الخطبة : 0871 - الحب في الإسلام. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0871 - الحب في الإسلام.


2003-02-21

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغـاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسـلم رسول اللـه سـيد الخلق والبشر، مـا اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تعريف الحبّ :

 أيها الأخوة الكرام: ابتدع عيد يحتفل به أهل الأرض سموه عيد الحب، وقد تحدثت في خطبة سابقة عن مشروعية الاحتفال بهذا العيد، وبينت الأحاديث الصحيحة التي تحظّر على المسلم أن يكون له عيد غير الأعياد التي وردت في الكتاب والسنة.
 أيها الأخوة: لكن لابد من تعليق - كلمة حب - كلمة كبيرة جداً - هي في الحقيقة ثلث الإنسان، الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك، بل إن الحب قد يطغى على إدراكه وعلى حاجات جسده، وهذه الكلمة من أكبر كلمات الإسلام، هذه الكلمة تلهج بذكرها ألسنة العابدين، يوصي بها المصلحون، يسعى إليها الدعاة إلى الله، يغرسها في نفوس الأتباع العلماء العاملون.
 أيها الأخوة: الحب هذه الكلمة الساحرة ذات الظلال الرقيقة في النفس الإنسانية، يعكس الإسلام لها فهماً خاصاً، الإسلام يعترف بعاطفة الحب على أنها واحدة من أهم الدوافع الإنسانية والمحركات الفعالة في السلوك الفردي والجماعي.
 المسلمون اليوم يعانون أزمة في المحبة جعلت الإنسان لا يفهم إنسانيته على وجهها الصحيح، وهذا الذي تقلقون منه وتستمعون إلى أخبار ما سيكون هل هو إلا انعدام الحب بين البشر؟ هل هو إلا أنانية مفرطة أو وحشية تبعده عن جنس البشر؟
 أيها الأخوة الكرام: يعاني المسلمون من أزمة الحب فيما بينهم، مساجدهم كبيرة ومزخرفة وعامرة، مؤتمراتهم منظمة، كتبهم عميقة، كل شيء على أتمه إلا الحب الذي كان بين أصحاب رسول الله.
 قلت لكم في بداية هذه الخطبة: الحب ثلث الإنسان، الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك، وقد يرتفع مستوى الحب فيطغى على الإدراك وعلى حاجات الجسد.
 أيها الأخوة الكرام: إن المسلمين في الأصل هم أشدّ الشعوب صفاء وإنسانية وحباً للآخرين، هل يعاني الإنسان في بلاد المسلمين من فقر مدقع إلا بسبب ضعف الحب بين الناس؟

((والله ما آمن والله ما آمن والله ما آمن من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم))

[الحاكم عن أنس ]

 أيها الأخوة الكرام: مفهوم الحب في الإسلام مفهوم دقيق وعميق، الشريعة الغراء تنظر لهذه العاطفة وتقدسها، الشريعة الغراء تنظر للمودة والرحمة اللذين ينبعان من الحب نظرة خاصة.

ضبط الإسلام الحبّ بضوابط تنصب في هدف تنظيم المجتمع :

 أيها الأخوة الكرام: الذي يقابل الحب الكراهية إنها من عمل الشيطان، لكن الإسلام العظيم ضبط هذا الشعور بضوابط، وجعل له أطراً وقيوداً وأحكاماً عامة تنصب جميعها في هدف تنظيم المجتمع، وإشاعة الأمن والطمأنينة في حياة البشرية جمعاء.
 المشكلة أيها الأخوة أن هذه الكلمة الكبيرة التي هي جزء كبير من هذا الدين العظيم مسخت وقلصت وضغطت لعلاقة آثمة بين جسدين لا بين نفسين، هذا المفهوم شوّه، كأن مفهوم عيد الحب أن تكون علاقة آثمة خارج إطار الزواج بين شاب وفتاة، دعوة إلى الإباحية والمعصية والخروج عن منهج الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام: يفهم الناس بحسب واقعهم المتخلف وبحسب علاقتهم الآثمة أن الحب يعني علاقة آثمة بين جسدين لا بين إنسانين.
 أيها الأخوة الكرام: أقول لكم هذه الكلمة: الإنسان الذي لا يحب ولا يشعر بحاجة إلى أن يُحب ليس من بني البشر ! الإنسان المؤمن يحب الله تعالى.

فــلـيتك تحلو و الحياة مـــريرة  و ليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر  و بيني و بين العالمين خراب
***

 أيها الأخوة الكرام: ولأن المؤمن يحب الله عز وجل يحب رسوله الكريم:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 128]

 المؤمن يحب هذا الدين العظيم، ولاؤه لهذا الدين وللمسلمين وعلى تخلفهم وعلى ضعفهم وعلى ثغرات لا تعد ولا تحصى في حياتهم، إنه منهم وإليهم، هل الولاء إلا هو الحب؟ في أدق تعريفات الولاء الحب، فالمؤمن يحب الله عز وجل ويحب رسوله الأمين وصحابته الكرام ويحب أولياء الله الصالحين ويحب العلماء العاملين، يحب كل من ينتمي لهذا الدين، هل الدين إلا الحب؟ وإذا ألغينا الدين من الحب، إذا ألغينا الروح من الجسد يصبح جثة هامدة لا معنى لها، يكون الإنسان في بيته مصدر أنس وسعادة لمن حوله فإذا توفاه الله عجلوا بدفنه وبإخراجه من البيت ما قيمة الجسد من دون روح؟ وما قيمة الدين من دون حب؟
 هذه المرأة الأنصارية التي انطلقت لساحة المعركة وقد بلغها أن النبي قد قتل، هل يعقل أن ترى زوجها مقتولاً تقول: ما فعل رسول الله؟ ثم ترى أباها مقتولاً تقول: ما فعل رسول الله؟ ثم ترى ابنها مقتولاً فتقول: ما فعل رسول الله؟ ثم ترى أخاها مقتولاً فلما وقعت عينها على عين النبي واطمأنت على حياته قالت: يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل، ما هذا الحب؟‍!

الإنسان عقل يدرك و قلب يحب :

 أيها الأخوة الكرام: لأن هذا الدين الذي هم عليه الناس من دون حب قعدوا واستمرأوا الحياة الدنيا، وركنوا إلى الأرض واطمأنوا بما عندهم من ثروات، وكرهوا لقاء الله عز وجل وبذل أنفسهم في سبيله، دين من دون حب لا يفعل شيئاً بل يسبب العداوات والمشاحنات، دين من دون حب لا يرقى بصاحبه عند الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام: هل الإنسان إلا عقل يدرك وقلب يحب؟ ولا يستغني الإنسان عن إحدى هذين الخصيصتين، عقل يدرك وقلب يحب، والقرآن كتاب هداية المؤمنين، خاطب العقل مرة وخاطب العاطفة والقلب ثانية.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[سورة التوبة: 38]

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

[سورة الانفطار: 6-7]

 ما الذي يدفع المؤمن لأن يستقيم على أمر الله؟ إنه الحب.

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾

[سورة هود: 118]

 ولكن هذا الإيمان الذي يأتي قسراً لا قيمة له عند الله، بل هو لا يسعد الإنسان إلا أن يأتي الله محباً وراغباً ويأتيه بمبادرة منه، وأية دعوة إلى الله تخاطب العقل فقط دعوة عرجاء، وأية دعوة إلى الله تخاطب القلب فقط دعوة عرجاء، لابد من أن تخاطب العقل:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

[سورة الانفطار: 6]

 يخاطب القلب الذي خلقك فسواك فعدلك، يخاطب العقل، يقول بعض الفلاسفة الغربيين: أنا أفكر فأنا موجود، ولأحدهم تعليق لطيف: أنا أحب فأنا موجود، الحب يعني أنك موجود، وإذا لم تكن محباً لأحد فهذا يلغي إنسانيتك، وهذا الذي تعانيه البشرية اليوم. والله الذي لا إله إلا هو الذي ينفق على تدمير البشر لو أنفق على تحقيق مصالحهم لكانت الأرض جنة، لكن هذه الأسلحة المدمرة التي يصنعها الإنسان ليدمر أخاه الإنسان إنما كانت بسبب انعدام الحب بين البشر.

 

عاطفة الحبّ من أسمى العواطف :

 أيها الأخوة الكرام: الذين قيدوا معنى الحب بهذا المفهوم الضيق الآثم المحرم العابث المنحرف ضلوا وأضلوا، كلمة الحب أكبر كلمة في الإسلام وفي حياة المؤمن، لأنه يحب الله تعالى يبذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس، لأنه يحب رسول الله يتبع سنته ولو تعارضت مع مصالحه، لأنه يحب البشرية جمعاء أليسوا من خلق الله عز وجل لذلك يحسن إليهم.

(( مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 أي إنسان كائن من كان فليس منا.
 أيها الأخوة الكرام: حينما ضعف اتصال الناس بالله ضعف الحب في قلوبهم، أصبح حباً مادياً وشهوانياً وآثماً ومنحرفاً، ولو أن الناس اتصلوا بالله عز وجل لسما الحب بهم إلى أعلى عليين.
 أيها الأخوة الكرام: إن عاطفة الحب هي من أسمى العواطف، أعيد وأقول: من لم يكن عنده رغبة في أن يحب جهة مقدسة، من ليس عنده رغبة في أن يحب فليس من بني البشر.

كلما علت مرتبة الإنسان اتسعت دائرة محبته :

 أيها الأخوة الكرام: حقيقة دقيقة أعرضها على مسامعكم: الحب دوائر متنامية قد يحب الإنسان نفسه وهذه أصغر دائرة من دوائر الحب، قد يحب نفسه فيستقيم على أمر الله طلباً لسلامته ولسعادته ولآخرته، فكلما نما إيمانه تتسع هذه الدائرة فيحب أسرته ويحرص على دينها وعلى إيمانها ومستقبلها الأخروي، فإذا نما إيمانه أكثر وأكثر يحب المؤمنين ويحرص على مصالحهم ويتمنى لهم كل سعادة، يحمل همهم ويخفف عنهم، ويبذل لهم، فإذا نما إيمانه أكثر فأكثر يحب البشرية جمعاء، هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا))

[البخاري عن أنس ]

 هؤلاء الشاردون والكافرون والفجار إخوته في الإنسانية، يحبهم محبة من نوع خاص، كيف أن الأب يتألم أشد الألم حينما يرى ابنه شارداً عن منهج الله، هذا حب مقدس.
 أيها الأخوة الكرام: كلما علت مرتبتك اتسعت دائرة محبتك، فحينما تحب الآخرين وقد قال بعض علماء الحديث في تفسير قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))

[البخاري عن أنس]

 والمطلق في النصوص على إطلاقه، من هو أخوه؟ أخوه في الإنسانية، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يرى أن المؤمن ينبغي أن ينصر أخاه ظالماً أو مظلوماً، قيل يا رسول الله ينصره مظلوماً فكيف ينصره ظالماً؟ قال بالأخذ على يده، دققوا أيها الأخوة: لو أنك أب واع مربّ رأيت أطفالاً في الطريق يدخنون، أحدهم ابنك والثاني ابن أخيك والثالث لا تعرفه بشكل طبيعي، تتأجج غضباً في الدرجة الأولى على ابنك لأنك تحبه، ويكون التأجج أقل بقليل على ابن أخيك، وقد تقول للثالث انصرف ولا تعنفه، فالحقيقة أن الحب يقتضي المعاتبة، وأن تقف موقفاً، فهذا الذي يظلم محبتك له إذا كان من إخوانك أن تأخذ على يديه لتمنعه من الظلم فينجو من عذاب الله يوم القيامة.

محبة الإنسان للجمال و الكمال و النوال :

 أيها الأخوة الكرام: الحقيقة أن الإنسان يحب أشياء ثلاث هذا مركب في فطرته، يحب الجمال والكمال والنوال دون أن تشعر، والله سبحانه وتعالى مصدر كل جميل، بل إن كل جمال الكائنات هي مسحة من جمال الله عز وجل، وأن الله جميل يحب كل جميل.
 أيها الأخوة الكرام: لأن الله ركب في أصل فطرتك محبة الجمال ينبغي أن تحب أصل الجمال، ولأن الله ركب في فطرتك محبة الكمال ينبغي أن تحب منبع الكمال، ولأن الله ركب في فطرتك أن تحب منبع النوال إن الله هو مصدر كل عطاء.
 أيها الأخوة الكرام: قد يحب إنسان زوجته وهذا حب مشروع، وقد قال عليه الصلاة والسلام:" الحمد لله الذي رزقني حب عائشة" لكن كل ثقافة العصر تشعر الإنسان أن حرارة الحب لا تكون إلا مع امرأة لا تحل له، وهذا أكبر مطب يقع فيه الناس. النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

[ ورد في الأثر ]

 فأن يحب الإنسان زوجته هذا من الحب المشروع والمبارك من الله عز وجل، والحقيقة أن المسلمين مقصرون في الأخذ بالأسباب بين الزوجين، كلهم يتوهم أن العلاقة بين الزوجين علاقة باردة ورتيبة ومملة، ولا تبعث في الإنسان الحرارة، هذا من فعل الشيطان، مهمة الشيطان الأولى أن يحملك على كره من أحلت لك ومحبة من لا تحل لك، هذه مهمة الشيطان الأولى، فالذي يتودد إلى امرأة لا تحل له هو مع الشيطان.

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[سورة يوسف: 33]

الحبّ هو أصل العلاقة بين المؤمن و ربه :

 أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[سورة المائدة: 54]

 وقد يستنبط من هذه الآية أن الذي يحب الله عز وجل لا يمكن أن يرتد عن دينه، أما الذي يدخل في الإسلام لمصلحة راجحة فكثيراً ما يرتد عن دينه حينما تنقطع هذه المصلحة.
 أيها الأخوة الكرام: كما قلت قبل قليل: إن الإنسان يحب الجمال، والله سبحانه وتعالى مصدر الجمال في الكون الذي أحسن كل شيء خلقه، والله سبحانه وتعالى مصدر كل نعمة:

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾

[سورة إبراهيم: 34]

 ورد في الأثر القدسي:

((إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليهم مني تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي أهل شكري أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن تابوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب))

[البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

 آية قرآنية‍ أصل العلاقة بين المؤمن وبين ربه هي الحب، لأنه يحب الله يطيعه.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في القياس شنيع
لو كان حبـــــــك صادقاً لأطعته  إن المـحب لمن يحب يطيــــع
***

 من أعجب ما رأى بعض العلماء الكبار من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه.
 أيها الأخوة الكرام:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَتَى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ))

[البخاري عن أنس ]

 قال أنس: ما فرح الصحابة بشيء كفرحهم بهذا الحديث، لأنهم يحبون رسول الله، إذاً هم معه إن شاء الله في الجنة.

 

الاتباع علامة الحبّ :

 شيء آخر أيها الأخوة:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾

[سورة آل عمران: 31]

 علامة الحب الاتباع، هناك أناس كثيرون خاضوا بحار الهوى وما ابتلوا، يخوض بحار الهوى بكلامه، لكنه لم يبتل بقطرة من بحر الهوى.
 أيها الأخوة الكرام: نحب رسول الله لأنه أخرجنا من الظلمات إلى النور، ولأنه عرفنا بخالقنا وربنا وإلهنا، ولأنه هدانا إلى طريق الجنة ينبغي أن نحبه، ولا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين.

((سيدنا عمر قال: يا رسول الله إني أحبك أكثر من نفسي وولدي والناس أجمعين إلا نفسي التي بين جنبيك، قال: لما يكمل إيمانك يا عمر، جاءه ثانية وقال: يارسول الله: الآن أحبك أكثر من نفسي وولدي ومالي والناس أجمعين قال: الآن ياعمر))

[ البخاري عن أبي عقيل بت معبد ]

 و :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 حينما أرى العداوة والبغضاء بين المؤمنين والمشاحنة وأرى كل طرف يطعن في الطرف الآخر والله يسقط هؤلاء من عين الله جميعاً. سأل النبي في بعض الغزوات عن أحد الصحابة قال: أين فلان ؟ يبدو أن واحداً أراد أن يطعن به قال: شغله بستانه يا رسول الله عن أن يجاهد معك، فقام أحد الأصحاب فقال: لا والله يا رسول الله لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشدّ حبّ لك منهم ولو علموا أنك تلقى عدوا ما تخلفوا عنك، فابتسم النبي علامة رضا بهذا الحب بين الصحابة، نحتاج إلى الحب، وإلى أن يكون كل يوم من أيام العام يوم حب بين المؤمنين، ومن علامات الحب التضحية والمعاونة والمؤاثرة.

 

الله سبحانه وتعالى لا يقبل دعوى محبته من دون دليل :

 إن الله سبحانه وتعالى لم يقبل دعوى محبته من دون دليل قال:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾

[سورة آل عمران: 31]

 بل إن الذين قالوا:

﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 هل قبل دعواهم؟

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 أنتم مع دهماء الأمم، والمسلمون اليوم إذا قالوا مفتخرين: نحن من أمة محمد، نحن أمة سيد وخاتم الأنبياء، الجواب الذي يقاس عليه كل جواب:

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 هل أمركم بيدكم؟ هل كلمتكم هي العليا؟ هل أنتم مستخلفون في الأرض؟ هل دينكم ممكن في الأرض؟ هل أنتم آمنون أم تشعرون بالخوف كل يوم من تهديد الذين يهددونكم؟

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 هل نحن مستخلفون في الأرض وممكنون؟ وهل نحن آمنون من تهديد الأعداء؟ لا والله، وهذه حقيقة مرة وأفضل ألف مرة من الوهم المريح، المؤمن يحب الله ورسوله وأصحاب رسول الله والتابعين وتابعي التابعين والعلماء العاملين والفقهاء والمحدثين وأولياء الله الصالحين والضليعة ما الدليل؟ مرّ عليه الصلاة والسلام بجبل أحد وفي جوار هذا الجبل لم ينتصر المسلمون بدل التشاؤم من كلمة أحد قال: أحد جبل يحبنا ونحبه، كان يخطب على نخلة فلما صنع له منبر حنت إليه النخلة، كان يقف على المنبر ويضع يده عليها إكراماً لها وكان يقول عليه الصلاة والسلام: أعرف حجراً بمكة كنت أسلم عليه ويسلم علي، هذا الحب، كل حياتنا حب، الإنسان يحب كل مخلوق، هل يستطيع المؤمن أن يذبح شاة أمام أختها؟ قال: هلا حجبتها عن أختها؟ أتريد أن تميتها مرتين؟ المؤمن يحب كل شيء في الحياة، يحب الحيوان الذي سخره الله له، يحب النبات والحجر، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، بل إن المؤمن يحب الموت.

((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ أَقْوَامٌ هُمْ أَرَقُّ مِنْكُمْ قُلُوبًا، قَالَ: فَقَدِمَ الْأَشْعَرِيُّونَ فِيهِمْ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَرْتَجِزُونَ يَقُولُونَ غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّهْ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ ))

[ أحمد عن أنس]

 بربكم على وجه الأرض إنسان واحد يحب الموت؟ جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.
 تفقد النبي عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه وهو سعد بن الربيع أرسل من يتفقده في ساحة المعركة فرآه بين القتلى لكنه لم يمت بعد، قال: يا سعد أنت مع الأحياء أم مع الأموات؟ قال: بل مع الأموات، قال: إن النبي بعثني أتفقدك، قال: أبلغ رسول الله مني السلام وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم إذا خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف ، هذا هو الحب، المؤمن يحب الموت، لأنه موعد اللقاء مع حبيبه، فإذا أحب الحياة فليزدد عملاً صالحاً، ليزدد علماً وقرباً.

مقياس إيمان الإنسان محبته لأخيه وتضحيته من أجله :

 أيها الأخوة الكرام: أكبر خطأ يقع فيه الناس أنهم يكتبون على النعوات الفقيد، الله عز وجل يقول:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

 الموت عند عامة الناس عدم، لكنه في القرآن حياة.

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 169]

 القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾

[ سورة الحجرات: 13 ]

 الآن لتتقاتلوا، ليقصف بعضكم بعضاً، لتباد الشعوب، وتهدم البيوت، وتقتلع الأشجار، وترتدم الآبار، ويقهر الإنسان، ويذل الإنسان، هذا مجتمع بلا دين، لكن مجتمع المؤمنين أذلة على المؤمنين.
 أيها الأخوة الكرام: جاء في صحيح مسلم أن رجلاً أراد أن يزور أخاً له في الله فأرسل الله له على مدرجته ملكاً في الطريق في سورة رجل وسأله أين تذهب؟ قال: أريد أن أزور أخي فلاناً، قال: ألقرابة بينك وبينه؟ قال: لا، قال: أفبنعمة له عندك؟ قال: لا، قال: فما الذي تبتغي من زيارته؟ قال: أحبه لله، قال: أبشر فإن الذي تحبه من أجله بعثني لأبشرك بأنه يحبك لحبك إياه.

((قَالَ أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ))

[ أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

((حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ ))

[ الترمزي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ

((

[البخاري عن أبي هريرة]

 أيعقل أن يقول الأنصاري لكل مهاجر: تعال يا أخي عندي دكانان خذ أحدهما، أو بستانان خذ أحدهما، عندي داران خذ أحدهما، أيعقل أن يقول له الثاني: بارك لك في مالك ولكن دلني على السوق؟! ما هذه العلاقة الراقية بين أصحاب رسول الله ؟!
 أيعقل أن يقول الصديق لعمر: يا عمر ابسط يدك لأبايعك، قال: أنا ؟ أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا كنت أميراً على قوم فيهم أبو بكر، قال: يا عمر أنت أقوى مني، قال: يا أبا بكر أنت أفضل مني، فقال: يا عمر قوتي إلى فضلك نتعاون، هل يفعل العلماء هكذا أم يتخاصمون ويتهاترون ويطعن بعضهم ببعض؟ كل واحد منهم يدعي أن الله له وحده وأن الجنة له وحده وأن أتباعه وحدهم هم الناجون، هكذا كان أصحاب رسول الله ؟
 أيها الأخوة الكرام:

((حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ جَمَعَ قَوْمَهُ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ قَاصِيَةِ النَّاسِ وَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ انْعَتْهُمْ لَنَا يَعْنِي صِفْهُمْ لَنَا فَسُرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا وَثِيَابَهُمْ نُورًا يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ))

[ أحمد عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ]

 مقياس إيمانك محبتك لأخيك وتضحيتك من أجله وألا تسلمه إلى الغير. ما بال قوم من العرب يسلمون شعباً إلى الغير؟ يتمنون أن يقع القصف؟ أهكذا المسلمون؟

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة الحشر:10]

الحبّ سبب لحلّ مشكلات البشر :

 أيها الأخوة الكرام: بل إنه بالحب تحل كل المشكلات، لأن الله يأمر بالعدل والإحسان، والعدل قسري، لكن الإحسان طوعي، فلو أنصف الناس استراح القاضي، وبات كل عن أخيه راض، لو حلّ الحب محل المشاحنات والمقاضاة لحلت معظم مشكلات الناس.

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران:134 ]

 أيها الأخوة الكرام: يقول عليه الصلاة والسلام:

((دبّ داء الأمم بينكم))

[العلل لابن أبي حاتم عن الزبير ]

 ما داء الأمم؟ العداوة والبغضاء، هذا داء وبيل، وسماها النبي الحالقة فقال:

(( عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ))

[ أحمد عن أبي الدرداء]

 لا أقول حالقة الشعر ولكن أقول حالقة الدين، يقول الله عز وجل يصف أصحاب النبي الكرام:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[ سورة الحشر: 9]

 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

 

* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

إكرام الله للإنسان إكرام تفضلي وتعليمي :

 أيها الأخوة الكرام: الناس قد قحطوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

((سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَرِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا قَالَ أَنَسُ وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً وَلَا شَيْئًا وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ قَالَ فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ قَالَ وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالْآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ قَالَ فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ قَالَ شَرِيكٌ فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ قَالَ لَا أَدْرِي))

[البخاري عن أنس ]

 أيها الأخوة: نحن في خطر، السدود كلها امتلأت إلى أعلى حافاتها، وهناك خطر انهدامها، فتحت البوابات فجرف الماء كل شيء، هذا الذي يقول: تغيرت خطوط المطر هو مشرك:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

[سورة الحجر: 21]

 أيها الأخوة: مئات المواقع في هذا البلد الطيب تجاوز معدل الأمطار المعدل السنوي وزيادة، في أماكن مئتا ميليمتر، صار مألوفاً أن يهطل في الليلة الواحدة مئة ميليمتر، ليلتان من المطر تحقق معدل دمشق! الأمطار تنسكب، والسدود امتلأت إلى حافاتها العليا، وهناك خطر نرجو الله أن يحفظنا، فلذلك قال هذا الرجل:

((هَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا قَالَ أَنَسُ وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً وَلَا شَيْئًا وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ قَالَ فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ قَالَ وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالْآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ))

[البخاري عن أنس ]

 نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم فضله علينا ويلهمنا شكره، فقد أكرمنا إكراماً والله لا نستحقه، ولكنه إكرام تفضلي وتعليمي، بألا نقنط من رحمة الله، ما كان أحد يظن أن تكون هذه السنة بهذا الخير وهذه الخسارة، والله أنهار من أربعين عاماً جافة سارت الآن، مياه عين منين وصلت للشام، كم من نهر جفّ من أربعين عاماً تفجر في هذا العام، فاشكروا الله عز وجل وقولوا حوالينا ولا علينا.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فـيمن تـوليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر مـا قضيت، فـإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل مـن واليت، ولا يعز مـن عـاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا الـتي فـيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا مـن كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم شتت شملهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى، اجمعهم على الحق والخير والهدى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018