الخطبة : 0494 - ذكرى المولد 3 ، زعامته صلى الله عليه وسلم - منافع الزنجبيل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0494 - ذكرى المولد 3 ، زعامته صلى الله عليه وسلم - منافع الزنجبيل.


1994-09-02

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهمَّ ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أخبار النبي تجعل الإسلام منهجاً قابلاً للتطبيق في كل زمانٍ ومكان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لازلنا في شهر ربيعٍ الأول - شهر مولد النبي صلى الله عليه وسلَّم - ولازلنا في الحديث عن شمائله الكريمة منطلقين من قوله تعالى :

﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

[ سورة هود : 120]

 ولهذه الآية مفهومٌ ومنطوق ، مفهومها أوسع من منطقها ، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم على علوُّ قدره ، وعلى رفعة شأنه ، يُثَبَّت قلبه بأخبار الأنبياء السابقين ، فكيف بنا نحن إذا استمعنا إلى أخبار نبيِّنا عليه الصلاة والسلام ؟! إنَّ أخبار النبي عليه الصلاة والسلام حقيقةٌ مع البُرهان عليها ، إنها تجعل المثاليَّة واقعيَّةً ، تقرِّب الواقع من المُثُل ، وتقرِّب المُثُل من الواقع ، وتجعل الإسلام منهجاً قابلاً للتطبيق في كل زمانٍ ومكان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ كما تناولنا في الأسبوع السابق جانباً واحد من جوانب شخصية النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو الجانب الاجتماعي . نتناول في هذه الخطبة جانباً آخر وهو : جانبه القيادي .

 

الجانب القيادي في شخصية النبي صلى الله عليه و سلم :

1 ـ النبي الكريم قائد فذّ و زعيم عظيم :

 كان عليه الصلاة والسلام قائداً فذَّاً ، وكان زعيماً يرتقي بزعامته إلى قِمَمِ الزعامة، وإليكم أيها الأخوة بعض الشمائل التي جُمِعَت من هذه الزاوية التي نحن بصددها .
 عندما وجَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم دُحْيَةَ الكَلْبِيّ إلى هرقل رسولاً معه كتابٌ يدعوه فيه إلى الإسلام ، ماذا فعل هرقل ؟ جمع الناس وفيهم فريقٌ من أهل مكة ، كانوا صدفةً في بلاد قيْصَر ، ودار في مجلس هرقل حوارٌ بينه وبين أبي سفيان ، وهو حوارٌ يدلُّ على عمق فهم هرقل وقدرته على تحليل الأمور ، هذا الحوار جرى على الشكل التالي : توجَّه هرقل بادئ ذي بدء إلى مَنْ حول أبي سفيان ، وقال : أيكم أقرب نسباً من هذا الرجل - والمقصود به النبي عليه الصلاة والسلام - الذي يزعم أنه نبي ؟ فقال أبو سفيان : أنا أقرب الناس إليه . فقال لأصحاب أبي سـفيان : إني سائلٌ هذا الرجل فإن كذبني فكذِّبوه . أي أنه عدَّ سكوتهم على إجابته إقراراً ، أول سؤالٍ طرحه عليه : كيف حَسَبَهُ فيكم ؟ فقال أبو سفيان : هو فينا ذو حَسَب. لأن سيدنا جعفر حينما سأله النجاشيُ عن رسول الله قال : " بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه " فقال هرقل : هل كان من آبائه مَلِك ؟ قال أبو سفيان : لا . قال : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل ما يقولُ ما قال ؟ قال : لا . قال : أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم ؟ قال : بل ضعفاؤهم . قال : يزيدون أم ينقصون ؟ قال : بل يزيدون .
 قال : هل يرتدُّ أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه ؟ قال : لا . قال : هل قاتلتموه ؟ قال : نعم . قال : فكيف كان قتالكم إيَّاه ؟ قال أبو سـفيان : الحرب بيننا وبينه سِجال نصيب منه ويصيب منا . قال : هل يغدر ؟ . قال : لا ، ونحن منه في مُدَةٍ ولا ندري ماذا هو صانعٌ فيها. أيْ إلى حين مغادرته مكة لم يغدر - هذا جواب فيه خبث - قال هرقل : هل قال هذا القول أحدٌ قبله ؟ قال : لا . فقال هرقل : سألتك عن حسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو حسب ، وكذلك الرُسُلُ تُبْعَثُ في أحساب قومها . وسألتك هل كان في آبائه مَلِك ؟ فزعمت أن لا ، فقلت : لو كان في آبائه ملك فإنه رجلٌ يطلب ملك آبائه . وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم شرفاؤهم ؟ فقلت : بل ضعفاؤهم . وهم أتباع الرسل عادةً . وسألتك هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فزعمت أن لا ، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله . وسألتك هل يرتدُّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه ؟ فزعمت أن لا . وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب . وسألتك هل يزيدون أم ينقصون ؟ فزعمت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حينما يتم . وسألتك هل قاتلتموه ؟ فزعمت أنكم قاتلتموه ، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالاً ينال منكم وتنالون منه ، كذلك الرسل تُبْتَلَى ثم تكون لهم العاقبة . وسألتك هل يغدرُ ؟ فزعمت أنه لا يغدر ، وكذلك الرسل لا تغدر . وسألتك : هل قال هذا القول قبله أحدٌ ؟ فزعمت أن لا . فقلت : لو كان قال هذا القول أحدٌ قبله قلت رجلٌ ائتم بقول من قبله . ثم قال هرقل : بِمَ يأمركم ؟ قال : يأمرنا بالصلاة والزكاة والصِلَةِ والعَفاف . فقال هرقل : إن يكن ما تقول حقاً فإنه نبيّ ، وقد كنت أعلم أنه خارجٌ ولم أكن أظنه منكم ، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلتُ عن قدميه ، وليبلغنَّ ملكه ما تحت قدمي . هذا الذي استنبطه هرقل ، وهو أبعد ما يكون عن هذا الدين .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ هذه النقاط التي استنبطها هرقل ، أن أتباعه يزيدون ولا ينقصون ، وهم من ضعاف الناس ، وأنه لا يغدر ، وأنه لا يكذب ، وأنه ذو حَسَب ، وأنه يأمر بالصلاة والزكاة والعفاف وصلة الرحم ، ولعلَّ في قول سيدنا جعفر حينما سأله النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال :

((كنَّا قوماً أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونقطع الرحم ، ونؤذي الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، ونسفك الدماء حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، ونسبه ، فدعانا إلى الله كي نعبده ، وكي نوَحِّده ، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، والكف عن المحارم والدماء))

[ أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]

 بماذا عرَّف سيدنا جعفر دعوة النبي ؟ أعطاها الطابع الأخلاقي ، ولم يفهم هذا الصحابيُّ الجليل - وهو على علوِّ قدره - أن الدين عباداتٌ جوفاء تُؤدَّى وانتهى الأمر ، بل فهم هذا الدين مجموعةً من القيَم ، فهم هذا الدين صدقاً ، وأمانةً ، وعفافاً ، وإحساناً ، ورحمةً ، وإنصافاً ، وصلةً للرحم ، وحُسناً للجوار .

2 ـ يوضِّح لأتباعه مقاصده العُليا :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مِن ملامح شخصية النبي القيادية أنه كان يوضِّح لأتباعه مقاصده العُليا ، إذا أردت أن تقود جماعةً فعليك أن تكون واضحاً ، لأن الغموض يجعل الشكَّ يتسرَّب إلى نفوسهم ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( قد تـركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيع عنها بعدي إلا هالك ))

[الجامع الصغير عن عرباض ]

 كان عليه الصلاة والسلام يمشي مع زوجته صفيَّة ، رآه صاحبان من أصحابه ، فقال صلى الله عليه وسلَّم :

(( عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ، قَالا : سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا، أَوْ قَالَ : شَرًّا))

[ أبو داود عن صفية ]

 وضوحٌ ما بعده وضوح . .

((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))

[ ابن ماجه عن العرباض ]

 فإذا أردت أن تقود جماعةً إلى الحق ، إذا أردت أن تدعو إلى الله عزَّ وجل ، إذا أردت أن تنوب في هذه الدعوة الشريفة عن الذين اصطفاهم الله عزَّ وجل ، فيجب أن تتبع سنة النبي في الوضوح . قال :

((يا قوم ما جئتكم بهذا الأمر أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا المُلك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً ، وأنزل إليَّ كتاباً ، وأمرني أن أكون بشيراً ونذيراً ، فبلَّغتكم رسالات ربي ، فإن تقبلوه فهو حظكم من الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليَّ أصبر على أمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم))

[ السيرة لابن هشام ]

 مرَّةً ثانية : من خصائص زعامته صلى الله عليه وسلَّم أنه كان واضحاً لا يجعل أصحابه في شك ، ولا في سوء ظن ، ولا في تردُّد ، ولا في حيرة ، ولا في تلكُّؤ ، بل كان واضحاً كالشمس الساطعة في كبد السماء . .

((...يا قوم ما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا المُلك عليكم ))

3 ـ كان يعرف لكل صحابيٍّ قدره :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وكان عليه الصلاة والسلام من خصائصه القيادية أنه كان يعرف لكل صحابيٍّ قدره ، يعرف إمكاناته ، يعرف خصائصه ، فهذا الصحابي يقول له :

(( خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

 وذلك الصحابي يقول له :

(( هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ ))

[البخاري عن حذيفة]

 وذاك الصحابي : " أنت حبر هذه الأمة "

((لو كان نبيٌّ بعدي لكان عمر ))

[الجامع الصغير عن عقبة بن عبامر ]

(( ما طلعت شمسٌ بعد نبيٍّ أفضل من أبي بكر ))

[ أخرجه جمع من المحدثين عن أبي الدرداء ]

(( إِنَّ الْمَلائِكَةَ تَسْتَحْيِي مِنْهُ ))

 أيْ عثمان .

[أحمد عن عائشة ]

 حتى أن أحد الأخوة الكرام قال لي : إنه يجمع في كُتَيِّبٍ أقوال النبي عليه الصلاة والسلام في أصحابه . إذاً من خصائص زعامته مع أنه سيدهم ، ومع أنه في قمة الكمال البشري ما كان يغفل عن خصائص أصحابه ، ولا عما أكرمهم الله به من صفاتٍ قياديةٍ أيضاً .
 أيها الإخوة الكرام ؛ كان يدعو ويقول :

(( اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك بعمر أو بأبي جهل ))

[ورد في الأثر]

 كان يحب نُخبةً من الناس تؤمن به ، لأن هذه النخبة واحدٌ كألف ، هناك إنسانٌ يحمل الإسلام ، وهناك إنسانٌ يحمِله الإسلام ، هناك إنسانٌ عبءٌ على المسلمين ، وهناك إنسانٌ آخر المسلمون عبءٌ عليه ، فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يتمنَّى أن يؤيِّد الله الإسلام بأحب العمرين ؛ عمرو بن هشام أو عمر بن الخطاب .
 دخل عليه عمر ذات يومٍ فرأى الحصير قد أثَّرت في خده الشريف فبكى عمر . قال : " يا عمر ما يبكيك أفي شكٍ أنت يا بن الخطاب؟" فقال عمر : " رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفُرس ينام على الحرير !! فيروي كتَّاب السيرة إجابتين للنبي عليه الصلاة والسـلام ؛ الإجابة الأولى : " أن يا عمر أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا ؟ " والإجابة الثانية : أن يا عمر إنما هي نبوةٌ وليست ملكاً . أنا لست بملك ، هذه هي النبوة ، النبوة قيَمٌ ، وأخلاقٌ ، وإنكارٌ للذات ، وقدوةٌ ، وأسوةٌ .
 إذاً من خصائص النبي في قيادته صلى الله عليه وسلَّم : الوضوح ، ومعرفة أقدار الرجال ، ويتمنَّى للمتفوقين أن يكونوا معه ، لأنهم يقدمون شيئاً نفيساً جداً للإسلام ، فشتَّان بين من يحمل الإسلام وبين من يحمله الإسلام ، بين من يكون عبئاً على المسلمين ، وبين ما يكون المسلمون عبئاً عليه .

4 ـ يثبِّت قلوب أصحابه :

 ومن خصائصه القيادية أنه صلى الله عليه وسلَّم يثبِّت قلوب أصحابه ، معنوياته في أعلى مستوى ، دائماً يبثُّ فيهم العزيمة والأمل بالنصر والتأييد ، فقال مرةً لعدي بن حاتم : " أرأيت الحيرة ؟ " قال : نعم . قال :

(( فإن طالت بك حياةٌ يا عدي فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف الكعبة لا تخاف أحداً إلا الله ، ولئن طالت بك حياةٌ لتفتحنَّ كنوز كسرى ، ولئن طالت بك حياةٌ لترين الرجل يخرج ملء كفِّه من ذهبٍ أو فضَّةٍ يطلب من يقبله فلا يجد أحداً يقبله ))

[ البخاري عن عدي بن حاتم ]

 وكل هذا حصل . هذه من دلائل نبوَته صلى الله عليه وسلَّم . إذا رأى أن الخوف قد سرى في قلوب أتباعه ، وحملهم على أن يقعدوا ، وضاقت بهم الدنيا ، فكان عليه الصلاة والسلام يبثُّهم كل الأمل ، وكل التفاؤل .

((عن خبَّابٍ قال : شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم وهو متوسِّدٌ برده بظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدَّةً ، فقلت : " يا رسول الله ألا تدعو الله لنا ؟! ـ ضاقت بنا الأمور ، واشتدَّ علينا إيذاء المشركين ألا تدعو الله لنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام واللَّه ليتمن اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب مِنْ صنعاء إِلَى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب عَلَى غنمه ولكنكم تستعجلون ))

[ رياض الصالحين عن أبي عبد الله ]

 ولا تنسوا أيها الأخوة أنه في معركة الخندق حينما رمته العرب كلها بقوسٍ واحدة ، وحينما خانته قبائل اليهود وكشفت ظهره ، وأصبح الإسلام مجرَّد ساعاتٍ وينتهي ، حتى أن أحدهم قال : " أيعدنا صاحبكم - ويقصد بهذه الكلمة النبي صلى الله عليه وسلَّم - أن تفتح علينا بلاد قيصر و كسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟!
 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾

[ سورة آل عمران : 146 ]

 هذه المضائق لابدَّ من أن يمر بها المؤمن كي يمتحن . .

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[سورة العنكبوت : 2]

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾

[ سورة البقرة : 214 ]

 وحتى أصحاب النبي في معركة الخندق قال الله عنهم :

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

[ سورة الأحزاب : 11]

 فإذا كنت مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلَّم فيجب أن توطِّن نفسك على تحمُّل الشدائد ، لأنها ممرٌ إجباريٌّ إلى الجنة ، مضيقٌ لابدَّ من عبوره . ونسأل الله العافية .

5 ـ حكمته القيادية :

 ومن خصائص قيادة النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان حكيماً ، فحينما يُقبل عليه المنافقون ليعتذروا له ، عن تخلفهم عن الذهاب معه إلى الغزوة ، كان يقبل أعذارهم جميعاً من دون تردُّد ، ومن دون تمحيص ، ومن دون تكذيب ، ثمانون من المنافقون اعتذروا إليه بعد أن عاد من تَبوك ، ولم يكذِّب أحداً . لكن المؤمنين الثلاثة الذين تخلَّفوا عن هذه الغزوة لم يقبل أعذارهم ، بل إنهم لم يكذبوا عليه ، وكان من حكمته الرائعة أنه حينما سمع قول سيدنا كعب قال: " أما هذا فقد صدق " . وبتوجيهٍ من الله عزَّ وجل أمر أصحابه الكرام أن يقاطعوا هؤلاء الثلاثة الذين تخلَّفوا عنه خمسون ليلةً حتى تاب الله عليهم توبةً نصوح ، بينما هو قَبِلَ من المنافقين أعذارهم لكنه لم يقبل من المؤمنين .
 أما أن يسوق الإنسان الناس جميعاً بأسلوبٍ واحد فهذا ليس من الحكمة القيادية بشيء ، هؤلاء يعاملون بهذه الطريقة ، وهؤلاء يعاملون بهذه الطريقة ، وكلَّما ارتقى الإنسان عند الله حوسبَ حساباً دقيقاً ، كلَّما ارتقى عند الله حوسِبَ على أدق الهفوات ، أما إذا كان بعيداً بعد الأرض عن السماء عن منابع هذا الدين فتقبل أعذاره ويُتسامح معه من باب الحكمة ليسَ غَيْر.
 أيها الأخوة الكرام ؛ على علوِّ قدر النبي كان عليه الصلاة والسلام بين أصحابه كواحدٍ منهم ، فكان يدع لأصحابه البتَّ في بعض الأمور ، وهذا ما يسمى الآن بـ " الديموقراطية" . كان يدع لأصحابه وهو فيهم البتَّ في بعض الأمور . مرَّةً جاءه وفد هوازن ، وجاء هذا الوفد يطلب ردَّ ما أُخِذَ منه ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، وأما ما كان ليس لي فسأسأل لكم الناس إن شاؤوا وافقوا ، وإن لم يشاؤوا لم يوافقوا ))

[كتاب الأربعين المتباينة السماع عن قُرِئَ عَلَى الإِمَامِ الْعَلامَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَاسِرٍ الْمِصْرِيِّ ]

 ترك الأمر لأصحابه ، هم أولو الأمر في البتِّ في هذه القضيَّة . ولمَّا استجارت زينب رضي الله عنها - وهي ابنته - لزوجها المسلمين ، ترك الأمر لأصحابه ، وقال : إن المسلمين يجيرون عليهم أدناهم فإن شئتم فأجروها . إن شئتم . في ابنته .

 

6 ـ يشعر من حوله أنه واحدٌ منهم :

 كان عليه الصلاة والسلام يشعر من حوله أنه واحدٌ منهم ، وهذه خصيصةٌ عاليةٌ جداً فـي زعامته صلى الله عليه وسلَّم . من حكمته الرائعة وواقعيته يقول أنس : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلَّم في سفر ، منا الصائم ومنا المُفْطِر ، فنزل منزلاً في يومٍ حار ، فسقط الصوَّام إجهاداً وتعباً وانحطاطاً ، وقام المفطرون فضربوا الخيام ، وسقوا الرِكاب ، وهيؤوا الطعام . فقال عليه الصلاة والسلام :

(( ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ ))

[ البخاري عن أنس ]

 على من أثنى ؟ لا على الذين صاموا وقعدوا ، بل على الذين أفطروا وخدموا ، وقدموا خدماتٍ لإخوانهم ، قال :

(( ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ ))

[ البخاري عن أنس ]

 أرأيتم إلى هذا الموقف الواقعي ؟ إنسان يقف على قدميه ، ويضرب الخيام ، ويسقي الركاب ، ويعلِف الدواب ، ويهيِّئ الطعام ، والآخر من شدة تعبه وإجهاده ملقىً على الأرض ، من الذي فضَّله النبي ؟ الذي قام بالصلاة وهو عبادة أم الذي قام بخدمة إخوانه وهو مفطر ؟ طبعاً صيام نفل بالمناسبة . فقال عليه الصلاة والسلام :

(( ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ ))

[ البخاري عن أنس ]

 وكان عليه الصلاة والسلام من شدة رحمته بإخوانه وأصحابه وأمته من بعده ، هناك أفعال يود أن يفعلها ، لكنه إذا فعلها أصبحت فرضاً على أمَّته ، فكان لا يفعلها خشية أن تُفرَض عليهم لأنه مشرِّع .
 ويا أيها الأخوة الكرام ؛ كما قلت قبل قليل كان يعرف أقدار أصحابه ، وكان ينزل الناس منازلهم ، وهذه من صفات القيادة الناجحة ، يعرف أقدار أصحابه وينزلهم منازلهم ، وكان يقول :

(( ليلتي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلامِ وَالنُّهَى ...))

[ مسلم عن ابي مسعود ]

 أي يتمنى النبي ، بل يأمر النبي أصحابه أن يكون عَلِيَّة أصحابه حوله ؛ تكريماً لهم ، وإعلاءً لشأنهم ، وتقديراً لمنزلتهم بين إخوانهم . ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( إنكم لن تَسَعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بَسْط الوجه وحسنُ الخلق ))

[أبو يعلى وابن أبي شيبة عن أبي هريرة ]

 كان عليه الصلاة والسلام وهو القائد الفذ ، إذا كان مع أصحابه في غزوة ، وكان الممر ضيقاً ، أو حرجاً ، أو فيه خطر ، كان يقف أمام الممر ويجعل أصحابه واحداً واحداً يعبرونه ، وكان يعبره آخر من يعبر وكأنه الأم الرحيمة ، أو الأم الرؤوم ترعى أولادها ، هكذا كان مع أصحابه ، فهذه الرحمة مع أصحابه حينما لمسها أصحابه فدوه بأرواحهم ، وباعواأنفسهم في سبيل الله وابتغاء رضوانه . وأنه عليه الصلاة والسلام بلغ قمة المجد ، وقمة النجاح ، وقمة السيطرة بعد أن فُتِحَت مكَّة وهزم هوازن ، وعاد إلى المدينة ، وقد دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، صعد المنبر ، واستقبل الناس باكياً وقال :

((يا أيها الناس إني قد دنا مني حقوق من بين أظهركم ، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه ، ألا ومن كنت قد شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه ، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليستقد منه ، لا يقولن رجل إني أخشى الشحناء من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي ولا من شأني ))

[مجمع الزوائد عن الفضل بن عباس]

 أخوتنا الكرام ؛ أن تصل إلى قمة المَجد شيءٌ صعبٌ جداً ، ولكنك قد تصل ، لكن البطولة لا أن تصل بل أن تبقى فوق ، لأن الغرور أحياناً ، والاعتداد بالنفس ، والشعور بالغلبة هذا يدمِّر من وصل إلى قمة المجد . لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وهو في أعلى درجات تألُّقه ونجاحه ، ونجاح دعوته ، وإحكام سيطرته ، قال :

((يا أيها الناس إني قد دنا مني حقوق من بين أظهركم فمن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه ، ألا ومن كنت قد شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليستقد منه ، لا يقولن رجل إني أخشى الشحناء من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي ولا من شأني ))

[مجمع الزوائد عن الفضل بن عباس]

 أيْ أنه فذاً .

7 ـ شجاع ربّى أصحابه على البذل و العطاء :

 ومن خصائص هذه القيادة الفذَّة أنه كان شجاعاً ، فعندما طَرَقَ عمر بن الخطاب باب دار الأرقم بن أبي الأرقم ، وكان عمر مشركاً ، وكان شديداً ، وكان بَطَّاشاً ، وكان جبَّاراً ، فكل الظن أنه جاء ليقتل محمداً ، وكل الظن أنه جاء ليبطِش بأتباعه ، فلما طرق عمر باب دار الأرقم خشيه الصحابة وظنوا أنه إنما جاء ليقتل محمداً ، فنهض النبي عليه الصلاة والسلام إليه ، فلما فتح له الباب أخذه بمَجْمَعِ ردائه ، ثم جذبه جذبةً شديدة وقال : ما جاء بك يا بن الخطاب فوالله ما أرى أن تنتهي حتى تنزل بك قارعة ؟ الصحابة الكرام خافوا على النبي ، لكن النبي خرج بنفسه ليواجه عمر ، وليمسكه بتلابيب ثوبه ، وليزجره ، وليجذبه جذبةً شديدة ، وليقول له : يا بن الخطاب أما ترعوي أخشى أن تنزل بك قارعة ، فقال عمر : يا رسول الله جئت لأؤمن بالله ورسوله ، وبما جاء من عند الله . فكبَّر النبي تكبيرةً عرف أهل البيت من أصحابه أن عمر قد أسلم . وهذه أيضاً من صفات زعامته وقيادته .
 لكن جاءه عديُّ بن حاتم ، فعل شيئاً آخر معه ، قال : دخلت على محمد وهو في المسجد فسلَّمت عليه . قال : من الرجل ؟ . قلت : عدي بن حاتم . وكان ملكاً فقام النبي تكريماً له . وانطلق به إلى بيته ، قال : " فوالله إنه لعامدٌ بي إليه ، إذ لقيته امرأةٌ ضعيفةٌ كبيرةٌ فاستوقفته فوقف طويلاً تكلمه في حاجتها . قال عدي : فقلت في نفسي والله ما هذا بملك . ثم مضى النبي إلى بيته وتناول وسادةً من أدمٍ محشوَّةً ليفاً ، فقدَّمها إلي وقال : " اجلس عليها " . قلت : " بل أنت " . قال : " بل أنت " . قال : فجلست عليها وجلس هو على الأرض " كان من الحكمة صلى الله عليه وسلَّم ، عامل عمر بهذه الطريقة ، وعامل عديَّ بن حاتم بهذه الطريقة .
 لكنَّ أصحابه الكرام من شدة تعلقهم به باعوا أنفسهم في سبيل الله ، ففي غزوة العسرة جاء أبو بكر بماله كلِّه ، وجاء عمر بنصف ماله ، وجاء العبَّاس بتسعين ألفاً من الدنانير، وحمل عبد الرحمن مئتي أوقية من الذهب ، وتصدَّق عاصم بتسعين وسْقاً من التمر ، وجهَّز عثمان ثُلث الجيش ثم جاء بألف دينارٍ فأفرغها في حِجْر النبي ، فجعل النبي يقلبها ويقول:

(( ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين ))

[ الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة ]

 هكذا ربَّى أصحابه ؛ على البذل والعطاء ، وعلى السخاء ، وعلى تقديم الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس .

8 ـ رحيم حتى أنه أرحم بأصحابه من أنفسهم :

 كان عليه الصلاة والسلام مع أصحابه أرحم بهم من أنفسهم ، مرَّ عليه الصلاة والسلام على مُصْعَب بن عمير وهو مقتلولٌ في برده ، فبكى النبي بكاءً شديداً وكأنه أبوه ، قال: يا مصعب - يخاطبه وهو ميت - لقد رأيتك بمكة وما بها أحدٌ أرقَّ حُلَّةً ولا أحسن لُمَّةً منك . . كان سيدنا مصعب من أنق فتيان مكة ، كان أهله من أولي اليسار ، وكان مدللاً ، وكان أثيراً عند والديه فقد أغدقوا عليه ما يريد ويتمنى ، فكان من أجمل فتيان مكة ، ومن أشدِّهم عنايةً بهندامه ولباسه ومظهره ، فلما أسلم قطع عنه أهله المال ، وعاش حياةً صعبةً في المدينة ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( لقد رأيتك بمكة وما بها أحدٌ أرقَّ حُلَّةً ولا أحسن لُمَّةً منك ، ثم أنت أشعث الرأس في بردةٍ مرقَّعة ))

 وبكى رسول الله بكاءً شديداً على هذا الصاحب الجليل الذي كان له نصيبٌ كبير في إسلام أهل المدينة ، وما فاته من الدنيا شيء . ومن شدة وفائه لأصحابه في بعض الغزوات سأل النبي صلى الله عليه وسلَّم عن سعد بن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقام أحد الأنصار وقال : يا رسول الله أنا أنظر لك فيما فعل . فذهب إلى ساحة المعركة فنظر ، فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق ، فقال لسعد بن الربيع : " إن رسول الله أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات ؟ " قال : " أنا في الأموات ، ولكن أبلغ رسول الله عني السلام وقل له : جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمتهٍ ، وقل لأصحابه : لا عُذر لكم عند الله إذا خُلصَ إلى نبيكم وفيكم عينٌ تطرف " .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم حديثٌ يطول لأنه سيد الخلق ، وحبيب الحق ، ولهذا الموضوع تتمة في خطبةٍ قادمةٍ إن شاء الله تعالى ، ونحن في موضوع خصائص قيادته الفذَّة ، وزعامته التي كانت من أعلى درجات النجاح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة والمَثَل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

اتباع النبي في قيادته الفذة للأخذ بيد الناس إلى الله و رسوله :

 أيها الأخوة . . . ذكرت هذه القصص ، والشمائل ، والخصائص في زعامة النبي، لأن الأب في أولاده يشغل منصباً قيادياً ، والمعلِّم في صفه ، ورئيس الدائرة في دائرته يشغل منصباً قيادياً ، فإذا أردت أن تأخذ هؤلاء الذين جعلهم الله تحت يدك إلى الله ورسوله ، فكن بهذا الحُب ، وذاك العطف ، وذاك الوضوح ، وهذه الغيرة ، وتلك الرحمة ، وتلك الحكمة . حكمةٌ ورحمةٌ وغيرةٌ ووضوحٌ ونزاهةٌ وشجاعةٌ وإقدام ، إذا أردت أن تنجح في قيادة من دونك إلى الله عزَّ وجل فعليك أن تقلِّد النبي عليه الصلاة والسلام ، عليك أن تتبعه في هذه القيادة الفذَّة التي قاد بها الأمم والشعوب ، أرسله الله رحمةً للعالمين .
 المعلِّم في صفه يقود هؤلاء الذين معه ، إلى أين ؟ إلى الله ورسوله ، الأب في بيته ، الطبيب في مستشفاه ، أليس هناك أناسٌ يعملون معه ؟ صاحب المعمل مع عُمَّاله ، ما منا واحدٌ إلا جعله الله مشرفاً على أُناسٍ دونه ، فيجب أن تتبع في قيادة هؤلاء هذا المنهج النبوي الفذ من أجل أن تنجح في مسعاك إلى أن تأخذ بيدهم إلى الله ورسوله والدار الآخرة .

* * *

منافع الزنجبيل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أخٌ طبيبٌ جمع الآيات التي وردت في القرآن الكريم ، والتي ورد فيها أسماء الأعشاب التي تصنَّف تحت باب التوابل ، فرأى ثلاثة مواد وردت في القرآن الكريم ، المادة الأولى هي الزنجبيل ، وفي قوله تعالى :

﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان : 17]

 والعنصر الثاني هو المِسك . .

﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾

[ سورة المطففين : 26 ]

 والعنصر الثالث هو الكافور . اليوم نتحدَّث عن الزنجبيل ، هذا الأخُ الطبيب قرأ كل ما كُتب عن الزنجبيل في كتب الطب القديم ، وقرأ سبعة بحوثٍ علميةٍ صدرت عن مراكز علمية محترمة جداً في العالم ، وقد أشار في مقالته إلى أسماء البحوث التي صدرت حول هذه المادة . فكان الشيء الذي لا يصدَّق . الزنجبيل كما ورد في كتب الطب القديمة : مسخِّنٌ للجسم ، معينٌ على الهضم ، مُلَينٌ للبطن ، مطهرٌ ومقوي ، ينفع الزنجبيل في التهاب الحنجرة والرشح ، ومسكنٌ قويٌ لالتهاب المفاصل ، ومسكنٌ قويٌ للمغص المعوي ، ومضادٌ للغَثَيان ، خلاصته المائيَّة دواءٌ جيدٌ لأمراض العين . هذا ورد في الكتب القديمة ، فماذا ورد في الكتب الحديثة ؟ في الأبحاث الحديثة التي أجراها علماء لا يعرفون أن هذه المادة وردت في القرآن الكريم ، ماذا قالوا ؟
 قالوا : الزنجبيل موَسِّعٌ للأوعية ، مُنعشٌ للقلب والتنفُّس ، مقويٌ لتقلُّص عضلة القلب ، أي أنه مماثل تماماً للديجوكسين ، الزنجبيل مقوٍ لتقلص عضلة القلب ، موسعٌ للأوعية والشرايين ، منعشٌ للقلب والتنفس ، يمنع تجمع الصُفيحات الدموية ـ إذاً هو مميعٌ للدم ـ يفيد في أمراض الجلطات الدماغية والقلبية وخثرات الأطراف ، يخفِّض من ارتفاع الضغط الدموي وخافضٌ للكولسترول .
 لماذا ورد هذا العنصر في القرآن الكريم ؟ أله كلُّ هذه الميزات ؟ وهذا الذي ذكرته لكم بعض ما جاء في مقالةٍ طويلة عن منافع الزنجبيل ، قلت : يا سبحان الله ! لو التفت الأطباء إلى تقصي العناصر التي وردت في القرآن الكريم ، هذا الأخ الطبيب جمع كل ما قيل عنه في الكتب القديمة وفي البحوث الحديثة ، وأثبتها في مقالته ، فلما اطَّلعت عليها وجدت أن في القرآن الكريم كنوزاً لا نعرف مقدارها إلا أن نبحث ، وأن ندرُس . فأن يكون هذا العنصر في الوقت نفسه موسِّع للشرايين والأوردة ، مقوي لعضلة القلب ، خافض للكولسترول ، خافض للضغط ، مميع للدم ، ثم إنه يؤثر تأثيراً إيجابياً في التهاب المفاصل ، مضادٌ للبروستات ، مضاد للسُعال ، أشياء كثيرة جداً . فهذا الكون فيه كل شيء ، وأفضل دواءٍ ما كان نباتياً ، ليس له تأثيرات جانبية ، أكثر الأدوية التي نأخذها أدويةٌ كيماويَّة تنفع من جهةٍ وتُفسد من جهةٍ أخرى، ولو درست الأعشاب دراسةً مستفيضةً علميَّةً لوجدنا العجب العجاب . هناك مؤتمر عٌقِدَ في مصر من أجل الحبة السوداء ، وظهرت أشياء العقل لا يصدقها . النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( إِنَّ فِيهِ الشِّفَاءَ ))

[ أحمد عن جابر بن عبد الله]

 ثم اكتشف أنه يقوي جهاز المناعة في الجسم ، ومتى قويَ جهاز المناعة قوي على كل الأمراض التي تجتاح الجسم . فالذي ذكره النبي عن الحبة السوداء ، وعن العسل ، وما ذكره القرآن عن الزنجبيل ، هذا كله مما يلفت النظر .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018