ، و زاد عليه أبو داود ، قالوا :

(( يا رسول الله مثل أجر خمسين منا أم منهم ؟ قال : بل أجر خمسين منكم ، و في زيادة ثالثة قال : لأنكم تجدون على الخير أعواناً و لا يجدون ))

 إذًا :

(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[مسلم عَنْ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 ثلاثة عوامل إذًا ترفع من قيمة العمل ؛ أن تتَّسع رقعتُه ، و أن يمتدَّ أمدُه ، و أن يظلَّ عدداً كبيراً من الناس ، و أن تعمق جذورُه ، و أن تكثر المعوِّقاتُ والصوارف ، و أن يقلَّ المعين عليه ، و أن يكون في زمن الفساد و الفتن ، من استطاع في زمن الفساد و الفتن أن يحفظ دينه ، و أن يحفظ جوارحه ، وأن يأتمر بما أمر الله ، وأن ينتهي عما عنه نهى ، فقد كان من النخبة الذين نوَّه عنهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام حينما وصفهم بأنهم أحبابه ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

تعريف بالعمر الثاني للإنسان :

 أيها الأخوة الكرام؛ هذا عن العمر الذي يحياه الإنسان ، فماذا عن العمر الثاني ؟ هناك عمر ثانٍ ، الإنسان إذا عرف ربَّه و عرف سرَّ وجوده ، وعرف حقيقة الحياة الدنيا ، و أخلص في طلب العلم و العمل ، بإمكانه أن يطيل عمره ، وأن يمدَّ حياته ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فيحيا وهو ميِّت ، و يؤدَّي رسالته للأحياء ، وهو تحت أطباق الثرى ، كيف ؟ إذا ترك بعد موته ما ينتفع الناسُ به من علم نافع ، أو من عمل صالح ، أو من أثر طيِّب ، أو من حسنة تنفع الناسَ ، أو من سنة يُقتدى بها ، أو من مؤسَّسة خيرية تؤتي ثمارها من بعده ، أو من ذرية صالحة أحسن تربيتها ، فكانت امتدادًا لحياته من بعد موته ، إذا تركت مثل هذه الأشياء فلك عمرٌ ثانٍ بعد موتك ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 و في حديث أكثر تفصيلاً من هذا الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 كل هذه الأعمال تلحق صاحبها بعد موته ، و الذي يؤكِّد هذه الحقيقة قوله تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾

[سورة يس: 12]

 الآثار المترتبة على أعمالهم هذه تلحقهم بعد موتهم ، والآية الثانية قال تعالى :

﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾

[سورة القيامة: 13]

 أي بما ترك من عمل صالح بعد موته ، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :

((جَاءَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ قَالَ ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ))

[مسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 و المقصود بالسنة الحسنة هنا المعنى اللغوي ، أي فعلَ شيئاً لم يكن عليه في عهد النبي ، لكنه يتوافق مع مقاصد الشريعة ، أما البدعة المتعلقة بالدين فهذه البدعة مردودة كليًّا ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ :

((مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ثُمَّ يَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ ثُمَّ قَالَ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ أَوْ عَلَيَّ وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ))

[النسائي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ اتفق العلماء على أن الذكر الحسن بعد الموت هو عمر ثان، لأن ألسنة الخلق أقلام الحق ، و البيت الشعري الذي يقول :

دقَّاتُ قلب المرء قائلة لـــــــــه :  إن الحيــــاة دقائق و ثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها  فالذكر للإنسان عمر ثان
***

 يا أيها الأخوة ؛ دقِّقوا في هذا الكلام ، أجلُّ الأعمال - و عليك أن تقبل عليها - ما تجدَّد ثوابها بعد موتك ، ولد صالح ، علم منشور ، عمل خيري عظيم ، مؤلَّف يؤكِّد الحقيقة التي جاء بها النبي عليه الصلاة و السلام ، أجلُّ الأعمال عند الله ما تجدَّد ثوابها ونفعها بعد الموت ، و أخطر هذه الأعمال التي تودي بصاحبها إلى قعر جهنم ما تجدَّد إثمها بعد الموت ، أنشأ ملهى ، هذا الملهى يُرتكب فيه كلَّ يوم معصية ، و تُوفِّي صاحب الملهى ، هذا العمل يتجدَّد إثمُه بعد الموت .

 

أمراض الوقت :

1 ـ الغفلة :

 بقي علينا من موضوع الوقت آفاتٌ ثلاث ، الآفة الأولى هي الغفلة ، أخطر شيء يقع فيه الإنسان أن يغفل عن الموت ، أن يغفل عن ربِّه ، قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾

[سورة الأعراف: 179]

 غافل عن ساعة الموت ، غافل عن حقيقة الدين ، غافل عن الأمر و النهي ، قال تعالى :

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾

[سورة الروم: 6-7]

 و قال تعالى :

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾

[سورة الأعراف: 205]

 و قوله تعالى :

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[سورة الكهف: 28]

 الإنسان حينما يغفل عن حقيقة وجوده ، و عن سر وجوده ، وعن مصيره المحتوم، عن حقيقة الحياة الآخرة ، وعن حقيقة رسالته في الدنيا فقد خسر نفسه ، و أشدُّ خسارة هي أن يخسر الإنسانُ نفسه ، والصدِّيق رضي الله عنه من أدعيته كان يقول : " اللهم لا تدعنا في غمرة ، و لا تأخذنا على غِرَّة ، ولا تجعلنا من الغافلين ".

2 ـ التسويف :

 مرضٌ آخر من أمراض الوقت التسويف ، قال بعض العلماء : احذروا سوف " ، وقال بعضهم : سوف جندٌ من جنود إبليس " أكثر الناس إن دعوته إلى التوبة يقول لك : حتى أؤدي الامتحان ، أو حتى أؤسِّس هذا العمل ، أو على أول الصيف ، أو على أول الشتاء ، أو بعد هذه السفرة ، أو بعد الزواج ، هذا التسويف جند من جنود الشيطان ، الحسن البصري يقول: " إياك و التسويف فإنك بيومك و لستَ بغدِك ، فإن يكن لك غدٌ فكن في غدك كما كنت في يومك ، و إن لم يكن لك غدٌ لم تندم على فرَّطت في اليوم " ، فالتسويف أحد آفات الزمان ، شيء آخر من أخطار التسويف أنك لا تضمن أن تعيش إلى الغد :

تزوَّد من التقوى فإنك لا تــــــــدري  إذا جنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجـــــــر
فكم من سليم مات من غير علَّةٍ  وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر
***

 ومن عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت ، من قال : غدا أفعل كذا ، من عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت .
 الشيء الثالث في التسويف لا تضمن أن يأتي غدٌ ، و الشيء الثاني : لا تضمن أن يخلو الغدُ من معوِّقات ، لقول النبي عليه الصلاة و السلام :

((اغتنم خمساً قبل خمس ، شبابك قبل هرمك ، وحياتك قبل موتك ، وصحتك قبل مرضك ، وفراغك قبل شغلك ....))

[الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما]

 قد تأتي معوِّقات لم تكن في الحسبان ، أنت الآن صحيح ، أنت الآن لا تشكو من شيء ، لو جاء مرضٌ - لا سمح الله و لا قدَّر- هذا يشغلك عن الله عز وجل ، ما دمت صحيحا فانتهز هذه الصحة ، اغتنمها ، مادمت قوياً اغتنم هذه القوة ، ما دمت شاباً اغتنم هذا الشباب ، ما دام القلبُ يخفق اغتنم هذا الخفقان ، فإذا توقَّف الخفقانُ انتهت حياةُ الإنسان ، و خُتِم عملُه ، و انقضى أجله .

3 ـ سبّ الزمان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ آخر آفة يقع فيها الإنسان هناك من يكيل السباب كثيراً للساعة التي وُلِد فيها ، وللساعة التي عرف فيها ، هذا كلام أهل الجاهلية ، ربُّنا سبحانه و تعالى يقول :

﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾

[سورة آل عمران: 165]

 و في الحديث القدسي عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :

((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ]

 إياك أن تسبَّ الزمان ، إياك أن تسبَّ جهة أخرى لا علاقة لها بك ، أنت وحدك المسؤول عن أعمالك ، أنت وحدك المسؤول عن اختيارك ، هذا الذي جاء لسيدنا عمر و قد شرب الخمر ، فقال : يا أمير المؤمنين لأن الله قدَّر عليَّ ذلك ، قال : أقيموا عليه الحدَّ مرتين ؛ مرة لأنه شرب الخمر و مرة لأنه افترى على الله ، قال : ويحك يا هذا ، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطِّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتَّخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

رمضان دورة للعبادة و الرُقيِّ عند الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ رمضان على الأبواب ، و رمضان دورة للعبادة و الرُقيِّ مكثَّفة جدًّا ، فلا ينبغي أن نبدأ هذا الشهر الكريم - ينبغي أن نستعدَّ له قبل أسابيع - إذا كان هناك مشكلات ، خصومات ، حسابات ، قضايا معلَّقة ، لئلا تنشغل نفسك في شهر العبادة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 فرمضان على الأبواب ، رمضان يحتاج إلى صلح مع الله ، إلى توبة نصوح ، إلى تحرير الدخل من الشبهات ، إلى ضبط الجوارح ، إلى إنفاق الأموال ، إلى تلاوة القرآن ، إلى صلاة تهجُّد ، إلى قيام الليل ، إلى صلاة الفجر في جماعة ، إلى الإكثار من الصدقات ، دورة مكثَّفة ينبغي أن تقفز بها نوعياً ، إن قفزت بها قفزة نوعية و تابعت هذه القفزة بعد رمضان صار هناك سلَّم ، كل رمضان ترقى ، أما الذي يقفز في رمضان و يعود بعد رمضان كما كان قبل رمضان فما استفاد من هذا الصيام شيئاً .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان أحياناً في التجارة يعيد ترتيب أوراقه ، و يعمل جرداً ، ويجري حسابات دقيقة ، ينظر ما له ، وما عليه ، فكل واحد قبل رمضان لئلا يبدأ رمضان ، ونحن في سرعة ابتدائية ، فإذا أردنا أن ننهي علاقاتنا ، ونصفِّي أنفسنا ، وأن نقيم صلة مع الله متينة ، ضاع نصفُ رمضان ، الأكمل أن تبدأ قبل رمضان في تهيئة نفسك ، تصوَّر أن سيارة عليها أن تسير بين هاتين النقطتين بسرعة مئتين ، فينبغي أن تبدأ بمسافة أكبر حتى ترفع السرعة لهذا الرقم ، فنحن نحتاج قبل رمضان إلى إعداد ، أَخِّر كلَّ المشكلات ، أو أن حلَّها قبل رمضان ، العبادة تحتاج إلى صفاء ، إلى إقبال ، إلى إنابة إلى الله عز وجل ، فنحن في هذين الأسبوعين نعدُّ أنفسنا ، و نرتِّب أوراقنا ، ونراجع حساباتنا ، ونوفِّي ديوننا ، و نصفِّي علاقاتنا ، نجعل أنفسنا مهيِّأةً للإقبال على الله ، مهيَّأة للإنابة إليه ، لأن هذه الدورة المؤمن الصادق يعلِّق عليها أهمِّيةً كبرى ، أي عبادة سنوات تنقلك نقلة نوعية إلى الله عز وجل، فإذا حافظت على هذه النقلة كانت لك امتداداً بعد رمضان ، رمضان شهر القُرب ، شهر الإنابة، شهر الحب ، أن تحبَّ الله عز وجل ، شهر البذل ، شهر الإنفاق ، شهر القرآن ، شهر الصلوات ، شهر المساجد ، ينبغي أن ترتِّب أمورك على أن رمضان عبادة ، لا كما يفعل بعضُ الناس الولائم كلها في رمضان ، و السهرات حتى السحور في رمضان ، و اللقاءات في رمضان، و الاختلاط في رمضان ، و كل ما يخطر على بالهم من مُتَع الحياة في رمضان ، و فوق كل هذا و ذاك يقولون : إكراماً لشهر رمضان ، أيُّ إكرام هذا ؟ إكرام رمضان أن تنقطع إلى الله عز وجل ، أن تعبده حقَّ العبادة ، أن تنيب إليه ، أن تصفِّي نفسك ، أن تنهي علاقاتك، أن تصطلح مع الله ، العصاة عليهم أن يتوبوا ، والتائبون عليهم أن يجتهدوا ، رمضان يجب أن يكون سبباً للترقِّي ، سببا للقفزة النوعية التي نحياها في رمضان .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ هيِّئوا أنفسكم ، و أصلحوا ذوات أنفسكم ، أصلحوا من حولكم ، أصلحوا بيوتكم ، دائما أقول لكم هذه الكلمة : أنت مكلَّف فيما أنت قادر عليه ، و دع ما لست قادراً عليه إلى الله عز وجل ، ما أنت قادر عليه مطالَب به ، و ما لست بقادر عليه دعه إلى الله عز وجل ، لأنك إذا اصطلحت مع الله جاءت الأمورُ كما تريد ، ابن آدم كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ، و لا تعلمني بما يصلحك ، أنت تريد ، وأنا أريد، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، و إن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتُك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018