الخطبة : 0870 - الولاء3. نواقض الولاء للمسلمين2ـ مفهوم الحب في الإسلام - النمل . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0870 - الولاء3. نواقض الولاء للمسلمين2ـ مفهوم الحب في الإسلام - النمل .


2003-02-14

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغـاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسـلم رسول اللـه سـيد الخلق والبشر، مـا اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الولاء و البراء :

 أيها الأخوة المؤمنون: ما من موضوع من موضوعات العقيدة المسلمون في أمس الحاجة إليه اليوم كموضوع الولاء والبراء، فالمؤمن الحق يوالي المؤمنين، ينتمي إليهم، يحبهم، يتألم لمصابهم، يحمل همهم، يسعى للتخفيف من متاعبهم، يدافع عنهم، يفند أقوال خصومهم، علامة إيمانه أنه يوالي المؤمنين، وعلامة بعده عن الله أنه يوالي أعدائه، ما من موضوع المسلمون في أمس الحاجة إليه كموضوع الولاء والبراء، الولاء يعني الحب والنصرة والاتباع.
 أيها الأخوة الكرام: قد نفاجأ بأعياد لا تنتمي لديننا، ولا لعقيدتنا، ولا لأخلاقنا، ولا لانضباطنا، ولا لحدود شرعنا، فهذا الذي يسارع للاحتفال بأعياد هي تغطية للإباحية والاختلاط والحب غير المشروع، في خطب قادمة إن شاء الله سأفصل لكم مفهوم الحب في الدين، الدين كله حب، ولكن الحب المشروع، الحب الذي يسمو بالنفس، الحب الذي يرقى بها، الحب الذي يزيد علاقات المجتمع متانة.
 أيها الأخوة الكرام: ما لهؤلاء المسلمين يحتفلون بأعياد لا تنتمي لدينهم؟ ولا لمبادئهم؟ ولا لقيمهم؟ ولا لمنهج ربهم؟ ولا لما هم عليه السلف الصالح؟ يحتفلون، ويزينون، يطبعون البطاقات، ويقيمون العلاقات خروجاً عن أمر دينهم، واستخفافاً بعقيدتهم، وخرقاً لاستقامتهم.
 أيها الأخوة الأحباب: ما من موضوع المسلمون بأمس الحاجة إليه كموضوع الولاء والبراء، الله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾

[سورة الممتحنة: 1]

 التقليد مودة، والاعتزاز بمناسباتهم مودة، وأن تقلدهم مودة، وأن تجري على خططهم مودة، فضلاً عن أن تحبهم، فضلاً عن أن تعتقد ما يعتقدون، فضلاً عن أن تمارس ما يفعلون.

﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾

[سورة الممتحنة: 1]

 في آية أخرى:

﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 142]

 أي مفسدة للفتاة أن تحب شاباً من دون نية الزواج؟ أن تحبه كي تقضي معه وقتاً ممتعاً؟ أو أن يحب شاب فتاة ليقضي معها وقتاً ممتعاً، وهما بعيدان عن موضوع الزواج، إن هذه الشهوة التي أودعها الله في الشابات والشباب حينما أودعها في الإنسان ما أودعها إلا لتكون شهوة صالحة تنجب أولاداً صالحين، هذا هو التصميم الإلهي، وأية علاقة خارج هذا التصميم هي علاقة محرمة قد تفضي لفساد عريض لا يعلم إلا الله مصير هذا الفساد.

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[سورة الروم : 41]

 دائماً أذكركم بقول سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول: "ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس- من هذه الثلاثة- ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى" .
 عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ))

[أبو داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

 من هوي الكفرة حشر معهم ولن ينفعه عمله شيئاً.

((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ))

[أبو داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

 ومن نبوءات النبي عليه الصلاة والسلام وهذا يؤكد صدق نبوته عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ ؟))

[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

 عيد ظهر فجأة لسنوات معدودة يحتفل به، وكأنه عيد الأضحى، أو عيد الفطر السعيد، البطاقات والتهاني والزينات هذا الظاهر أما الباطل فالإباحية والعلاقات المحرمة والاختلاط ودعوة للشباب لأن يتخذوا من الشابات صديقات.
 أيها الأخوة الكرام: مرة ثانية:

((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ ..))

[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

عدم تقليد الغرب في أعياد ترتكب فيها المعاصي والآثام :

 أيها الأخوة الكرام: لماذا منع النبي أن نصلي وقت طلوع الشمس ووقت غيابها مع أنها صلاة وعماد الدين وغرة الطاعات وسيدة القربات؟ النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن نصلي الفجر وقت طلوع الشمس كراهة تحريمية، ونهى أن نصلي قرابة غياب الشمس كراهة تحريمية، لأن عبّاد الشمس يسجدون للشمس وقت طلوعها ووقت غروبها، فإذا وافق سجودنا سجودهم فنحن نقلدهم في هذا السجود، فإذا كنا منهيين عن أخطر عبادة في الدين لئلا تتوافق مع عبادة الوثنيين، فلأن نقلدهم في أعياد ترتكب فيها المعاصي والآثام من باب أولى.
 أيها الأخوة الكرام: آية تقرؤونها كثيراً، وربما لا تنتبهون لدقة معناها: الله عز وجل يصف عباده الصالحين:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ﴾

[سورة الفرقان: 63]

 هؤلاء من أوصافهم:

﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ﴾

[سورة الفرقان: 72]

 قال ابن عباس: لا يشهدون الزور لا يحضرون احتفالاتهم.
 أيها الأخوة الكرام: هناك شرح لبعض الأئمة الكبار:

﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾

[سورة الفرقان: 72]

 لا يماكثون أهل الشرك على شركهم ولا يخالطوهم. و عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

((كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى))

[النسائي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 قال بعض العلماء: الشرع الحنيف استأصل هذين اليومين استئصالاً نهائياً فماتا، ولم يبق لهم أثر في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا في زمن الخلفاء الراشدين، ولا في زمن التابعين، كم من الأعياد نحتفل بها وليس لها أصل في الدين؟ كأنهم أرادوا أن نصل أمهاتنا يوماً في العام، مع أن المسلم يصل أمه ثلاث مرات في اليوم! أرادونا أن نقلدهم بعقوق الأمهات وأن نذكر أمنا في العام مرة واحدة. قال ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ:

((نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ))

[أبو داود عن ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ]

 أداء النذر فريضة، فإذا كان أداء هذا النذر في مكان فيه أصنام تعبد في الجاهلية أو في أيام أعيادهم ينبغي ألا يفي بنذره، فكيف إذا جاء مسلم لا نذر ولا فريضة ولا واجب يفعل هذا طواعية بمحض اختياره، يقلدهم في زيناتهم، وفي تهيئاتهم، وفي الاختلاط، وفي العلاقات، وفي كل ما حرم الله.
 أيها الأخوة الكرام: الأدلة كثيرة والأحاديث عديدة، فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " قال أحدهم: يا أمير المؤمنين هذه هدية؟ قال: ما هذه الهدية؟ قال: في يوم كذا وكذا يحتفل بها الأعاجم في عهد النبي، فقال هذا الصحابي الجليل: لا تفعل هذا فإنه محرم أن تقدم هدية في يوم عيد يحتفل به عباد الأوثان ".

الحبّ في الإسلام يسمو بالنفس و يرقى بها :

 أيها الأخوة الكرام: لابد من بحث دقيق عن مفهوم الحب في الإسلام، والمؤمن الذي لا يحب الله ولا يحب الحقيقة ولا أولياء الله ليس مؤمناً، الذي لا يحب الله ليس مؤمناً، هذا الدين كله حب، ولكنه حب يسمو بالنفس ويرقى بها، وينعكس صلاحاً واستقراراً وأمناً ومحبة.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.

النملة حشرة اجتماعية راقية موجودة في كل مكان :

 أيها الأخوة الكرام: سأفسر لكم آية من كتاب الله، ولكن بطريقة جديدة، هذه الآية:

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 38]

 ولنختر من هذه الدواب التي تدب على وجه الأرض، وفي بطن الأرض النملةَ، هو بحث علمي لم أجد تفسيراً لهذه الآية كهذا البحث قال: النملة حشرة اجتماعية راقية موجودة في كل مكان، وفي كل وقت، بل إن أنواع النمل تزيد عن تسعة آلاف نوع، وبعض النمل يحيا حياة مستقرة في مساكن محكمة، وبعض النمل يحيا حياة الترحال كالبدو تماماً، وبعضه يكسب رزقه بجده وسعيه، وبعضه يكسب رزقه بالغدر والسيطرة، النمل حشرة اجتماعية تموت إذا عزلت عن أخواتها، ولو توافر لها غذاء جيد ومكان جيد، إذا وضع الإنسان في المنفردة عشرين يوماً اختل توازنه العقلي، كالإنسان إذا عزلته في مكان بعيد عن الضوء والصوت والزمن والليل والنهار عشرين يوماً فإنه يفقد توازنه العقلي، والنملة تعلم الإنسان درساً بليغاً في التعاون، فإذا التقت نملة جائعة بأخرى شبعى تعطي الشبعى الجائعة خلاصات غذائية من جسمها، ففي جهاز هضمها جهاز ضخ تطعم به، هل يضخ الإنسان البعيد عن الله شيئاً لأخيه؟ لكنه يمتص دم أخيه، للنمل ملكة كبيرة الحجم مهمتها وضع البيوض، وإعطاء التوجيهات، ولها مكان أمين في مساكن النمل، وهي على اتصال دائم بكل أفراد المملكة، والنملات العاملات لها مهمات متنوعة، من مهمات العاملات تربية الصغار وهذا يشبه قطاع التعليم، وفي النمل عساكر لها حجم أكبر، ولها رأس صلب كأن عليه خوذة، هذه الأبحاث استغرقت ربع قرن، وهذا يشبه قطاع الجيش في حراسة الملكة، وحفظ الأمن، و ردّ العدوان، ومن مهمات العاملات تنظيف المساكن والممرات، وهذا يشبه قطاع البلديات، ومن مهمات العاملات سحب جثث الموتى من المساكن ودفنها في الأرض وهذا يشبه مكاتب دفن الموتى، ومن مهمات العاملات جلب الغذاء من آخر المملكة، وهذا يشبه قطاع المستوردين، ومن مهمات العاملات زرع الفطريات وهذا يشبه قطاع الزراعة، ومن مهمات العاملات تربية حشرات تعيش النمل على رحيقها، وهذا يشبه قطاع تربية الماشية، النمل يبني المدن، ويشق الطرقات، ويحفر الأنفاق، ويخزن الطعام في مخازن وصوامع، بعض أنواع النمل يقيم الحدائق، ويزرع النباتات، وبعض أنواع النمل يقيم حروباً على قبائل أخرى يأخذون الأسرى من ضعاف النمل المهزوم، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[سورة النمل: 18]

 لقد أثبت الله جل جلاله من خلال هذه الآية للنمل الكلام، ونوعاً من المعرفة، كما أثبت للنمل الروح الجماعية، هذه التي قالت:

﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾

[سورة النمل: 18]

 لم لم تدخل وحدها فتنجو؟

﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[سورة النمل: 18]

 لم تفكر النملة بإنقاذ نفسها بشكل ذاتي كما يفعل بعض الناس اليوم، بل حذرت أصحابها من تحطيم سليمان وجنوده لهم ما يدل على روح الجماعة والتعاون والتفاني.

 

امتلاك النمل نوع من التصرف العقلاني :

 أيها الأخوة: للنملة مخ صغير، وخلايا عصبية، وأعصاب لتقدير المعلومات والخرائط كي تهتدي بها إلى مواقع الغذاء وأوكارها، إن النملة تملك نوعاً من التصرف العقلاني وهي من أذكى الحشرات، وترى بموجات ضوئية لا يراها الإنسان، ولغة النمل كيميائية، لها وظيفتان التواصل والإنذار، فلو سحقت نملة لفاحت رائحة تصدر عنها تستغيث بها النملات، أو تحذرها من الاقتراب من المجزرة، واعية جداً، إن كان بالإمكان أن تُنقَذ تصدر رسالة كيميائية تعالوا أنقذوني، وإن كانت المجزرة كبيرة جداً تصدر رسالة أخرى ابتعدوا، انجوا بأنفسكن.
 أيها الأخوة: لو سحقت نملة كما قلت قبل قليل فإن رائحة تصدر عنها تستغيث بها النملات أو تحذرها من الاقتراب من المجزرة، ولا تستطيع نملة دخول وكرها إلا إذا بينت كلمة السر، وللنمل جهاز هضم مدهش فيه فم ومري ومعدة وأمعاء وجهاز مص وجهاز ضخ.

طرق معيشة النمل :

 أيها الأخوة الأحباب: رصد الإنسان طرق معيشة النمل وأدهشهم العمل الجاد الدؤوب في تحصيل أرزاقهم متعاونين مع بعضهم بعضاً، موزعين الوظائف والمهمات بينهم بكل دقة وجدية، إن للنمل نظاماً دقيقاً في معاشه، فهو له قائد يوجهه ويأمره، وله مساكن يعيش فيها، هذه المساكن مقسمة لغرف معيشة، ومستودعات لخزن الطعام، ولها دهاليز معقدة وعليها حراسة مشددة على مدار الساعة، ويجتمع من تلك المساكن قرى كاملة، وقد تبني عدة قرى كأنها قرى مستعمرات، تصل بينها طرق ومسالك بحيث تهتدي بها لأعلى الأرض، وهناك نوع آخر من النمل يبني بيوته فوق الأرض من أوراق الأشجار وأغصانها، ويكثر هذا تحت أشجار السرو والصنوبر، أو ينحت هذه البيوت في الأشجار العتيقة كما يتخذ الإنسان من الجبال بيوتاً، ومع أن النمل لا يملك الآلات والعدد فإنه يبني أبراجاً في غاية الدقة، أبراجاً طابقية في غاية الدقة والإحكام مستعيناً بمقص فمه الحاد، حيث يمضغ ما يقصه حتى يصبح كالعجين، ويجعله ملاطاً بين القطع الخشبية، ولعل ما بناه قدماء المصريين في مساكنهم وأهراماتهم كان تقليداً للنمل.

نظام النملة العجيب في الحياة :

 وللنملة رأس ووسط وذنب أسطواني، ولها ستة أرجل تقدر بها على الجري السريع، ولبعضها أجنحة تعينها على الوثوب، ولها خمسة أعين، عينان مركبتان على جانبي الرأس مكونتان من أعين بسيطة تعد بالمئات، وهي ملتئمة الوضع والتركيب والترتيب حيث ترى بها وكأنها عين واحدة، وثلاثة عيون موضوعة على هيئة مثلث يعدل العينين المركبتين، وهي أعين بسيطة لا تركيب فيها، غير أن عيون الذكر أكبر من عيون الأنثى، ومتقاربة مع بعضها بسبب قوة المهام المنوطة به، ولكل نملة قرنان طويلان كالشعرتين بهما تحس الأشياء، ويقومان مقام اليدين والرجلين، والأصابع في الحمل ويسميان الحاثتين، تضع إناث النمل بيوضها في محال قرب مساكن الكبار من أجل الرعاية، وتخصص لها مربيات يلاحظنهن ليلاً نهاراً، وتأمين الحرارة المناسبة لها حتى تتفتح البيوض وتخرج منها على شكل دود صغير لا جناح لها، ولا أرجل تلاحظه المربيات، وتطعمه حيث يأكل بشراهة لعدة أسابيع، ثم يغزل بفمه، وينسج على نفسه كرة من الحرير، وينام فإذا مضت أيام نهض من رقدته، وقطع خيوط الكرة، وقبض حريرها المحيط به، تساعده المربيات في ذلك، وتقوم بتنظيفه حيث تظهر أرجله، وأجنحته، والنمل يحب النظافة حباً مفرطاً، يعمل النمل في قراه بموجب انضباط مدهش وصارم للغاية، وبإشراف النمل الذي كبرت رؤوسه - الشرطة - وعظمت خراطيمه، والصبية الصغار تبقى في الديار لا تخرج، تحفر الحجرات، وتشكل السراديب وتنمو، بالإضافة إلى وجود المربيات هناك النمل المسؤول عن الحراسة والتنظيف وحفظ الطعام وتوضيبه الذي يحضره النمل العامل وهو يأبى كل الإباء أن يطلع أحد على أسراره أو يتطفل عليه بمعرفة نظامه العجيب في الحياة.

النملة آية من آيات الله الدالة على عظمته :

 وقد وجد العلماء أن النمل حينما يغادر قريته يرسل في كل مسافة معينة مادة كيميائية لها رائحة صغيرة حتى يستطيع التعرف إلى طريق عودته وهذا ما تفعله الطائرات اليوم، في كل مسافة إرشاد للطائرات بهذه النقاط تسلك طريقها لمكان بعيد، لأنه عندما قام أحدهم بإزالة آثار هذه المادة لم يستطع النمل الاهتداء لطريق عودته، فإذا رأت النملة شيئاً مفيداً لا تقوى على حمله نشرت حوله بعض الرائحة وأخذت منه قدراً يسيراً، وكرت راجعة لأخواتها، وكلما رأت واحدة منهن أعطتها شيئاً مما معها لتدلها على ذلك، حتى يجتمع على ذلك جماعات منها يحملونه ويجرونه بجهد وعناء متعاونين على نقله، علماً بأن للنمل قوة عضلية بالنسبة لحجمه تزري بكل قوة، حيث تستطيع النملة الواحدة أن تحمل بين فكيها حملاً أثقل من وزنها بثلاثة آلاف مرة، إذا وزن واحد من البشر ثمانين كيلو كم كيلو يحمل؟ تحمل ثلاثة آلاف ضعف وزنها، كما وجد العلماء أن النمل ينثر عند موته رائحة خاصة تنبه الأفراد للإسراع بدفنه قبل انجذاب الحشرات الغريبة إليه، وعندما قام بعض العلماء بوضع نقطة على جسم نملة حية سارع باقي النمل ودفنوها وهي حية، مرونة لا يوجد أبداً يوجد نص واضح، دفنت وهي حية، والنمل من الحيوانات والحشرات القليلة التي أودع الله فيها غريزة إدخار الغذاء، فهو يحتفظ بالحبوب في مسكنه الرطب الدافئ تحت الأرض دون أن يصيبها التلف، ويتفنن النمل بطرق الادخار بحسب أنواعه فهو يقطع حبة القمح نصفين ليلغي نمو رشيمها، ويقشر البقول لئلا تنبت من جديد أو يتركها عدة أسابيع في تهوية وحرارة معينة، ويسمح لها بعدها بالإنبات فتنمو، ويظهر لها ساقان وجذران صغيران حيث يقوم بقطعها وتجفيفها كي يصبح مادة جاهزة يتغذى عليها طوال مدة الشتاء، كما أنه يقوم بتسميد أوراق الأشجار المقطعة ببراز نوع معين من الفراشات، وعندها ينمو عليها نوع من الفطريات يسمى خبز الغراب يقوم النمل بالتغذي عليه، كما أن بعض أنواع النمل يجلب بيوض المن لعشه وعندما يفقس يحمله للخارج، ويضعه على النباتات التي تفرز الندوة العسلية، ثم يعيده لعشه في الليل، ويحلب منه هذه الندوة العسلية، حيث تعطي كل حشرة ما يقارب من ثمان وأربعين نقطة من هذا المحلول الطيب المذاق، ويعرف النمل بعضه بعضاً بغير علامة، والتوادد موجود بين أهل القرية فقط وما عدا ذلك فعداء مستحكم، حيث يمكن أن تنشب الحرب بين عدة قرى من النمل فينتظم في صفوف قتالية، وتحدث المعارك، ويقع القتلى والجرحى، ويأخذ النمل المنتصر الأسرى ليجعلهم خدماً في قراه، ويقوم بدفن موتاه بمقابر خاصة به، كما ينظف أرضه من جثث الأعداء حتى قيل: إن النمل أقرب الحشرات إلى الإنسان في أفعاله، وقد يصبح النمل قوة مزعجة شديدة الخطر على الإنسان نفسه حيث يمكن أن يقرض دعائم المساكن الخشبية حتى تتداعى عروشها، أو يكون مستعمرات في دور الكتب حيث يقوم بإتلاف الورق أكلاً تاماً.
 روي أن علياً بن حاتم رضي الله عنه خرج بنزهة لبستان، ثم عاد لبيته فوجد نملة قد علقت ثيابه فقال: لقد أبعدنا عليها المسير، ثم حملها، وعاد للبستان الذي كان فيه، يقول الإمام علي كرم الله وجهه: " انظروا إلى النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها، وصبت على رزقها، تنقل الحبة لجحرها، وتعدها في مستقرها، تجمع من حرها لبردها، ومن وردها لصدرها، مكفولة برزقها، مرزوقة بوفقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديدان، ولو في الصفا اليابس، وفي الحجر الجامس، ولو فكرت في مجاري أكلها، في علوها وسفلها، وما في الجوف من شراسيف بطنها وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجباً، وللقيت من وصفها تعباً، فتعالى الله الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر".
 بركم أليس هذا البحث العلمي الذي كلف الملايين وعشرات السنين هو تفسير دقيق لقوله تعالى:

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 38]

 هذا قرآن من عند بشر أم من عند خالق البشر؟ هذه المعلومات الدقيقة التي حصلها العلماء هل عرفها المسلمون في بداية بعثتهم؟ هل أدركها الناس؟ يجب أن نعلم علم اليقين أن الذي أنزل هذا القرآن هو خالق الأكوان، وأن هذه الآية من إعجاز القرآن العلمي:

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 38]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فـيمن تـوليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر مـا قضيت، فـإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل مـن واليت، ولا يعز مـن عـاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا الـتي فـيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا مـن كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم شتت شملهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى، اجمعهم على الحق والخير والهدى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018