الخطبة : 0894 - الإخلاص . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0894 - الإخلاص .


2003-08-15

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإخلاص هو نصف الدّين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مرة زرت صديقاً تسلم منصباً رفيعاً ، أهنئه على هذا المنصب ، فإذا هو قد وضع لافتة صغيرة على طاولته كتب عليها قوله تعالى :

﴿أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾

[ سورة الإسراء : 80 ]

 فكان موضوع الحديث هذه الآية : لمَ لم يقل الله عز وجل رب اجعلني صادقاً ؟

﴿أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾

 لأنه يمكن أن تدخل في عمل ما صادقاً وتزل قدمك في أثناء هذا العمل ولا تخرج منه وأنت صادق .
 أيها الأخوة الكرام ؛ موضوع هذه الخطبة الإخلاص : والدعاة إلى الله ، وطلاب العلم الشرعي ، ورواد المساجد في أمس الحاجة لهذا الموضوع ، لأن حجم الإنسان بعد إيمانه بالله ، بعد إيمانه بالله الإيمان الذي يحمله على طاعته ، حجم الإنسان بحجم عمله ، وحجم عملك بقدر إخلاصك ، مكانتك عند الله بحجم عملك الصالح ، وحجم عملك الصالح لا بكمه ولا بنوعه ولكن بإخلاصه ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾

[ سورة البينة : 5 ]

 مخلصين حال ، الجوارح بالظواهر تنساق لحكم الله ، هذه عبادة الجوارح ، والحال هو الإخلاص لله :

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾

[ سورة البينة : 5 ]

 آية ثانية تؤكد المعنى نفسه :

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[ سورة الزمر : 2]

 بعضهم ظن أن الإخلاص هو نصف الدين ، أن تخضع لأمر الله هذه عبادة الجوارح ، وأن تكون بهذه العبادة مخلصاً هذه عبادة القلب ، القلب له عبادة والجوارح لها عبادة لكن بعضهم قال : الإخلاص هو الدين كله ، فإن عبدت الله بجوارحك ولم تكن مخلصاً لا قيمة لهذه العبادة ، إذاً الإخلاص هو الدين كله .

 

الإخلاص لله في العبادة :

 سيدنا عمر رضي الله عنه قال : "تعاهد قلبك" ـ لاحظ هذا العمل ماذا تريد به ؟ ما الخواطر التي تأتيك وأنت تعمله ؟ ما الأهداف التي تتوخاها من هذا العمل ؟ ما الدوافع التي بعثتك إلى هذا العمل ؟ قد تقول : لا أدري ، نقول لك : إنك تدري .

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة : 14-15]

 أوجه هذا الخطاب لنفسي أولاً والله الذي لا إله إلا هو ولكم ثانياً ، إنك تدري لماذا تعمل هذا العمل ؟ ما الدوافع التي وراء هذا العمل ؟ ما الأهداف التي تتوخاها من هذا العمل ؟ ما المشاعر التي تنتابك وأنت في هذا العمل ؟

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾

[ سورة البينة : 5 ]

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾

[ سورة الزمر : 2]

 آية ثالثة :

﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ﴾

[ سورة الزمر : 14]

 العبادة حركة تقوم بها الجوارح ، وعبادة القلب أن تبتغي بهذه الحركة رضا الله عز وجل لا غير .

 

من شروط العمل المقبول عند الله الإخلاص و الصواب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل :

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾

[ سورة الملك : 2]

 الفضيل رحمه الله عز وجل فسر :

﴿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

[ سورة الملك : 2]

 قال : أن يكون العمل صواباً وخالصاً ، صواباً ما وافق السنة ، وخالصاً ما ابتغي به وجه الله . وهذان الشرطان أيها الأخوة كل منهما شرط لازم غير كافٍ ، لا يكفي أن يكون العمل صواباً وفق منهج رسول الله ، ينبغي أن يكون مع صوابه مخلصاً ، ولا يكفي أن يكون العمل مخلصاً كأن نقيم حفلة لا ترضي الله ريعها للأيتام ، ولا يكفي أن يكون العمل لوجه الله ينبغي أن يكون صواباً .

 

إخلاص العبادة لله دون ابتغاء المديح أو الثناء :

 آية خامسة الله عز وجل يقول :

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

 وكأن القرآن كله سيضغط في هذه الكلمات

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾

 هذا التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

 من أراد أن يعقد مع الله صلة ، من أراد أن يكون الخط بينه وبين الله ساخناً ، من أراد أن يكون له طريق إلى الله عز وجل :

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

 بشكل أو بآخر :

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

 الإشراك هنا إشراك في النية :

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

 لا يبتغي بهذه العبادة سمعة ، ولا مظهراً ، ولا مديحاً ، ولا ثناء ، ولا تقديراً ، ولا إكباراً أبداً :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

 أيها الأخ الكريم : تعاهد قلبك ، دقق بالمشاعر التي تنتابك وأنت تعمل هذا العمل، دقق في البواعث التي دعتك إلى هذا العمل ، دقق في الأهداف التي توخيتها من هذا العمل .

 

إسلام الوجه إلى الله طلب مرضاته و الإقبال عليه :

 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً﴾

[ سورة النساء : 125 ]

 أي ليس هناك عند الله أحسن ديناً :

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾

[ سورة النساء : 125]

 إسلام الوجه إلى الله عز وجل إسلام القصد له ، إسلام التوجه إليه ، إسلام الإقبال عليه ، طلب مرضاته ، توخي رضوانه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لأن هناك آيات أخرى ينهد لها الإنسان :

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

[ سورة الفرقان : 23]

 عمل كالجبال يجعله الله هباء منثوراً .

(( يؤتى يوم القيامة بأناس لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثوراً ، قيل: يا رسول الله جلهم لنا ؟ قال : إنهم يصلون كما تصلون ، ويصومون كما يصومون ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم - غير مخلصين - ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

 يعلمون كيف ينتزعون إعجاب الخلق ، يعلمون كيف يظهرون بورع أمام المظاهر ، يعلمون كيف أنهم يرددون كلمات ترفع مقامهم عند الله ، أما إذا خلوا بمحارم الله ولا يراهم أحد انتهكوها ، هؤلاء لا يقيم لهم الله يوم القيامة وزناً .

(( من لم يكن له ورع يرده عن معصية الله تعالى إذا خلا بها لم يعبأ الله بسائر عمله ))

[ مسند الشهاب عن أنس]

 عمله شرك في شرك ، ورياء في رياء ، وهو يبتغي ما عند الناس من مديح وثناء .

 

من ابتغى بعمله وجه الله رفع الله درجاته و مقامه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أنا أعجب أشدّ العجب من هؤلاء الدعاة الذين يؤكدون أن هؤلاء الذين اخترعوا الكهرباء وبعض الإنجازات الحضارية مصيرهم إلى الجنة ، لأنهم قدموا خدمات عديدة للبشرية أنا أعجب ، هو أراد الدنيا ، هو أراد السمعة ، هو أراد الثروة الكبيرة ، هو أراد أن يكون له ذلك في العالمين ، ولم يفكر لثانية واحدة أن يسأل الله عز وجل من فضله ، فما دخلك أنت في أن تضعه فيما لم يطلب وما لم يرجُ ؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( يا سعد إنك لم تعمل عملاً تبتغي به وجه الله تعالى إلا ازددت به خيراً ودرجة ورفعة ))

[ مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه ]

 أي عمل تبتغي به وجه الله تعالى يرفعك الله به درجات ، ويرفع مقامك وذكرك عند الخلق .

 

مؤشرات على إخلاص الإنسان في عمله :

 قد يسأل سائل والسؤال دقيق كيف أعرف أنني مخلص ؟ أول جواب : أنت جبلت على معرفة حقيقتك من دون تعليم :

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة : 14-15]

 لو كنت صادقاً مع نفسك ، لو تأملت تأملاً صادقاً لعرفت أن البواعث ليست إرضاء الله عز وجل ، وأن الأهداف ليست إرضاء الله عز وجل ، وأن المشاعر التي تنتابك في أثناء العمل ليست إرضاء الله عز وجل :

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة : 14-15]

 ومع ذلك هناك مؤشرات ، حينما يستوي عملك مع مدح الناس لك أو مع ذمهم لك، ولا يتأثر العمل لا زيادة ولا نقصاً ، ولا تعبأ لا بمديح الناس ولا بذمهم ، لأنك تعرف قصدك تماماً ، وترضي الواحد الديان ، فهذا مؤشر على إخلاصك ، ولكن ليس معنى هذا أن تضع نفسك موضع التهمة ، لا . النبي عليه الصلاة والسلام :

((كلم إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا فلان هذه زوجتي صفية ))

[ مسلم عن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها ]

 رحم الله عبداً جبّ المغيبة عن نفسه ، ليس معنى إخلاصك ألا تعبأ بسمعتك ، ولا بمكانتك ، يجب أن تبين ، والبيان يطرد الشيطان ، ولكن أقصد أن عملك لا يزداد بمديح الناس لك ، ولا يقل بذم الناس لك ، إنك تبتغي وجه الله عز وجل ، وإذا لم تستح فاصنع ما تشاء ، بمعنى أنك إذا كنت واثقاً أن هذا العمل يرضي الله وفق منهج الله لا تعبأ بذم الناس لك، إذا لم تستح من الله فلا تعبأ بأحد ، إذا لم تستح فاصنع ما تشاء ، قال تعالى :

﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

[ سورة الليل : 19-21]

 أيها الأخوة الكرام ؛ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصح لأئمة المسلمين ، ولزوم جماعتها ، فإن دعوتهم تحوط من وراءهم ))

[ الترمذي عن ابن مسعود ]

 إذا أخلصت العمل لله ، ونصحت ولاة المسلمين ، ولزمت جماعة المسلمين ، لا يمكن أن ينطوي قلبك على غل لأحد . مما ورد في الآثار أنه : " برئ من الكبر من حمل حاجته بيده - كان متواضعاً - وبرئ من الشح من أدى زكاة ماله ، وبرئ من النفاق من أكثر ذكر الله عز وجل ، وبرئ من الغل من أخلص العمل لله ، ونصح ولاة المسلمين ، ولزم جماعة المسلمين ".

 

من عمل عملاً أشرك فيه غير الله فعمله له :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عن أبي وائل عن أبي موسى قال :

((أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً ، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً ، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا ، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))

[مسلم عن أبي موسى الأشعري]

 حصراً :

((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا ، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))

 في بعض الأحاديث القدسية يقول الله عز وجل فيما يرويه عنه النبي صلى الله عليه وسلم :

((من عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فهو له كله ، وأنا منه بريء ، وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك ))

[ مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

(( إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيباً ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 وفي حديث قدسي آخر يقول الله عز وجل لمن أشرك :

(( يقال لمن أشرك في عمله : خذ أجرك ممن عملت له ))

[ مالك عن أبي هريرة ]

 لا أجر لك عندنا ، اذهب فخذ أجرك ممن عملت له ، أنت عملت لمن ؟ لفلان ؟ خذ أجرك منه .

 

قيمة الرجل بإيمانه وعلمه وإخلاصه :

 والحديث الثالث يقول عليه الصلاة والسلام :

((إِن الله لا ينظر إِلى أجسادكم ، ولا إِلى صُوَرِكم ، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأَعمالكم))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 بعض التابعين كان أسمر اللون ، قصير القامة ، ضيق المنكبين ، ناتئ الوجنتين ، غائر العينين ، مائل الذقن ، أحنف الرجل ، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب ، وكان مع ذلك سيد قومه ، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف ، لا يسألونه فيم غضب ؟ هذا الرجل كان سيد قومه .
 والرجل قيمته في إيمانه وعلمه و عمله وإخلاصه ليس غير ، لكن في آخر الزمان في الزمن المادي ، في زمن الشهوات ، في زمن الشرك ، في زمن عبادة الجنس قيمة المرء متاعه فقط ، قيمة المرء مساحة بيته ، قيمة المرء نوع مركبته ، قيمة المرء كم كلفت مزرعته ، لكنه في المقياس الصحيح قيمة المرء علمه وعمله ، والترجيح في القرآن الكريم لم يعتمد على مقاييس البشر من قوة ، ووسامة ، وذكاء ، ومال ، هذه مقاييس البشر ، ولكن الترجيح في القرآن الكريم اعتمد على مقياسين قرآنيين ليس غير ، المقياس الأول :

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

[ سورة المجادلة : 11 ]

 العلم ، والمقياس الثاني :

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام : 132 ]

 العلم والعمل هذان مقياسان اعتمدهما القرآن الكريم في الترجيح بين الناس .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ورد في بعض الأحاديث القدسية :

((يقول الله تعالى : الإخلاص سرّ من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي))

[ورد في الأثر]

 غير المخلص بحاجة إلى أن يستجدي المديح ، غير المخلص بحاجة إلى ثناء الناس ، غير المخلص يعبد سمعته من دون الله ، غير المخلص يرائي ، غير المخلص يختلف عمله في خلوته عنه في جلوته ، غير المخلص يختلف باطنه عن ظاهره ، غير المخلص يزداد عمله بالثناء ويقل بعدم الثناء ، هذه مؤشرات عدم الإخلاص .

 

استواء الظاهر مع الباطن هو الحد الأدنى من الإخلاص :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإخلاص إفراد الحق سبحانه وتعالى بالقصد في الطاعة ، الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين ، الإخلاص من شهد في إخلاصه الإخلاص فإخلاصه يحتاج إلى إخلاص .
 يقول عمر رضي الله عنه فيما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر :

((إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّمَا لِكُلّ امرىءٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللّه وَرَسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللّه وَرَسولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أَوِ امْرأةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرَتُه إلى ما هَاجَرَ إلَيْهِ))

[ متفق عليه عن عمر بن الخطاب ]

 رجل في مكة أحب امرأة حباً شديداً ، جعلت شرط زواجها منه أن يهاجر فهاجر فسمي هذا الرجل : مهاجر أم قيس ، لأنه هاجر لا إلى الله ورسوله ولكن هاجر إلى امرأة ينكحها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإخلاص - كما قلت - استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن ، والإخلاص أن يكون الباطن خيراً من الظاهر ، وإذا استوى الظاهر مع الباطن ، استوت العبادة في خلوتك وجلوتك ، الحد الأدنى من الإخلاص أن يستوي الظاهر مع الباطن ، أن تستوي السريرة مع العلانية ، يجب ألا ترى إلا الحق ، والشيء الدقيق ألا ترى عملك ، عملك فضل من الله عز وجل ، إذا أراد ربك إظاهر فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك ، هذا الذي يرى عمله كبيراً ، ويرى جهده بليغاً ، ويرى أنه إنسان خطير ، وأنه نقل الهدى إلى كم غفير ، وأنه حينما يرى عمله ويعزوه إلى ذاته فقد جرح إخلاصه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ من ألطف ما سمعته أن المؤمن كوعاء من الذهب إذا نظر إلى الذهب الذي فيه فرغ هذا الوعاء من الذهب ، أما إذا نظر إلى فضل الله عليه بقي الذهب في الوعاء ، حينما تتيه بفضلك وبكرمك وبعلمك وبإخوانك وبدعوتك وتقول : ليس مثلي أحد ، هذا يجرح إخلاصك ، الآية الكريمة الدقيقة :

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ِ﴾

[ سورة النور : 21 ]

 انظر إلى فضل الله عليك ، انظر إلى أن الله سمح لك أن تدعو إليه ، انظر إلى أن الله عز وجل سمح لك أن تنفق من مالك ، انظر إلى أن الله عز وجل قبل منك بعض الأعمال ، أما إذا نظرت إلى عملك على أنه عمل عظيم فهذا يجرح في إخلاصك ، من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام : " اللهم أن بك وإليك ، قائم بك ، قصدي إليك ".

 

التّولي و التّخلي :

 أيها الأخوة الكرام ؛ درسان في الإخلاص كبيران ، درس بدر ودرس حنين ، في بدر أفتقر الصحابة إلى الله عز وجل .

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 123 ]

 أي مفتقرون إلى الله عز وجل ، لأنكم ضعاف فالله عز وجل منّ عليكم بالنصر .

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 إذاً عندنا درسان بليغان درس بدر ودرس حنين ، إذا قلت : أنا ، تخلى الله عنك، وإذا قلت : الله ، تولاك ، فأنت بين التولي والتخلي ، بأن تعزو عملك إلى ذاتك يتخلى الله عنك ، بأن تنسب الفضل إلى صاحبه يتولاك الله عز وجل .
 أيها الأخوة : حتى لو اخترت الحق ، واخترت طاعة الله ، واخترت طلب العلم ، واخترت أن تكون مؤمناً ، هذا الاختيار ما كان له أن يكون لولا أن الله سمح لك أن تختار .

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

[ سورة الإنسان : 30 ]

 شاء الله لكم أن تشاؤوا فنلتم هذا الخير ، ولو أن الله لم يشأ لكم أن تشاؤوا ما نلتم هذا الخير .

 

قليل من الإخلاص ينفع معه كثير العمل و قليله :

 مرة ثانية أيها الأخوة :

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ِ﴾

[ سورة النور : 21 ]

 إذاً هؤلاء الذين يزكون أنفسهم .

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾

[ سورة النساء : 49 ]

 الله يمدحهم أم يذمهم ؟ إنه يذمهم ، لا تزكي على الله أحداً ، ولا تزكي نفسك ، قل: الله أعلم ، حتى أن الصديق وهو خليفة رسول الله يوم ولى عمر بعده قال : يا رب إن سألتني لماذا وليته أقول لك : وليت أرحمهم هذا علمي به ، فإن بدّل وغير فلا علم لي بالغيب.
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإخلاص خطير جداً في حياة المسلم ، تابع ، تأمل ، دقق في البواعث ، في المشاعر ، في الأهداف ، فإن رأيت شيئاً داخله الشرك ، أو داخله الرياء ، فابتعد عنه ، وأعمل عملاً لا يراك إلا الله ، ولا تبتغي به إلا وجه الله ، فيا معاذ قليل من الإخلاص ينفع معه كثير العمل و قليله ، وعمل بلا إخلاص لا ينفعك لا كثيره ولا قليله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

علامات الإخلاص في العمل :

 أيها الأخوة : سأركز في هذه الخطبة الثانية على أربع نقاط ، النقطة الأولى :

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة : 14-15]

 فأنت حينما تخلص لله عز وجل في عمل من الأعمال ، أو في عبادة من العبادات، هذا الإخلاص هو عمل خالي من الشوائب ، يرفع إلى الله عز وجل ، العمل حينما يرفع إلى الله خالصاً من الشوائب يعود ثوابه ، ما هو الثواب ؟ الثواب ثاب أي رجع ، يعود ثوابه أي يرجع على قلبك سكينة وأنساً وراحة ، فعلامة إخلاصك راحة قلبك بعد العمل ، علامة إخلاصك راحة قلبك ، يلقي الله على قلبك السكينة ، يلقي الله في روعك أنه راض عنك ، يقربك إليه ، تتألق ، ألف ثمرة وثمرة من الإخلاص ، قرب ، وذكر ، وسكينة ، وتوفيق ، أما إذا كان العمل لغير الله عز وجل تعمله وتضجر بعده ، وتعمله وتذم الناس الذي لا يقدرون ، وتعمله وتسخط على فعلك له ، تعمله وتتمنى ألا تعمله ثانية ، فعلامة الإخلاص أن الله يلقي في روعك أنه راضٍ عنك .
 شيء آخر : علامة الإخلاص أن تستوي عبادتك ، وأن يستوي عملك في سرك وجهرك ، في خلوتك وجلوتك ، في ظاهرك وباطنك ، وعلامة الإخلاص ألا يزداد العمل عند المديح ، وألا يقل عند عدم المديح ، مديح الناس وذمهم سيان ، لكنك لا تخالف سنة النبي تضع نفسك في موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك ، تسعى أن تجب عنك الغيبة والنميمة، رحم الله عبداً جبّ النميمة عن نفسه ، ولكن حينما يصر الناس على وصف العمل بأنه سيئ وأنت تبتغي به وجه الله لا تعبأ قل : الله ثم ذرهم في غيهم يعمهون .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافينا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مآلنا ، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل ِكلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، وأذل الشرك والمشركين ، اللهم دمرهم فإنهم لا يعجزونك ، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، اجعل بأسهم بينهم ، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين ، اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى ، واجمع بينهم على خير ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018