الخطبة : 0550 - النميمة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0550 - النميمة.


1995-12-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم ، رسول الله سيّد الخلق والبشر ، ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

النّميمة :

 أيها الأخوة المؤمنون ، اخترتُ لكم مجموعةً من الأحاديث ، وبعض القصص المتعلّقة بِمَرضٍ خطير خطير ؛ إنّها النميمة ، تُطلق النميمة يا إخوة الإيمان على من نمَّ أيْ نقلَ قوْلَ إنسانٍ إلى المقول فيه ، قلتَ عن فلان كذا وكذا ، فجاء السامع ونقلَ إلى فلان ما قلتَهُ فيه ، وهذه النميمة قال الله عنها :

﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾

[ سورة القلم : 10-15]

 و قال تعالى :

﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾

[ سورة الهمزة : 1-5 ]

 عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَنُمُّ الْحَدِيثَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ ))

[مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ]

 عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ يَرْفَعُ إِلَى عُثْمَانَ الْأَحَادِيثَ مِنْ حُذَيْفَةَ قَالَ حُذَيْفَةُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ يَعْنِي نَمَّامًا ))

[أحمد عَنْ حُذَيْفَةَ]

 وقال عليه الصلاة والسلام :

(( أحبّكم إلى الله أحاسنكم أخلاقًا ، الموطّؤون أكنافًا ، الذين يألفون ويُؤلفون ، وإنّ أبغضكم إلى الله - اسم تفضيل أي أشدّ العباد بغضًا إلى الله تعالى - المشّاؤون بالنميمة ، الباغون للبراء العَيب ))

[الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]

 وقال عليه الصلاة والسلام :

(( من أشاع على مسلمٍ كلمةً لِيَشينهُ بها بغيرِ حقّ شانهُ الله بها في النار يوم القيامة ))

[ أخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني عن أبي ذر]

 والله آية القرآن لتقصم الظّهر ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾

[ سورة النور: 19 ]

 سمع عن مسلمٍ خبرًا سيّئًا ما نقله ، وما أشاعهُ ، وما روَّجهُ ، لكنّه فرِحَ به ، فرَحهُ به يضعهُ مع المنافقين ، إذا بلغك عن مؤمنٍ خبرٌ لا يسرّ ، وفرِحْتَ بهذا الخبَر ، وارتاحَتْ نفسك له ، ولمْ تنقلهُ ، ولمْ تُشِعْهُ ، و لم تروِّجْهُ ، فرحُكَ فقط يجعلك مع المنافقين :

(( من أشاع على مسلمٍ كلمةً لِيَشينهُ بها بغيرِ حقّ شانهُ الله بها في النار يوم القيامة ))

[ ابن أبي الدنيا والطبراني عن أبي ذر]

النار عاقبة كلّ نمام :

 وفي حديث آخر :

(( أيما رجل أشاع على رجل كلمةٍ و هو منها بريء ليشينَهُ بها في الدنيا كان حقًا على الله أن يُذيبه بها يوم القيامة في النار ))

[ابن أبي الدنيا على أبي الدرداء]

 و :

(( من شهدَ على مسلم بِشَهادةٍ ليس لها بأهل - شهادة زور - فلْيتَبَوَّأ مقعدهُ من النار ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 إنّ ثلث عذاب القبر من النميمة .
 عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّ الله عز وجل لمّا خلق الجنّة قال لها : " تكلَّمي ، فقالَتْ : سعِدَ من دخلني ، فقال الله جلّ جلاله : وعِزّتي وجلالي لا يسكن فيك مُدمنُ خمرٍ ، ولا مصرّ على الزنا ، ولا قتّاتٌ أي نمّام ، ولا ديّوث - وهو الذي لا يغار على عرضه ، زوجتهُ في الشّرفة تنشرُ الغسيل بِقَميص النوم ، وهو يراها ولا يغار ، ويمشي معها وهي في أبهى زينةٍ ، يفتخرُ بِجَمالها ؛ هذا عند الله ديّوث وهو لا يريح رائحة الجنّة - ولا قاطع رحم"
 سأل بعضهم عالمًا قال : أخبرني عن السماء وما أثقلُ منها ؟ وعن الأرض وما أوسعُ منها ؟ وعن الصّخر وما أقسى منه ؟ وعن النار وما أحرّ منها ؟ وعن الزمهرير وما أبْردُ منه ؟ وعن البحر وما أغنى منه ؟ فقال هذا العالم : البهتان على البريء أثقلُ من السموات والأرض ، والحقّ أوسعُ منهما ، وقلبُ القانع أغنى من البحر ، والحرصُ والحسدُ أحرّ من النار ، والحاجة إلى اللّئيم أبردَ من الزمهرير ، وقلب الكافر أقسى من الصّخر ، وأذلّ شيء النمام إذا بانَ أمرهُ .

 

من نمّ إليك نمّ عليك :

 أيها الأخوة المؤمنون ، روِيَ عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنّ رجلاً دخلَ عليه فذكر له عن رجلٍ شيئًا - فلان فعل كذا ، أو فلان قال في حقّك كذا - فقال سيّدنا عمر : إن شئْتَ نظَرنا في أمْرك فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

[ سورة الحجرات :6]

 وإن كنتَ صادقًا فمِنْ أهل هذه الآية :

﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾

[ سورة القلم : 10-15]

 وإن شئْتَ عفَوْنا عنك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، العَفْوُ ولا أعود إلى هذا أبدًا !
 إما أنّه كاذبٌ ، وإما أنّه صادق ، فهو النمام ، وإن شئْت عفونا عنك ، فقال : يا أمير المؤمنين العَفْوُ .
 حكيمٌ زارهُ أحدُ إخوانه فأخبرهُ بِخَبرٍ عن أحد أصدقائه ، فقال الحكيم : أتيْتَ ثلاثًا ؛ بغَّضْت أخي إلي ، وشغلْتَ قلبي ، واتَّهَمْتُك بنفسي .
 والحسن رضي الله عنك يقول : من نمّ إليك ، نمّ عليك ، هذا الذي ينقلُ إليك أخبارًا سيّئة قالها فيك أُناسٌ ، هو نفسهُ سوف ينقلُ لهم أخبارًا سيّئة قلتها في حقّهم ، من نمّ إليك نمّ عليك.

 

أشرّ الناس من أشاع النميمة بينهم :

 وجاء في الحديث :

(( إن من أشرّ الناس من اتّقاه الناس لِشَرّه ))

[ رواه مالك عن عائشة ]

(( لا يدخل الجنّة قاطع ))

[ مسلم عن جبير بن مطعم]

 فسّرها العلماء قاطع بين الناس وهو النمام ، والسّعاية عرّفها العلماء بأنّها الإفساد بين الناس ، وقبُول السعاية شرّ من السّعاية ، واتّقوا الساعي ولو كان صادقًا ، إن كان صادقاً في قوله فهو لئيمٌ في صدقه ، يقول لك : هو قال عنك كذا ، والله هو قال ، لِمَ نقلتهُ إليّ ؟ كانتْ هناك مودّة فزالَتْ وألفةٌ فتحطّمَت ، كان هناك تعاوُن فصار هناك تنافُس ، لكنّ هذا الصّدْق فيه لُؤْم ، وقال بعضهم : السّعاية قبيحة ولو كانتْ صحيحة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني..

* * *

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم ارزقنا التأدب ونحن في بيوتك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018