الخطبة : 0867 - الحج . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0867 - الحج .


2003-01-17

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم عبده و رسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الحج فرض عين على كل مسلم :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 96-97]

 هذه الآية الكريمة أيها الأخوة أصل في فرضية الحج، فالحج فرض عين على كل مسلم ومسلمة، بالغ عاقل حر مستطيع مرةً في العمر، يكفر جاحده ويفسق تاركه كما ورد ، من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يمت غير مسلم أو كما قال .
 الحج أيها الأخوة ، هو الركن الخامس من أركان الإسلام الذي علم من الدين بالضرورة حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:

((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ))

[متفق عليه عن ابن عمر ]

تعريف الحج :

 أيها الأخوة الكرام ، الحج عبادة قولية وقلبية وبدنية ومالية وشعائرية تؤدى في أمكنة مخصصة وفي أزمنة مخصصة وبأعمال مخصصة، وإذا كانت الصلاة تتكرر في اليوم الواحد خمس مرات، وفريضة الجمعة تؤدى كل أسبوع، وفريضة الصوم تؤدى في العام شهراً، فإن فريضة الحج تجب في العمر كله مرةً واحدة لقوله صلى الله عليه وسلم:

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ قَالَ فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ))

[ أحمد عن ابن عباس ]

 أيها الأخوة الكرام ، أول فكرة في هذه الخطبة أن الحج بالتعريف الجامع المانع رحلة إلى الله، الإنسان يسافر لطلب الرزق، يسافر لطلب العلم، هناك أغراض كثيرة جداً وراء السفر بعضها مباح، وبعضها فرض، وبعضها مكروه، وبعضها حرام، إلا أن الحج يتميز عن كل أسفار الإنسان لأنه رحلة إلى الله، بل هو الرحلة قبل الأخيرة إلى الله، لأن الرحلة الأخيرة رحلة الموت هي رحلة إلى الله، وكأن الله سبحانه وتعالى أرادنا في الحج أن ننزع الأقنعة التي نتوهم من خلالها أننا على شيء، فالمال قناع والمركز قناع ومن حولك قناع، فكل العبادات عدا الحج تؤدى في منزلك، وتؤدى في بلدتك وأنت في وطنك، وأنت بين أهلك، وأنت بين إخوانك، إلا أن هذه العبادة تتميز أنها تحتاج إلى تفرغ، لا تؤدى إلا في مكان مخصص وفي زمان مخصص، من هو الذي يحج ؟ هو الذي وجد وأيقن أن تلبية دعوة الله له بالحج أغلى عنده من بيته وأهله وماله ومركزه وكل ما يحيط به من هالة في الدنيا هي في الحقيقة قناع مزيف، لأن الإنسان يأتي الله عز وجل يوم القيامة فردى.

 

كلّ الناس سواسية في أداء هذه الفريضة العظيمة :

 أيها الأخوة الكرام ، كل الوسائل التي يتميز بها الإنسان في بلده يجب أن تنعدم في الحج، الناس سواسية كأسنان المشط.
 هناك شيء آخر هو رحلة إلى الله بل هو الرحلة قبل الأخيرة، لأن رحلة الموت هي الرحلة الأخيرة، كأن الإنسان إذا حجّ بيت الله الحرام وجد أن الناس جميعاً يقفون لا تمايز بينهم، لا فرق بين غني وفقير، وقوي وضعيف، وأمير وخفير، وعالم وغير متبحر في العلم، كل الناس سواسية في أداء هذه الفريضة العظيمة.
 شيء آخر أيها الأخوة الكرام ، شاءت حكمة الله أن يكون بيت الله الحرام في منطقة حارة، وهناك من العلماء من تحدث عن بعض حكمها، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يعطل كل أسباب راحة الجسد ليكون المجال رحباً أمام الإقبال على الله، وأمام راحة الناس فلو كانت وسائل الراحة متوافرةً في الحج كما هي في شتى بقاع الأرض إلى درجة عالية جداً لأصبح الحجاج سياحةً.
 أيها الأخوة الكرام وأنت في أشد حالات الازدحام، وأنت في أعلى درجات الحرارة، وأنت قريب من الله، تحس أنك ملكت كل شيء.

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

الحكمة من الذهاب إلى بيت الله الحرام :

 أيها الأخوة الكرام ، قد يقول قائل: الله جل جلاله معنا في كل مكان، ما معنى أن نأتيه في بيته الحرام؟ الحقيقة أنت حينما تترك بيتك وأهلك ومالك ومركزك ومكانتك وثروتك وأتباعك ومن حولك وتذهب إلى بلاد بعيدة لتطوف حول الكعبة، وتسعى بين الصفا والمروة، أنت تغلب تأدية هذا النداء الإلهي على كل ما يحيط بك، ما الذي يحصل؟ دفعت ثمن هذا اللقاء باهظاً، دفعت ثمنه وقتاً مقتطعاً من وقتك الثمين، دفعت ثمنه مالاً أنفقته في سبيل هذا الحج، دفعت من أنماط حياتك ومن راحتك الشيء الكثير، فلابد أن يكون العطاء على قدر السبب، وعلى قدر الثمن، وعلى قدر المشقة، فأراد الله سبحانه وتعالى أن تأتيه إلى بيته الحرام طائعاً منيباً مستغفراً تائباً.
 لعل هذا اللقاء المتين والاتصال الشديد بين العبد وربه لعله ينقله من مدافعة التدني إلى متابعة الترقي، ينقله من وحول الشهوات إلى جنات القربات، ينقله من التعلق بالدنيا إلى التعلق بمرضاته.

الحج شحنة روحية :

 أيها الأخوة الكرام: كلمة أقولها ولا أظنها قاسية: من ذهب إلى بيت الله الحرام، وطاف حول الكعبة، وسعى بين الصفا والمروة، ووقف في عرفات، وعاد كما ذهب، ما قطف ثمار الحج. من غلب على ظنه وهو في عرفات أن الله لن يغفر له فلا حج له.
 ينبغي أن تعود إنساناً، إذا كانت شحنة الصلاة تكفيك إلى صلاة ثانية، وإذا كانت شحنة صلاة الجمعة تكفيك إلى جمعة ثانية، وإذا كانت شحنة رمضان تكفيك إلى رمضان قادم، فإن شحنة الحج ينبغي أن تكفيك إلى نهاية العمر. الله عز وجل يقول:

﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾

[ سورة الأعراف: 102]

 أنت حينما تقف أمام الكعبة المشرفة، وحينما تضع يدك على الحجر الأسود أو تشير إليه وتقبله، وتقول: عهداً يارب على طاعتك واتباعاً لسنة نبيك، هذا العهد ينبغي ألا يغيب على ذهنك ولا ثانية بعد الحج، الإنسان حينما يرمي الجمرات بالحصيات إنها تعبير رمزي عن معاداته الأبدية للشيطان، فإذا عاد إلى ما كان عليه بعد الحج فإن الذي رجم الآخر الراجم عندئذ هو إبليس، هو الذي انتصر على الإنسان إذا عاد بعد الحج إلى ما كان عليه.
 أيها الأخوة الكرام: أقول هذا كثيراً هناك عبادة تعاملية وهناك عبادة شعائرية، وأنت لا تستطيع أن تقطف ثمار العبادة الشعائرية والحج منها إلا إذا صحت العبادة التعاملية، ولعل في قول سيدنا جعفر رضي الله عنه ما يوضح هذه العبادة التعاملية، قال يخاطب النجاشي:

((أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان ))

[ أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]

 وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، هذا ملخص للعبادة التعاملية التي جاء بها هذا الدين العظيم، إن صحت العبادة التعاملية استطعت أن تقطف ثمار العبادة الشعائرية، لذلك: " من حج بمال حرام ووضع رجله في الركاب وقال: لبيك اللهم لبيك ينادى أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك".

 

العبادات الشعائرية لا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية :

 أيها الأخوة الكرام: معظم المسلمين يتوهمون أنه بمجرد أن يتوجه إلى بيت الله الحرام و أن يحج و يؤدي هذه الفريضة رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، و هذا حديث صحيح، هو أصل في ثمار الحج، و لكن يتوهم أنه يرجع من كل الذنوب و لو اغتصب مالاً حراماً و لو اعتدى على حقوق الآخرين.
 أيها الأخوة الكرام ، الذنوب التي يعود منها الحاج كيوم ولدته أمه هي الذنوب التي بينه و بين الله، أما التي بينه و بين العباد فهذه لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة، في عقيدة المسلمين ذنب لا يغفر و هو الشرك بالله، و ذنب لا يترك و هو ما كان بينك و بين العباد، و ذنب يغفر هو ما كان بينك و بين الله. فالذي ينوي أداء فريضة الحج عليه أن يتوب من الذنوب جميعاً، عليه أن يؤدي الحقوق كلها، عليه أن يطلب السماح من كل إساءة صدرت منه لإنسان كائن من كان.
 أيها الأخوة الكرام، أعود و أقول: حينما لا تؤدى العبادات التعاملية و تؤدى العبادات الشعائرية أداء أجوف انقلبت إلى طقوس، و أبعد الأديان عن الطقوس هذا الدين العظيم، إن العبادات كما قال الإمام الشافعي معللة بمصالح الخلق:

﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت: 45]

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة: 183]

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾

[ سورة التوبة: 103]

العبادات معللة بمصالح الخلق :

 إذاً العبادات معللة بمصالح الخلق فإذا فرغت من هذه العلل، و أديت أداء شكلياً، أصبحت إلى أن تكون طقوساً أقرب منها إلى أن تكون عبادات، لذلك قد يعجب المرء أنه يزور حاجاً و قد حجّ بيت الله الحرام فتقام له الزينات، و يحتفل بقدومه، و يأتيه الزوار من كل حدب و صوب بماذا يحدثهم؟ يحدثهم عن كل شيء إلا الحج، طفت حول الكعبة هذه شعيرة من شعائر الحج، بماذا شعرت و أنت في طوافك حول الكعبة؟ سعيت بين الصفا و المروة، ما المشاعر التي انتابتك و أنت بين الصفا و المروة؟ وقفت في عرفات ماذا فعلت في عرفات؟ وقفت في مزدلفة، وقفت عند المشعر الحرام، بتّ في منى، رجمت الجمرات، أتعتقد أن هذه أفعال تؤدى بلا معنى؟ بلا مشاعر ترافقها؟ بلا أهداف تحققها؟ هكذا، أتحب أن يكون دينك دين طقوس لا معنى له؟ كم من حاج ضحى بفريضة من أجل سنة؟ يدافع الناس ليقبل الحجر الأسود، قد يزاحم المسلمين، قد يدفعهم بيديه القويتين، قد يؤذي بعض عباد الله من أجل أن يقبل الحجر و قد علمنا النبي أن إشارتك إلى الحجر تجزئ عن تقبيله إذا كان في تقبيله إيقاع الأذى بالمسلمين.

التفقه قبل الحج :

 أيها الأخوة الكرام: تفقهوا قبل أن تحجوا إنها عبادة العمر، كل كسب حرام، كل علاقة متلبسة بالآثام، هذه ينبغي أن تترك قبل أن تذهب إلى الحج، أن تعقد العزم على تركها وعلى ألا تتابع تركها بعد الحج، على الحاج أن يؤدي الحقوق التي عليه بالتمام والكمال، وكذلك تلك الحقوق المتعلقة بالخلق، لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة بينما حقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، ينبغي أن يقول الذين حولك: والله عاد إنساناً آخر، عاد منضبطاً بكلامه، منضبطاً بجوارحه، منضبطاً بسلوكه، هذا هو الحج الذي ينبغي أن يكون عليه الحاج.
 أيها الأخوة الكرام: نحن قد نؤدي هذه العبادة العظيمة ونحن غافلون عن أبعادها، و نحن غافلون عن نتائجها، هل تصدق أن كلمة الحاج فلان تعني لقباً إيمانياً، تعني أنه ملتزم بشرع الله في كسب ماله وفي إنفاق ماله، في كل علاقاته الاجتماعية تعلم أنه اصطلح مع الله وأناب إليه.
 شيء آخر أيها الأخوة الكرام: هناك من يريد أن يحج لا وفق منهج الله، ولا بما شرع الله، بل وفق مزاجه هو، فقد يقترض مالاً ليحج، والفقير سقط عنه الحج لأنه غير مستطيع، وقد يعقد زواجاً شكلياً وهو أعظم عقد في حياة الإنسان، يعقد زواجاً شكلياً من أجل أن تحج هذه المرأة التي لا محرم لها، ومن قال لهذه المرأة عليها أن تحج على مزاجها وبخلاف منهج الله عز وجل؟ أنا لا أتكلم من فراغ، والله أسئلة تزيد عن العشرة في هذين الأسبوعين حول عقد زواج شكلي من أجل أن تحج هذه المرأة إلى بيت الله الحرام، هذا لعب في دين الله.
 أيها الأخوة: عبادة الله لا تؤدى إلا وفق ما شرع الله، عبادة الله لا تؤدى إلا وفق ما شرع الله.
 شيء آخر أيها الأخوة الكرام: أرادك الله عز وجل أن تكون خشناً في الحج، أي أن ترتدي هذه الثياب البسيطة، حاسر الرأس لا تتعطر ولا تحلق و لا تتزين، أرادك أن تكون منصرفاً إليه وحده، فهذا الذي يبالغ مبالغة غير معقولة في ترفيه جسده، و يقيم طوال الوقت في الفندق الفخم، و يتكاسل أن يذهب إلى المسجد الحرام أو إلى المسجد النبوي الشريف، و يمضي و يتابع بعض المسلسلات في غرفته، أهذا هو الحج؟ أهكذا أراد الله منك أن تحج؟ أم أرادك أن تكون منقطعاً لعبادته؟ منقطعاً لذكره؟ ذاكراً له؟ أرادك أن تمضي هذا الوقت كله في طاعة، و في ذكر، و في تلاوة قرآن، و في تقديم خدمات للحجاج، حينما يغدو الحج رحلة ليس غير، سياحة ليس غير، إطلاعاً ليس غير، يعود كما ذهب و ليته ما ذهب لأنه أضاف إلى ظنونه السيئة بالإسلام ظنوناً جديدة.
 روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه:

((إذا خرج الحاج حاجاً بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز ركاب الدابة ونادى لبيك لبيك لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد في السماء لبيك وسعديك، زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة ووضع رجله في الغرز أي ركاب الدابة ونادى لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك))

[الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه]

إنفاق النفقة في مكانها الصحيح :

 أيها الأخوة الكرام ، من فقه الرجل أن يتحرك في حياته وفق سلم الأولويات، حج حجة الفرض، وحج حجةً ثانية وثالثة ورابعة وذهب إلى العمرة مرات عديدة، وأولاده بلا زواج، هم في أشدّ الحاجة إلى زواج، يا ترى إذا حجّ الفريضة وحجات معها واعتمر مرات عديدة ثم زوج أولاده أليس في تحصين الأولاد عمل يرضي الله عز وجل؟ أم أنه يريد أن يسجل أنه حج ثلاثين حجةً؟ أهذا هو الفقه الحقيقي؟ أهذا هو فقه الأولويات؟ هؤلاء الذين يدعون أولادهم وبناتهم في أشد الحاجة إلى من يمدهم بالمعونة ليتزوجوا ويذهبون إلى الحج كل عام من أجل أن يقال: ما ترك الحج ولا سنة، هذا ليس من فقه الأولويات.
هناك شيء أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل في بعض الأحاديث القدسية:

((إذا أصححت لعبدي جسمه، ووسعت عليه في المعيشة، فأتت عليه خمسة أعوام لم يفد إلي لمحروم ))

[البيهقي في السنن الكبرى ومسند أبي يعلى والترغيب والترهيب للمنذري]

 يمكن أن تجدد حجتك إذا كنت ميسور الرزق، موفور الحاجة، كل خمسة أعوام، أنا لا أطلب من الناس ألا يحجوا ولكن أطلب منهم أن يحققوا مصالح المسلمين بعد أداء هذه الفريضة العظيمة.
 قال ابن كثير: خرج عبد الله بن المبارك إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائر معهن فأمر بإلقائه في قمامة البلدة، و سار أصحابه أمامه و تخلف هو وراءهم، فلما مرّ بالقمامة إذا بجارية قد خرجت من دار قريبة و أخذت ذلك الطائر الميت، ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء ابن المبارك و سألها عن أمرها و أخذها الطائر الميت و استحيت أولاً ثم قالت: أنا و أمي هنا و ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، و ليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه القمامة، و كان لنا والد ذو مال عظيم أخذ ماله و قتل لسبب أو لآخر، و لم يبق عندنا شيء نتبلغ به أو نقتات منه، سمع ذلك ابن المبارك فدمعت عيناه، و أمر برد الأحمال و المؤونة، و قال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار، فقال له: أبقِ لنا عشرين ديناراً تكفينا لإيابنا، وأعط الباقي لهذه المرأة المصابة، فوالله لقد أفجعتني بمصيبتها. يقول ابن المبارك: وإن هذا أفضل عند الله من حجنا هذا العام ثم قفل راجعاً ولم يحج.
 أيها الأخوة الكرام: لا بد من فقه الأولويات، لابد من أداء فريضة الحج، وقد تؤدى مرةً ومرتين وثلاث، أما أن تجعل الهم أداء هذه الفرائض وحولك شباب وفتيات في أمس الحاجة إلى المعونة، وحولك مسلمون متضررون فلابد من أن تنفق النفقة في مكانها الصحيح.
 سأل رجل ذا النون المصري قائلاً له: عندي مئة درهم أأحج بها أنا أم أتصدق؟ قال ذو النون: أحججت الفرض؟ قال: نعم، قال: إن قسمتها على عشر من العائلات الفقيرة وأعطيت كل عائلة عشرة دراهم كان ذلك خير عند الله من حجة النفل، فإن شئت اسمع مني ما أقول . ففعل الرجل وتصدق بالمال.
أيها الأخوة الكرام:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾

[ سورة الحج: 27]

 هناك ملمح في هذه الآية يلفت النظر وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق لعلكم تظنون أنه من كل فج بعيد والمعنى هو البعيد لكن العميق إشارة لطيفة إلى أن الكرة كلما ابتعدت عن إحدى نقاطها كان البعد منحنياً وليس مستوياً.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا و سيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الاستعداد للحج قبل الذهاب إليه :

 أيها الأخوة الكرام ، لابد من التنويه أن الإنسان حينما ينضبط قبل الحج في طاعته لله عز وجل، وحينما يكون على معرفة بالله وعلى طاعة له، هذا الإنسان إذا ذهب إلى بيت الله الحرام يرى العجب العجاب، يرى من القرب من الله الشيء الكثير، يرى من ثمار الحج ما لا يوصف.
 حينما تلتقي بحاج حج بيت الله الحرام حجاً صحيحاً صادقاً تستمع منه إلى أحواله، وإلى مشاعره، وإلى حالات قربه، بحيث تتمنى أن تحج أنت في العام القادم، أما حينما يكون الإنسان محجوباً عن الله في بلده بالذنوب والمخالفات وحب الدنيا فهذا الحجاب في البلد إذا انطلق منه الإنسان إلى بيت الله الحرام دون أن يعقد مع الله صلحاً أو توبةً قد لا يرى شيئاً، قد يسمعك من الأخطاء التي يرتكبها الحجاج ما لا سبيل إلى وصفه، قد تنفر نفسه عن أن يحج مرةً ثانية، لأن جوهر الحج لم يكن محققاً، حج بجسده ولم يحج بقلبه، لم يكن قلبه حاضراً، لم تكن نفسه منيبةً.
 أيها الأخوة الكرام ، من أراد أن يحج ينبغي أن يستعد للحج قبل الحج، أن يستعد بالتوبة النصوح، أن يستعد لأداء الحقوق، أن يستعد بالالتزام التام، فإذا توجهت إلى بيت الله الحرام وجدت من القرب ما لا سبيل إلى وصفه، وجدت أن هذه عبادة عظيمة، وأن الثمار التي قطفتها لا توصف، وأما إذا حججت بجسدك وكأنها فريضة ينبغي أن تؤدى شكلاً من دون مضمون، من دون قرب من الله عز وجل، فتعود من الحج ولك عن مسالب الحجاج وتقصيرهم الشيء الكثير.
 أيها الأخوة الكرام: تفقهوا قبل أن تحجوا، التزموا بمنهج الله قبل أن تحجوا، اعقدوا الصلح مع الله قبل أن تحجوا، أدوا حقوق العباد قبل أن تحجوا، بعدئذ حجوا، فإذا الحج من أعظم العبادات، إنه في الحقيقة عبادة العمر، إنه في الحقيقة عبادة ينقلك من حال إلى حال، من تعلق بالدنيا إلى تعلق بالاخرة، من وحول الشهوات إلى جنات القربات، بشكل موجز ما لم تعد بعد الحج إنساناً آخراً بتصوراتك، بقيمك، بعلاقاتك، بانضباطك، فإنك لم تقطف ثمار الحج التي جعلها الله في متناول الحجاج الصادقين.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، و لا تنسنا ذكرك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، و من الخوف إلا منك، و من الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، و من شماتة الأعداء، و من السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، الله صن وجوهنا باليسار، و لا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، و نبتلى بحمد من أعطى و ذل من منع، و أنت من فوقهم ولي العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء.
 اللهم أصلح شؤون المسلمين في شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم احفظهم من أعدائهم، و انصرهم و عافهم و اعف عنهم يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة المسلمين في شتى بقاع الأرض لما تحب و ترضى، اجمعهم على الحق و الرضا يا رب العالمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018