الخطبة : 0881 - غض البصر1 ، أسباب إطلاق البصر - حقائق عن الصلاة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0881 - غض البصر1 ، أسباب إطلاق البصر - حقائق عن الصلاة .


2003-05-09

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً بمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

غضّ البصر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ انطلاقاً من قول الله عز وجل :

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الرعد : 11 ]

 وانطلاقاً من أن مشاريع التغيير التي تمت في المئة سنة الماضية لم تنطلق من النفس بل انطلقت من خارج النفس ، فلهذه الغفلة عن دقة هذه الآية لم تنجح تلك المشاريع .
 وانطلاقاً أيضاً من أن تلبيس إبليس يوهم المؤمنين ، أو يزهدهم بما هم قادرون عليه ويحفزهم لما هم ليسوا قادرين عليه ، انطلاقاً من هذه الحقائق الثلاث كان موضوع هذه الخطبة غض البصر .
 أيها الأخوة الكرام : من الطبيعي أن تتوافق بعض الأوامر وبعض النواهي بين الدين الحق ، وبين الأنظمة الموضوعة الوضعية ، فالسرقة محرمة في الدين ، ومحرمة في أي نظام موضوعي ، لكن شاءت حكمة الله أن ينفرد الدين بنهي لا تحرمه جميع النظم الوضعية ، من هذا الذي ينفرد به الدين موضوع غض البصر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لقد وصلت فتنة الشهوات إلى ذروتها ، حتى وصلت بالإنسان إلى القاع بشكل لم يسبق له مثيل ، أصبحت صور النساء تشاهد في كل وقت من ليل أو نهار، وفي كل مكان إلا من عصم الله عز وجل ، وأصبح ذلك في متناول الجميع ، فعظمت تلك الفتنة ، واتسع الخرق على الراقع ، فكم أثنت هذه الفتنة من عزم ، وكم أوهنت من همة ، وكم ردت من ساعٍ إلى طريق الحق ، وكم تنكب بعض المؤمنين الصراط ، واستمرؤوا الضلالة ، وكم حبست هذه الفتنة الإنسان عن الترقي في درجات الفلاح .
 أيها الأخوة الأحباب ؛ نظراً لعظم هذه الفتنة ، واستفحال أمرها ، كان لزاماً على الدعاة والمصلحين أن يركزوا عليها ، فقد أجمعت الأمة ، واتفق على تحريم النظر علماء السلف والخلف من الفقهاء والأئمة ، اتفقوا على تحريم نظر الرجال والنساء بعضهم إلى بعض ، والأصل في هذا الباب أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

[ سورة النور : 30 ]

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾

[ سورة النور :31]

 وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري :

(( العين تزني وزناها النظر))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 وهذا الحديث أيها الأخوة يقصم الظهر والله .

 

الأمور التي ينبغي أن يغض المرء بصره عنها :

1 ـ غض البصر عن عورات الناس :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الأمور التي ينبغي أن يغض المرء بصره عنها يمكن أن تحصر في أمور ، أولها غض البصر عن عورات الناس ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

((لاَ يَنْظُرُ الرّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرّجُلِ ، وَلاَ تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَة))

[ مسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه]

 فلكل إنسان له عورة لا يجوز له كشفها ، ولا يجوز النظر إلى من كشف عورته، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح :

(( احفظ عورتك إلا من زوجتك))

[ الترمذي وحسنه بهز بن حكيم عن أبيه عن جده]

2 ـ غض البصر عن بيوت الناس :

 البند الثاني أيها الأخوة ؛ غض البصر عن بيوت الناس ، ومن أجل ذلك شرع الله عز وجل الاستئذان قبل دخول البيوت ، وكما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَر ))

[البخاري عن سهل بن سعد ]

 من أجل ألا تنظر إلى عورات البيوت ، أنت مكلف أن تغض البصر عن عورات الأجسام ، وأنت مكلف أن تغض النظر عن عورات البيوت ، لذلك شرع الاستئذان .
 أيها الأخوة ؛ عورات الطعام ، وعورات اللباس ، وعورات الأثاث ، لا يحب أهلها أن يفاجئهم عليها الناس دون تجمل أو إعداد ، وهذه لها علاقة بعورات المشاعر ، والحالات النفسية التي يتمنى الإنسان ألا يراه الناس عليها ، هناك ساعة انهيار ، وساعة ضعف ، وحالة بكاء ، و حالة قلق :

(( إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَر ))

[البخاري عن سهل بن سعد ]

 من أجل ألا تفاجئ الناس في بيوتهم ، هناك حال لا يتمنى أن يطلع الناس عليها ، إن في طعامهم ، أو في شرابهم ، أو في أثاثهم ، أو في أحوالهم النفسية .

3 ـ غض البصر عما لدى الناس من الأموال والنساء والأولاد :

 أيها الأخوة : ومن شعب غض البصر غض البصر عما لدى الناس من الأموال والنساء والأولاد ونحوها ، لقوله تعالى :

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾

[ سورة طه : 131 ]

 قال أحد المفسرين : لا تمدن عينيك معجباً ، ولا تكرر النظر مستحسناً إلى أحوال أهل الدنيا والمتمتعين بها ، وقد ورد في الأثر أن إياكم وفضول النظر فإن فضول النظر يبذر في النفس الهوى ، يعنينا من هذه الشعب الثلاث في هذه الخطبة شعبة واحدة وهي النظر إلى النساء الأجنبيات .

 

الأسباب المبيحة للنظر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بادئ ذي بدء : هناك استثناءات منها أن تعقد عقدك على امرأة لتكون زوجة لك ، فلك أن تنظر إليها من دون قيد أو شرط ، أيضاً من الأسباب المبيحة للنظر صغر سن الفتاة ، فالأعراف الاجتماعية تقر أن الفتاة الصغيرة جداً ينظر إليها من دون حرج ، ثم القواعد من النساء ، ثم المشاكلة ، فيباح للمرأة أن ترى من المرأة ، ويباح للرجل أن يرى من الرجل ما سوى العورة ، والعورة بين النساء والنساء وبين الرجال والرجال من السرة إلى تحت الركبة ، هذا استثناء أيضاً هو المشاكلة .
 ومن الأسباب المبيحة للنظر النساء المحارم اللواتي لا يجوز الزواج بهن لورود آية في القرآن الكريم :

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

[ سورة النساء : 23]

 ومن الأسباب المبيحة للنظر الضرورة والحاجة ، يدخل تحتها حاجة خطبة الفتاة ، أو الشهادة عليها ، أو معالجتها ، أو نحو ذلك ، وما سوى ذلك النظر زنا ، كما قال عليه الصلاة والسلام .

 

إطلاق البصر من أسباب إعاقة سير العبد إلى الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لعل من أسباب إعاقة سير العبد إلى الله عز وجل واشتغاله عما خلق له من عبادة إطلاق بصره في الحرام .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إن إطلاق البصر يعيق العبد عن السير في الطريق إلى الله عز وجل ، وكأنه يعيق أداء مهمته التي خلق من أجلها في الدنيا ، هذه واحدة ، قال بعض العلماء : إن تأمل محاسن النساء تورد صاحبها الردى وتبعده عن الهدى .
 وهناك شيء آخر من أسباب إطلاق البصر أن العبد يعوقه إطلاق بصره في سيره إلى الله ، ولو سلم له دينه فإنه يضعفه ويجعله في مؤخرة الركب ، وهذا مخالفة لأمر الله عز وجل بالإسراع في الخيرات والمسابقة إليها .
 شيء ثالث أيها الأخوة ؛ أن الله جل جلاله جعل ميل المرأة للرجل وجعل ميل الرجل للمرأة أمراً فطرياً مركوزاً في أعماق الطرفين ، لذلك ضبط الإسلام هذا الميل ووجهه الوجهة الصحيحة وفصل بين الرجل والنساء ، وأمر النساء بالحجاب لأن الفساد كل الفساد عند اختلاطهم ببعض كما في الصحيحين :

(( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء))

[الترمذي وابن ماجه عن أسامة ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ لقد فطن أعداؤنا لهذه القضية ، واستخدموا المرأة كسلاح لتقويض كل القيم الأخلاقية في بلاد المسلمين ، وكانت المرأة رأس الحربة في هذه الهجمة الإباحية الخبيثة ، قال أحدهم : كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة أكثر مما يفعله ألف مدفع، لذلك كانوا في الماضي يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون ، لكنهم الآن يجبروننا بالقوة الناعمة - المرأة - على أن نريد ما يريدون .

وعيد الله لمن دعا إلى تحرير المرأة و اختلاطها بالرجال :

 شيء آخر أيها الأخوة ؛ الدعوة إلى تحرير المرأة ، وإلى اختلاطها بالرجال ، وإلى خوضها العمل بين الرجال كتفاً بكتف ، ووجهاً بوجه ، هذه الدعوة تلقى ارتياحاً من مرضى النفوس ، لأنه يتاح لهم أن يستمتعوا طوال النهار بالمرأة بشكل أو بآخر :

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة النور : 19 ]

 أن يكون المجتمع المسلم مجتمعاً مختلطاً ، فيه انحرافات ، وفيه تجاوزات ، وفيه معاص كثيرة ، هؤلاء الذين يريدون أن يكون المجتمع الإسلامي كالمجتمع الغربي مجتمع إباحة وتفلت ، ومجتمع معصية وإباحية ، قال الله عنهم متوعداً :

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النور : 19 ]

العاقل من يترك هامش أمان بينه و بين المعصية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من عجيب الأمر أن الله عز وجل ما نهى عن الزنا ، ولكن نهى عن أن يقترب الإنسان من الزنا ، نهى عن مقدماته ، لأن الإنسان إذا اخترق مقدماته في الأعمّ الأغلب لا بد من أن يصل إلى نهاياته ، فقال تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾

[ سورة الإسراء : 32 ]

 وقال تعالى :

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[ سورة البقرة : 187 ]

 لا بد من أن تدع هامش أمان بينك وبين هذه المعصية ، ما هو هامش الأمان ؟ من اختلط مع المرأة فقد اخترق هامش الأمان ، من خلا بها فقد اخترق هامش الأمان ، من أطلق بصره في محاسنها فقد اخترق هامش الأمان ، ومن اخترق هامش الأمان خرج عن مظلة الله عز وجل ، وخرج عن حفظ الله ، وخرج عن توفيقه .
 فلذلك أيها الأخوة : قال بعضهم احفظ بصرك فإن الخطوة تقود إلى خطوات ، وإن النظرة تقود إلى حسرات ، وقد جاء في الآيات الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾

[ سورة النور : 21 ]

الاستعانة بالله على طاعته :

 أيها الأخوة ؛ لو سألنا علماء النفس لقالوا : إن إطلاق البصر يؤدي إلى تعدد الصور المخزونة في الذاكرة ، والمحفورة في الذهن ، والإكثار من النظر إلى الصورة الفاتنة سواء أكانت حية في عالم الواقع ، أو مطبوعة في مجلة ، أو متحركة في فيلم لامرأة ، وتكرار النظر يؤدي إلى سهولة استدعائها ، وسهولة استدعائها يؤدي إلى تخيلها بوضع معين تثور معه الشهوة ، ويصاب مريض القلب بالقلق الشديد ، لو أن هؤلاء المؤمنين اقتصروا على ما أحلّ الله لهم لأراحوا قلوبهم وأفكارهم من أمور طالما عذبت وأرهقت الكثير من أبناء الجيل ، واكتوى بلظاها جمع غفير من الناس .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن هذا الأمر يحتاج إلى توحيد ، أخذاً من قول الله عز وجل على لسان سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام :

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 33]

 ينبغي أن تستعين بالله على طاعة الله ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء : 76]

 وفي آية أخرى يقول :

﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة يوسف : 28 ]

كلّ أمر في بداياته مقدور عليه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حقيقة خطيرة أسوقها لكم في هذا الموضوع ، يسهل الاحتراز عن هذه المعصية في بدايات الأمور ، إلا أن آخرها يفتقر إلى علاج شديد ، وقد لا ينجح ، هذه حقيقة ، الأمر في بداياته مقدور عليه ، أما إذا استمرأ الإنسان هذه المعصية فربما وجد صعوبة بالغة في تركها ، قال بعض العلماء : لو أوتيت مال قارون ، وجسد هرقل ، وواصلت عشرات الآلاف من أجمل النساء من كل لون ، وكل شكل ، وكل نوع ، هل تظن أنك تكتفي ؟ الجواب لا ، وقد قال بعض الشعراء المؤمنين :

فلا ترم بالمعاصي كسر شهواتها  إن الطعام يقوي شهوة النهم
***

الدعاء أسباب إطلاق البصر :

1 ـ تكرار النظر:

 أيها الأخوة الكرام ؛ من أسباب إطلاق البصر : تكرار النظر واستدامته ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

((يَا عَلِيّ لا تُتْبِعِ النّظْرَةَ النّظْرَةَ ، فَإِنّ لَكَ الأُولَى ، وَلَيْستْ لَكَ الاَخِرَة ))

[أحمد عن بريدة]

 وهذا من رحمة الله بالأمة ، الأولى لك والثانية عليك ، اصرف بصرك فجأة :

((يَا عَلِيّ لا تُتْبِعِ النّظْرَةَ النّظْرَةَ ، فَإِنّ لَكَ الأُولَى ، وَلَيْستْ لَكَ الاَخِرَة ))

[أحمد عن بريدة]

 وقال بعض العقلاء : من سرح نظره أتعب خاطره ، ومن كثرة لحظاته دامت حسراته، وضاعت عليه أوقاته ، وفاضت عليه عبراته . وقال بعضهم : من حفظ بصره فقد صد عن نفسه شراً كثيراً .
 السبب الأول : تكرار النظر .

2 ـ استدامة النظر :

 السبب الثاني : استدامته ، النظر المتصل ، المتكرر سبب ، والمستمر سبب .

3 ـ الفراغ :

 السبب الثالث : الفراغ ، فالإنسان إن لم يملأ فراغه بهدف نبيل ، بعمل جليل ، فإن الفراغ يساعد على إطلاق البصر ، هذا الفراغ الذي يساعد على إطلاق البصر إذا أضيف له فتن تموج كموج البحر كان تأثيره أنكى ، وكانت عاقبته أشد وأبلى، والآباء الذين يحضرون لأبنائهم أسباب الفساد في البيوت إنما يسوقون أولادهم شاؤوا أم أبوا إلى الفواحش ، علموا أو لم يعلموا . بعض العلماء يقول : جنبوا مجالسنا الدنيا والنساء ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء))

[الترمذي وابن ماجه عن أسامة ]

4 ـ حب الاستطلاع :

 أحد أسباب إطلاق البصر : حب الاستطلاع ، قد تحب النفس شيئاً ، ولكن إذا كان الردى به فينبغي أن تنصرف عنه ، لأن القاعدة الفقهية : دع خيراً عليه الشر يربو ، شيء يحقق للنفس متعتها لكنها يحجبها عن خالقها ينبغي أن تدعه .

5 ـ محادثة النساء الأجنبيات :

 ومن أسباب إطلاق البصر : محادثة النساء الأجنبيات ، فالحديث غير الضروري وغير الجاد ، وإن لم يكن من وراء حجاب فالحديث إلى النساء الأجنبيات سبب لإطلاق البصر إلى محاسهن ، لكن هناك كما أقول دائماً : تلبيس لإبليس ، هناك من المؤمنين من يستصعب محادثة امرأة أجنبية ، لكنه يألف أن يحادث قريباته من غير محارمه ويقول : لا حرج في ذلك ، زوجة أخي ، النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري سئل عن الحمو فقال :

((الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْت ))

[ متفق عليه عن عقبة بن عامر]

 لأن المفسدة به كبيرة جداً .

6 ـ الإعلام الفاسد :

 أحد أسباب إطلاق البصر : الإعلام الفاسد ، المقروء والمسموع والمرئي ، بكل مستوياته ، هو يحمل عبء الأول والمسئولية الكبرى في دفع الناس إلى إطلاق البصر .

7 ـ التبرج و السفور :

 أحد أسباب إطلاق البصر : التبرج والسفور ، وقد أدى هذا التبرج والسفور إلى انتشار الفواحش ، وإطلاق الأبصار المسعورة في الصور المعروضة وهو رأس دواعي الفتنة .

8 ـ المصافحة :

 أحد أسباب إطلاق البصر : المصافحة ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( أن يطعن في رأس رجل بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له))

[ الطبراني عن يزيد بن عبد الله]

9 ـ تزيين الشيطان المعاصي للإنسان بمسوغ شرعي :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أحد أسباب إطلاق البصر : تزيين الشيطان لهذا الإنسان بمسوغ شرعي ، فأحياناً إبليس يلبس على المؤمن مسوغاً شرعياً يدعو إلى إطلاق البصر ، وإطلاق البصر يؤدي إلى الفاحشة ، فأي مسوغ شرعي تحكمه القاعدة : دع خيراً عليه الشر يربو ، ودرء المفاسد مقدم على جلب المنافع ، هذه قاعدة ، تحت مسوغ التعليم ، تحت مسوغ الهداية ، تحت مسوغ الوعظ والإرشاد لا تنبغي أن تخلو بامرأة ولا أن تملأ عينيك من محاسنها .
 أيها الأخوة الكرام : لهذا الموضوع تتمة في الخطبة القادمة إن شاء الله سأتحدث عن وسائل القدرة على غض البصر ، تحدثنا الآن عن أسباب إطلاق البصر ، وعن استثناءاته الشرعية ، وعن مضاره الكلية ، وفي خطبة قادمة إن شاء الله نتحدث عن وسائل المؤمن التي تعينه على غض البصر .

 

مشاريع التغيير لا تكون ناجحة عند الله إلا إذا انطلقت من النّفس :

 بادئ ذي بدء أعلن لكم هذه الحقيقة ، أناس كثيرون يقولون : لا نستطيع ، يجب أن تعلم علم اليقين أن الله إذا أمرك بأمر فإنك تستطيعه قطعاً ، لأن هذا الأمر من خبير، والاستطاعة لا تحددها أنت ، يحددها الذي خلقك ، لأنه :

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14]

 وما كان الله ليكلف المؤمنين ما لا يستطيعونه ، فمادام الله قد أمرنا بهذه الأمر فإنه ضمن استطاعتنا ، ولكن قد تكون هناك مجاهدة وجهد كبير ، لكن الجنة هي ثمن هذا الجهد الكبير في غض البصر .
 أعود وأقول : انطلاقاً من :

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 وانطلاقاً من أن مشاريع التغيير لا تكون ناجحة عند الله ، ولا تستحق توفيق الله وتأييده ، إلا إذا انطلقت من النفس لقوله تعالى :

﴿ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الرعد : 11 ]

 وانطلاقاً من أن من تلبيس إبليس قد يزهدك فيما أنت مستطيعه إلى شيء لا تستطيعه ، ففي النهاية لم تفعل الذي تستطيعه وبالبداهة ما فعلت الذي لا تستطيعه ، إذاً لم تفعل شيئاً وبقي الإسلام ظاهرة صوتية لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تصمد أمام الأعداء ولا ساعة ، وهذا نراه في العالم الإسلامي .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حقائق عن الصلاة :

 أيها الأخ الكريم ؛ إذا ضاقت نفسك يوماً بالحياة ، ما أكثر الضيق في هذه الأيام ، أينما ذهبت إلى أرجاء العالم الإسلامي ، حالة إحباط ما بعدها من حالة ، حالة ضيق ما بعدها من حالة ، حالة تقترب من اليأس ، حالة تدعو إلى الرثاء والشفقة .
 أقول أيها الأخوة إذا ضاقت نفسك يوماً بالحياة فتذكر قول الله تعالى :

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

[ سورة الحديد : 16]

 تذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((أرحنا بها يا بلال))

[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]

 أرحنا بالصلاة ، وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة ، إذا ضاقت نفسك يوماً بالحياة فما عدت تطيق آلامها وقسوتها ، إذا تملكك الضجر واليأس ، أحسست بالحاجة إلى الشكوى فلم تجد من تشكو إليه ، تذكر أن لك رباً رحيماً يسمع شكواك ويجيب دعواك ، تذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((أرحنا بها يا بلال))

[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]

 إذا ألممت بذنب في غفلة من أمرك فأفقت على لدغ ضميرك ، تؤرقك هذه الذنوب، وإذا نكست رأسك خجلاً من نفسك ، وأحسست بالندم يمزق فؤادك ، تذكر أن لك رباً غفوراً يقبل التوبة ، ويعفو عن الذلة ، قد فتح لك بابه ، ودعاك إلى لقائه رحمة منه وفضلاً ، تذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((أرحنا بها يا بلال))

[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]

 تذكر أن الله عز وجل كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :

(( إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُمهِلُ حتى إِذَا ذَهَبَ ثُلُث الليل الأَوَّلُ ، نَزَلَ إلى السماء الدنيا ، فيقول : هل مِنْ مُستَغْفِرٍ ؟ هل مِن تائِبٍ ؟ هل من دَاعٍ ؟ حتى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 تذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((أرحنا بها يا بلال))

[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه بعض معاني الصلاة ، نحن تعلمنا من الصلاة حركاتها وسكناتها ، لكن المسلمين لم يفهموا روحها ومعانيها ، الصلاة باب رحمة ، وطلب هداية ، وذكر لله عز وجل ، وتوجه إليه ، ودعاء له ، وسعادة بلقائه .

 

الصلاة عماد الدين والفرض الذي لا يسقط بحال :

 الصلاة أيها الأخوة تشتمل على أسمى معاني العبودية ، والاتجاه إلى الله ، والاستعانة به ، والتفويض إليه ، لها من الفضل والتأثير ما لا سبيل إلى إحصائه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ليس الصلاة أن يقف الإنسان بجسده وقلبه هائماً في أودية الدنيا ، إننا في ذلك أفقدنا الصلاة معناها ، أو فقدنا معنى الصلاة .
 أيها الأخ الكريم : يقول الإمام الحسن البصري : " إذا قمت إلى الصلاة فقم قانتاً كما أمرك الله وإياك والسهو والالتفات ، وإياك أن ينظر الله إليك وتنظر أنت إلى غيره ، وإياك أن تسأله الجنة وتعوذ به من النار وقلبك ساه ولا تدري ما تقول بلسانك ".
 من أجل هذا أيها الأخ الكريم كانت الصلاة عماد الدين ، ومن أهم أركانه، والفرض الذي لا يسقط بحال ، تذكر أيها الأخ الكريم قول النبي عليه أتم الصلاة والتسليم :

((مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاَةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشَوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلاّ كَانَتْ كَفّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذّنُوبِ مَا لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ وَذَلِكَ الدّهْرَ كُلّهُ ))

[ أخرجه مسلم عن عثمان ]

 تذكر قول النبي عليه أتم الصلاة والتسليم :

((عليك بكثرة السجود ؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة ، وحط عنك بها خطيئة ))

[مسلم عن ثوبان و أبي الدرداء ]

 تذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام وأنتم معنيون بهذا الحديث إن شاء الله :

(( من تطهر في بيته ثم مضى إلى بيت من بيوت اللَّه ليقضي فريضة من فرائض اللَّه كانت خطواته إحداها تحط خطيئة ، والأخرى ترفع درجة ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 أي في النهاية ليس لنا إلا الله ، ليس لنا إلا أن نتوب إليه ، ليس لنا إلا أن نستغفره، ليس لنا إلا أن نحسن الاتصال به ، ليس لنا إلا أن ندعوه ، هذا الذي بقي بأيدي المسلمين بعد أن فقدوا كل شيء ، ما بقي في أيديهم إلا أن يتوبوا ، وإلا أن يصلحوا ذات بينهم، وإلا أن يعقدوا مع ربهم الصلح ، ما بقي في أيديهم إلا أن يتوجهوا إلى الله عز وجل لأنه ما ألم بهم ليس له من دون الله كاشف .

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافينا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، واقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم يا واصل المنقطعين صلنا برحمتك إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم أصلح لنا شأننا كله ، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك ، أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، وارزقنا الشوق إلى لقائك ، ولذة النظر إلى وجهك الكريم ، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في بقاع الأرض كلها ، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين ، اللهم شتت شملهم ، اللهم فرق بينهم ، اللهم اجعل بأسهم فيما بينهم ، اللهم اجعل الدائرة تدور عليهم ، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اللهم أرنا قدرتك في تدميرهم يا رب العالمين ، اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك ، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا يا أكرم الأكرمين ، اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى ، واجمع بينهم على خير ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018