الخطبة : 0570 - الدروس المستفادة من الهجرة - قصة عقبة بن عامر الجهني مع النبي الكريم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0570 - الدروس المستفادة من الهجرة - قصة عقبة بن عامر الجهني مع النبي الكريم .


1996-05-24

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الحبّ أساس الدين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قبل أيام عدة مرت بنا ذكرى الهجرة ، هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، والهجرة من أبرز أحداث الدعوة الإسلامية .
 الحديث عنها يطول لكن يهمنا أن نعرف ما موقفنا نحن من الهجرة ؟ وماذا ينبغي أن نعمل ؟
 النبي صلى الله عليه وسلم معصوم في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره ، وفي أحواله ، وفي صفاته ، أي أن أقواله وأفعاله وإقراره وأحواله وصفاته تشريع وقدوة ، واتباع النبي صلى الله عليه وسلم دليل عملي على محبة الله ، والحب أساس الدين ، قال تعالى :

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة آل عمران : 31 ]

 فرق كبير بين نبي مرسل يوحى إليه ، وبين عظيم من عظماء البشر العظماء يخطئون ويصيبون ، وليست أقوالهم ، ولا أفعالهم ، ولا إقرارهم ، ولا أحوالهم ، ولا صفاتهم تشريعاً ولا قدوة ، لكن الأنبياء عصمهم الله عز وجل ، في أفعالهم ، وأقوالهم ، وصفاتهم ، وإقرارهم ، لذلك تُعد مهمة النبي صلى الله عليه وسلم ذات شقين ، شق تبليغي ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾

[سورة المائدة : 67]

 وشق عملي ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قدوة لكل المؤمنين إلى يوم القيامة ، لقوله تعالى :

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب : 21]

طاعة النبي عين طاعة الله :

 ولكن ما علاقة هذه المقدمة بموضوع الهجرة ؟ علاقتها أن الظروف التي أحاطت بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الأحداث التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم خُلقت وقدِّرت بعناية تامة ، ولحكمة بالغة ، ليقف منها النبي صلى الله عليه وسلم الموقف التشريعي الكامل .
 إن الظروف التي أحاطت بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وإن الأحداث التي واجهها في مسيرة الدعوة ، خُلقت وقدّرت بعناية تامة ، ولحكمة بالغة ، ليقف منها النبي صلى الله عليه وسلم الموقف الكامل التشريعي وبسبب من طبيعة النفس الواحدة فإن الظروف تتكرر ، والأحداث تتشابه ، لذلك إذا واجه المؤمن في حياته ظروفاً مشابهةً للظروف التي وقعت في عهد النبي ، وإذا واجه المؤمن في حياته أحداثاً مشابهة للأحداث التي وقعت في عهد النبي ينبغي أن يقف موقف النبي صلى الله عليه وسلم اقتداءً ؛ لأن طاعة النبي عين طاعة الله .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾

[ سورة محمد : 33]

 فإذا واجهت المؤمن ظروف وأحداث تشابه الظروف التي وقعت في عهد النبي ، ينبغي أن تقف موقف النبي عليه الصلاة والسلام ، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين .
 وهذه مقدمة ثانية أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى :

﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾

[سورة النساء : 66]

 الشيء المهم أنك أيها الإنسان أُمرت أن تعبد الواحد الديان ، قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 فإذا توافقت عبادة الله مع بقائك في بلدك فهذا شيء طيب ، أما إذا تعارضت عبادة الله مع إقامتك في بلدك فماذا ينبغي أن تفعل ؟ لو أنك كنت مستضعفاً ، ولم تستطع أن تقنع القوى الظالمة أن تكف عنك ، وحملتك على معصية الله ، ومنعتك من إقامة شعائر الله ، فماذا ينبغي عليك أن تفعل ؟ قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾

[سورة النساء : 97]

 أي لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

 

الدروس المستفادة من الهجرة الشريفة :

1 ـ إيثار طاعة الله عز وجل على الدنيا و مصالحها :

 أن تعبد الله عز وجل ، وأن تقيم أمره ، وأن تستقيم على منهجه هو الهدف الأول الذي ينبغي أن تضحي من أجله بكل هدف ، أنت مخلوق من أجل أن تعبد الله ، فإذا توافرت لك العبادة فأنعم بهذا البلد الطيب الذي أتاح لك أن تعبده ، أتاح لك أن تستقيم على أمره ، أما إذا حيل بينك وبين أن تعبد الله فلا خيار لك في أن تذهب إلى بلد تعبد الله فيه ، هذه الحقيقة الأولى التي ينبغي أن نطبقها من دروس الهجرة .
 إذا كنت في عمل ومُنعت من أداء الصلاة ، فبدِّل هذا العمل ، إذا كنت في مكان ومُنعت أن تقيم شعائر الله ابحث عن مكان آخر ، إذا ارتبطت بعمل لا يرضي الله عز وجل ، دعه إلى عمل أقلّ دخلاً يرضي الله عز وجل ، هذه الحقيقة الأولى ، يجب أن تؤثِر طاعة الله وعبادته على كل شيء ، أما إذا آثرت الدنيا ، والمصالح ، والمكاسب ، والاستقرار على طاعة الله ، فنحن عندئذ لم نفهم من دروس الهجرة شيئاً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الدرس الأول ، لا شيء يُفضل على طاعة الله ، لا شيء يعلو على عبادة الله ، لا شيء مقدَّم على أن تستقيم على أمر الله مهما كان الثمن باهظاً ، ومهما كانت التضحية جسيمة ، هذا هو الدرس الأول . قد نطبق هذا الموضوع في ظروف جزئية ؛ عملان ، الأول دخله كبير لكنه لا يتيح لك أن تعبد الله فيه ، وعمل دخله أقل يُتاح لك أن تعبد الله فيه ، اختر العمل الثاني .
 فتاتان ، الأولى لا تستطيع أن تطيع الله معها ، والثانية يمكن أن تطيع الله عز وجل بصحبتها ، تزوج الثانية ، هذا درس يؤخذ بشكل إجمالي وبشكل تفصيلي .

2 ـ الهجرة حركة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الدرس الثاني من دروس الهجرة أن الهجرة حركة قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة الأنفال : 72]

 إن لم تأخذ موقفاً عملياً ، إن لم تتحرك بناءً على عقيدتك ، إن لم تأخذ الموقف العملي ، إن لم تنتقل من مكان إلى مكان ، إن لم يظهر إيمانك في سلوكك ، في بيتك ، في عملك ، المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ، الهجرة حركة ، أما هذا الذي يتعاطف مع المؤمنين بأفكاره ، يتعاطف معهم بمشاعره ، يتتبع أخبارهم في العالم ، من دون أن يتحرك حركةً واحدة نحو طاعة الله عز وجل ، فهذا كما قال الله عنه :

﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[سورة الأنفال : 72]

 الهجرة حركة أيها الأخوة . .

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾

[سورة الأنفال : 73]

 أي إن لم تؤمنوا ، وإن لم تهاجروا ، وإن لم تجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ، وإن لم تؤووا ، وإن لم تنصروا ، وإن لم تكونوا أولياء بعضكم بعضاً ، عندئذ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير .
 أيها الأخوة الكرام ؛ بناءً على هذه الآية ؛ الهجرة كما يتضح - إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا - ترك وفعل ، هاجر ترك ، وجاهد فعل ، فلو طبقنا هذا الدرس على حياتنا اليومية ، هل تركت صديقاً لا تعجبك سيرته ؟ هل ترك بيتاً مغتصباً ؟ هل تركت عملاً لا يرضي الله ؟ هل تركت سفراً لمعصية ؟ هل تركت لقاءً لا تقام فيه شعائر الله ؟ هل تركت وليمة لا ترضي الله ؟ هل تركت حفلاً ليس فيه مرضاة الله عز وجل ؟ ترك المعصية ، ترك الفساد ، البعد عن مواطن الفتنة ، هذا نوع من الهجرة :

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الأنفال : 72]

 وأما الجهاد فهل أعطيت مالاً من دخْلِك الحلال في سبيل الله ؟ هل رعيت بمالك اليتامى والأرامل ؟ هل عاونت طلبة العلم ؟ هل ساهمت في بناء بيوت الله عز وجل ؟ . .

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الأنفال : 72]

 هل بذلت من وقتك الثمين وقتاً لطلب العلم ؟ هل بذلت من خبرتك لخدمة المسلمين ؟ هل بذلت من علمك لخدمة المسلمين ؟ هل بذلت من جاهك لخدمة المسلمين ؟ . .

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الأنفال : 72]

 هل تعلمت العلم وعلمته ؟ وقد قال الله عز وجل :

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾

[سورة الفرقان : 52]

 والهاء تعود على القرآن الكريم ، تعلم القرآن الكريم وتعليمه بنص هذه الآية الكريمة جهاد كبير .
 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾

[سورة الأنفال : 72]

 معنى ذلك أن الذي يؤمن ولم يهاجر ، أي لم يترك المنكر ، أن الذي يؤمن ولم يجاهد بماله ونفسه ، أن الذي يؤمن ولم ينصر ، أن الذي يؤمن ولا يعد نفسه ولياً للمؤمنين ، هذا ليس مؤمناً حقاً لقول الله عز وجل :

﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾

[سورة الأنفال : 72]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا هو الدرس الثاني ، الهجرة ترك وعمل ، ويمكن أن تطبق في المواقف الجزئية .

3 ـ الهجرة انتماء عملي إلى الحق :

 الشيء الثالث : أن الهجرة انتماء عملي إلى الحق ، أن تنتقل من بلد إلى بلد ، وأن تهدر مصالحك في البلد الأول ، وأن تُقتلَع من جذورك من البلد الأول ، وأن تنتقل إلى بلد آخر ، فيه مؤمنون ، وفيه تستطيع أن تطبق تعاليم الدين ، وأن تمارس شعائر الله عز وجل ، هذا انتماء صارخ عملي إلى الدين .
هناك انتماءات صغيرة ؛ هل تؤدي الصلاة في أوقاتها ؟ هل تعلن الصيام ؟ هل تحج إلى بيت الله الحرام ؟ هل تغض البصر عن محارم الله ؟ هل تدع المحرمات صغيرها وكبيرها ؟ إنك إن سلكت المسلك الإسلامي الصحيح تكون قد أعلنت انتماءك إلى الدين إعلاناً عملياً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ما كل صرعة من صرعات الحياة ينبغي أن يجلبها المؤمن لبيته ، ما كل شيء شاع بين الناس يصبح حقاً ، لابد من أن يكون هناك فرق واضح في سلوك المؤمن ، وفي بيته ، وفي عمله ، وفي خلوته ، وفي جلوته ، وفي حِله وترحاله ، فرق واضح صارخ بينه وبين غير المؤمنين ، فالهجرة فضلاً عن أنها ترك بلد إلى بلد ، وإنفاق المال والنفس في سبيل الله ، هي انتماء عملي إلى الحق ، هل تفخر بانتمائك إلى هذا الدين ؟ هل تفخر بانتمائك إلى هذا الشرع الحنيف ؟ هي انتماء . . أن تحافظ على الصلوات انتماء ، وأن تعلن الصيام انتماء ، وأن تحج بيت الله الحرام انتماء ، وأن تغض البصر انتماء ، وأن تعرض عن مصافحة المرأة الأجنبية انتماء ، وأن تدع الاختلاط انتماء ، وأن تدع كل جهاز يستقبل المنكرات انتماء ، والهجرة انتماء إلى الله ورسوله .

4 ـ الهجرة أن تنضم إلى المؤمنين و تدع الكافرين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من الدروس المستفادة من الهجرة ، أن الهجرة أن تنضم إلى المؤمنين ، أن تدع الكافرين وأن تنضم إلى المؤمنين ، أن تدع العصاة وأن تنضم إلى الطائعين، أن تدع المعرضين وأن تنضم إلى المقبلين ، أن تدع أهل الباطل وأن تنضم إلى أهل الإيمان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الانضمام يعني أن تضيف إليهم علمك ، أن تضيف إليهم خبرتك ، أن تضيف إليهم مالك ، هل يُعقل أن تقبع في بلد أجنبي تعطي كل خبرتك لمن يكيد للمسلمين ؟ هل هذه هجرة ؟! هذه هجرة في سبيل الشيطان ينبغي أن تنضم إلى المؤمنين ، أن تضع خبرتك في خدمتهم ، أن تضع علمك في خدمتهم ، أن تضع مالك في حلّ مشكلاتهم ، الهجرة فضلاً عن أنها انتماء هي انضمام ، هذه الطاقات التي أكرمك الله بها ، هذه القدرات التي حباك الله بها ، هذا المال الذي أنعم الله به عليك ، يجب أن تنفع به المؤمنين ، يجب أن تنفع به المسلمين ، هذا العلم المتفرد به في الطب ، أو الهندسة ، أو في أي فرع آخر ، يجب أن ينتفع به المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها ، فالهجرة أيها الأخوة انضمام إلى المؤمنين . هل تقرُّ عينك إن رأيت المؤمنين بخير أم تقر عينك إن وجدت مصالحك بخير ؟ . . الهجرة أن تغار على المؤمنين ، أن تغار على مصالحهم ، أن تغار على مستقبلهم ، لذلك تساهم ولو مساهمةً متواضعة في حلّ مشكلاتهم ، في تمكين متطلباتهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ والهجرة برهان عملي على أن الله سبحانه وتعالى أغلى عندك من دنياك ، فهؤلاء الذين استقروا في بلاد أجنبية ، وتمتعوا بكل خير ، لو أنهم تركوا هذه البلاد وانضموا إلى بلاد المسلمين ، ليرفعوا من سوية المجتمع الإسلامي ، إن هذه الهجرة برهان عملي على أن الله أغلى عندك من دنياك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ قد يهدر الإنسان مصالحه في بلد أجنبي ضماناً لدين أولاده ، قد يهدر الإنسان مصالحه في بلد أجنبي ضماناً لمستقبل أسرته ، ضماناً لصيانة بناته وشبابه من الانحراف ، هذه هجرة أيضاً في سبيل الله ، وكل شيء له عند الله ثمن .
 أيها الأخوة الكرام ؛ والهجرة لها معنىً آخر ، وهي أنك إذا انضممت إلى المؤمنين كثرت سوادهم ، ودعمتهم ، لمجرد أن تأتي إلى بيت من بيوت الله ، لمجرد أن تحضر مجلس علم ، لمجرد أن تكون مع المؤمنين في أفراحهم ، وفي أتراحهم ، إن كانت لك مرتبة علمية ، أو مكانة اجتماعية ، وكنت مع المؤمنين قويت الضعاف ، وقويت المترددين ، وقويت الخائفين ، الهجرة فضلاً عن كل ذلك تكثير لسواد المؤمنين ، حضور الجمع والجماعات ، حضور مجالس العلم ، أن تكون مع المؤمنين في أفراحهم وأتراحهم ، هذا مما يقوي ضعيفهم ، ويدعم مترددهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا شك :

(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[مسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أن تعبد الله في طريق فيه الكاسيات العاريات ، المائلات المميلات ، أن تعبد الله في سوق كثر فيه الربا ، وقلّ فيه الإنصاف ، وكثر فيه حلف اليمين ، أن تعبد الله في مكان تُعد غريباً ، بدأ الدين غريباً ، وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء ، قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : أناس صالحون في أناس سوء كثير ، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم .
 أيها الأخ الكريم ؛ هل تشعر بالغربة إذا عمَّ الفساد ؟ إذا أؤتمن الخائن وخون الأمين ؟ إذا صُدق الكاذب وكُذب الصادق ؟ إذا أُمر بالمنكر ونُهي عن المعروف ؟ إذا خرجت النساء كاسيات عاريات مائلات مميلات ؟ إذا كثر الربا حتى أصاب كل الناس غباره ؟ إذا كنت في مجتمع كهذا المجتمع هل تشعر بالغربة ؟ . . إذاً آوي إلى بيت الله ، اجلس مع إخوانك المؤمنين ، فعبادة في الهرج كهجرة إليّ .

 

الهجرة في سبيل الشيطان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك هجرة في سبيل الشيطان ؛ تدع بلداً مستقراً تُقام فيه شعائر الدين ، لك أن تحضر أي مجلس علم ، لك أن تصلي ما شاء لك أن تصلي ، لك أن تفعل كل الخيرات إلى بلد تُقام في المنكرات على قارعة الطرق من أجل الدرهم والدينار ، هذه هجرة في سبيل الشيطان . تهاجر من بلد فيه بقية من خلق ، بقية من حياء ، بقية من دين ، بقية من عرض ، إلى بلد سرعان ما تكتشف أن لأولادك انحرافات خطيرة من أجل الدرهم والدينار ، هذه هجرة في سبيل الشيطان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة السلام :

(( رأيت عمود الإسلام سُل من تحت رأسي فأتبعته بصري فإذا هو بالشام ، فعليكم بالشام في آخر الزمان ))

[الحافظ أبو بكر النجار في جزء التراجم عن أبي الدرداء]

 وكل الوقائع والأدلة تؤكد أن هذا البلد الطيب بلد حباه الله ، وحماه ، ورعاه ، وجعله موئلاً للدين والعلم ، هناك أحاديث صحيح تزيد عن الثلاثين في الترغيب والترهيب تبين فضل السكنى في الشام ، فمن ترك بلداً طيباً تُقام فيه شعائر الله إلى بلد تُرتكب المعاصي فيه على قارعة الطريق ، هذا إنسان هاجر ، ولكن هذه الهجرة هي الهجرة المعاكسة التي هي في سبيل الشيطان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة السلام حينما تبعه سراقة بعد أن أعلن أنه من يأت بمحمد حياً أو ميتاً فله مئة ناقة ، طمع بها سراقة ، وتبع النبي صلى الله عليه وسلم حتى أدركه - والقصة معرفة عندكم - قال يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ إنسان ملاحق ، مهدور دمه ، وضعت جائزة بالقبض عليه حياً أو ميتاً مئة ناقة ، ويقول لسراقة الذي يتبعه : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ معنى ذلك أن النبي واثق كل الثقة أنه سيصل إلى المدينة سالماً ، وأنه سيقيم فيها دولةً ، وأنه سيحارب أكبر دولتين في العالم ، وأن تاج كسرى سيأتيه مع الغنائم ، وأنه سيلبسه سراقة ، ما هذا ؟! . وهذا قد وقع حينما جاءت غنائم الجيوش التي فتحت بلاد المشرق ، غنائم بلاد الفرس وضعت أمام سيدنا عمر حتى ما كاد أحد أن يرى صاحبه من الطرف الآخر ، وجيء بتاج كسرى ، فقال عمر : إن الذي جاء به لأمين ، قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : " يا أمير المؤمنين لقد عففت فعفُّوا ولو وقعت لوقعوا " . . ثم قال أين سراقة ؟ ألبسه تاج كسرى ، وسواري كسرى ، وقال : بخ بخ أعيرابي من بني مدلج يلبس تاج كسرى وسواريه ؟ وقد تحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى :

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

[ سورة النور : 55 ]

 وقال تعالى :

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

[ سورة مريم : 59]

 ولقد لقي المسلمون ذلك الغي ، هذا درس يجب أن يكون بين أعيننا .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قصة عقبة بن عامر الجهني مع النبي الكريم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أصغوا جيداً إلى هذه القصة المتعلقة بالهجرة : يقول عقبة بن عامر الجهني : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وأنا في الفلوات ، أرعى غنيمات لي ، فما إن تناهى إليّ خبر قدومه حتى تركتها ، ومضيت إليه ، لا ألوي على شيء فلما لقيته قلت له : يا رسول الله أتبايعني ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : فمن أنت ؟ قلت : أنا عقبة بن عامر الجهني ، قال : يا عقبة أيهما أحب إليك أن تبايعني بيعةً أعرابية أم بيعة هجرةٍ ؟ - أن تبقى في مكانك وتبايعني هذه بيعة أعرابية ، أو أن تأتي إليّ و هذه بيعة هجرة - قلت : بل بيعة هجرة ، وكنَّا اثني عشر رجلاً ممن أسلموا ، نقيم بعيداً عن المدينة لنرعى أغنامنا في بواديها ، فقال بعضنا لبعض : لا خير فينا والله إذا نحن لم نقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد يوم ، ليفقهنا في ديننا ، ويُسمعنا مما ينزل عليه من وحي السماء ، فليمض كل يوم واحد منا إلى يثرب ، وليترك غنمه لنا فنرعاها له ، فقلت : اذهبوا أنتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً بعد آخر ، وليترك لي الذاهب غنمه ، لأني كنت شديد الإشفاق على غنيماتي ، من أن أتركها لأحد ، - ثم طفق أصحابي يغدو الواحد منهم بعد الآخر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويترك لي غنمه أرعاها له ، فإذا جاء أخذت منه ما سمع ، وتلقيت عنه ما فقه ، لكنَّني ما لبثت أن رجَعت إلى نفسي ، وقلت لها : ويحك يا نفس ! أمن أجل غنيمات لا تُسمن ولا تغني تفوِّتين عليك صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأخذ عنه مشافهةً ؟ ثم تخليت عن غنيماتي ، ومضيت لأصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 لم يكن عقبة بن عامر الجهني يخطر له على بال حين اتخذ هذا القرار - قرار صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك غنيماته - الحاسم والحازم أنه سيغدو بعد عِقد من الزمان عالماً من أكابر علماء الصحابة ، وقارئاً من شيوخ قرَّائها ، وقائداً من قوَّاد الفتح المرموقين ، ووالياً من ولاة الإسلام المعدودين . . عالماً ، وقارئاً ، وقائداً ، ووالياً ، لأنه اتخذ هذا القرار بترك غنيماته وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن يخطر له على بالٍ أيضاً وهو يتخلى عن غنيماته ويمضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيكون طليعة الجيش الذي يفتح أمَّ الدنيا وقتها - دمشق - ويتخذ لنفسه داراً بين رياضها النضرة ، عند باب توما ، ولم يكن يخطر له على بال أنه سيكون أحد القادة الذين سيفتحون زمردة البلاد مصر ، وأنه سيغدو والياً عليها ، ويتخذ لنفسه فيها داراً في سفح جبلها المقطم ، وبعدها اشترك هذا الصحابي الجليل في قيادة حملة بحرية لفتح جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط ، لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال :

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 وقد ورد في الحديث القدسي :

(( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ))

[البخاري في خلق أفعال العباد وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر ، وهو حسن]

 أيها الأخوة الكرام ؛ نستفيد من هذه القصة أنه :

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذّل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018