الخطبة : 0866 - البحث عن الخلل - فشل الإستنساخ . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0866 - البحث عن الخلل - فشل الإستنساخ .


2003-01-10

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

سبب الإحباط و الخلل الذي يعاني منه المسلمون اليوم :

 أيها الأخوة الكرام: العالم الإسلامي في مجموعه ليس كما كان في عصور ازدهاره، وليس كما ينبغي أن يكون وهو يحمل الحق من السماء، وليس كما نتمنى أن يكون فأين الخلل؟ ما من مجلس إلا ويطرح فيه هذا الموضوع، هذا الإحباط الذي نحن فيه، وهذا التردي الذي وقع به المسلمون، ما سببه؟ أو بتعبير آخر: أين الخلل؟
 أيها الأخوة: حينما أتحدث عن الخلل لا أقصد بلداً إسلامياً بعينه، أقصد جميع بلدان المسلمين وجميع الشعوب الإسلامية التي تعد كثر من مليار وثلاثمئة مليون، أين الخلل؟ لابد من مثل يكون بين يدي هذا الموضوع.
 نستخدم مركبة مبنية على علم متطور، وفيها أجهزة وتوصيلات بالغة الدقة والتعقيد، إن توقفت هذه المركبة عن السير لابد من أن نعكف على دراسة مبادئ الحركة، ونظام التوصيلات، ونراقب سلامة الأجهزة حتى نكتشف موطن الخلل، تمهيداً لإصلاحه، هذا هو الموقف العلمي، أين الخلل من أجل أن نصلحه؟ من أجل أن نكون كما ينبغي أن نكون، وكما نتمنى أن نكون، وكما كان أسلافنا في عصور ازدهارهم.
 محور هذه الخطبة: أين الخلل؟ أما إذا وقفنا إلى جانب المركبة وملأنا السماء صياحاً وضجيجاً وبكاءً وعويلاً ودعاءً فما الذي يحصل؟ لا يحصل شيء أبداً، وتبقى المركبة معطلة وهكذا حالنا مع الله، مستوى التشكي في أعلى مستوى، مستوى وصف المشكلات في أعلى مستوى ولكن أين الخلل؟ وكيف الحل؟ ومتى الخلاص؟ هذا كلام دقيق وخطير فهو يمس كل مسلم في العالم الإسلامي، ليسأل نفسه لماذا نحن كذلك؟ لماذا كان ماضينا زاهراً وحاضرنا متخلفاً؟ لماذا ليست كلمتنا هي العليا؟ لماذا للكفار علينا ألف سبيل وسبيل؟ لماذا لم تحقق وعود النصر التي في القرآن؟ مع أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.
 أيها الأخوة: لنبدأ بإصلاح أنفسنا، وبمعرفة الخلل في نفوسنا، معرفة الخلل في نفوسنا ثم في أسرنا ثم في أعمالنا أول خطوة إلى الإصلاح، إذا كنت جاداً في إصلاح حال المسلمين فابدأ بنفسك، إذا كنت جاداً في دعم المسلمين فأصلح فيما بينك وبين المسلمين، إذا كنت جاداً في أن تحمل بعض هموم المسلمين فعليك بدائرتين أنت سيدهما، عليك ببيتك وعليك بعملك، لو فعل كل منا هكذا لكان عندنا قاعدة صلبة متينة يمكن أن تكون أساساً لتقدم المسلمين.

الأخطاء الاعتقادية وضعف الإيمان أخطر ما يعانيه المسلمون اليوم :

 أيها الأخوة: مزيداً من الأسئلة: هل المشكلة في البحث عن الخلل كي نسده؟ أم أننا نعرف الخلل ولا نستطيع أن نسده؟ هل طبيعة الخلل غائبة عنا أم أن حقيقة الخلل واضحة لكن الحل ليس واضحاً؟ هل المشكلة في صعوبة التشخيص أم في وصف العلاج أم في الإيمان بضرورة المعالجة؟ هل تتجسد مشكلاتنا في عدم وجود الطبيب القادر على التشخيص أم في عدم وجود الدواء النافع في اقتلاع الداء أم أن المريض نفسه غير قادر وليس قانعاً أن يتناول الدواء؟ عند الطبيب أم عند الدواء أم عند المريض؟
 أيها الأخوة: المشكلة أن نعرف الخلل ونبحث عن العلاج، ونقنع المريض بأن هناك خللاً ولا بد من العلاج.
أيها الأخوة الكرام: الأخطاء السلوكية من السهل جداً الابتعاد عنها لأنها واضحة جلية، لكن الأخطاء الاعتقادية وضعف الإيمان بالله وباليوم الآخر وضعف التوحيد وازدياد مساحة الشرك، هذه ربما كانت أخطر ما يعانيه المسلمون في حاضرهم.
 ثم إن بعضهم يقول: إن المشكلة أكبر بكثير من أن تسأل أين الخلل؟ ذلك أنك إذا سألت أين الخلل معنى ذلك بديهة أن الهدف واضح وأن الطريق إليه سالك، لكن المركبة تعطلت فسألت أين الهدف؟ فكيف إذا كان الهدف غير واضح؟ وكيف إذا كان الطريق إليه ليس سالكاً؟ وكيف إذا كان الخلل في المركبة ليس مكتشفاً؟

غيبة الوعي الإسلامي :

 أيها الأخوة الكرام: رؤوس عنوانات لموضوعات كبرى في حياة المسلمين غيبة الوعي الإسلامي، جهل مطبق بحقيقة التوحيد، وبحقيقة الدار الآخرة، وبحقيقة الدنيا، وبحقيقة الإنسان، غيبة الوعي الإسلامي، فقدان الهوية الإسلامية، إنسان غربي بلباس شرقي، أسلوب غربي بقالب شرقي، قيم غربية بغلاف هش إسلامي، هذه هي المشكلة، نحن نقلد الغرب، في عاداته وتقاليده وقيمه ونصلي ونصوم ونحج، بنيتنا الفكرية ليست توحيدية، اهتماماتنا لا تنصب على الآخرة، متعلقة بالدنيا، شعورنا بالنقص مدمر لأننا نستخدم مقاييس أهل الدنيا فقط، فنجد أنه لا سبيل إلى أن نصل إلى مستوى الغرب وهذا يبدو مستحيلاً، اختفاء الطريق الموصل إلى الهدف، فقد الوسيلة، هذا من بعض حجوم المشكلة.
 مرة ثانية أقول: لا أتحدث عن بلد إسلامي بعينه بل أتحدث عن حال المسلمين، وقد تجد في الشرق البعيد والغرب البعيد أمراض المسلمين في المشرق مجسدة في المغرب، خلافاتهم في المشرق موجودة في المغرب، خلافاتهم في المشرق في قلب العالم الإسلامي موجودة في أقصى المشرق، أمراضهم تنتقل معهم، ضيق أفقهم ينتقل معهم، خصوماتهم تنتقل معهم، غلوهم في الدين ينتقل معهم، في أكثر البلاد الغربية لا يصوم المسلمون في يوم واحد.

﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 53]

 في بعض البلاد الغربية لا يصلّون إلى القبلة إلا عن طريقين، تعقد المؤتمرات لتوحيد القبلة وتوحيد الصيام فقط، هناك خلل كبير، وكانت القضية فيما مضى قضية قوة أو ضعف، لكن القضية اليوم قضية حياة أو موت، الطرف الآخر يريد إنهاء الإسلام وكأن حرباً عالمية ثالثة معلنة على الإسلام في شتى بقاع الأرض، والمسلم المتمسك بدينه مطلوب بألف حجة وحجة، وألف تهمة وتهمة، هذا هو الواقع.

 

كيفية التوفيق بين حاضرنا المؤلم و بين الآية التالية :

 أيها الأخوة الكرام: كيف نوفق بين حاضرنا المؤلم الذي يندى له الجبين ويتفطر له القلب وبين هذه الآية الكريمة:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 هل نحن خير أمة أخرجت للناس؟ هكذا الآية الكريمة، ما علة هذه الخيرية؟

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 هل نأمر بالمعروف؟ لا والله، كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا:

((يا رسول الله أو كائن هذا؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة]

 الشيء الذي تحرمه النصوص القطعية الدلالة معروف في المجتمع الإسلامي.
 ركبت مرة طائرة بين دمشق وأبو ظبي عددت الذين لم يشربوا الخمر فإذا هم لا يزيدون عن عشرة، ودمشق بلد إسلامي، والخليج بلد إسلامي، هكذا الشيء المحرم يقترفه المسلمون، أكل الربا، شرب الخمر، الاختلاط.

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

[ سورة مريم: 59]

 وقد لقينا ذلك الغي، علة خيريتنا أننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله، فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر ولم نؤمن بالله فقدنا سبب خيريتنا، وأصبحنا أمة كأية أمة، هان أمر الله عليها فهانت على الله، هكذا الواقع:

﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 بماذا أجابهم الله عز وجل؟

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 معنى ذلك لو أن الله قبل دعوى أنهم أبناؤه وأحباؤه لما عذبهم، لأن الله لا يعذب أحبابه، حينما يهون أمر الله علينا نهون على الله.

﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾

[ سورة المائدة: 79 ]

 هؤلاء الذين لعنهم الله عز وجل وغضب عليهم، شذاذ الآفاق كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا:

(( أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.... إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))

[ البخاري عن عائشة ]

أمة النبي صنفان أمة الاستجابة و أمة التبليغ :

 اضطر علماء المسلمين أن يصنفوا أمة محمد إلى أمتين أمة الاستجابة وهي المعنية بهذه الآية:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 وأمة التبليغ وهي الأمة التي أضاعت الصلاة واتبعت الشهوات ولقيت الغي كما تجدون.
 أيها الأخوة: شيء آخر: قال تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 143]

 نحن كأمة مكرمة عند الله اختارنا الله لنكون أمة وسطاً، بمعنى وسطاء بينه وبين خلقه، فالكمال والاعتدال والحق والفضيلة والتوازن في الوسطية، والوسط قوة، ملنا يميناً ويساراً وشرقاً وغرباً ولم نكن وسطاً.

 

من عرف حقيقته انطلق لإصلاح ذاته :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾

[سورة الأنبياء: 92]

 وحدة هذه الأمة سبب قوتها، فإذا تفرقنا شيعاً وفرقاً وطوائف واتجاهات وانتماءات تشتت شملنا، وذهبت ريحنا، وضعفنا، الأمة في القرآن الكريم أمة واحدة، أما حينما تركنا معرفة الله وخرجنا عن منهجه فقد قال تعالى:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[سورة الحشر: 19]

 أية قضية حينما نطرحها حتى على المستوى العلمي نتناسى أن هناك منهجاً إلهياً، نتناسى أن هناك وحياً سماوياً، وأن هناك دستوراً قرآنياً، نعالج المشكلة بعقلية الغرب، نبحث عن حلول مادية ليس غير، وأول شاهد على ذلك أننا حينما نشاهد مرضاً أساسه الانحراف الجنسي لا نعالجه إلا من زاوية البحث عن مصل مضاد، أما أن نعالج هذا المرض بقطع أسبابه فهذا لا نفكر فيه طلاقاً.
 أيها الأخوة الكرام: كنت أقول دائماً: الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، حينما نعرف حقيقتنا ننطلق لإصلاح ذواتنا، أما إذا عشنا في أوهام تغنينا بالماضي وبأننا خير أمة أخرجت للناس ونحن لسنا كذلك فهذا نوع من الغباء والوهم وسلوك النعامة التي تضع رأسها في الرمل كي لا ترى أعداءها.

 

الوقت أرخص شيء في حياة كل مسلم :

 أيها الأخوة الكرام: الحقيقة الوقت عندنا لا قيمة له إطلاقاً، هو أرخص شيء في حياتنا، ننفقه إنفاقاً سخيفاً، ننفقه في القيل والقال، وفي كلام لا ينفع، ولقاءات لا تجدي، وفي ثرثرة فارغة، في لغو ولهو ننفق الوقت الطويل، والطرف الآخر لا ينامون الليل، سعي حثيث لمئتي عام سبقت، جعلتهم أقوى أقوياء الأرض، فأملوا إرادتهم وعولمتهم وإباحيتهم على شعوب الأرض لأنهم ملكوا القوة، والقرآن بين أيدينا يأمرنا أن نعد لهم ما نستطيع من قوة ومن رباط الخيل، الوقت رخيص جداً علينا والعمل ثقيل وأقل ثروة في حياتنا هي الإنسان، والإنسان هو الأصل في كل شيء، هو الهدف من كل نظام ومن كل تغير، لكنه في حياة المسلمين المتخلفين هو الضحية وهو الذي يسحق ولا يرى إطلاقاً، لا ترى همومه ولا أحزانه، حينما يضعف الإنسان في المجتمع يضعف المجتمع بأكمله، وحينما يقوى الإنسان في المجتمع يقوى المجتمع بأكمله.
 أيها الأخوة: اسمحوا لي بهذه الكلمات القاسية لأن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، نحن نقلد ولا نجتهد، نحاكي ولا نبتدع، ننقل ولا نبتكر، نحفظ ولا نفكر، نستخدم تفكير غيرنا لحل مشكلاتنا، تأتي الحلول مضحكة، إن أول آية نزلت في القرآن الكريم:

﴿اقْرَأْ﴾

[سورة العلق: 1]

 ونحن لا نقرأ، وإذا قرأنا قد لا نفهم، وإذا فهمنا قد لا نستفيد مما فهمنا، وإذا استفدنا مما فهمنا قد لا نعمل بما فهمنا.

 

الفهم الصحيح والميزان الصحيح أساس التقدم :

 أيها الأخوة الكرام: الفهم أساس التقدم، الفهم الصحيح والميزان الصحيح والمقياس الصحيح، ينبغي أن نطلب العلم الشمولي، ونعرف الله، ونعرف منهجه وسر وجودنا، نتحرك وفق هذا المنهج القويم، ابتدعنا في دين الله، والابتداع في الدين ضلالة، وجمدنا في شؤون الدنيا وهو سبب الجهالة، عكسنا الآية، كان ابتداعنا في الدين وتقليدنا في الدنيا، وكان الأولى أن نعكس الآية أن نتبع في أمر الدين وأن نبتدع في أمر الدنيا، فروح الدين الاقتداء والاتباع، وروح الدنيا الابتكار والابتداع.
 أيها الأخوة الكرام: خلقنا الله ليبلونا أينا أحسن عملاً، ولو تأملنا في هذه الآية لأخذنا العجب العجاب، في هذه الآية تعبير دقيق جداً وعميق، فنحن نبتلى لا ليتميز العمل السيئ من العمل الحسن، ينبغي أن يكون عملنا جميعاً حسناً، ولكن نبتلى لنتبين أينا أحسن عملاً، الأصل أن يكون العمل صالحاً، ولكن الابتلاء درجات.

روح الدين الاقتداء والاتباع وروح الدنيا الابتكار والابتداع :

 أيها الأخوة الكرام: المؤمن والمسلم مطالب بعمل الآخرة، وأعود وأقول: البحث عن الخلل هو ألزم شيء للمسلمين اليوم.
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ))

[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 يقول سيدنا عمر: وإني أرى الرجل ليس له عمل فيسقط من عيني،
 وقد أمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيد ابن مسعود وكانت خشنة من العمل أمسكها ورفعها وقال: "هذه اليد يحبها الله ورسوله".
 ينبغي أن نتبع في أمر ديننا، ونبتكر في دنيانا، ينبغي أن نحل مشكلات شبابنا وشاباتنا، ونطور أنفسنا في أمور الدنيا، ونتبع وحي الله في أمور الآخرة.
 أيها الأخوة: المشكلة الكبيرة أن الأمة الإسلامية أقل الأمم عطاء وعملاً، وأكثرها كمالاً وجدلاً، نتكلم كثيراً ونعمل قليلاً، وكثيراً ما نعمل غير المهم، وندع المهم، بل قد نعمل غير النافع وندع النافع.
 أحد الكتاب وصف النبي عليهم رضوان الله فقال: " كان أحدهم قرآناً يسعى على قدمين" وصف النبي عليه الصلاة والسلام بأنه قرآن يمشي.

 

المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف :

 أيها الأخوة الكرام: إذا كان كلام المسلمين في واد، وعملهم في واد، ولسانهم في واد، وسلوكهم في واد، فكيف ينظر الله إلينا نظرة عطف؟ وكيف ينظر الله إلينا نظرة رعاية؟ تعيش الأمة الإسلامية في أهم بلاد الله موقعاً، وفي أطيبها بقعة، وأخصبها أرضاً، وأحفلها بالمعادن والثروات، لكن المسلمين بمجموعهم لم يستغلوا ثرواتهم الاستغلال الأكمل، ولم يزرعوا كل أرضهم، ولن يصنعوا كل معادنهم.
 أيها الأخوة: العالم أجمع يحول الأرض الحمراء إلى خضراء، ونحن ما أكثر ما نحول الأرض الخضراء إلى حمراء، وهذا يسمى التصحر، نقلب البساتين فتصبح أبنية من الإسمنت، ترتفع الحرارة ويزداد التلوث.
 أيها الأخوة الكرام، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))

[ البخاري عن أنس ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ:

((أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 أما عن وحدتنا كمسلمين فقد قال تعالى:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 153]

 إذا كنا على حق فنحن متحدون، إذا كنا متفرقين فنحن على باطل، إذا كنا شيعاً وأحزاباً ومللاً وطوائف بأسنا بيننا فنحن جميعاً لسنا على حق، الحق لا يتعدد.
 أيها الأخوة الكرام: الله عز وجل يقول:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[سورة الشمس: 9-10]

 المسلمون يعتنون بأجسادهم، يبحثون عما يريحهم، يبحثون عن متع حسية، أما هذه الصلة بالله عز وجل التي أساسها سلامة العقيدة، واستقامة السلوك والعمل الصالح، فكلها تمهيدات لهذا الاتصال بالله الذي هو ثمرة هذا الدين.

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

[ سورة مريم: 59]

من لم يستطع أن ينقل الناس من الضلالة إلى الهداية فعليه بإنقاذ نفسه و أهله :


 أيها الأخوة الكرام: القرآن منهج عظيم، نزين به بيوتنا ولا نعمل به، نضعه في مركباتنا ولا نطبقه، نعتز به ونعلم أولادنا القرآن، وليس في البيت الإسلامي سلوك يؤكد كون هذا القرآن منهجنا، القضية قضية أعراف وتقاليد، قضية فلكلور إسلامي، أما الحقيقة العقلية والسلوك والقيم والمنهج فغربي وهذه مشكلة المسلمين.
 عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ قَالَ قُلْنَا وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ))

[ أحمد عن ثوبان]

 أيها الأخوة الكرام: لعلي أردت أن أضع يدي على الخلل الذي تعانيه الأمة الإسلامية، إن لم تستطع أن تقلب أحوال المسلمين رأساً على عقب فابدأ بنفسك، ببيتك، بعملك، حسن علاقتك بالله عز وجل، تحرى أمر الله وطبقه، ائمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، اضبط بيتك وعملك، فكر في الذي خلقك وفيما بعد الموت، إن لم تستطع أن تنقل الناس من الضلالة إلى الهداية فلا أقل من أن تنقذ نفسك وأهلك.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

[سورة التحريم: 6]

 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فشل الاستنساخ :

 أيها الأخوة الكرام: حينما حفظ الله كتابه فقال:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾

[سورة الحجر: 9]

 هل معنى حفظ كتابه ألا تجري محاولة لتغييره؟ لا، جرت محاولات كثيرة لتغييره، ولكنها لم تنجح، بل إن سماح الله لهذه المحاولات أن تبدأ، وتستمر قليلاً، ثم تخفق هذا دليل حفظ الله عز وجل لكتابه، محاولات كثيرة جرت لتغيير كتاب الله فلم تفلح، وعندي شواهد كثيرة لا مجال لذكرها الآن، قدمت هذه الفكرة تمهيداً إلا أن الله سبحانه وتعالى كماله مطلق، وتصميمه مطلق، فإذا تنطّح الإنسان للبحث عن طريقة أخرى غير الطريقة التي صممها الله عز وجل في الإنجاب ينبغي ألا يختل توازننا، وألا نفقد ثقتنا بقرآننا وبديننا، ينبغي أن نبقى متوازنين، لأن الله حينما يسمح لمحاولات أن تخط طريقاً غير الطريق الذي رسمها الله لإنجاب النسل البشري، ينبغي أن نعلم علم اليقين أن هذه المحاولات وتلك التجارب ربما زادتنا إيماناً بكمال الله عز وجل ذلك أن الله عز وجل يقول:

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[سورة الإنسان: 2]

 وهذا الحوين حينما يلتقي مع البويضة ويتحدان، في البويضة مورثات، وفي الحوين مورثات، وكل مورث فيه مئات الصفات وقد تزيد عن ألف صفة في كل من الحوين والبويضة، أما الصفتان المتشابهتان ففي التلقيح الذي رسمه الله عز وجل من الذكر والأنثى.

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾

[سورة النجم: 45-46]

حينما يكون النسل وفق منهج الله عز وجل، وفق تصميمه الكامل المطلق، الصفة الأقوى تغلب الصفة الأضعف، فيأتي النسل قوياً، وقد ورد عن سيدنا عمر أنه قال: " اغتربوا لا تضووا".
 أما حينما نأخذ خلية من ثدي المرأة وننميها في رحمها حتى تغدو جنيناً، فالجنين ليس بنت المرأة بل هو أختها، وأن صفات الضعف تزداد، وأن هناك أخطاراً لا يعلمها إلا الله، لقد ظهرت علائم الشيخوخة المبكرة بعد خمس سنوات من هذه النعجة التي استنسخوها.

 

التصميم الإلهي هو الكمال المطلق :

 أيها الأخوة: الإيمان القوي لا يتزلزل أمام تقدم علمي، أمام قفزة هدفها الأول التحدي وليس الحصول على شيء لم يكن موجوداً.
 أيها الأخوة الكرام: فضلاً عن أن كلفة الاستنساخ بملايين الدولارات فهل نحن بحاجة إلى ملايين الملايين كي نأتي بطفل؟ على كل هذه من فتن آخر الزمان.
 عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا))

[ أحمد عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ]

 هناك دعوة للتأله من قبل البشر في الغرب، هذا نوع من التأله والتحدي، ليست هناك حاجة أبداً وإطلاقاً، وحينما يمتد الزمان تكتشفون من خلال ما تسمعون أو تشاهدون أي خلل نتج من هذا الاستنساخ، لكن التصميم الإلهي هو الكمال المطلق، وأي عدول عنه نحو الأسوأ يقيناً، وقد ورد في القرآن الكريم أنهم يغيرون خلق الله، هذه الفتنة العلمية ينبغي ألا تهز المركبة العملاقة، السفن العملاقة لا تهزها موجة صغيرة، بينما القوارب الصغيرة ضعيفة الإيمان تقلبها أصغر موجة، فنحن أمام فتن يتبع أولها آخرها، نحن أمام فتن في القول، وفتن في العمل، وفتن في الاعتقاد والسلوك، وفي تطوير الدين وتجديده، نحن أمام فتن لا تنتهي، عصر الفتن !

(( أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا))

[ أحمد عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ]

 لذلك ينبغي أن يسعى المؤمن لتقوية إيمانه، لئلا يكون قارباً تتلاعب به الأمواج، ليكون سفينة راسخة في عباب الماء، هذا الكون كله يشهد بعظمة الله عز وجل، وحينما يسمح الله لمتأله من بني البشر أن يخط طريقاً وأسلوباً في النسل غير الأسلوب الذي رسمه الله عز وجل فليتأكد كمال الله، وإن عشنا وعشتم إن شاء الله سوف ترون وتسمعون كم هي الأخطار التي نتجت عن هذا الاستنساخ، أنا لا أريد أن أحكم مسبقاً، وأتمنى على كل الدعاة إلى الله أن يتريثوا في الحكم ولا يتسرعوا، فالباطل باطل من دون أن تحطمه.

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

[ سورة الإسراء : 81]

 الباطل وحده ينهار، دعه ولا تعجل عليه، ولا تتسرع بالأحكام، انظر لما سيكون، فالله سبحانه وتعالى وأقول مرة ثانية: التصميم الإلهي هو الكمال المطلق، وأي تغير لهذا التصميم هو نحو الأسوأ، وكلما تقدم بكم العمر رأيتم الأخطار والانحرافات التي تنتظر هذا الأسلوب الذي يدعى بالاستنساخ، أما إذا كان من أجل المعالجة والطب فلا شيء عليه، بل نحن مأمورون به، فعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[مسلم عن جابر]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فـيمن تـوليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر مـا قضيت، فـإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل مـن واليت، ولا يعز مـن عـاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا الـتي فـيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا مـن كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم شتت شملهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى، اجمعهم على الحق والخير والهدى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018