الخطبة : 0473 - رمضان4 ، الإنفاق من خلال الحديث الشريف - الصدقة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0473 - رمضان4 ، الإنفاق من خلال الحديث الشريف - الصدقة.


1994-03-04

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ، ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإنفاق من خلال السّنة النبوية المطهّرة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الخطبة الماضية تحدّثت عن الإنفاق ، ولكن من خلال القرآن الكريم ، وقد وعدتكم أن أتحدّث عن الإنفاق من خلال السنّة النبوية المطهّرة الصحيحة .

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ : مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 من يستعفف ، يا ربّ اكفني بِحلالك عن حرامك ، يا ربّ ارزقني من عندك ، من يستعفف يعفّه الله تعالى ، ومن يستغْن عن عطاء الناس ، ويطلب ما عند الله ، يغنهِ الله تعالى، ومن يتصبّر يُصبِّرْه الله تعالى ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ، ذكرتُ هذا الحديث الصحيح المتفق عليه لأنّ أحد الأنصار وهو سعد بن الربيع آخاه النبي عليه الصلاة والسلام مع عبد الرحمن بن عوف المهاجر ، فقال سعدُ بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف : هذا مالي بين يديك ، خُذْ أحَدَ بُسْتانيّ ، وعرَض عليه أن يُناصفهُ مالهُ كلّه مراعاةً لِحَقّ المراعاة في الله تعالى ، فما كان من عبد الرحمن بن عوف إلا أن قال : باركَ الله لك في مالك ، ولكن دُلّني على السوق ، الإنسان قبل أن يفتح على نفسه باب مسألة لِيَتَأمّل كثيرًا ، لِيُراقِب نفسهُ كثيرًا ، فالله سبحانه وتعالى بِقُدرته أن يُغنيَهُ من فضله ، وأن يُعِفَّه عن أموال الناس ، وأن يُصبِّرَهُ على ما هو فيه ، هذا جانبٌ من جوانب الإنفاق .

 

النّوايا الطّيبة محصلة إيمان الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى :

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة الزمر : 10]

 عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ))

[ البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ]

 معنى يحتسبها أي يقصدُ بها وجه الله ، ويطلب ثوابها من الله تعالى ، وذكرتُ لكم من قبل أنّ الأعمال المألوفة التي يفعلها معظم الناس ، ويتبرّمون بها ، وقد يضْجرون منها ، وإذا فعلوها لا يشعرون بأيّ شيء ، عند المؤمن تنقلبُ إلى عبادات ، فالأعمال اليوميّة ، أو المباحات ، أو العادات ، أو ما ألِف الناس أن يفعلوه ، ما منّا رجل إلا وينفق على بيته ، يأتي بالطعام واللّباس والحلوى والفواكه ، هذه النّفقَة التي تنفقها على أهل بيتك ، إذا كان إيمانك كبيرًا، وابتغيْتَ بها وجه الله تعالى ، وأن تأخذ بيَدهم إلى الله ، وأن تنمّي العلاقة بينك وبين أهلك ، وأن تكون قُدْوَةً لهم ، وأن تبْعث فيهم حبّك ، لكون هذا الحبّ مسارًا إلى الله عز وجل ، هذه النّفقَة التي تنفقها على أهلك تنقلب عند الله تعالى إلى عبادة ، أو إلى صدقة ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ))

[ البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ]

 النوايا الطيّبة ، وهذه النيّة الطيّبة أيها الأخوة لا تتأتّى بِكَلمةٍ تلفظها ، هذه النيّة العالِيَة الخالصة هي محصّلة إيمانك كلّه ، ومحصّلة معرفتك بالله تعالى ، ومحصّلة معرفتك بِسِرِّ وُجودك ، محصّلة التوحيد ، ومحصّلة العمل للآخرة ، إذا كان إيمانك بالله تعالى كما ينبغي، وإيمانك بالجنة كما ينبغي ، وإيمانك بالتوحيد كما ينبغي ، وإيمانك بِحَقيقة الدنيا كما ينبغي ، وإيمانك بِدَوْرِكَ في الحياة كما ينبغي ، محصّلة هذا كلّه يكون نوايا طيِّبَة ، هذه النوايا الطيّبة إذا اقْترنَتْ مع المباحات قَلَبَتْها إلى عبادات ، وبالمقابل أيّها الأخوة يقول عليه الصلاة والسلام :

((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ))

[ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

من قصد بإنفاق ماله وجه الله و طلب ثوابه فهو له صدقة :

 كنتُ أقول هذه العبارة : إنّ زيدًا من الناس أنت له ، وفلانٌ له ، وعلان له ، وغيرك له ، أما أولادك فمن لهم غيرك ؟ زيدٌ من الناس له الناس جميعًا ، لكنّ أولادك الذين أنجبْتهم ، وأهلك الذين ارتبطَ مصيرهم بِمَصيرك ، يسْعدون إذا سعدْتَ ، ويشْقَوْن إذا شقيت ، من لهم غيرك ؟ هذا الكلام لا ينسحِبُ على من أراد أن يُتْرفَ أهله ، أن يجعلهم يغرقون في الإسراف والتبذير ، هذا الكلام لا ينسحب على التبذير ، ولا على الإسراف ، ينسحب على تأمين الحاجات الأساسيّة التي لا بدّ منها ، والتي بها تقوم حياتهم ، ويرتفع رأسهم ، لذلك قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : " حبَّذَا المال أصون به عرضي ، وأتقرّب به إلى ربّي " فكما أنّه إذا أنفق الرجل على أهله نفقَةً يحْتسبُها ، أي يقصِدُ بها وجه الله ، ويطلب ثوابها من الله ، فهي له صدقة ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ))

[ البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ]

 كذلك كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث :

((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ))

[ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 أيها الأخوة ، في حديث رواه الترمذي وقال عنه حسن صحيح : عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ؟))

[الترمذي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ]

((عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟))

 تسع وستون سنة ، كيف أمْضَيْتها ؟ ماذا فعلتَ فيها ؟ ماذا قدَّمْت للناس ؟ ماذا حصّلت من أعمال صالحة ؟ أين أمْضَيْت العُطَل وأوقات الفراغ ؟ أين أمْضَيْت سحابة اليوم ؟ أين أمْضَيت هذه الطاقة التي أودعها الله فيك ؟ الطاقات العضلِيّة والفِكْريّة والنفسيّة ، هذه الطاقات التي أوْدَعَها الله فيك ، هذا العمر كيف أمْضَيْتَهُ ؟

((وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ؟))

 تعلَّمْت ، إذا الواحد كان عمرهُ خمسين عامًا ، وكان يُصلّي في المساجد ولا سيما يوم الجمعة ، أي حضر خمسين خطبة بِخمسين سنة ، المجموع ألفان وخمسمئة خُطبة ، ما تعلَّمْتَ منها آيةً تُطَبِّقُها ؟ ولا حديثًا تعمل به ؟ ولا حُكْمًا فقهيًّا ينظّم علاقاتك ؟ هذا العلم ماذا فعلتَ به ؟ السؤال الأوّل عن عمره فيم أفناه ؟ وهناك رواية لهذا الحديث : وعن شبابه فيم أبلاه؟ والشيء الثالث عن علمه ماذا عمل فيه ؟ أما السؤال الرابع فهو ذو شِقَّيْن ؛

((وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟))

 فالإنسان قبل أن يقبض المبلغ من المال لِيُحاسب نفسهُ حِسابًا عسيرًا ، حتى يأتي حسابهُ يوم القيامة يسيرًا ، وقبل أن ينفق لِيُحاسب نفسهُ حِسابًا عسيرًا حتى يكون حسابه يوم القيامة يسيرًا .

 

على المؤمن طرق أبواب الخير كلّها :

 النقطة الثالثة في الحديث أنّ المال تُسأل عنه مرَّتين ؛ مرَّةً كيف اكْتسبْته ؟ ومرّةً فيم أنفقْتهُ ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 زَوْجين ، أيُّ شيءٍ له زوْج ، مهران ، ناقتان ، حِصانان ، وأيّ شيءٍ له ما يقابله، وأن تنفق في سبيل الله هو الخير ، وقوله من ضرورة ؛ أيْ مِن ضَرَرٍ ، ماذا على المؤمن لو كان صائمًا مُصَلِّيًّا منفقًا متصدِّقًا ؟ ماذا عليه لو طرق أبواب الخير كلّها ؟ لماذا يختصّ كلٌّ مِنَّا بأبواب الخير ؟ دَعَوْتَ إلى الله تصدَّق مع الدَّعوة ، تصدَّقت اُدْعُ إلى الله مع الصدقة ، صلْ الأرحام ، صلِّ بالليل والناس نِيام ، صُمْ ، أيْ يجب أن تأتيَ أبواب الجنّة كلّها ، هذا الحديث هكذا مَفادُهُ .

نشر الحق و الدعوة إلى الله بين الناس :

 وعَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَتْ لَهُ بِسَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ))

[الترمذي عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ]

 الشيء الملفت للنّظر أنّ هذه النفقة في سبيل الله ، وقال شُرّاح الحديث : أي في سبيل الدعوة إلى الله تعالى ، لأنّه من أحيا نفْسًا فقد أحيا الناس جميعًا ، هذه الصّدقة إن أردت أن ترسِّخ الحقّ في هذه الأمّة ، إذا أردْت أن تنشر الهدى ، إذا أردتَ أن يشيع الحق بين الناس، وإذا أردت لهذا الدِّين الحقيقي والحق أن يكون بين الناس سائدًا ، وإذا ساهمْت بِمَالك في نَشْر الحق ، وفي الدّعوة إلى الله ، إذا جعلْت الناس يتعلّمون أمْر دينهم ، كلّ عملٍ هدفهُ نشْر الحق، هذا له حِسابٌ خاصّ ، أن تسُدّ جَوْع إنسان هذا عملٌ طيِّبٌ ، وهو مُثاب عليه صاحبهُ ، لكن أن تنشر الحقّ بين الناس ربّما كان هذا العمل في قِمَم الأعمال الصالحة ، فمن أنفق مالاً لِيَنشر الحق ، ويعمّ الهدى ، ولِيَكون دينُ الله هو السائد بين الناس ، ولِيُعَرِّف الناس بالله ، ويحملهم على طاعته ، ولِيُسْعِدَ الإنسان بِمَعرفة الله ، من سخَّر مالهُ لهذا الهدف الكبيرِ الكبير ، فهذه الصّدقة بِسَبْعمئة ضِعْف ، هناك من يتصوّر أنّه إن لم يُعْط هذا المبلغ لفَقير جائعٍ على وشك الموت جوعًا يسدّ به جوْعته فلا يُقبل ، هذا غير صحيح لأن هناك أيضاً نشر الحقّ بين الناس، وشفي الناس من أمراضهم النفسيّة ، إذًا الإنسان كما أنّهُ يُطعمُ الجِياع عليه أن ينشر الحقّ بِطَريقةٍ أو بأخرى .

 

النية الطيبة تتأتى بعد معرفة الله و حمل النفس على طاعته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حديث في صحيح مسلم يقصم الظّهر والإنسان المؤمن ترتعد فرائصه منه ، قال :

((وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ ، قَالَ : كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ))

[ النسائي عن سليمان بن يسار ]

 لماذا قلتُ لكم قبل قليل : هذا الحديث يقصم الظهر ؟ لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : " إنما الأعمال بالنيات " والنيّة الطيِّبة لا تتأتّى بكلمة طيّبة تقولها ، تتأتّى بعد معرفة الله ، وبعد أن تحْملَ نفسك على طاعته ، هذا الحديث طويل أخذتُ فقْرة منه متعلّقة بالإنفاق ، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم :

((وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ))

[ النسائي عن سليمان بن يسار ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الحلّ سهلٌ جدًّا أنْفِق دون أن يعلمَ أحدٌ ، لا يستطيعُ أحدٌ أن يتَّهمك أنّك تبتغي بهذا سُمعة بين الناس ، أنفق دون أن تعلم شمالك ما أنفقت يمينك ، لو شعر الإنسان أنّ إنفاقه ربّما جلب له سمْعةً طيّبة ، وربّما ارتفع اسمه بين الناس ، وربّما نالَ وَجَاهةً لم يكن يعْهَدْنا من قبل فالطريقة المِثالِيَّة أنفق من دون أن تُعْلِمَ أحدًا بذلك ، فالله سبحانه وتعالى يقبلُ هذا ، وتقع الصّدقة في يدي الله عز وجل قبل أن تقع في يد الفقير ، ما أردْتُ من هذا الحديث أن أثبّط العزائم ، لا والله ، بل أردْتُ أن تكون الحقيقة ولو كانت مرَّةً بين أيديكم ، الحقائق المُرَّة إذا تعلّمناها ونحن في الدنيا فالإصلاح سهل أيها الأخوة ، حتى الإنسان لا يقع ضَحِيّة غروره ، ولا ضَحِيَّة أنَّه يلهث وراء السّمعة و الوجاهة بين الناس ، وهو في الحقيقة لا يعبدُ الله ، ولكنّه يعبدُ نفسهُ .
 هناك كلامٌ يُرْضي الناس ، ولكن هناك حقائق ربّما كانت مرّة ، ولكن لا بدّ من أن تُلقى على الناس كي يأخذوا حِذْرهم ، هناك أمراض خطيرة جدًّا لا آلام لها ، الطبيب إذا سكت عن هذه الأمراض يكون قد خان المريض ، هناك أمراض آلامها شديدة ولكن ليْسَت خطيرة ، ولكن هناك أمراضاً خطيرةً جدًّا من دون أعراض ، والطبيب يكشفها ، فإن لم يذكّر هذا المريض بِشَكل أو بآخر ، بِتَلميحٍ أو بِتَصريحٍ ليأخذ حِذْره فقد خان المريض ، فهناك مطبّ يقع فيه المنفِقُون ، ينسى الإخلاص ، وينسى أنّ هذه الصّدقة تُعطى لله عز وجل ، تحتسب عند الله، ويُبْتغى بها وجه الله ، قال تعالى :

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾

[ سورة الإنسان : 9]

 حديث رواه مسلم .

 

إنفاق الرجل على أهله عمل صالح يجعل الأسرة متراصة و متحابة :

 أنا ذكرْتُ في أوّل الخطبة أنّني سأتحدّث عن الإنفاق من زاوية السنّة النبويّة الشريفة الصحيحة الثابتة التي لا جِدال فيها ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 أخطر ما في هذا الحديث أن يتَّجِهَ الناس إلى إغراق أهلهم وأولادهم بالزِّينة ، والمُتَع ، والرفاهِيَة ، والتَّرَف ؛ ليس هذا قصْدُ النبي ، هذا الحديث مُوَجَّه لِمَن قبضُوا أيديهم عن إسعاد أهلهم ، هذا الحديث مُوجَّه لِمَن بخِلوا عن زوجاتهم وأولادهم أن يُطعِموهم ، أن يُلْبِسوهم ، ويُلبُّوا حاجاتهم التي يرفعون رأسهم بها ، لكن أن يفْهم الناس هذا الحديث أن تجعلَ مالكَ كلّه من أجل أن ترفِّه وتُتْرفَ أولادك ، ليس هذا قصْد النبي عليه الصلاة والسلام إطلاقًا ، ولكنّ هذا الحديث من أجل أن تشْعر إذا كنتَ أبًا أنّ إنفاقك على أهلك عملٌ صالح ، وأنّ هذه الأسرة المتماسكة هي اللّبِنَة الأولى في الإسلام ، المجتمع مجموعة أُسَر ، فإذا تماسكَت الأُسَر وترابَطَتْ ، وكانت متينة مُتراصَّة كان المجتمع بِخَير ، وكان قويًّا ، وأوّل بوادر انهيار العالم الغربي تفكُّك الأسرة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حديث آخر يؤكّد هذا :

(( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ ))

[ البخاري عَنْ أم سلمة]

 هذا الأب وهذه الأمّ التي تربّي أولادها ، تطعمهم ، تُلْبسُهم ، تُدْفئهم ، ترعى شؤونهم حتى يكبُروا ، وقد أصبحوا عناصر طيِّبَةً في المجتمع ، هذه الأمومة المِثالِيّة ، وتلك الأبوّة المِثالِيَّة ، بل إنّ البُنوّة المِثالِيّة هي في حدّ ذاتها عمَلٌ يكفي لِدُخول الجنّة ، الأمومة المِثالِيّة ، والأبوّة المُاليّة ، والبنوّة المِثالِيّة في حدّ ذاتها عملٌ يكفي لدُخول الجنّة ، والحديث متفق عليه :

(( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ))

[ البخاري عَنْ أم سلمة]

 وتعلمون أيها الأخوة أنّ أعلى أنواع الأحاديث على الإطلاق ما اتّفقَ عليه الشَّيْخان ، ولا يوجد أحدٌ من إخواننا الكرام على الإطلاق إلا وله مع الله تجربة ، أنَّه إذا أنْفقَ أنْفقَ الله عليه ، والله تعالى يُشجِّعُ ، وهذا من باب التَّشْجيع ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ :

((أَنْفِقْ يَا بْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ))

[ البخاري عَنْ أبي هريرة]

 والله سمعتُ من إخوتنا الكرام عشرات بل مئات القصص التي تؤكِّد هذا المعنى ، أنْفِقْ أُنْفق عليك ، أنفق بلالاً ، ولا تخْشَ من ذي العرش إقلالاً ، ما نقصَ مالٌ من صدقة ، قال تعالى :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾

[ سورة سبأ : 39]

إطعام الطعام من الأعمال العظيمة :

 وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ :

((تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))

[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو]

 إطعام الطعام أيضًا من الأعمال العظيمة ، وإطعام الجائعين ، أن تجمع المؤمنين على طعامٍ يأكلونه ، هذا عملٌ طيِّبٌ جدًّا ، والنبي عليه الصلاة والسلام شجَّع عليه ، ولا تنسى أيّها الأخ الكريم أنَّك إذا أطْعمْت الطعام فلك أجْرُ الإنفاق ، ولِزَوجتك أجر صُنْع الطعام ، ولأولادك أجر خِدمة الضُّيوف وأنت لا تدري ، وأنّ الضَّيْف أحيانًا يأتي بِرِزْقهِ ، ويرتحِلُ بِذُنوب القوم ، ما هذا الضَّيْف يأتي بِرِزْقِهِ ويرتَحِلُ بِذُنوب القوم ؟ فإطعام الطعام أيضًا قد تكون فيه مشقَّة ، ولكن للذي أنفقَ أجرٌ ، وللذي صنَعَ الطعام أجرٌ ، وللذي خدمَ الضيوف أجرٌ .
 وفي حديث طويل عن سعد بن أبي وقاص نقتطع منه فقرة تناسب الخُطبة عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ))

[ البخاري عَنْ سعد بن أبي وقاص]

 لو الإنسان قدَّم لزوجته لُقْمة طعام ، قطعة لحم ، قطعة فاكهة ، قال :

((إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ))

[ البخاري عَنْ سعد بن أبي وقاص]

 وهذا الحديث متفق عليه .

 

المؤمن الصادق يذكر الله و ينفق المال :

 و عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ))

[ متفق عليه عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

 آتاه الله القرآن قراءةً ، آتاه الله القرآن فهمًا ، آتاه الله القرآن دَعوةً ، آتاه الله القرآن جهادًا ، ألم يقل الله عز وجل :

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[سورة الفرقان: 52]

 سمَّاه الله جهاداً ، أن تتعلّم القرآن وتُعلِّمهُ جهاد ، وذكرتُ لكم سابقًا أيها الأخوة ، الأخوان الكرام الذين يرتادون المساجد ، ألا يسمعون في كلّ خطبة ، وفي كلّ درسٍ ، وفي كلّ صلاة تراويح تفسير آيةٍ من آياته ؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري عن ابن عمرو ]

 والمؤمن الصادق قبل أن يلتقي مع الناس ، وقبل أن يزور أخته ، قبل أن يزور إخوته ، وقبل أن يجلس هذه الجلْسة ، وقبل أن يجتمع هذا الاجتماع ، لِيَكُن في ذِهْنه ماذا سأُحدِّثهم عن الله عز وجل ؟ فكلّ شيء تعلّمتهُ في المسجد هذا ينبغي أن تعلّمه للناس ، أن تنقلهُ للناس ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري عن ابن عمرو ]

 لا تجعل المجلس كلّه حديثًا عن الدنيا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً))

[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 عَنْ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

((لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ))

[ مسلم عَنْ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ]

 فكلّ مجْلسٍ تجلسهُ ؛ على الطعام مساءً مع أهلك ، عند الطعام ألا تذكرُ آيةً سمعت تفسيرها ؟ ألا تذكرُ حديثًا شريفًا ؟ ذكِّرْهم بآية أو بحديث ، وهكذا مع إخوانك وزملائك ، مع أقرانك ، مع جيرانك ، غدًا في العيد ، العيد كلُّه زيارات ، الموضوع الطعام ، والشراب ، والطقس ، ومعدّل الأمطار ، وأسعار العملات لم ننتَهِ منه ، موضوعات مُسْتهلكة ومُمِلّة ، حدِّثْهم عن الله عز وجل ، فلذلك :

((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ))

[ متفق عليه عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

 هذا يُحْسَد ، والحسد إذا جاء في معرض المدح فهو الغِبْطة ، كلمة آناء تعني الساعات ، ينفقهُ في ساعات الليل ، وفي ساعات النهار ، والذي ذاق عرف ، المؤمن يسْعَدُ أيَّما سعادة حينما ينفق من ماله الحلال .

 

الحكمة من إخفاء الصدقة :

 أيها الأخوة ، كما قلتُ لكم قبل قليل : الإنسان إذا خشِيَ على نفسه الوَجاهَة بين الناس في إنفاقه ، وأن ينسى إخلاصه لله ، وأن ينْساق وراء سُمْعته وحديث الناس عنه ، واسْتِجداء مديحهم ، هناك طريقة مُثلى ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ . . . وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطّى غيرنا إلينا ، فلنتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل إلى ما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأمانيّ ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الصّدقة والإنفاق من موجبات رحمة الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الخطبة الأولى ذكرتُ لكم الأحاديث التي فيها كلمة إنفاق من الصِّحاح ، أما الآن فالأحاديث المتعلّقة بالصّدقة ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ]

 افْتُلِتَت نفسها أيْ ماتَتْ ، وأُراها أيْ أظنّها ، فهي كانت تتمنى أن تتصدّق وهذا الحديث أيضًا حديث صحيح ، ومعنى ذلك أنّ الصَّدقة إذا دُفِعَت عن روح الميّت تصِلُ إليه ، فمن أراد أن يُكْرِمَ أباه المُتَوَفَّى ، أو أُمَّه المُتَوَفَّاة ، أو قريبه المُتَوَفَّى ، فبِإمكانه أن يدْفعَ صدقةً بهذه النيّة الطيّبة ، قال :

((إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ]

 لو تكلّمت كلمة قبل أن تموت لقالتْ : تصدَّقوا من مالي . دقِّقوا في هذا الحديث، وهو من أدقّ الأحاديث في الإنفاق ، عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ قَالَ :

((يَقُولُ ابْنُ آدَمَ : مَالِي مَالِي ؟ قَالَ : َهَلْ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ؟ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ؟ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ؟))

[مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ ]

 في الحقيقة الحديث الشريف هو تفسير القرآن ، وما قاله النبي عليه الصلاة والسلام هو في الأصل تِبْيانٌ لما في القرآن ، فالذي تأكلهُ يفنى ، وتعلمون إلى أين مصيره ؛ إلى الصّرْف الصحّي ، والذي تلبسونه تعلمون إلى أين ينتهي ، فالطعام والشراب مسْتهلك ، والثِّياب مستهلكة ، ما الذي يبقى من مالك كلّه مهما كان المال كثيرًا ؟ ما الذي يبقى ؟ قال :

((تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ))

 طبعًا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، هذه مستهلكات ، لكنّك انتفعْت بها في الدنيا ، وأما الإنفاق في سبيل الله فهو من الباقيات الصالحات ، وما سوى ذلك هنا المشكلة ، هذا المال ليس لك ، أيْ لمْ تنتفع منه لا في الدنيا ولا في الآخرة ، لكنّك مُحاسبٌ عليه كيف اكْتسبْتهُ ؟ لذلك يقول عليه الصلاة والسلام : " أندمُ الناس رجلٌ دخل ورثته بماله الجنّة ، ودخل هو بِماله النار" ماله هوَ هو ، المال نفسهُ الذي جمعهُ طوال حياته بِطَريق غير مَشروع دخل به النار ، والذي ورثَهُ حلالاً فأنفقهُ في سبيل الله دخل به الجنّة ، فأندمُ الناس رجلٌ دخل ورثته بماله الجنّة ، ودخل هو بِماله النار! وأندم الناس عالمٌ دخل الناس بِعِلمه الجنّة ، ودخل هو بِعِلْمه النار ، قال له :

((يَقُولُ ابْنُ آدَمَ : مَالِي مَالِي ؟ قَالَ : وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ؟ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ؟ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟))

[مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ ]

 ومن أرسل ماله أمامه سرَّه اللَّحاقُ به ، لو أنّ إنسانًا كرِهَ بلدًا ، يُقيم في بلدة فانْزعَجَ فيها ، باع معملهُ وحوَّلهُ إلى الخارج ، وباع بيته ومركبته ومزرعته ، ولم يبق إلا أن يتْبعَ ماله ، فإذا أنْجَزَ مُعاملات السّفر وركب الطائرة هو أسْعدُ الناس ، لماذا ؟! لأنّه سيَلْحَقُ بِماله ، قدَّم ماله أمامه ، وسرّه اللّحاق به ، كذلك المؤمن قدَّم ماله أمامه إلى الآخرة ، إذًا ما الذي يسُرُّه؟ أن يلْحق به .
الحديث الأخير ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 الحديث فيه تركيب اعتراضي ؛ ولا يقبل الله إلا الطيّب ، فلوَّهُ أيْ مهْرهُ .
 أيها الأخوة الكرام ؛ موجبات رحمة الله بين أيديكم ، الصّدقة والإنفاق من موجبات رحمة الله ، ومن ذاق طعْم الإنفاق عرف ، ومن ذاق طعْم الإنفاق عرف كم هو سعيدٌ من يُنفق ، مع أنّ الله سبحانه وتعالى يعوّض على كلِّ منفقٍ إنفاقه ، عشْرة أمثال إلى سبعمئة ضِعْف ، لذلك تاجرْ مع الله فأنت أربحُ التُّجار .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018