الخطبة : 0892 - ذكر الله تعالى1 - الذكر من القرآن الكريم - انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0892 - ذكر الله تعالى1 - الذكر من القرآن الكريم - انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض .


2003-08-01

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ، ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه الطيِّبين الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الاستجابة لأمر الله من مقتضيات الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مع القرآن الكريم الله جلّ جلاله يقول :

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

[ سورة الأنعام : 1]

 الله عز وجل له الملك وله الحمد ، هناك من يملك ولا يحمد ، وهناك من يحمد ولا يملك ، ولكن الله جلّ جلاله له الملك وله الحمد .

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

[ سورة الأنعام : 1]

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾

[ سورة الكهف : 1]

 كأن الكون في كفة وكتاب الله في كفة ، الله عز وجل خلق الكون ونوره بالقرآن الكريم ، إنه نور من الله عز وجل .
 أيها الأخوة ؛ فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، القرآن الكريم هو منهجنا ، هو دستورنا ، هو كتابنا المقرر في امتحاننا ، من آيات القرآن الكريم :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب : 41]

 أيها الأخوة ؛ لا أدري كيف فهم المسلمون في عصورهم المتأخرة أن الفرائض صوم وصلاة وحج وزكاة ليس غير ، بينما كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك ، أنت حينما تقرأ كتاب الله عز وجل وتقرأ قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة الأحزاب : 41]

 أي يا من آمنت بالله ، يا من آمنت بوجوده ، يا من آمنت بوحدانيته ، يا من آمنت بكماله ، يا من آمنت بعلمه ، يا من آمنت بقدرته ، يا من آمنت بكماله ، يا من آمنت بخبرته ، يا من آمنت بقوته ، يا من آمنت بغناه ، هذا عقد إيماني بينك وبين الله :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41]

 من مقتضيات إيمانك أن تستجيب لأمر ربك .

 

كل أمر في القرآن يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك :

 أيها الأخوة ؛ أول حقيقة في هذه الخطبة أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك :

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[ سورة الكهف : 29]

 تهديد ، لا يعقل أن نؤمر بالكفر .

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾

[ سورة البقرة : 187]

 أمر إباحة .

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾

[ سورة النور : 32]

 أمر ندب .

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾

[ سورة البقرة : 43]

 أمر وجوب ، كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك ، أنت حينما تقرأ القرآن الكريم يجب أن تنتبه إلى الأوامر والنواهي ، أنت معني بها ، لأنك آمنت بالله ، آمنت بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، فالله عز وجل يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41]

 قال علماء التفسير ؛ الأمر هنا ليس موجهاً إلى مطلق الذكر ، بل إلى كثرة الذكر ، لأن المنافقين يذكرون الله قليلاً ، قال تعالى :

﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة النساء : 142]

الذّكر أمر إلهي واسع الشمول ممتد الآمال :

 أيها الأخوة ؛ لا أعتقد أن هناك أمر إلهياً واسع الشمول ، ممتد الآمال ، متنوع الصفات كأمر الذكر ، الذكر يدور معك أينما اتجهت ، وأينما حللت ، وفي كل حال ، وفي كل وضع ، وفي كل موقف ، في الرضا ، في الغضب ، في الفقر ، في الغنى ، في الإقامة ، في السفر ، في الاختلاء في النعمة .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41]

 ابن آدم إنك إن ذكرتني شكرتني ، وإذا نسيتني كفرتني ، لعل من أروع ما قاله المفسرون في قوله تعالى :

﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾

[ سورة آل عمران : 102]

 أن تذكره فلا تنساه ، و أن تشكره فلا تكفره ، و أن تطيعه فلا تعصيه .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41]

 قلت قبل قليل : ما من أمر متنوع كأمر الذكر ، إنك إن ذكرت أمره وأطعته هذا نوع من الذكر ، ومن أوسع معاني الذكر الطائع لله عز وجل ، ذكر أمره فأطاعه ، إذاً هو ذاكر ، الله عز وجل يقول :

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 152]

 اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي .

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 من أروع ما قاله المفسرون : إنك في الصلاة تذكر الله لكن ذكر الله لك أكبر من ذكرك له ، تذكره كي تأنس بقربه ، لكنه إذا ذكرك منحك الأمن ، منحك الرضا ، منحك السكينة، منحك التوفيق ، منحك الحفظ ، منحك الرعاية .

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 ذكر الله لك أكبر من ذكرك له .

 

السعادة البشرية تكمن بذكر الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ينبغي إذا قرأنا القرآن الكريم أن نفهم معاني الآيات بدقة بالغة، الله عز وجل يقول :

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد : الآية 28]

 لو أن الله عز وجل قال : تطمئن القلوب بذكر الله ، ليس بهذه الصياغة حصر ولا قصر لكن حينما قال :

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد : الآية 28]

 أي أن هذه النفس البشرية لا يمكن أن تسكن ، ولا يمكن أن تطمئن ، ولا يمكن أن تسعد إلا بذكر الله ، حصراً من هنا ، ويقول الله عز وجل :

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه : 124]

 ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب ، الشيء الذي يقلق الإنسان هو ما يصيبه من همّ وحزن ، الإنسان إذا اتجه إلى الله عز وجل ألقى في قلبه السكينة ، ألا ترون إلى الحديث الشريف :

((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

القرآن الكريم تذكرة للمتقين :

 يا أيها الأخوة ؛ الأمر بالذكر يتوجه إلى كثرته وقد برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله .
 أيها الأخوة ؛ إنك إن استغفرته فقد ذكرته ، إنك إن سبحته فقد ذكرته ، إنك إن تلوت كتابه فقد ذكرته ، إنك إن صليت فقد ذكرته ، أقم الصلاة لذكري ، إنك إن أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فقد ذكرته ، إنك إذا طلبت أحكام الشريعة كي تطبقها فقد ذكرته، إنك إن تفكرت في خلق السموات والأرض فقد ذكرته ، أي نشاط يقربك إلى الله فهو من الذكر، وأي نشاط يبعدك عن الله عز وجل فهو من الغفلة ، ألا ترون أيها الأخوة أن كلمة ذكر تعني أن هناك معرفة سابقة ، هذا هو الإيمان الفطري ، لقد جعل الله هذا القرآن تذكرةً للمتقين ، لأن الإيمان مركوز في أصل الفطرة .

الإنسان ملك الله ملكية مطلقة فلا ينبغي أن يطيع غيره :

 يا أيها الأخوة ؛ يقول الله عز وجل :

﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

[ سورة البقرة : 156]

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾

[ سورة البقرة : 155- 156]

 نحن ملك الله عز وجل ، نحن ملك الله ملكية مطلقة ، والملكية المطلقة أن الله عز وجل يملكنا خلقاً ، وتصرفاً ، ومصيراً ، لا ينبغي أن نطيع غيره ، ولا ينبغي ألا نشكره ، وينبغي أن نرضى بقضائه وقدره :

﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 156-157]

 إذاً ينبغي أن تذكره عند المصيبة ، ينبغي أن تعلم علم اليقين أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، يجب أن تذكره عند المصيبة ، أن هذه المصيبة كانت بقضاء من الله وقدر ، وأن هذه المصيبة سمح الله بها ، ولأنه سمح بها فيها خير مطلق ، وفيها حكمة مطلقة قد لا أكشفها الآن ولكن إذا صبرت كشف الله لي حكمتها ، فكنت راضياً عن الله عز وجل .
 أيها الأخوة ؛ والإنسان قد يغفل عن الله عز وجل يقول الله له :

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾

[ سورة الكهف : 24]

 يا رسول الله نكون معك ونحن والجنة كهاتين ، فإذا عافسنا الأهل ننسى ، هذا قاله سيدنا حنظلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : يا أخي نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا ، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة ، ولو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ، واذكر ربك إذا نسيت ، لو أن الإنسان غفل لوقت قليل عن الله عز وجل ينبغي أن يذكره .

 

بطولة الإنسان أن يكون فاعلاً في المجتمع لا منفعلاً :

 أيها الأخوة : يقول الله عز وجل في الحديث عن المؤمنين :

﴿رِجَالٌ﴾

[ سورة النور : 37]

 وكلمة رجل في القرآن لا تعني أنه ذكر تعني أنه بطل .

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة النور : 37]

 يتاجرون ويبيعون ويكسبون مالاً حلالاً لينفقوه على أنفسهم ، وعلى أهليهم، وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة ، لكن هذه التجارة وهذا البيع لا يشغلهم عن ذكر الله، ليست البطولة أن تقبع في قمة جبل تتعبد الله عز وجل ، ولكن البطولة أن تكون إنساناً كما وصف النبي نفسه : أنا أشدّكم لله خشية ، وأتقاكم ، أنام وأقوم ، أصوم وأفطر ، أتزوج النساء ، هذه سنتي فمن رغب عنها فليس من أمتي .
 البطولة أن تكون فاعلاً في المجتمع لا منفعلاً ، الأنبياء كانوا يمشون في الطرقات ليتعرفوا إلى مشكلات الناس ، كانوا في برج عاجي أخلاقي ولم يكونوا في برج عاجي فكري ، كانوا مع الناس ولكن نأوا بأخلاقهم عن أن يسقطوا كما سقط الناس .
 أيها الأخوة ؛ اليد العليا خير من اليد السفلى ، والمؤمن القوي أحبّ إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف ، وأنت إذا تفوقت في الدنيا ، ووظفت هذا التفوق في الدعوة إلى الله ، وفي خدمة هذا الدين ، لك عند الله مرتبة علية ، لا تكن متقوقعاً ، لا تنسحب من الحياة .

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾

[ سورة النور : 37]

 أيها الأخوة الكرام ؛ لك ساعة مع ربك تناجيه بها ، لك ساعة مع ربك تتلو كتابه بها ، ولك ساعة مع الخلق تنفذ أوامر الله ، قال تعالى يحدثنا عن صلاة الجمعة :

﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

[ سورة الجمعة : 10]

 أن تذكره كثيراً في تعاملك مع الناس :

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾

[ سورة مريم : 3]

 وأنت في عملك ، وأنت في سفرك ، وأنت في بيعك ، وأنت في شرائك ، وأنت مع أهلك ، كن مع الله بالدعاء ، كن مع الله بالاستغفار ، كن مع الله بالأمر بالمعروف ، كن مع الله بالتفكر بآيات الله الدالة على عظمته .

 

الخاسر من أخذته الحياة و صرفته عن الآخرة :

 ثم إن الله سبحانه وتعالى ينهانا أشدّ النهي فيقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

[ سورة المنافقون : 9]

 هذا الذي تأخذه الحياة ، هذا الذي يمتص العمل كل وقته ، هذا الذي لا يجد وقتاً ليفكر ، لماذا خلق ؟ وماذا ينبغي أن يعمل ؟ وماذا بعد الموت ؟ هذا إنسان أخذته الحياة ، لذلك قال تعالى :

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

[ سورة الفرقان : 63]

 ليس معنى أن يمشوا هوناً متباطئين ، كان عليه الصلاة والسلام إذا سار كأنه ينحط من صبب ، وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها :" رحم الله عمر ما رأيت أزهد منه ، كان إذا سار أسرع " ولكن يمشون على الأرض هوناً لا يسمحون للدنيا أن تصرفهم عن ذكر الله ، لا يسمحون لأعمالهم أن تمتص كل وقتهم ، لا يسمحون لقضية طارئة أن تصرفهم عن الآخرة ، يخططون ، يتأملون ، يجلسون ساعات مع ربهم يتأملون سرّ وجودهم ، وغاية وجودهم ، يحضرون مجالس العلم ، يطلبون العلم ، هذا الذي أحبّ دنياه أضر بآخرته ، هذا الذي سمح لعمله أن يمتص كل وقته وقع في خسارة كبيرة ، نسي سرّ وجوده وغاية وجوده .
 أيها الأخوة :

﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾

[ سورة الجمعة : 10]

 كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل المسجد يقول :" اللهم افتح لي أبواب رحمتك " يا ربي اسمح لي أن أتصل بك في بيتك ، اسمح لي أن أخشع في صلاتي ، اسمح لي أن أفهم كتابك الكريم ، تقبل طاعتي يا رب ، كان إذا دخل المسجد يدعو ويقول : " اللهم افتح لي أبواب رحمتك " فإذا خرج من المسجد كان يقول : " اللهم افتح لي أبواب فضلك " .
 اللهم أعني على أن أطيعك في التعامل مع الناس ، أن أكون صادقاً ، أن أكون أميناً ، أن أكون عفيفاً ، أن أقيم أمرك في عملي ، وفي بيتي ، ومع أهلي ، ومع أولادي ، تماماً كالموظف الذي يأتي إلى مركز الشركة ليتلقى التعليمات ثم ينطلق لينفذ هذه التعليمات ، الإنسان في المسجد يتلقى من الله التعليمات ، إما من قراءة القرآن الكريم ، أو من سماع حديث رسول الله ، فإذا انطلق إلى بيته ، أو إلى عمله ، أو إلى شؤونه الخاصة ، ينبغي أن يطبق ما سمع، هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام :" افتح لي أبوب فضلك ".

 

من ذكر الله فقد أطاعه :

 ويقول الله عز وجل :

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ﴾

[ سورة آل عمران : 41]

 قلت لكم : برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله ، وبرئ من الشح من أدى زكاة ماله ، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده .
 الإنسان أيها الأخوة إما أن يكون واقفاً ، وإما أن يكون مضطجعاً ، وإما أن يكون قائماً ، الله عز وجل يقول :

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾

[ سورة آل عمران : 191]

 أي في الأحوال كلها إن رأيت شيئاً مدهشاً تقول : سبحان الله ! إن رأيت قضاء الله وقدره قل : لا حول ولا قوة إلا بالله ، إن رأيت نفسك متوانيةً عن الإقبال عليه قل : أستغفر الله ، هناك من يقول : اللهم اغفر لي زلتي ، واستر عورتي ، وأقل عثرتي ، وآمن عورتي ، الدعاء ذكر ، الاستغفار ذكر ، التسبيح ذكر ، الحمد ذكر ، التكبير ذكر ، الأمر بالمعروف ذكر ، تلاوة القرآن الكريم ذكر ، أداء الصلاة ذكر ، حضور مجلس علم ذكر ، البحث في حكم شرعي ذكر ، تعلم أي شيء على الإطلاق يقربك من الله فهو من الذكر ، وأي شيء يبعدك عن الله فهو من الغفلة ، لذلك حتى إذا أطعت الله عز وجل ولم تنطق بكلمة ذكرت أمره فأطعته ، فالله يعدك أن يذكرك برحمته ، يا عبدي ذكرتني فأطعتني ، وسأذكرك برحمتي .

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾

[ سورة طه : 130]

 أحدهم يطوف حول الكعبة يقول : يا رب هل أنت راض عني ؟ كان وراءه أحد الأئمة الكبار قال : يا هذا هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال : يا سبحان الله ! كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ؟ قال : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله ، العبرة أن يرضى الله عنك ، والعبرة أن ترضى عنه ، أي أن تصبر على طاعته ، وأن تصبر عن معصيته ، وأن ترضى بقضاء الله وقدره ، هذا مقام لا بد منه .
 أيها الأخوة : من ذكر الله فلم يشعر بشيء ، من صلى فلم يشعر بشيء ، من قرأ القرآن الكريم فلم يشعر بشيء ، فليعلم علم اليقين أن هناك خللاً خطيراً في إيمانه ، لأن الذين آمنوا إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، المؤمنون تفيض أعينهم من الدمع حينما يذكرون الله عز وجل:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾

[ سورة المائدة : 83]

الذكر الخفي :

 كيف ينبغي أن تذكره ؟ يقول الله عز وجل :

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾

[ سورة الأعراف : 205]

 هناك ذكر خفي لك أن تذكره دون أن تحرك شفتيك :

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾

[ سورة مريم : 3]

 هو يسمعك :

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً﴾

[ سورة الأعراف : 205]

 ينبغي أن تتذلل له لأنك إذا تذللت له فإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت . اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت :

﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة المنافقون : 8]

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾

[ سورة الأعراف : 205]

 ينبغي أن يستقر في قلبك محبة الله ، والخوف منه ، وتعظيمه ، تعظمه وتحبه وتخافه ، إذا ذكرت عقابه ينبغي أن تخاف ، وإذا ذكرت نعمه ينبغي أن تحب ، وإذا ذكرت آياته ينبغي أن تعظم .

﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾

[ سورة الحاقة : 33]

 آمن بالله ولكنه لم يؤمن بالله العظيم ، لم يعظم أمر الله عز وجل ، ولم يعظم شعائر الله عز وجل .

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾

[ سورة الأعراف : 205]

 أيها الأخوة ؛ دون أن تسمع أحداً تروي بعض القصص أن الإمام الجليل الحسن البصري قام بأمانة العلم ، فبين وأمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر ، فغضب الحجاج وقال لمن حوله : يا جبناء ! والله لأروينكم من دمه ، وأمر بقتله ، وجيء بالسياف ، ومدّ السمط ، ودخل الحسن البصري على الحجاج ، رأى كل شيء قد انتهى ، لابد من أن يقتل ، حرك شفتيه ولم يستمع أحد منهم ممن حوله إلى ما قال ، فإذا بالحجاج يقوم له ويستقبله ، وما يزال يقربه حتى يضعه على سريره ، ثم يستفتيه ، ثم يقول له : يا أبا سعيد أنت أفضل العلماء ثم يشيعه ، الذي لا يصدق ما يرى السياف الذي جيء به ليقتله تبعه هو والحاجب قال : السياف يا أبا سعيد لقد جيء بك لغير ما فعل بك فماذا قلت بربك وأنت داخل ؟ قال : قلت : يا ملاذي عند كربتي ، يا مؤنسي بوحشتي ، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم .
 هو معك في كل شؤون حياتك ، هل من مصيبة بربكم تفوق أن تجد نفسك فجأة في بطن حوت أزرق في ظلمة البحر ، وفي ظلمة الليل ، وفي ظلمة بطن الحوت ، ماذا فعل سيدنا يونس ؟

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾

[ سورة الأنبياء : 87-88]

 انتهت القصة وجاء القانون :

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الأنبياء : 88]

 أية مصيبة تعاني منها هل تبلغ أن تجد نفسك في بطن حوت ؟

 

من ذكر الله فهو في بحبوحة من عقابه :

 أيها الأخوة الكرام :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[ سورة الأنفال : 33]

 والاستغفار من الذكر ، إنك إن ذكرت الله إن خفت ، إن ذكرت عقابه فخفت فاستغفرت ، إن ذكرت رحمته فرجوت ، إن قرأت كتابه فخشعت ، إن رأيت آياته الباهرة فسبحت، إنك إن ذكرته فأنت في بحبوحة من عقابه :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال : 33]

 هم في بحبوحة طاعة رسول الله .

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 33]

 أيها الأخوة : يقول الله عز وجل :

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾

[ سورة الفلق : 1-2]

 الاستعاذة ذكر ، الاستغفار ذكر ، التوبة ذكر ، الدعاء ذكر .

﴿‌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾

[ سورة الفلق : 2]

 وما أكثر المخلوقات التي يستعاذ منها ، هذه قاعدة .

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾

[ سورة الفلق : 1-2]

 إنسان مخيف ، حيوان مخيف ، مرض مخيف ، استعذ بالله من شر ما خلق ، إنك إن كنت مع الله كان الله معك ، إن الله مع المؤمنين بالحفظ ، بالتأييد ، بالتوفيق ، بالنصر .

 

الذكر المستمر يجعل الإنسان في صلة دائمة مع الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه بعض آيات الذكر ، الآيات كثيرة جداً :

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾

[ سورة الناس : 1]

 الذي خلق البشر وأمدهم بما يحتاجون .

﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾

[ سورة الناس : 2]

 الذي ملكهم ملكية مطلقة خلقاً وتصرفاً ومصيراً .

﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾

[ سورة الناس : 3]

 المتصرف المسير الذي في السماء إله ، وفي الأرض إله .

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ ﴾

[ سورة الناس : 1-3]

 من أي شيء ؟

﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾

[ سورة الناس : 4]

 أكبر جريمة تبدأ بخاطرة ، أكبر معصية تبدأ بخاطرة ، أكبر انحراف يبدأ بخاطرة ، أكبر هلاك يبدأ بخاطرة .

﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾

[ سورة الناس : 4]

 لذلك كما قلت في الأسبوع الماضي : هذه الخاطرة إن لم تدفعها أصبحت فكرة ، فإن لم تعالجها أصبحت عزيمة ، فإن لم تنكرها أصبحت شهوة ، فإن لم تمنعها أصبحت فعلاً ، فإن لم تتب منه أصبح عادة ، فإذا انتقلت الخاطرة إلى عادة استحكمت في الإنسان ، وشعر بضعف شديد ، و بذلك يصعب عليه التوبة مما اعتاد .
أيها الأخوة الكرام ؛ إذا ركبت مركبتك ينبغي أن تذكر الله ، إن رأيت آية كونية ينبغي أن تكبر الله ، أن تسبحه في أطراف النهار .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ كأن هذا الذكر المستمر من دعاء ، إلى استغفار ، إلى تسبيح ، إلى حمد ، إلى تكبير ، إلى استعاذة ، إلى تلاوة قرآن ، إلى صلاة ، إلى أمر بالمعروف ، كأن هذا يجعلك في صلة دائمة مع الله ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[ سورة المعارج : 23]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزَن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حِذْرنا ، الكيَّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأمانيّ .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حقائق ينبغي أن تكون واضحة عند كل مؤمن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك بضع حقائق ينبغي أن تكون واضحةً جداً عند كل مؤمن، الحقيقة الأولى أن الله جعلنا خلائف الأرض ، بهذه الآية معان عدة لكن من أبرز معانيها أن الله سبحانه وتعالى استخلفنا في الأرض لنقيم العدل ، استخلفنا لنقيم الإحسان ، استخلفنا كي نؤدي الأمانات إلى أهلها ، جعلنا خلائف الأرض .

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾

[ سورة الأنعام : 165]

 الآن هناك سنة من سننه في خلقه ثابتة :

﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾

[ سورة الأنعام : 165]

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

[ سورة الإسراء : 21]

 لكن لا أحد ينتبه إلى كلمة بعضهم على بعض ، أي الإنسان في وقت واحد قد يكون مفضلاً في حقل ، ومفضولاً في حقل آخر ، هذا الذي بلغ قمة العلم في الطب ، في عيادته مفضل على كل من حوله ، كل من حوله مرضى جاؤوا يقتبسون من علمه ، أما إذا ذهب لإصلاح آلة ثمينة تنعكس الآية هذا في مكان إصلاح الآلة مفضل عليه ، ليس معنى ذلك أن الله فضل أناساً إطلاقاً ، ولم يفضل أناساً آخرين ، لا ، في كل مجال قد تكون أنت فضلاً في مجال ومفضولاً في مجال آخر ، من أجل ماذا ؟ من أجل الابتلاء ، الامتحان ، فأنت ممتحن مرتين ، ممتحن فيما أعطاك ، ممتحن فيما زوى عنك ، امتحان حقيقي إما أن تنجح وإما أن ترسب ، تمتحن بالمال ، وتمتحن بقلة المال ، تمتحن بالوسامة ، وتمتحن بالدمامة ، تمتحن بالذكاء ، وتمتحن بالمحدودية ، تمتحن بالصحة ، وتمتحن بالمرض ، تمتحن بالزوجة ، وتمتحن بغياب الزوجة ، تمتحن بالإقامة ، وتمتحن في السفر . كل شيء يصيبك أو كل شيء يزوى عنك أنت ممتحن فيه .

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام : 165]

 المال نعمة ؟ لا ، نقمة ؟ لا ، حظ موقوف على نوع استخدامه ، فإما أن يكون المال سلماً ترقى به إلى أعلى عليين ، وإما أن يكون دركات تهوي به إلى أسفل سافلين ، طلاقة اللسان نعمة ؟ إن سخرتها لإشاعة الحق بين الناس فهي نعمة ، وإن سخرتها لإضلال الناس فهي نقمة ، الوسامة إن شكرت الله عليها ونظرت في المرآة فقلت : يا ربي كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي ، وإن زهوت بهذه النعمة على الناس واصطدت قلوب من حولك من أجل أن تبتزهم فهي نقمة .
 أيها الأخوة : من أدق الآيات :

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام : 165]

 ثم يقول الله عز وجل :

﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة الأنعام : 165]

 كيف هذه النعم التي منحك الله إياها إن لم توظفها في الحق ، ولخدمة الدين ، ووفق منهج الله ، جاءت العقوبات تترا ، وهذه النعم تسلب منك ، فلينتبه كل واحد ، هذه النعم التي منّ الله بها عليك يجب أن توظفها في طاعة الله ، ووفق منهج الله عز وجل .
أيها الأخوة ؛ إني داع فأمنوا :

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعزُّ من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
 اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تُنسنا ذكرك يا رب العلمين . اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد سخياً رخيّاً وسائر بلاد المسلمين .
 اللهم نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين .
 اللهمَّ بفضلك ورحمتك أَعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018