الدرس : 7 - سورة القلم - تفسير الآية 42-52 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 7 - سورة القلم - تفسير الآية 42-52


1997-06-20

 مشاق الدعوة إلى الله ووجوب تحلي الداعية بالصبر
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... مع الدرس السابع والأخير من سورة القلم، ومع الآية الثانية والأربعين وهي قوله تعالى:

﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾

 قال بعض علماء التفسير: يُدعون إلى السجود؛ أي: إلى الصلاة لأن الصلاة عماد الدين، فقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون في الدنيا، وإن أول ما يُحَاسب العبد عليه هو صلاته فإن صحَّت سعد ونجح، وإن لم تصح خاب وخسر.
 و ( يوم يُكشف عن ساقٍ ): مُصطلح يعني: يوم الشدة البالغة، ويوم النقاش العسير، ويوم الحساب الدقيق..

﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ﴾

 فهذا اليوم العصيب هو يوم الدينونة و الجزاء، يوم يقوم الناس لرب العالمين، فيأتي فيه الناس ربَّهم فُرادى فليس هناك تجمعات أبداً..

﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾

( سورة النفطار: آية " 19 " )

 

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾

( سورة الزمر )

 ففي هذا اليوم..

 

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

 

( سورة الشعراء )

 هذا اليوم هو يوم الحساب والجزاء، وهو يوم شديدٌ جداً على الكافرين، ففيه تُسَوّى الحقوق والحسابات، فيؤخذ للمظلوم من الظالم، ومن القوي للضعيف، ومن الفقير للغني.

﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ﴾

 يقال: كشفت الحرب عن ساقها ؛أي: حمي فيها الوطيس، و كشف اليوم عن ساقه ؛ أي: كان يوماً عسيراً عصيباً..

﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾

 فما الذي يمنعهم من السجود ؟ إنها أعمالهم السيِّئة التي أقامت حجاباً بينهم وبين ربّهم.
 فأنت _ أيها الأخ الكرم _ بإمكانك اليوم أن تقف وتتوضأ و تتجه نحو القبلة، و بإمكانك أن تكبر تكبيرة الإحرام، و تضع يداً فوق الأخرى، و تقراً الفاتحة وسورة، بإمكانك أن تركع وأن تسجد، وأن تقعد القعود الأخير ولكن العمل السئّ قد يحول بينك وبين الله، فالأعمال السيِّئة والانحراف في الدنيا، يمنع الإنسان من أن يصلي..

﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾

 قانون الذُل والعز:
الإنسان المستقيم عزيز النفس رافع الرأس، أما المنحرف فهو خافض الطَرْف ذليلٌ، وعلاقة الذل بالانحراف علاقة واضحة، كما أن علاقة العِز بالاستقامة علاقة واضحة أيضاً، فإن أردت أن تكون عزيزاً فاستقم كما أُمرت، وإن أردت أن تقف موقفاً مهيناً ذليلاً فتحرَّك في الدنيا كما تشاء، و أوضح مثل على ذلك: هذا الذي يسرق، ويقتل، وينهب، وحينما يقع في قبضة العدالة تراه في أشدِّ حالات الذل، لقد كان يدَّعي ويتبجَّح ويتحرَّك وينهب الأموال وينفقها على المعاصي والآثام،أما حينما يقع في قبضة العدالة فتراه ذليلاً بائساً حقيرا.ً

﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾

 الآن لا يستطيعون السجود، لقد وصلوا مع الله إلى طريقٍ مسدود...

﴿ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾

( سورة القلم )

 فالآذان هو دعوةٌ إلى السجود، ف (حي على الصلاة حي على الفلاح)، ما هي إلا دعوةٌ إلى السجود، دعوةٌ إلى أن تعبد الله وتخضع له و تعترف بعبوديتك له..

﴿ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾

 فالإنسان إذا كان معافىً في صحته فهو سالم، و إذا كان معه قوت يومه فهو سالم، وإذا كان أهله بخير فهو سالم أيضاً، و إذا كان عقله في رأسه فهو سالم، و إذا كانت أعضاؤه تامَّةً وأجهزته سليمةً فهو سالم، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( اغتنم خمساً قبل خمس ؛ شبابك قبل هَرمك، وفراغك قبل شغلك، وصحَّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك ))

 والإنسان أيها الأخوة إذا بكّر في معرفة الله استطاع أن يُشَكِّلَ حياته تشكيلاً إسلامياً ؛ فيستطيع عند ذلك اختيار الزوجة الصالحة و الحِرفة الجيدة، وألصق شيءٍ في الإنسان زوجته وحرفته، فإذا آمن بالله في وقتٍ مبكِّر اختار الزوجة الصالحة والحرفة الصالحة، وعندئذٍ لا يجد حجاباً بينه وبين الله، فكثيراً ما تقف الزوجة المنحرفة حجاباً بين زوجها وربه، كما أن الحرفةُ التي لا ترضي الله عزَّ وجل هي حجاب بين العبد وبين الله عزَّ وجل.

﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾

 نحن -إن شاء الله – من الذين تنطبق عليهم هذه الآية، فنحن الآن سالمون في بحبوحة التوبة والاستغفار والصُلْحِ مع الله و العودة إليه، فما دام القلب ينبض وما دام في العمر بقية فنحن سالمون، فكأن الله سبحانه وتعالى هنا ينقل لنا مشهداً من مشاهد يوم القيامة ونحن لا زلنا في الدنيا..

﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) ﴾

 نحن الآن حينما يؤذِّن المؤذِّن نُدْعَى إلى السجود ؛ أي: إلى الصلاة، وأحبُّ الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها، ومن أخَّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمر، وتأديتك الصلاة هي تأدية لحق الله عزَّ وجل وإظهار لعبوديتك له، فتطمئن نفسك عندئذٍ ويرتاح قلبك، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((أرحنا بها يا بلال ))

 دققوا أيها الإخوة هنا... إنك حينما تسمع النداء وتتجه لتصلي، وتصلي صلاةً كما أراد الله عزَّ وجل تشعر براحةٍ كبيرة، راحة تشعرك أنك عبدٌ مطيعٌ لله.
 أيها الإخوة الكرام... الآيات التالية دقيقةٌ جداً:

 

﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ﴾

 

( سورة القلم: آية " 44 " )

 ربنا عزَّ وجل يخاطب نبيه الكريم، فيقول له:

﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ﴾

 إن هؤلاء الذين دعوتَهم فلم يستجيبوا، و ألقيت عليهم الحق فلم يأخذوه، و أمرتهم أن يؤمنوا فلم يؤمنوا بل كذَّبوا و أعرضوا و سَخِروا، هؤلاء دعهم لي، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا دعاهم إلى الله واستجابوا له، كان طريق الهداية بالنسبة لهم هو الطريق الطبيعي والسليم، لأن الأعراض المرضية في الجسم تُعالج بأدوية، فحينما يرفض المريض المعالجة يقتضي أن نجري له عمليةً جراحية..

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص: آية " 50 " )

 فالذي لا يستجيب للرسول صلى الله عليه وسلم لا يستجيب لله عزَّ وجل في حقيقة الأمر، و هذا الذي لا يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن رأى المعجزات النَيِّرات الباهرات و لا يعبأ بوحيٌّ أُنزل على رسول الله علاجه عند الله هو..

﴿ فَذَرْنِي ﴾

 هذا تهديد، بل هو من أشد أنواع التهديد، أي: إن لم يستجب لك بالدعوة البيانية فلا بدَّ من سلوكٍ تأديبي.
 مراحل استجابة الإنسان لله تعالى:
 هناك أربع مراحل يمر بها الإنسان في استجابته لله تعالى:
 1- مرحلة الدعوة البيانية: وهي أول مرحلة وأسلم مرحلة ؛ وهي أن تستجيب مثلاً لإنسان دعاك إلى الله، أو لخطبةٌ ألقيت على مسامعك دعاك فيها الخطيب إلى التوبة و طاعة الله وكسب المال الحلال وضبط الجوارح والأعضاء وإقامة الإسلام في بيتك، فهذه دعوة بيانية، وهي أول مرحلة، و الكمال في هذه المرحلة أن تستجيب..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

( سورة الأنفال: آية " 24 " )

 (يحييكم) هنا تعني: الحياة الحقيقية، حياة القلب و النفس، الحياة التي تليق بك أيها الإنسان لتتصل بالله، و تتعرف عليه، و تتقرَّب إليه، فهذه هي الحياة الحقيقية..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

 2- مرحلة التأديب التربوي: وهو المرحلة الثانية: فإن لم تستجب بالدعوة البيانية فلا بدَّ من التأديب التربوي، و الله عزَّ وجل - كما تعلمون - قد يسوق بعض الشدائد، و هذه الشدائد مرَّت بنا قبل درسين في قوله تعالى:

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

( سورة القلم: آية " 33 " )

 فقد أتلف الله لهم محاصيلهم، فقالوا:

 

﴿ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾

 

( سورة القلم: آية " 29 " )

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

 فإن لم يستجب الإنسان بالدعوة البيانية فهناك التأديب التربوي، والله عزَّ وجل عنده أدويةٌ تربويةٌ لا تُعد ولا تُحصى، ففي جسمك وحده آلاف الأساليب التربوية، وفي أولاد الإنسان و أهله وتجارته وعمله و علاقته مع من حوله سواء من هم دونه أو من هم فوقه، هناك آلافُ آلاف الأدوية التي يمكن أن تُعَالج بها أيها الإنسان، و حينما تدخل مرحلة التأديب التربوي فالوضع الصحيح هو أن تتوب إلى الله، فإن لم تَتُب فهناك مرحلة ثالثة...

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام: آية " 44 " )

 3- مرحلة الإكرام الاستدراجي: قد يأتي الإنسان الإكرام، لكن هذا ليس إكراماً بالمعنى الذي نفهمه نحن بل هو استدراجٌ من قِبَل الله عزَّ وجل، فهذا الإنسان لم يُعمل عقلَه فيتوب إلى الله، ولم يستجب للتأديب الإلهي فيرْعوي، كما أن الإحسان لم يؤثِّر فيه.
و إذا دخل الإنسان المرحلة الثالثة فالكمال فيها أن يشكر الله على هذا الإكرام وأن يعود إليه تائباً، وإلا لم يبق له إلا القصم، ويؤكد هذا آياتٌ كريمة في كتاب الله عزَّ وجل..

﴿ فَذَرْنِي ﴾

 يقول الله عز وجل: ما دام هذا الإنسان لم يستجب في المرحلة الثانية، فلم يصدِّق ولم يَتُبْ و لم ينصرف إلى الحق فدعه لي يا محمد، لأنك مكلَّف أن تبيّن له فقط، أما ربنا عزَّ وجل فيعالجه بالشدَّة، فالبيان على عاتق النبي عليه الصلاة والسلام، والتأديب التربوي من فعل الله عزَّ وجل، و ربنا عزَّ وجل هو الذي يسوق الشدائد لهذا الإنسان المُعْرِض..

﴿ فَذَرْنِي ﴾

 و يجب على الإنسان الذي لا يستجيب لله عزَّ وجل أن ينخلع قلبه لهذه الكلمة..

﴿ فَذَرْنِي ﴾

 فإذا نصحت أُمّ ابنها آلاف المرَّات فلم يرعوِ، قال لها الأب: دعيه لي، أنا سأقوم بتأديبه.

﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ﴾

 أنواع التكذيب بالقرآن:
 قال العلماء: الحديث: هو القرآن الكريم.
 التكذيب إما أن يكون اعتقادياً، أوقولياً أو سلوكياً.
 1- التكذيب الاعتقادي: لو اعتقد الإنسان أن هذا الكلام هو كلام محمد عليه الصلاة والسلام، فهذا التكذيب هو تكذيب اعتقادي، وهو كفر، فعلى الرغم من أن هذا الإنسان لم ينبس ببنت شفه و ظل ساكتاً، إلا أنه لا يعتقد أن هذا كلام الله، فهذا كفر اعتقادي، و قلَّما نجد هذا النوع من التكذيب في عالم المسلمين إلا ما نَدَر.
 2- التكذيب القولي: يوجد عندنا تكذيب آخر وهو التكذيب اللفظي، كأن يقول بلسانه، أو بقلمه في كتابٍ يؤلّفه، أو مقالةٍ يدبِّجها: إني لا أعتقد أن هذا القرآن كلام الله.. وقد مرَّ معنا مرَّةً في كتابٍ في النقد أن الأديب الفُلاني قال: يقال أن محمداً عليه الصلاة والسلام أخذ القرآن الكريم عن فلان الفُلاني، ثم يقول هذا الأديب: ولا أدري مبلغ هذا القول من الصحَّة، لعله كذلك.. فهذا نطق وشكَّك في أن هذا القرآن كلام الله، وهذا كُفر قَوْلي، و قلَّما نجد هذا في عالم المسلمين، فهو قليلٌ جداً.
 3- التكذيب السلوكي: ( وهو أخطر أنواع التكذيب ) وهو أن يسلك الإنسان سلوكاً مخالفاً لتوجيهات الله، فهذا التكذيب سلوكي عملي، و هذا التكذيبٌ شائعٌ ومنتشر، فحينما يقول الله عزَّ وجل:

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

( سورة البقرة: آية " 221 " )

 قد يأتي الأب المسلم فيختار لابنته الإنسان الغني دون أن يلتفت إلى دينه، فماذا يفعل هنا؟ إنه يكذَّب القرآن الكريم لا باعتقاده ولا بلسانه و قلمه ولكن كذَّبه بفعله وسلوكه، وهذا أخطر أنواع التكذيب، فالتكذيب السلوكي: أن تسلك طريقاً مخالفاً لما تسمع.
 فمثلاً: لو أنك زرت طبيباً في عيادته ففحصك فحصاً دقيقاً، ووصف لك الدواء الذي يراه مناسباً، فبالغتَ في شكر الطبيب والثناء على علمه واختصاصه، لكنك لم تشترِ الدواء لأنك لست مقتنعاً بجودة هذه الوصفة، فعدم شراء الدواء تكذيبٌ بعلم الطبيب، فمع أنك أثنيت على علمه وشكرته وبجَّلته واحترمته، لكن عدم شراء الدواء نوعٌ من أنواع التكذيب بل هو أخطر أنواع التكذيب، فالإنسان حينما يجد في القرآن الكريم آيةً تقول:

 

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 

( سورة البقرة: آية " 279 " )

 فإذا ارتكب معصية الربا بعد هذه الآية، يكون قد كذّب تكذيباً عملياً بها، لذلك يقول الله عزَّ وجل:

﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ﴾

 وهذا حتى لا يظن أحدنا أنه لم يكذِّب كلام الله سابقاً، ولم ينطق بكلمةٍ واحدة تبيِّن أنه لا يصدق كلام الله، كما أنه لا يعتقد بذلك، نقول له: هناك تكذيبٌ أخطر، فأنت لا تعتقد أن هذا ليس كلام الله، كما أنك لم تصرِّح أن هذا ليس كلام الله، لكنك حينما يقول لك خالق الكون: افعل، وأنت لا تفعل، أو يقول لك خالق الكون: لا تفعل، وأنت تفعل، فما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أنه تكذيبٌ عمليٌّ لكلام الله عزَّ وجل..

﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾

 نستدرجهُم ؛ أي: نسوقهم درجةً درجةً إلى هلاكهم، فمهما كان الإنسان ذا عقلٍ راجح وفكرٍ ثاقب فإنه إذا ارتكب ما يستوجب الاستدراج فإن الله سوف يستدرجه خُطْوَةً خُطْوَةً، وحركةً حركةً، و درجةً درجةً..

﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 ففجأةً يقع هذا الإنسان في قبضة الله فيُدَمَّر ويهلك و يفقد كل شيء،و يقع في حجابٍ شديد.

﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾

 ننقلهم درجةً إثر درجة إلى هلاكهم دون أن يشعر..

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ ﴾

( سورة القلم: آية " 45 " )

 أي أُمْهِلُهم..

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ ﴾

 أمدهم بالقوة، والصحة، والمال، إلى درجة يتوهَّمون فيها أنهم أقوياء وأغنياء، فيقولون: إن الله يحبّنا وعلامة محبَّته لنا أنه أعطانا ؛ أعطانا المال الوفير، والسلطان الكبير وأعطانا كل شيء، فهذا اسمه استدراج.

﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) ﴾

 الكيد: هو التدبير، ومعنى (الكيد المتين): لن يستطيع الإنسان إطلاقاً أن يتفلَّت من تدبير الله عزَّ وجل، و كُلُّكُم يعلم أيها الإخوة أن(القساوة والمتانة) صفتان تلصقان بالمادة، فمقاومة قِوى الشد تعني المتانة، ومقاومة قِوى الضغط تعني القساوة، فكأن تدبير الله عزَّ وجل شبكةٌ وقع فيها الإنسان، فمهما أبدى من حركاتٍ قوية فلن يستطيع أن يتفلَّت منه..

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

 و أحياناً إذا دخل الإنسان حراماً قد يُستدرج إلى عقد صفقةٍ يُفلسُ بها، أو يُستدرج إلى مصاحبة إنسانٍ يدمِّره، أو يُستدرج إلى سفرةٍ يُدَمَّر بها، أو إلى ركوب باخرةٍ يصيبها الهلاك، فالاستدراج من الله مُخيف، لأنه يأتي عندما يكون الإنسان في أعلى درجات الذكاء و أعلى درجات الحيطة والحَذَر و أعلى درجات خبرته المتراكمة، وعندما يكون حاملاً لأعلى شهادة ومالكاً لأكبر قوة..

﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) ﴾

 إذا أراد ربك إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لبٍ لبَّه، فالإنسان إذا عصى الله، وكان الله جلَّ جلاله يمدَّه بالقوة فليحذره لأن هذا استدراج، فالنعم إذا رافقت الطاعات كانت إكراماً، أما إذا رافقت المعاصي فهي استدراج، و الفرق بين الإنعام والاستدراج واضح، فالنِعَمْ مع الطاعات إكرام، وهي مع المعاصي استدراج، فلا تفرح بالاستدراج لأن عاقبته وخيمة..

﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾

 ما دام هذا الإنسان قد أعرض عن ذكر الله، ولم يستجب لدعوة الأنبياء، ولا لدعوة الدعاة..

﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ﴾

 فالتكذيب النظري قلَّما نجده في العالم الإسلامي إلا ما ندر، فهناك كتَّابٌ قليلون جداً يُصَرّحون في كتبهم بعدم قناعتهم بأن هذا كلام الله، و هذا تكذيبٌ بالقرآن، أما التكذيب الشائع فهو التكذيب العملي، فعندما تدخل إلى بيوت المسلمين فلا تجد فيها الإسلام مطبَّقاً، وكذلك عندما تدخل إلى محلاَّتهم التجارية و معاملهم و حقولهم و علاقاتهم و أفراحهم وأتراحهم، فلا تجد الإسلام مطبَّقاً في كل مناحي حياتهم، فماذا نُسَمِّي هذا ؟ هذا تكذيب عملي، وهذا التكذيب العملي شائعٌ وخطير، فحينما يُقيم الإنسان حفلة مختلطة، وعُرساً مختلطاً، ويأتي بالتصوير ويفضح أعراض الناس وهو من أسرةٍ مسلمة، ويسمح أو يعين على علاقاتٍ غير مرضيةٍ لله عزَّ وجل، إنه يكذِّب بفعله ذلك، فهناك آلاف المعاصي والآثام يرتكبها المسلمون وهم يصلون وهم يصومون، و هذا نوعٌ من التكذيب..

﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 يُستدرج دون أن يشعر..

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ ﴾

 أُعطيهم فرصة ؛ من صحة طيّبة و دخل كبير ومكانة جيدة و شعور بالاستعلاء، وعجرفة، و عُنْجُهيَّة..

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ ﴾

 لكن هؤلاء ينتظرهم مطبٌ كبير و عقابٌ أليم و حسابٌ عسير و هلاكٌ محقق..

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

 لا تستطيع قوةٌ على وجه الأرض مهما بَدَت قويةً أن تتفلَّت من قبضة الله عزَّ وجل..

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(25)﴾

( سورة يونس )

 إخواننا الكرام... مرَّةً ثانية وحرصاً على سلامتنا جميعاً يجب عليك أن تنظر: إذا كان الله يغدق نعمه عليك وأنت تعصيه ولا تقيم منهجه ولا تطبق ما في كتاب الله وسنة رسوله فاحذره عند ذلك، لأن هذا استدراج، إذاً: اعلم أن النعم مع الطاعات إكرام، وأن النعم مع المعاصي استدراج، والاستدراج عاقبته وخيمة..

﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ ﴾

 أملي لهم ؛ أي: أفسح لهم مهلةً، وأعطيهم من المال والصحة والأهل والأولاد..

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

 لا يستطيع أحدٌ أن ينجو من عقاب الله ولا من تأديب الله، وكما قلت قبل قليل: إذا أراد ربك إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لبٍّ لبَّه.
 فربنا عزَّ وجل يبيِّن لنا ما الذي يحول بين هذا الإنسان وبين طاعة الله:

﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾

( سورة القلم )

 لا يستطيع أي إنسان منا أن يدخل إلى عيادة طبيب أو مكتب محامٍ أو مكتب مهندس أو محل البيع والشراء إلا إذا كان في جيبه أجور لهؤلاء، فكل شيء له ثمن، لكن بإمكانك أن تدخل إلى بيوت الله عزًّ وجل مجَّاناً فلا يوجد رسم اشتراك، ولا رسم دخول ولا ضريبة ولا مغرم..

 

﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾

 لعلك كلَّفتهم ما لا يطيقون ؟ لعلك ألزمتهم بدفع مبالغ طائلة عندئذٍ أحجموا عن تلبية دعوتك حفاظاً على ثروتهم أو على مالهم ؟

﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) ﴾

 معنى عندهم الغيب ؛ أي:هل عندهم مفاتيح القضاء والقدر ؟ هل عندهم ضماناتٌ لمستقبلهم ؟ أهم يعرفون ماذا كُتِبَ في اللوح المحفوظ ؟..

﴿ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾

 فيأخذون منه ضماناً لمصالحهم ؟

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾

( سورة القلم: آية " 48 " )

 أوامر الله تكليفية وتكوينية:
 1- أمره التكليفي: الحقيقة أنّ المؤمن مكلَّف أن يصبر عن الشهوات المحرَّمة، ومكلَّفٌ أن يصبر على الطاعات، ومكلَّفٌ أن يصبر على القضاء والقدر، و مكلَّفٌ أن يصبر على حكم الله، و الله عزَّ وجل يُعطي كل إنسان حظوظاً متفاوتة، فأنت حَكَمَ الله لك بأن تنجب بنات فقط فهذا حَكَمَ الله، وحكم الله لإنسان آخر أن يجعله عقيماً، وحكم لإنسان ثالث أن يكون ذا دخلٍ كبير، ولإنسان رابع ذا دخلٍ محدود، ولإنسان خامس أن يؤدَّب بهذه الطريقة، فهذا كلَّه حُكْمُ الله، و الله عزَّ وجل له أمر تكليفي، وله أمر تكوين.
 2- أمره التكويني: ( أفعاله ) مثلاً: إذا كان هناك خصمان يتخاصمان فقد يربح أحدهما الدعوة على أخيه ولكنه قد يكون ظالماً، وقد يكون أخوه مظلوماً، فحكم الله هنا يأتي مُعاكِساً لحكم القاضي، فقد يعوِّض المظلوم و يبطش بالظالم، فهذا حكم الله، و أفعال الله هي حكمه، فقد يطلق الزوج زوجته مثلاً، و تكون الزوجة مظلومة في هذا، لذلك كانت حكمة ربنا عزَّ وجل مع الزوجة المظلومة أن يكافئها بزوجٍ يكرِّمها، وحكم الله مع الزوج الظالم أن يعاقبه بزوجةٍ تَكيل له الصاع صاعين، فهذا حكم الله، فحكم الله عزَّ وجل هو أفعاله، فأحياناً يُكرم و يُعلي و يعز، وأحياناً يهين و يذل، وقد يُعطي و يمنع و يشفي ويعافي و يرفع ويخفض ويقبض و يبسط، فهذا هو حكم الله..

 

 

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾

 

 

( سورة القلم: آية " 48 " )

 معاني ( فاصبر ):
 1- أي: إذا كان عندك إكرام فاشكر، وإذا كان هناك شيء مخالف لرغبتك فاصبر..

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾

 2- أي: فاصبر للأمر والنهي، فالأمر والنهي يحتاجان إلى صبر، فهما تكليف، والتكليف ذو كُلفَة، و يقول الله في سياق الآية التي يخاطب بها النبي عليه الصلاة والسلام مسلياً له: اصبر على هؤلاء الذين يكذِّبونك، ويجحدون دعوتك، ويسخرون منك، ويأتون بشيءٍ يؤلمك.

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ﴾

 قصة يونس عليه السلام:
 لقد قال الله تعالى لسيدنا يونس عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام..

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾

 و الحقيقة أن ربنا عزَّ وجل ذكر لنا قصة سيدنا يونس، هذا النبي الكريم الذي أرسله الله إلى قومه فدعاهم ليلاً ونهاراً فلم يستجيبوا له، فضاق بهم ذرعاً، وشعر بضَجَرٍ وتركهم وولّى إلى جهةٍ أخرى، فهام على وجهه ضجراً من تكذيبهم وإعراضهم وجحودهم، فقال الله له:

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى ﴾

 دعا الله أن يُهْلِكَهُم لأنه لا خير فيهم..

﴿ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) ﴾

 

 تَرْوي الأخبار أن سيدنا يونس حين ضَجِرَ من قومه و يئس من هدايتهم بعد أن أصرَّوا على تكذيبه وعدم الاستجابة له هام على وجهه ودعا الله عليهم بالهلاك، واتجه إلى شَطِّ نهرٍ أو بحرٍ، وركب سفينةً، و تروي الأخبار أن رُكَّاب السفينة كانوا أكثر من قدرة السفينة على التحمل، فأشرفت السفينة على الغرق وكان لا بدَّ من تخفيف وزنها، فأجروا قرعةً فوقعت على سيدنا يونس، فكان لابدَّ من أن يُلقَى في الماء، فأُلقي في الماء والتقمه الحوت.
 أيها الإخوة...ما من مصيبةٍ يمكن أن تصيب إنساناً أكبر من أن يجد نفسه فجأةً في بطن حوت، في ظلمة الليل، و ظلمة البحر..

﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾

( سورة الزمر: آية " 6 " )

 هناك ثلاث ظلمات: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، فهل هناك أمل ؟ هذا الإنسان قد أصبح لقمةً في بطن الحوت، و الحوت وزنه مائة وخمسين طناً، و لقمة الحوت المعتدلة من السمك تبلغ أربعة أطنان، فالحوت يفتح فمه ويمشي فيطبق على أربعة أطنان، و هذه وجبة خفيفة بالنسبة له، فبكم تُقَدِّر الأحماض التي تفرزها معدته ؟ لقد دخل سيدنا يونس وهو النبيٌّ الكريم في بطن الحوت، فماذا يفعل ؟

 

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾

 

( سورة الأنبياء: آية " 87 " )

 من يسمعه الآن ؟ وهو في ظلمة بطن الحوت، و ظلمة البحر، وظلمة الليل، هل يوجد معه مكبّرات صوت ؟ هل يوجد معه تليفون خلوي ؟ من يسمعه ؟

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

 قال العلماء: " إذا أثنى الإنسان على الله فثناؤه دعاء "

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ﴾

 لقد قال: هذا الفعل فعلك يا رب وأنا أستحقّ ذلك لأنني ضجرت من قومي، ويئست منهم، وهمت على وجهي، ودعوت عليهم بالهلاك..

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾

 فمعنى هذا أن ثناءه دعاء..

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

 لكن أجمل ما في هذه القصَّة، وهو ما يعنينا منها قوله تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

 

 وهذا يحدث في أي زمن و مكان، وفي أي حال و وضع، وفي أي عصر ومصر..

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

 من كل المصائب ؛ من مرضٍ عُضال، أو ضائقةٍ مالية، أو عدوٍ شرس، أو همٍّ ساحق، أو قلقٍ مخيف، فلا شيء أصعب من أن يكون الإنسان في بطن حوت وفي ظلماتٍ ثلاث، فربنا عزَّ وجل قد ذكر لنا أصعب مصيبةٍ يمكن أن تصيب إنسان، ومع ذلك نجَّاه الله منها، لقد نجَّاه ثم قلب هذه القصَّة إلى قانون فقال:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

 فهل يوجد يأس مع الله عزَّ وجل ؟ الآن أقول لكل إخواننا الحاضرين: هل من الممكن أن يصاب أحدنا بمصيبة أشد من هذه المصيبة ؟ لقد نجّى ربنا عزَّ وجل يونس منها وقال:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

 لقد سَبِّح، ووحِّد، واستغفر..

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة الأنبياء: آية " 87 " )

 هذا دعاء..

 

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾

 

(سورة القلم: آية " 48 " )

 والحقيقة أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن كصاحب الحوت، فعندما ذهب عليه الصلاة والسلام إلى الطائف ودعا أهلها إلى الله عزَّ وجل كذَّبوه، وسخروا منه، وضربوه، فأراد الله عز وجل أن يُظهِر كماله ليستحق أن يكون سيد الأنبياء والمرسلين، فأرسل له ملَكاً، فقال له:

((يا محمد أمرني ربي أن أكون طَوْعَ إرادتك لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين ))

 أي: إن الأمر لك، أعطني إشارة فقط لأجعل سكان الطائف يبادون عن آخرهم، فماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال:

(( اللهمَّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون ))

 فلم يتخلّ عنهم، بل دعا لهم، واعتذر عنهم وتأمَّل أن يكون أولادهم صالحين..

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾

 فمعنى ذلك أن الله قَبِل توبته، فإذا وقع الإنسان في ذنب ماذا يفعل ؟ عليه أن يتوب،كما فعل يونس عليه السلام، و قوله ( تداركه نعمة من ربه )؛ أي: إن الله قَبِل اعتذاره وتوبته و استغفاره، وعفا عنه وأنقذه..

﴿ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾

( سورة القلم )

 لقد لَفَظَهُ الحوت إلى اليابسة بأمرٍ من الله عزَّ وجل، و لولا أن الله غفر له لكان شقيَّاً إلى أبد الآبدين، لكن الله رحيم..

﴿ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

( سورة القلم )

 أيها الإخوة الكرام... لا يجتمع اليأسٌ و القنوط و الحُزْنٌ و القهرٌ و الخوفٌ مع الإيمانٍ بالله، فإن آمنت بالله علمت أن كل شيء بيد الله عزَّ وجل، فاجعل هذه القصَّة دائماً نُصْبَ عينيك، وكلّ مهمَّة ألمَّت بك هي أقلّ بكثير من مصيبة صاحب الحوت، سواء كانت مشكلتك مشكلة دخل قليل، أو غير ذلك، فتذكر أن ذلك النبي الكريم دخل إلى بطن الحوت..

﴿ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾

 مذمومٌ: من قِبَل الله، فلولا أن الله عَفا عنه وقَبِل توبته ورحمه لكان مذموماً من قِبَل الخالق، ومن قِبَل المخلوقين، ومن قِبَل نفسه..

﴿ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ ﴾

 أي تاب عليه وقَبِله..

﴿ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

 وعاد إلى قومه، وآمنوا معه جميعاً، وأكرمه الله بهم.
 هذه الآية تُعَدُّ مثلاً أعلى للدُعاة، فالداعية قد يحتمل التكذِّيب و الطعن، والسخرية، والاستخفاف، والمعارضات، فهناك دائماً من يكيد له و يُشَكِّك فيه، فيجب أن يكون هذا النبي الكريم قُدْوَةً لكل داعيةٍ على الإطلاق..

﴿ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ﴾

( سورة القلم: آية " 51 " )

 أي: من شدَّة عداوتهم و حقدهم وغيظهم كانوا ينظرون إلى النبي عليه الصلاة والسلام نظرة الحقد والحَسَد، وكأن هذه النظرات من شدَّة قسوتها تَحْمِلُ النبي على أن يَقَعْ..

﴿ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ﴾

 ولا سيما..

﴿ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ﴾

 فهناك معركةٌ أزليةٌ أبديةٌ بين الحقِّ والباطل، فكل من دعا إلى الله له من يُعارضه، ويَسَفِّهُهُ و يقف أمامه ويشكك فيه، فبدت هذه الآية واضحةً عند النبي عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء الذين كفروا كرهوا دعوة النبي، وحقدوا، وبغضوا، وتألَّموا فكانوا إذا نظروا إليه وهو يقرأ القرآن تمتلئ قلوبهم حقداً، وغيظاً، وحسداً..

﴿ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴾

 والحقيقة أن المجنون من عصى الله..

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾

﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) ﴾

 

﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (6) ﴾

 وقد ذكر ربنا عزَّ وجل هذه التهمة التي اُتهم بها النبي عله الصلاة والسلام ظُلماً، في قرآن يُتلى إلى أبد الآبدين، ليجعل ذلك تسليةً للمؤمنين، فقد اُتُهِم سيد الخلق وحبيب الحق بأنه مجنون، فمن أنت ؟ أنت إنسان أقل من ذلك.
 أيها الإخوة الكرام... ذكرت مرَّةً أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه فرأوا إنساناً مجنوناً في الطريق فسألهم سؤال العارف:
 " من هذا ؟ فقالوا: هذا مجنون، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( لا هذا مبتلى، المجنون من عصى الله ))

 لذلك يجب علينا أن نعتقد أن المجنون هو الذي يعصي الله.. قال رجل لأحد الصالحين ( لسيدنا جعفر الصادق ): إن جاري ظلمني، فقال له: اصبر، فقال له: أخاف أن أكون ذليلاً، فقال هذا الإمام العظيم: " الذليل من عصى الله، والذليل من ظلم الناس "؛ أي: هو ذليل في المآل، أما إذا كنت في طاعة الله فأنت العزيز..

﴿ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ﴾

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران: آية " 119 " )

 فالمؤمن سليم الصدر طيّب..

﴿ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾

( سورة القلم )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018