الخطبة : 0851 - إضاءة قرآنية لما حدث بعد 11 إيلول 2001. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0851 - إضاءة قرآنية لما حدث بعد 11 إيلول 2001.


2002-09-13

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده ونعوذ به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الدّين توقيفي من عند الله لا يضاف عليه ولا يحذف منه :

 أيها الأخوة المؤمنون، في شهر رجب تنهال على خطباء المساجد بضع عشرات من الأسئلة حول أشياء توهمها الناس أنها من الدين، وهي في حقيقتها ليست من الدين، فإجابة عن كل هذه التساؤلات أسوق شطر هذه الخطبة، وأسوق الشطر الثاني لما يعانيه المسلمون من أحداث جسام.
أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل يقول:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾

[ سورة المائدة : 3 ]

 الإكمال نوعي:

﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾

[ سورة المائدة : 3 ]

 والإتمام عددي:

﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

[ سورة المائدة : 3 ]

 فالدين كامل تام، أي أن عدد القضايا التي عالجها الدين تامة، وأن طريقة المعالجة كاملة، فالدين توقيفي من عند الله لا يضاف عليه، ولا يحذف منه، وينبغي أن يستمر الدين كما بدأ، دون إضافة ودون حذف، حذفت بعض الأحكام الشرعية من أربعمئة عام، ومن جراء هذا الحذف يعاني المسلمون الآن ما يعانون، وأضيفت مئات البدع على هذا الدين، فأصبح هذا الدين فرقاً وطوائف بأسها بينها، فأية إضافة تشرذم الدين، وأي حذف يضعــف الديـن:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾

[ سورة المائدة : 3 ]

 وما يقال عن التجديد في الدين لا يزيد عن هذا التعريف الدقيق، أن تنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، هذا هو التجديد، بناء تراكمت عليه أشياء غيرت معالمه، فجئنا ونزعنا عن هذا الحجر هذه الطبقة السوداء، فعاد الحجر أبيض ناصعاً، هذا هو التجديد أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، الدين توقيفي، لا يحتمل أن تضيف عليه، فإذا أضفت عليه جعلته فرقاً ومزقاً وطوائف واتجاهات يكون في النهاية بأسها بينها، وإذا حذفت منه أضعفته.

الابتداع في الدين طامة كبرى :

 أيها الأخوة الكرام، شيء آخر: نحن مأمورون أن نجدد في حياتنا، أن نستصنع ثرواتنا، أن نحسن مستوى معيشتنا، أن نهيء لشبابنا بيوتاً، أن نهيء لشبابنا أعمالاً أو نطور أنماط حياتنا، هذا نحن مأمورون به، ولكن الذي حصل جددنا وقلدنا في الدنيا، قررنا الاستقرار في الدنيا وابتدعنا في الدين، فكانت الطامة الكبرى، ضعفنا وتمزقنا.
 أيها الأخوة الكرام، الله جلّ جلاله كما قال في القرآن الكريم:

﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾

[ سورة القصص : 68 ]

 والاختيار إذا نسب إلى الله عز وجل فهو الاجتباء والاصطفاء الدال على ربوبيته، ووحدانيته، وكمال حكمته، وعلمه، وقدرته، ومن اختياره وتفضيله اختيار بعض الأيام والشهور، وتفضيلها على بعض، وقد اختار الله من بين الشهور أربعةً حرماً، قال تعالى:

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾

[ سورة التوبة : 36 ]

الله خبير بالنفوس جعل الأشهر الحرم لمنع القتال :

 أيها الأخوة: ثم يقول الله عز وجل:

﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾

[ سورة التوبة : 36 ]

 أي في هذه الشهور، لأن الله هو الخبير، لأنه هو العليم، لأنه هو الخالق، لأنه هو الذي خلق النفوس، حينما تشتبك النفوس في حروب، هذه الحروب لا تنتهي حتى تحرق الأخضر واليابس، لا تنتهي حتى يدمر كل شيء، لا تنتهي حتى يسحق كل شيء، وهذا الذي جرى في الحروب العالمية الأولى والثانية، خمسون مليون قتيل، وهذا الذي يجري في كل مكان في العالم اليوم، تدمر الأبنية، تجرف المزروعات، تردم الآبار، تقتل الحيوانات، يدمر كل شيء، فلأن الله خبير بهذه النفوس جعل هذه الأشهر أشهر حرمة يمنع فيها القتال، فيقف القتال، وليس أحد مهزوماً، ويقف القتال وليس أحد منتصراً، يذوق الناس طعم السلم، لعل هذا السلم يستمر، فهذه رحمة الله عز وجل:

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾

[ سورة التوبة : 36 ]

 هذه الأربعة لم يحددها القرآن الكريم، ولكن النبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم حددها في حديثه الصحيح الذي رواه الإمام البخاري ومسلم، فقال عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع:

((إن الزمان قد استدار كهيئته يومي خلق السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان))

[أربعون حديثاً لابن بابويه عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه ]

 فنحن في شهر من الأشهر الحرم، هذا ورد في كتاب الله مجملاً و ورد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم مفصلاً.
 أيها الأخوة الكرام، سمي رجب مضراً لأن هذه القبيلة لم تكن تغير الأشهر الحرم، توقعه في وقته، بخلاف باقي العرب الذين كانوا يغيرون، ويبدلون بالشهور بحسب حالة الحرب عندهم، وهو النسيء الذي ذكره الله في قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾

[ سورة التوبة : 37]

 تلاعب بدين الله، هذه الأشهر يبدلونها، يغيرونها بحسب أحوالهم في الحرب والسلم، لكن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾

[ سورة التوبة : 36 ]

 أيها الأخوة، هذه الأشهر لها مكانة عند الله كبيرة، لقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

 أي لا تحلوا محرماتي التي أمركم بتعظيمها، ونهاكم عن ارتكابها، فالنهي يشمل فعل القبيح، ويشمل اعتقاده في هذه الأشهر:

﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾

[ سورة التوبة : 36 ]

 وهن تعود على الأشهر.

أحكام الأشهر الحرم :

 أيها الأخوة الكرام، أول أحكام هذا الشهر أن القتال فيه محرم:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾

[ سورةالبقرة: 217 ]

 أي معصية كبيرة كي تحقن الدماء، وكي يوقف إطلاق النار من دون غالب ومغلوب، من دون أن تطحن الحرب كل شيء، من دون أن يدمر كل شيء، والشعوب حينما غفلت عن منهج الله طحنت نفسها.
 أيها الأخوة الكرام، وكان العرب في الجاهلية يذبحون الذبيحة في رجب ويسمونها العتيرة، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

((لا فرع، ولا عتيرة))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 فهذه الذبائح التي تذبح في رجب لا أصل لها في الدين. ونادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إنا كنا نتعر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: " اذبحوا في أي شهر كان" لا علاقة لهذا الشهر بهذه الذبيحة.
 شيء آخر أيها الأخوة، لم يصح في فضل الصوم في رجب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، لك أن تصوم الاثنين والخميس، لك أن تصوم الأيام البيض في رجب، لك أن تصوم كل النوافل التي وردت في السنة، أما أن تخص هذا الشهر بصيام فهذا ليس له أساس في الدين.
 أيها الأخوة الكرام، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: " لم يصم رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة الأشهر سرداً ـ أي رجب وشعبان ورمضان كما يفعله بعض الناس ـ ولا صام رجب قط، ولا استحب صيامه"، هذه هي السنة الصحيحة.
 وقال الحافظ بن حجر في تبين العجب فيما ورد في فضل رجب:" لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه، هذا حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام الهروي رحمه الله تعالى".
 أيها الأخوة الكرام، دلت الأحاديث الصحيحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رجب، كما ورد عن مجاهد قال:

((دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة رضي الله عنها، فسئل: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعاً إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد عليه، قال: وسمعنا عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أماه، يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرةً إلا وهو شاهد، وما اعتمر في رجب قط))

[ متفق عليه عن مجاهد]

 وجاء عند مسلم وابن عمر يسمع فما قال لا ولا نعم. إذاً أيضاً هذه العمرة التي تنسب إلى النبي في رجب ليس لها أصل في هذا الحديث الصحيح.
 أيها الأخوة الكرام، صلاة الرغائب هذه سئلت عنها كثيراً، هذه الصلاة شاعت بعد القرون المفضلة، أي خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وبخاصة في المئة الرابعة، وليس لها أصل في العبادات التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 أيها الأخوة الكرام، ولم يرد أصل عن التصدق عن روح الموتى في رجب، ولا عن أدعية مخصوصة تقال في رجب، ولا عن تخصيص زيارة القبور في رجب، ومن العجب أن بدعاً كثيرةً ابتدعت في هذا الشهر، هو شهر من الشهور، من الأشهر الحرم كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لك أن تصوم الصيام الذي سنه النبي عليه الصلاة والسلام، ولك أن تقوم القيام الذي سنه النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن من اعتمر في رجب لا شيء عليه، شهر من الشهور، أما إذا قصد تعظيم هذا الشهر من دون أصل في الدين فقد وقع في مخالفة الشرع.
 أيها الأخوة الكرام، هذا عن بعض ما ابتدعه المسلمون في شهر رجب، وهذا الكلام على إجازه إجابة لكل الأسئلة التي يمكن أن ترد في هذا الشهر الكريم.

***

إضاءة قرآنية لما حدث بعد الحادي عشر من أيلول :

 أيها الأخوة الكرام، لا شك أنكم محاطون بأجواء ما حدث في الحادي عشر من أيلول، والحقيقة أنه لابد من إضاءة قرآنية لما حدث، ليست العبرة أن تعرف أن الذي حدثَ حدث، هذا شيء ليس مختلف فيه، ولكن العبرة أن تفهم الذي حدث في ضوء القرآن، في ضوء كتاب خالق الأكوان، العبرة أن تفهم ما حدث لا بمفهوم شركي أرضي، بل بمفهوم علوي سماوي.
 أيها الأخوة الكرام، من الحقائق الثابتة أن كل شيء وقع أراده الله، ولا يعقل، ولا يقبل أن يقع في ملك الله ما لا يريد، قال علماء التوحيد: أراد ولم يأمر، أراد ولم يرض، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، لكن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، هذا هو الحق، ولكن عقولنا قاصرة عن فهم حكمة ما حدث، قال الإمام علي كرم الله وجهه: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً.

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 213]

 أحد أسباب العذاب أن تعزو الذي حدث إلى الأرض، الذي حدث وقع بمشيئة الله، وبعلم الله، ولحكمة يراها الله عز وجل.

 

عدم وقوع شيء في الكون إلا بمشيئة الله :

 أيها الأخوة الكرام، الشر المطلق لا وجود له في الكون، هناك شر نسبي، هناك نفوس شريرة، وهناك أفعال شريرة يوظفها الله للخير المطلق، أن تعتقد أن هناك شراً مطلقاً هذا الاعتقاد يتناقض مع وجود الله.

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 26]

 أيها الأخوة، إن فهمت الأحداث التي وقعت فهماً أرضياً شركياً هذا يقتضي أنك مقهور لا حول لك ولا قوة، وفرق كبير بين القهر وبين التسليط، الفهم الشركي للأحداث فهم قهر، فقد يقول مسلم ضعيف الإيمان: لن تقوم للمسلمين قائمة بعد اليوم، لأن الدنيا كلها تحارب المسلمين علانية، ومن دون مواربة، أما إذا فهمت الأحداث فهماً تسليطياً كما قال الله في القرآن الكريم:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾

[ سورة النساء : 90 ]

 فمعنى ذلك أن لأفعال الله حكمة قد لا أدركها، وأن خللاً في إيماني وفي سلوكي اقتضى هذه الأحداث، إذاً الكرة في ملعبي، وعلاقتي مع الله لا مع موقع الأحداث، فإذا عدت إلى الله عز وجل قبلني ورفع عني هذا الضيم.

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾

[ سورة القصص: 4 ]

 لماذا علا في الأرض؟ هل سبق الله في أنه علا في الأرض؟

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 59]

 معنى سبقوا أنهم فعلوا شيئاً ما أراده الله، مستحيل وألف ألف مستحيل:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾

[ سورة القصص: 4 ]

 ولكل عصر فرعون، ولكل عصر وحيد القرن.

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[ سورة القصص: 4 ]

 لماذا فعل فرعون هكذا؟ ولماذا سمح الله له أن يفعل؟ لا يقع شيء إلا بمشيئة الله، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع.

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص:5-6]

أخطر شيء الهزيمة من الداخل :

 أيها الأخوة الأحباب، أخطر شيء أن نهزم من الداخل، من الخارج لا ضير، المسلمون هزموا مرتين، مرةً في أحد، ومرةً في حنين، الهزيمة في أحد بسبب خروج عن منهج الله ومعصية لرسول الله، سبب سلوكي، وأما في حنين فالسبب اعتقادي، لن نغلب اليوم من قلة:

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 هزموا مرتين، مرةً بسبب اعتقادي، ومرةً بسبب سلوكي، لكن المشكلة الكبرى أن نهزم من الداخل، أن نقع في اليأس، أن نقع في الاستسلام، إن فهمنا الأحداث فهماً قهرياً فلابد من اليأس والاستسلام والخنوع، وإن فهمنا الأحداث فهماً تسليطياً فالكرة في ملعبنا، والأمر بيدنا، فلمجرد أن نصطلح مع الله أزاح الله عنا كل هذا الكابوس.
 أيها الأخوة، جبل قاسيون من أصغر الجبال في العالم، لو أن قوى الأرض اجتمعت على أن تنقله إلى درعا لا تستطيع، ماذا قال الله عز وجل؟

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم : 46]

 هذا مكر الكفار، يتمنون أن نموت من الجوع، يتمنون أن تبقى الفوضى في بلادنا إلى يوم القيامة، يتمنون أن نكون عبيداً لهم، يريدون إضلالنا، ويريدون إفسادنا، ويريدون إذلالنا، ويريدون أن نكون أسواقاً لبضاعتهم.
 أيها الأخوة الكرام:

﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾

[ سورة آل عمران : 119 ]

 نصيحة الله عز وجل، إذاً حينما نفهم الأحداث فهماً تسليطياً توحيدياً الأمر بيدنا، ولمجرد أن نعود إلى الله عز وجل أزاح الله عنا هذا الكابوس.

 

زوال الأكوان أهون على الله من ألا يتحقق كلامه :

 أيها الأخوة، آية من آيات الله يقول الله عز وجل بعد قوله تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾

[ سورة إبراهيم : 46-47]

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

[ سورة آل عمران :120 ]

 لا يضركم أسلحتهم النووية، ولا طائراتهم الجبارة، ولا صواريخهم الدقيقة، ولا مكرهم السياسي، ولا مكرهم الاجتماعي، ولا اصطناع الخونة:

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

[ سورة آل عمران :120 ]

 هذا كلام خالق الأكوان، وزوال الأكوان أهون على الله من ألا يتحقق كلامه.

 

كشف حقيقة الغرب أكبر إنجاز حققته هذه الأحداث :

 أيها الأخوة الكرام، من حكم ما حدث أن الإنسان إذا هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً، وقد هوي أهل الأرض هذه الدول الغربية العظمى، أحبوها، أحبوا الوصول إليها، أحبوا أن يتجنسوا بجنسيات أهلها، أحبوا أن يهاجروا إليها، أحبوا أن يستقروا فيها، رأوها بلد الحرية، وبلد الديمقراطية، وبلد العدل، وبلد حقوق الإنسان، وبلد الرفاه، وبلد الغنى والثراء، هذه الدول الغربية خطفت أبصار الناس، هذه الدول الغربية عبدها الناس من دون الله، ظنوا فيها ظناً حسناً، فأراد الله كشف الأوراق، أراد الله أن تسقط الأقنعة، أراد الله أن تظهر حقيقة الغرب، وحش كاسر يتمتع بذكاء شديد، فإن توافقت مصالحه مع هذا الكمال الذي يدعيه، أعجبنا نطقه، وأعجبتنا قيمه، وأعجبنا حياده، أما إذا بددت مصالحه فهو مجرم من أشدّ المجرمين، لا يرحم بريئاً، ولا يرحم طفلاً، ولا امرأة، ولا شيخاً، ولا بلداً آمناً، ولا يحفظ ثقافة، ولا يحترم جهة أخرى، لقد كشفت حقيقة الغرب لا للناس جميعاً بل للصغار، لأطفالنا كشفت هذه الحقيقة، وهذا أكبر إنجاز لما حدث ما دام هناك جهة لا تؤمن بالله يعظمها أهل الأرض فالطريق إلى الله ليس سالكاً، لقوله تعالى:

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 256 ]

 لا سبيل أن تؤمن إلا بعد أن تكفر بالطاغوت، من هوي الكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً، ألا ترون إلى أنه لم يبقَ في الأرض إلا الدين الإسلامي، ألم تروا إلى أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يلفتنا إليه؟ وأن يصرفنا إليه؟ وأن يجعلنا نقبل عليه؟ وأن نعتز بدينه ونعتز بمنهجه ونعتز بقرآنه؟ وأن نصلح نفوسنا؟ هذا الذي حدث حدَث بإذن الله، وهذا الذي حدث شاءه الله، وهذا الذي حدث أراده الله، وقد يكون لكل واقع حكمة، وقد يكون الموقع مجرماً، الله جلّ جلاله يوظف شر الشرير وعمله السيئ للخير المطلق، بدليل قوله تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 129]

إيجابيات أخرى لأحداث الحادي عشر من أيلول :

 أيها الأخوة الكرام، ألا ترون إلى تقارب المسلمين بعد الذي حدث؟ ألا ترون إلى أننا أصبحنا مجتمعين على فكرة واحدة؟ ألا ترون إلى أننا أصبحنا نحتقر هذا العدوان ولو كان له مظاهر براقة؟ هذا من إنجاز ما حدث، هذا من إيجابيات ما حدث، ما من شيء إلا وله إيجابيات، ولكن عوام الناس يرون السلبيات فقط، أما قلة قليلة من الناس فيكشفون الإيجابيات في السلبيات، يكشفون النتائج الإيجابية في الأشياء السلبية، والمؤمن الصادق لا ينبغي أن يصرفه ما حدث عن حكمة ما حدث، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَجَباً لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))

[مسلم عن صهيب الرومي ]

 إنك إن وحدت ارتاحت نفسك، لا يمكن أن يسلمك الله إلى غيره، لا يمكن أن يجعل في الأرض قوياً يده طليقة.

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر : 62]

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

[ سورة الأعراف : 54 ]

 عندهم في الغرب يعتقدون أن الله خلاق وليس فعالاً، لكننا في عقيدتنا الصحيحة نعتقد أن الله في السماء إله وفي الأرض إله، بيده مقاليد السموات والأرض.

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْه﴾

[ سورة هود : 123 ]

 ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله عائد إليه، إذا وحدت ارتاحت نفسك، واطمأن قلبك، وكان توحيدك باعثاً على الطاعة وعلى الإقبال على الله، وبين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال، هذه القوى الشرقية التي تملك من الأسلحة النووية ما يدمر القارات الخمس خمس مرات، أين هي الآن؟ بقدرة من تهاوت من داخلها؟ بقدرة من ضعفت؟ بقدرة من أصبحت في مؤخرة الأمم؟ الله جل جلاله:

(( الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني في شيء أذقته عذابي ولا أبالي ))

[ حديث قدسي أخرجه ابن ماجه وابن حبان عن عبد الله بن عباس ]

 حينما يرتكب العدو حماقات تلو حماقات من خلال تصريحات تلو تصريحات، فافرح لأنه الله سيدمره.

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[ سورة آل عمران : 12]

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

[ سورة الأنفال : 36 ]

 أيها الأخوة الكرام، العبرة أن نستحق نصر الله، نصر الله عز وجل لا ينزل إلى على من يستحقه، لا شأن لمظاهرنا، ولا لانتماءاتنا الشكلية، ولا لأننا مسلمون، الإسلام الحقيقي التزام بمنهج الله.

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم : 47]

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 139]

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران :146 ]

 أيها الأخوة الكرام، من أكبر إنجازات الذي حدث أن الكفر أصبح في الوحل وفي القمامة، قيم الكفر، ودعوة الكفر، وما يقوله الكافرون أصبح في الوحل، لا قيم عندهم، ولا مبادئ، ولا إنسانية، ولا عدل، يكيلون بألف مكيال، يكيلون بوقاحة بألف مكيال، تسقط طائرة يطالبون دية كل قتيل عشرة ملايين دولار، خمسمئة مليون ليرة سورية، ويقتل الآلاف المؤلفة من المسلمين فلا يدفعون شيئاً، يقتلون خطأ، أتحدث عن القتل الخطأ فلا يدفعون شيئاً، بكم مكيال يكيلون؟ قد تشتهي أن تسكن تحت خيمة لكنك تسمع كلاماً صادقاً، تشتهي أن تسكن في بيت من لبن، أن ترى إنساناً رحيماً، هم يقتلون ويتلذذون بالقتل، وكأنهم ساميون أيها الأخوة، لذلك كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله.

 

العبرة لا أن تدرك ما حدث بل أن تفهم ما حدث :

 أيها الأخوة الكرام، ذكرت مرةً أنك إذا ركبت مركبة وتألق ضوءاً أحمر في لوحة البيانات المشكلة لا أنه تألق أو لم يتألق، هذه ليست مشكلة، لكن المشكلة لماذا تألق؟ إن فهمته ضوءاً تزينياً احترق المحرك، ووقفت في أرضك، وتعطلت رحلتك، وتعطلت غايتك، أما إن فهمته فهماً صحيحاً أنه ضوء تحذيري، أوقفت المركبة، وأضفت الزيت، وسلم المحرك، وتابعت الرحلة، وقبضت المبلغ.
 إذاً العبرة لا أن أدرك ما حدث بل أن أفهم ما حدث، والعبرة لا أن أفهم الذي حدث فهماً أرضياً شركياً قهرياً، ولكن العبرة أن أفهم الذي حدث فهماً سماوياً توحيدياً علاجياً، عندئذٍ أتفاءل، عندئذٍ أعمل، عندئذٍ أرجو رحمة الله، عندئذٍ أنا موقن أنه ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، عندما أؤمن هذا الإيمان لا أيئس، ولا أخنع، ولا أنافق، ولا أتطامن، بل أبقى عزيزاً كريماً قوياً وأقول: لي جولة أخرى مع الطرف الآخر.

حاجة المسلمين إلى معاني التوحيد :

 أيها الأخوة الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى معاني التوحيد، نحن في أمس الحاجة إلى أن نعمل لوجه واحد، حتى يكفينا الله الوجوه كلها، نحن في أمس الحاجة إلى أن نرى أن يد الله تعمل وحدها، وأنه ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر، يجب أن نكون جريئين، هناك خلل في حياة المسلمين، خلل خطير، لا نعنى إلا بالعبادات الشعائرية، بينما العبادات التعاملية التي هي أساس الدين لا نعمل بها، ليس في بيوتنا إسلام حقيقي، ولا في أوقات لهونا، ولا في أوقات عملنا، ولا في كسب أموالنا، ولا في إنفاق أموالنا، ولا في علاقاتنا، ولا في أفراحنا، ولا في أتراحنا، نحن نعتقد أن هذا الإسلام عظيم، نأخذ منه الجانب الشعائري، ولا نعبأ بالجانب التعاملي.
أيها الأخوة، كي تكونوا مطمئنين يقول عليه الصلاة والسلام:

(( يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثوراً، قيل يا رسول الله جلهم لنا؟ قال: إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

 كم بيت من بيوتات المسلمين تنتهك فيه حرمات الله؟ كم علاقة بين المسلمين فيها ظلم واعتداء؟ البنية التحتية فيها مشكلة كبيرة؟ دعك من البنية الفوقية، البنية التحتية، مسلمان يتخاصمان، يأكل أحدهما مال الآخر، يعتدي أحدهما على عرض الآخر، وهما مسلمان، وقد يرتادان بيوت الله عز وجل، البنية التحتية للمسلمين فاسدة، هذه الحقيقة المرة، هذه هي الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، لا بد من ثورة على ما ألفناه من تقصير، من انحراف، من معاصي، من آثام، من موبقات، من تقصير، لا بد من حركة جذرية حتى نستحق نصر الله عز وجل. يا معاذ ما حق الله على عباده؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: يا معاذ ما حق الله على عباده ؟- أعادها ثلاثاً -ثم أجابه قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.
 كم من مسلم لا يرى النصر إلا من خلال قوة كافرة تكون معها، تكون تابعاً لها، كم من مسلم لا يرى في الأرض فاعلاً إلا هؤلاء الأقوياء، وينسى أن الله موجود، كنت أقول دائماً اسمع الأخبار، اسمع التحليلات، اقبل بعضها، ارفض بعضها، ولكن إياك أن تنسى أن الله موجود وفي أية لحظة يقلب كل موازين القوى.
 أيها الأخوة الكرام، ثم سأل النبي معاذاً: يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه؟ قال: ألا يعذبهم، أنشأ الله لنا حقاً عليه أنه إذا عبدناه ألا يعذبنا.

 

أيّة أمة تدّعي أنها أمة مختارة ما لم يكن عملها طيباً فهذا ادعاء كاذب :

 يقول بعضهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، ردّ الله عليهم:

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾

[ سورة المائدة: 18 ]

 فإذا قال المسلمون مثل هذا القول نحن أمة محمد، نحن أمة سيد الأنبياء، نحن أمة قال الله عنها في القرآن الكريم:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 الرد الإلهي:

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[ سورة المائدة : 18 ]

 لا قيمة لكم عنده إطلاقاً إن لم تطيعوه، الانتماء الشكلي لا قيمة له أبداً، وليس له وزن عند الله عز وجل ، لذلك أية أمة تدّعي أنها أمة مختارة ما لم يكن عملها طيباً فهذا ادعاء كاذب، وقد ردّ الله عليه: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ )، والإمام الشافعي رحمه الله تعالى استنبط أن الله لا يعذب أحبابه.
 أيها الأخوة الكرام، مرة ثانية ليست العبرة أن تدرك ما حدث، العبرة أن تفهم الذي حدث لماذا حدث، ليست العبرة أن تفهم التفسيرات الأرضية وما أكثرها، كلها تفسيرات شركية، العبرة أن تفهم التفسير الإلهي.

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً ﴾

[ سورة الطلاق : 8]

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النحل : 112]

 تذكر قوله تعالى:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْْ﴾

[ سورة الأنعام : 56 ]

 أي الصواعق قديماً والصواريخ حديثاً.

﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾

[ سورة الأنعام : 56 ]

 الزلازل قديماً وحديثاً، والألغام حديثاً.

﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

[ سورة الأنعام : 56 ]

 في القرآن الكريم.

الثقة بأن الأمر بيد الله و أنه لن يتخلى عن المؤمنين :

 أيها الأخوة، لا أملك لراحة النفس إلا هذه الآية:

﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود : 55-56]

 إنسان واقف أمام وحوش كاسرة، الذي أسمعه اليوم أن وحشاً كاسراً سينقض على فريسة، وألف نملة تقول: نحن نرفض أن تنقض عليها، ماذا تفعل هذه النملة؟ هو يسمعها؟ هو ينصاع إليها؟ هو يراها أساساً؟! لا يراها، هذه الوحوش الكاسرة بيد الله عز وجل، علاقتك مع من؟ مع من يملكها، فإذا أطعته أبعدها عنك، وإن لم تعبده وصلت إليك، هذه الحقيقة:

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود : 56]

 ما من وقت أيها الأخوة نحن في أمس الحاجة إلى أن ترتفع معنوياتنا، ألا ننهار من الداخل، ألا ننهزم من الداخل، أن نثق أن الله لن يتخلى عنا، أن نثق أن الأمر بيد الله.

﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾

[ سورة الأنعام : 59 ]

 ورقة ! غزو، وقصف، وعدوان، وتدبير، وقتل، ولا يعلمه الله؟ الأمر بيد وحيد القرن فقط؟ لا.

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

[ سورة يونس : 24 ]

 أيها الأخوة الكرام، إن جلستم في بيوتكم، ومع أهليكم، ومع أصدقائكم، ومع زملائكم، ومع جيرانكم لا تثبطوا العزائم، لا تنسوا أن الله موجود، لا تنسوا أن الله الذي قصم الطغاة في العالم يقصم هذا الوحيد وحيد القرن، لا تنسوا أن الله لن يتخلى عن المؤمنين، ولكن توبوا إليه، أصلحوا ذات بينكم، اصطلحوا معه، صححوا ما في البيت من مخالفات، صححوا ما في العمل من مخالفات حتى نستحق نصر الله.
 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

من لم يستطع أن يفعل شيئاً فعليه بخاصة نفسه :

 أيها الأخوة الكرام، لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه. لك أن تدعو إلى الله، ولك أن تأمر بالمعروف، ولك أن تنهى عن المنكر، ولك أن تصلح الناس، ولكن إذا كان الفساد مستشرياً والناس في غفلة ماذا تفعل؟ أنقذ نفسك، استقم على أمر الله.
 إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فالزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، أي أقرباؤك، زملاؤك، أصدقاؤك، جيرانك، الذين تثق بهم ويثقون بك، ودع عنك أمر العامة، إن لم تستطع أن تفعل شيئاً، العبرة أن تنجو بنفسك، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

[ سورة الأنعام : 164 ]

﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

[ سورة سبأ : 17]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول بنا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، اجعل ثأرنا على من ظلمنا، انصرنا على من عادانا، لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا يا رب العالمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا يا أكرم الأكرمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذلّ الشرك والمشركين، اللهم اجعل تدمير أعدائنا في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك وفق ولاة المسلمين إلى ما تحب وترضى، اجمع بينهم، وحد كلمتهم، اجمعهم على الحق والهدى يا رب العالمين، وفق ولاة أمور المسلمين بما فيه خير البلاد والعباد يا أرحم الراحمين، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018