الخطبة : 0899 - الإسراء والمعراج - تزكية الذبيحة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0899 - الإسراء والمعراج - تزكية الذبيحة .


2003-09-26

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإكراماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا ابتاعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من كانت عقيدته سليمة و سلوكه وفق منهج الله فهو في خير :

 أيها الأخوة المؤمنون : لا زلنا في ذكرى الإسراء والمعراج ، وفي الخطبة السابقة استنبطت من ذكرى الإسراء والمعراج حقيقة المعجزة وقيمة الوقت في حياة الإنسان ، واليوم نتحدث قليلاً عن صاحب هذه الذكرى .
 أيها الأخوة الكرام : ما من محنة لمؤمن إلا وراءها منحة ، وما من شدة تصيب المؤمن إلا ووراءها شَدّة لله عز وجل ، هذه الحقيقة نستنبطها من حديث الإسراء والمعراج ، فالنبي عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف وقد بالغ أهل الطائف في إيقاع الأذى به وفي تكذيبه والسخرية منه ، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن دعا ، وهذا الدعاء يكاد يكون منهجاً : " ربي إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي " يا ربي إذا كانت هذه الشدة لا علاقة لها بغضبك عليّ فلا أبالي ، ومع ذلك إن كانت كذلك لك العتبى حتى ترضى ، وكان في قمة الأدب حينما قال : " لكن عافيتك أوسع لي " ، لذلك سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبة كان يقول : " الحمد لله ثلاثاً ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني " ، قد يقل الدخل ، وقد تختل الصحة، وقد يضيق على الإنسان ، وقد يعاني من مشكلة في بيته ومع زوجته ومع أولاده وفي عمله وفي دخله ، لكن ما دامت عقيدته سليمة ، وما دام سلوكه وفق منهج الله فهو في خير ، كان سيدنا عمر إذا أصابته مصيبة كان يقول : " الحمد لله ثلاثاً ؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، وإذ لم تكن أكبر منها ، وإذ ألهمت الصبر عليها " فنستنبط من موقف النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف ، وإن كان لدعوته خط بياني هذا الخط وصل إلى النهاية الصغرى في الطائف ، تكذيب وسخرية وفي بعض الروايات نالوه بالأذى المادي ومع ذلك يقول : " إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي" إن لم تكن هذه المصيبة في ديني فلا أبالي ، إن كنت تحبني يا رب فلا أبالي ، إن كنت راضياً لك فلا أبالي ، وإن كانت هذه المصيبة تعبر عن سخط منك لك العتبى حتى ترضى ، ومع ذلك يا رب أنا ضعيف عافيتك أوسع لي ، ما أحوج المسلمين في هذه الظروف الصعبة التي لم يسبق لها مثيل في تاريخهم من أن يتخذوا هذا الدعاء منهجاً لهم .

مراجعة النفس من صفات العقلاء :

 أيها الأخوة : مراجعة النفس من صفات العقلاء ، الله عز وجل يؤكد في آيات كثيرة:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[سورة الشورى : 30]

 إن أصابت أخاك مصيبة أحسن الظن به وقل : لعلها ترقية ، ولكنني أنصح نفسي وإخوتي الكرام أنه إذا نزلت بالمؤمن شدة ينبغي ألا يبرئ نفسه ، ينبغي أن يكون متهماً لها دائماً، على كل قال تعالى :

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[سورة البقرة : 155-157]

أنواع المصائب :

 أيها الأخوة الكرام ، لابد من وقفة متأنية عند أنواع المصائب ، المصائب تصيب الشاردين عن الله عز وجل ، هذه مصائب ردع أو قصم إن كان في هذا الشارد بقية خير تكون المصيبة في حقه ردعاً ، فإن علم الهد أنه لا خير فيه ، تكون المصيبة في حقه قصماً ، هاتان المصيبتان بالشاردين ، أما المؤمنون فمصائبهم إن صحت عقيدتهم وإن استقاموا على أمر الله عز وجل فضلاً عن مصائب التأديب مصائب دفع ورفع ، سرعتهم إلى الله بطيئة تأتي المصيبة لترفع سرعتهم إلى الله عز وجل ، لتدفعهم إلى باب الله ، وتحسن صلتهم بالله وذكرهم لله ، واعتمادهم على الله ، واتصالهم بالله ، مصيبة دفع لأهداف أبعد ، أو مصيبة رفع ليزداد أجره عند الله ، لذلك مصائب المؤمنين من هذا النوع مصائب دفع ورفع ، أما مصائب الأنبياء فهي مصائب كشف لحقيقة الله ، ينطوون على كمال لا يصدق ، وعلى محبة للخلق لا توصف ، لابد من ظروف صعبة يظهر معدنهم الثمين ، يظهر حرصهم على هداية الخلق ، بعد أن بالغ أهل الطائف في إيذاء النبي وفي تكذيبه والسخرية منه ، جاءه ملك الجبال قال : " يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين "، الله عز وجل مكن النبي أن ينتقم منهم ، أن يجعلهم أثراً بعد عين ، فماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال : " اللهم اهد قومي "، سأقف عند حرف حرف ، اهد قومي لم يتخلَّ عنهم ، قد يأتي مؤمن يسلك طريق الإيمان فينسحب من المجتمع كلياً ويكفره ويرتاح ، اللهم اهد قومي هؤلاء الذين كذبوه وسخروا منه وبالغوا في إيذائه قال : " هؤلاء قومي ، اللهم اهد قومي - اعتذر عنهم ، أولاً لم يتبرأ منهم ثم اعتذر عنهم - فإنهم لا يعلمون" ثم دعا لهم بالهداية ، ثم رجا أن يخرج الله من أصلابهم من يوحد الله عز وجل ، هذه أخلاق الأنبياء ، وهناك من يقول : هذا نبي ، ومن قال لك إن هذا النبي ينبغي ألا تقتدي به ؟ إن الله أمر به المؤمنين كما أمر به المرسلين ، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 هذا اللين بما أودع الله في قلب هذا النبي من رحمة .
 يا أيها الأخوة الكرام : أبعد قلب عن الله هو القلب القاسي ، إذا كان للإيمان مؤشر وللرحمة مؤشر ينبغي أن تعلم أن المؤشرين في الإيمان وفي الرحمة يتحركان معاً تماماً ، فكلما ازداد قلبك رحمة بالخلق كنت أعظم إيماناً ، وكلما قسا قلبك كنت أبعد عن الله عز وجل :

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الزمر : 22 ]

 عبادي إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي .
 أيها الأخوة : هذا الموقف الصعب الذي يمكن أن يعد النهاية الصغرى في الخط البياني قال : " يا ربي إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، ولكن عافيتك أوسع لي ثم دعا لقومه قال : اللهم اهد قومي إنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله " .

رحلة الإسراء و المعراج ردّ على محنة الطائف :

 وكان الإسراء والمعراج بعد محنة الطائف ، فكل محنة وراءها منحة ، وكل شدة وراءها شَدة فماذا قال الله عز وجل في الإسراء والمعراج ؟ قال :

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه ﴾

[سورة الإسراء : 1]

 لو أن إنساناً يتعتع في قراءة القرآن ، أو حفظه للقرآن ليس متيناً ، ولم يذكر نهاية الآية ، سياق الآية إنه على كل شيء قدير ، لا السياق ليس كذلك .

﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

[سورة الإسراء : 1]

 يا محمد لقد سمعنا دعاءك في الطائف ، وسمعنا تضرعك وحرصك على هداية الخلق مع أنهم آذوك ، وردنا على هذا الموقف أنك سيد الأنبياء والمرسلين ، بلغ سدرة المنتهى ، ومرتبة ما بلغها عبد إطلاقاً ، في بعض الأحاديث :

(( حَدَّثَنَا حَيْوَةُ أَخْبَرَنَا كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ))

[الترمذي عن عبد الله بن عمرو ]

 أرأيتم إلى هذا الأدب ،

((سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا))

 . هو سيد الخلق وحبيب الحق ، سيد ولد آدم ولا فخر ،
 قال معرفاً بمكانته عند الله كي نتبعه ونحبه ونقتدي بهديه قال :

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْر))

[أحمد عن أبي سعيد ]

 أقولها من باب بيان فضل الله علي .

إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه كي يعيده إليه :

 أيها الأخوة الكرام : أعود وأكرر ما من محنة إلا ووراءها منحة ، هذا ليس للنبي فقط ، أعود وأقول هي لكل مؤمن ، ما من محنة إلا وراءها منحة ، وما من شدة إلا وراءها شدة، هذه حكمة الله عز وجل ، هذه تربية الله لنا ، لكن المصيبة كل المصيبة والفجيعة كل الفجيعة أن يكون الإنسان غارقاً في المعصية والله لا يعالجه .

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[سورة الأنعام : 44]

 حينما يتفقدك الله بشدة ، ويعاتبك ، وتساق لك بعض الشدائد ، ويضيق عليك كل شيء ، اعلم أن الله يحبك ، لأن الله إذا أحبّ عبداً ابتلاه وعجل له بالعقوبة وعاتبه وساق له من الشدائد كي يعيده إليه .
 أيها الأخوة : دققوا في هذا المثل : أنت على رأس مؤسسة تحتاج لموظف ، تعلن عن شاغر لوظيفة عندك يأتيك عدد كبير تختار واحداً منهم ، تقول له : أنت بادئ ذي بدء تحت التجربة ، ما موقف مدير المؤسسة ؟ يعد على هذا الموظف أخطاءه فإذا تراكمت بحيث ليس له مصلحة في أن يكون في هذه المؤسسة صرفه وفق الاتفاق ، لو أن ابنه مكان هذا الموظف هل مهمة الأب الذي يمتلئ قلبه رحمه تجاه ابنه أن يعد عليه أخطاءه أم أن يعالجه مع كل خطيئة ؟ هذه يا بني غير صحيحة افعل كذا ، لذلك لو أن الله عز وجل امتن علينا بهذا الكون وبالقرآن وبالنبي العدنان وتركنا ، صدقوا أيها الأخوة تسعة أعشار الناس إلى النار ، ولكن الله يضيق عليهم ويسوق لهم بعض الشدائد ، أرأيتم إلى قصة أصحاب الجنة :

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ *وَلَا يَسْتَثْنُونَ ﴾

[سورة القلم : 17-18]

 بخلوا ضنت نفوسهم أن يعطوا الفقير حقه .

﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ ﴾

[سورة القلم : 18]

 هل تركهم الله عز وجل ؟

﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ *فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾

[سورة القلم : 19-20 ]

 في اليوم التالي :

﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ﴾

[سورة القلم : 21-22]

﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ﴾

[سورة القلم : 26]

 ليس هذا بستاننا ، الفواكه محترقة .

﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾

[سورة القلم : 26-29]

 ما أروع هذه الكلمة ثم قال الله عز وجل :

﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

[سورة القلم : 33]

 أي عذاب أسوقه لعبادي في أي مكان في الأرض كهذا النوع ، عذاب دفع لباب الله، وعذاب حمل على التوبة ، وعذاب سوق إلى الطاعة ، وعذاب رحمة ومحبة ، فإذا ساق الله لنا بعض الشدائد معنى ذلك أن فينا بعض الخير ، فينا خير ، أكبر مصيبة أن يخرجك الله من عنايته المشددة ، أكبر مصيبة أن تكون غارقاً في المعاصي والله لا يحاسبك .

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[سورة الأنعام : 44]

بنود سياسة الله مع عباده :

1 ـ الهدى البياني :

 أيها الأخوة : إن صحّ التعبير سياسة الله مع عباده لها بنود ، البند الأول أن الله جل جلاله يبدأ بما يسمى الهدى البياني ، يسمعك موضوعاً عميقاً ، تستمع لخطبة مؤثرة ، تستمع لشريط ، تقرأ كتاباً ، تلتقي مع إنسان دعاك إلى الله ، ترتقي من كتاب إلى داعية إلى خطبة إلى مؤتمر إلى مناظرة إلى مشاهدة هذا الطريق الأول دعوة بيانية وأنت صحيح معافى لا تشكو شيئاً ، في قمة نجاحك في الدنيا وصحتك وغناك لكن الله أراد أن يقربك إليه فدعاك إليه ، وإذا تعمقنا حينما تسمع أذان المؤذن : الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله ، إذا شهدت أن الله أكبر من كل شيء من الذي بين يديك ، الله أكبر من الذي يشغلك الآن ، ثم شهدت أنه لا إله إلا الله لا معطي ولا آخذ ولا رافع ولا خافض ولا معز ولا مذل إلا الله ، ولا مانح ولا شافي إلا الله ، وأن هذا النبي أعطاك منهجاً ينبغي أن تطبقه ، علامة شهودك أن الله أكبر ، وأن لا إله إلا الله ، وأن هذا النبي رسول الله ، تقوم إلى الصلاة ، فحيا على الصلاة دليل شهادتك الصحيحة ، وإن اتصلت بالله حقيقة حيّ على الفلاح ، حيّ على عمل طيب ، على خدمة الخلق وتقديم ما عندك للناس ، فهذه المعاني السامية التي يشهدها الإنسان في الأذان والإقامة والصلاة ينبغي أن يعيشها .
 أيها الأخوة الكرام : المرحلة الأولى الهدى البياني ، وأنت في المسجد تخضع لمرحلة راقية ولطيفة جداً ، ناعمة أن الله يسمعك الحق ، عندنا شهادة وبشارة لكل الإخوة الحاضرين يقول الله تعالى :

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾

[ سورة الأنفال : 23]

 فما دام الله أسمعك الخير فهذه نعمة كبيرة عليك أن تستجيب ، في هذه المرحلة الأولى الموقف الأكمل لمرحلة الهدى البياني أن تستجيب إلى الله ، الدليل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 24]

2 ـ التأديب التربوي :

 فإن لم تستجيبوا رحمة الله واسعة ، لكن كما يقول الطبيب للمريض : إن ضبطت طعامك وشرابك تشفى من قرحة المعدة ، فإن أردت أن تأكل فكل ما تريد ، لابد من عملية جراحية ، فأنت مخير بين أن تعالج بالأدوية دون فتح بطن ، أو تعالج بعملية جراحية ، فإن لم يستجب هذا الإنسان لدعوة الله إن في خطبة جمعة ، أو في درس علم ، أو خطبة كتاب ، أو سماع محاضرة ، أو مشاهدة شيء ، لابد من أن يخضعك الله إلى معالجة أصعب ، إنه التأديب التربوي .

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 أيها الأخوة :

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

[ سورة الروم : 41]

 هذا المرض الذي ظهر مرض الإيدز ، نحن نعلم عقيدياً أن الله واجب الوجوب ، لكن ما سواه ممكن الوجود ، ممكن أن يكون هناك فيروس الإيدز وممكن ألا يكون فماذا كانوا؟

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾

[ سورة الروم : 41]

 بعض الذي عملوا وليس كل الذي عملوا لماذا ؟ قال :

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم : 41]

 لو قرأت كل القرآن الكريم من دفته إلى دفته لا تجد إلا علة واحدة للشدائد التي تساق إلى العباد ، أن يعودوا إلى الله ، أن يحملهم الله على التوبة ، فإذا أخضعك الله للمرحلة التالية مرحلة التأديب التربوي ينبغي أن تتوب ، في المرحلة الأولى ينبغي أن تستجيب .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 24]

 في المرحلة التالية ينبغي أن تتوب لقوله تعالى :

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

[ سورة التوبة : 118 ]

 بعض علماء التفسير وجه الكلمة الأولى أنه ساق لهم من الشدائد ليتوبوا ، تاب عليهم ليتوبوا ، إذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد فيعني أن الله يسوق له الشدة كي يحمله على التوبة ، وإذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد يعني قبول التوبة ، تابوا فتاب الله عليهم ، تاب عليهم ليتوبوا .

3 ـ الإكرام الاستدراجي :

 فإن لم يتب ، دعي دعوة بيانية فلم يستجب ، أخضع لتأديب تربوي فلم يتب ، الآن دخل في مرحلة ثالثة صعبة جداً لكنها سهلة جداً إكرام استدراجي ، عدد الذين يتوبون في المرحلة الثانية أكبر بكثير من الذين يشكرون في المرحلة الثالثة ، هذا معنى :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا ﴾

[سورة الأنعام : 44]

 لم يشكروا ، قال :

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

[ سورة القصص : 78]

 هذه خبراتي في الحياة وهذه ثروتي وجهدي ودراستي ، فإذا عزا نجاحه لجهده الشخصي ولم يذكر الله إطلاقاً لم يذكر توفيق الله له قال :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[سورة الأنعام : 44]

4 ـ القصم :

 دعوة بيانية ثم تأديب تربوي ثم إكرام استدراجي ثم قصم ، المرحلة الأولى ينبغي أن تستجيب ، والثانية أن تتوب ، والثالثة أن تشكر ، والرابعة قصم ، فنسأل الله أن نبقى في المرحلة الأولى وأن نكون ممن استجابوا لله ورسوله إذا دعانا لما يحيينا .
 أيها الأخوة الكرام : كل محنة وراءها منحة وكل شدة وراءها شدة ، وهذا المقام العظيم الذي بلغه النبي الكريم وهو سيد الأنبياء والمرسلين وقد وصل إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى هذا المقام أتاه بالصبر على قومه ، لذلك :

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾

[سورة السجدة : 24]

 وأنت إذا أردت أن تصل لشيء ثمين لابد من أن تصل .
 أقول لكم هذه الكلمة : في حياة المؤمن الذي سلمت عقيدته واستقام على أمر الله في حياته ثلاث مراحل ، إما أن تكون متمايزة أو متداخلة بحسب حكمة الله عز وجل ، هناك مرحلة تأديبية يوجد خطأ بكسب المال يتلف المال ، خطأ بالمواقف الاجتماعية أحياناً شدة تمس كرامة الإنسان ، أي خطأ يفعله المؤمن يأتيه عقاب تأديبي رحمة به ، هذه رحمة ، مرحلة التأديب لا ينجو منها مؤمن ، المرحلة الثانية وجده مستقيماً تماماً مرحلة الابتلاء ، الإمام الشافعي سئل : أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ قال : لن تمكن قبل أن تبتلى لا بد من أن تبتلى . إنا كنا مبتلين .

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[سورة العنكبوت : 2]

 آيات كثيرة تبين :

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 142]

 سلعة الله غالية ، من يظن بسذاجة أن ركعتين ودرهمين وانتهى الأمر ، لا والله إن سلعة الله غالية ، ففي مرحلة تؤدب ، وفي مرحلة وأنت مستقيم لا بد من أن تبتلى ، وفي مرحلة تكرم ، ولكن في الأعم الأغلب الإنسان حينما يتوب إلى الله توبة نصوحة ، وحينما يمتحن فينجح تستقر أحواله على التكريم ، لكن المؤمن عليه أن يوطن نفسه أنه لا بد من مرحلة يبتلى بها ، ومرحلة يؤدب بها ، ومرحلة يكرم بها ، هذه المراحل إما أن تكون متداخلة ، وإما أن تكون متمايزة ، فكل محنة وراءها منحة ، وكل شدة وراءها شدة إلى الله ، وحينما تستسلم لقضاء الله وتستقبله بالرضا يأتيك الخير الكبير .
 أم سلمة كانت معجبة بزوجها إعجاباً لا حدود له فلما توفي وسمعت دعاء النبي أن المؤمن يدعو أن يرزقه الله خيراً مما فقده ، لن يكون هناك زوج أفضل من أبي سلمة فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام ، أنت حينما تتلقى قضاء الله بالصبر والرضا يقال : إن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، طبعاً حينما يسوق الله لك الخيرات أنت وغيرك والشاردون يحمدون الله ، هذا حمد ساذج ، أما حينما تأتيك الشدة وتعلم أن الله رحيم وحكيم وبيده كل شيء ويمتحنك ، فتشكر الله على ما أنت فيه ، لذلك إذا أحب الله عبداً ابتلاه ، وإذا صبر اجتباه ، وإن شكر اقتناه . يا أيها الأخوة : المصائب تصنع الرجال لكن الرخاء لا يصنع شيئاً ، انظر لإنسان نشأ في النعيم لا يحتمل لا بأخلاقه ولا بكلامه ، الذي ينشأ في النعيم من دون شدة .
 دققوا أيها الأخوة : مرة كنت في استنبول رأيت في متحفها جوهرة قيل لي : ثمنها مئة وخمسون مليون دولار بحجم البيضة ، كأنها مصباح ، فلما درست عن الألماس بعض الدراسة ، وجدت أن أصله من الفحم ، لو جئنا بفحمة بحجم البيضة كم ثمنها ؟ كيف تحول الفحم إلى ألماس ؟ من شدة الضغط والحرارة ، فكلما ضغط على المؤمن صار ألماساً ، هذه الضغوط في الحياة تعلمه الصبر والأناء ، وإدراك أن هذه الأفعال أفعال الله ، ولها حكمة بالغة، وهذه الشدائد التي حلت بالمسلمين بعض الناس تركوا الصلاة لأنهم توهموا أن الله تخلى عن بعض المسلمين وهذا من سابع المستحيلات ، وبعدهم رأى حكمة الله في رد المسلمين إلى باب الله عز وجل ، إنهم شاردون كغيرهم من الضائعين ، فالله عز وجل ساق لهم شدة لعلهم يعودون إليه ، هذه أيضاً فرصة . فيمكن أن نستنبط من الإسراء والمعراج أن كل محنة وراءها منحة وكل شدة وراءها شدة لله عز وجل ، والنبي قدوتنا في أنه سيقت له شدة ما بعدها شدة .

((عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ ))

[الترمذي عن أنس ]

النبي محمد قدوة لكل البشر :

 أيها الأخوة : اعتقدوا يقيناً أن النبي بشر و، لأنه بشر يخاف ويجوع ويشتهي ويتمنى ، لأنه بشر وتجري عليه كل خصائص البشر ، لأنه انتصر على نفسه وحمل نفسه على طاعة الله عز وجل ، وهؤلاء الذين يقولون : إن الكون خلق من أجل محمد ، هذا كلام لا يرضاه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن البشر خلقوا ليكونوا على شاكلة محمد ، هو قدوتنا ، وفي حياة كل منا شخصية يتمنى أن يكونها ، وشخصية يكونها ، وشخصية يكره أن يكونها ، ويقيناً وقطعاً وجزماً أن الشخصية التي تتمنى أن تكون على منهجها هو رسول الله ، في حياته وفي الشدة التي ذاقها كيف وقف ، لماذا قال الله عز وجل :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

 أصابه فقر شديد دخل بيته فقال :

((هل عندكم شيء؟ قالوا : لا ، قال : فإني صائم ))

[ مسلم عن عائشة ]

 الرجل إذا دخل للبيت ولم يكن الطعام جاهزاً تقوم الدنيا ولا تقعد ، الأكل غير جاهز فقط ، بينما النبي لم يكن في بيته شيء فقال : إني صائم .
 رأى رجلاً من زعماء القبائل وادياً من الغنم قال : لمن هذا الوادي ؟ قال : هو لك، قال : أتهزأ بي ؟ قال : لا والله هو لك ، قال : أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر ، في الغنى بذل ، وفي الفقر صبر ، وفي النصر تواضع ، دخل مكة فاتحاً وكادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل ! وهؤلاء الذين يفتحون البلاد ماذا يفعلون ؟ في تاريخ البشرية مذابح ومآسي عقب الفتوح ، فلما لم ينتصر صبر ، انتصر تواضع اغتنى أنفق أفطر صام ، كان زوجاً وصديقاً وأباً وجاراً ورفيقاً كما قال الله عز وجل :

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ ﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

ادعاء محبة الله لا يُقبل إلا بالدليل و الدليل طاعة نبيه :

 ففي ذكرى الإسراء والمعراج ينبغي أن نذكر شمائله وأخلاقه ونقتدي به ، بل إن الشيء الذي قد يكون غريباً بعض الشيء :

﴿َ فإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[سورة القصص :50]

 أنت بين أن تستجيب للنبي وبين أن تتبعه .

﴿َ فإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[سورة القصص :50]

 والدليل الآخر : كل ادعائك لمحبة الله لا يقبله الله إلا إذا أتيت بالدليل ، الدليل طاعة النبي .

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 31 ]

 أيها الأخوة الكرام : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

 

* * *

الخطبة الثانية :

 

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

تزكية الذبيحة :

 أيها الأخوة : يجب أن نعتقد ونحن في ذكرى الإسراء والمعراج أن صاحب الذكرى كل الذي قاله وحي يوحى ، بدليل أن الله زكّى الإنسان فقال :

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 3-4 ]

 وزكى بصره فقال :

﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾

[ سورة النجم : 17]

 وزكّى عقله فقال :

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾

[ سورة النجم : 2 ]

 وزكى نفسه فقال :

﴿وَمَا غَوَى﴾

[ سورة النجم : 2 ]

 زكى عقله ونفسه وبصره ولسانه وجليسه .

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾

[ سورة النجم : 5]

 وزكاه كله فقال :

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[سورة القلم : 4]

 صاحب الذكرى أيها الأخوة لا ينطق عن الهوى فهذا الذي قاله لا علاقة له لا ببيئته، ولا بثقافته ، ولا باجتهاده ، ولا بمعطيات ظروفه ، إنه قاله كوحي يوحى ، كتأكيد لهذه الحقيقة من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمر أصحابه إذا ذبحوا ذبيحة أن يقطعوا أوداجها فقط دون أن يقطعوا رأسها ، مع أن مسالخ الأرض كلها تعلق الدابة من قدميها وتقطع رأسها ، طبعاً لا في عهد النبي ولا بعد مئة عام ولا مئتي ولا ثلاثمئة عام ولا بعد ألف عام و . . قبيل عقدين من الزمن اكتشف العلم سر هذا التوجيه ، لا يمكن أن يكون هذا التوجيه من عند رسول الله ، ولكنه وحي يوحى .
 اكتشف أيها الأخوة : أن القلب ينبض ثمانين نبضة ، هذه الثمانين تأتيه من مركز كهربائي ذاتي إن تعطل هذا المركز عمل مركز احتياطي ، وهذا من رحمة الله بنا ، إن تعطل الثاني عمل الثالث ، يوجد مركز أولي ومركز ثان ومركز ثالث ، فالقلب الذي يضطرب نبضه تزرع له بطارية كما تعلمون ، فهذا القلب فيه ثلاثة مراكز كهربائية تمد القلب بالنبض النظامي تمد القلب بثمانين نبضة ، ومركز ثان كاحتياط ومركز ثالث ، الإنسان إذا واجه صعوبة أو صعد درجاً و واجه خطورة أو خاف أو اقترب منه عدو يحتاج إلى دم أكبر بكثير من الحالات الاعتيادية ، يحتاج لضخ أعلى ونبض أكثر فما الذي يرفع النبض للمئة والثمانين ؟ أنت الآن اجر وعد النبض يصبح مئة وأربعين ، قال : هناك في الرأس يوجد غدة نخامية تتلقى التماساً من ملك الجهاز العصبي أن هناك خطراً ، فيا أيتها الملكة تصرفي ، الغدة النخامية ملكة الجهاز الهرموني تعطي أمراً إلى الكظر فيرفع النبض إلى مئة وثمانين نبضة ، وأمراً للرئتين فيرتفع الوجيب ، وأمراً إلى الكبد يطلق كمية سكر إضافية ، وأمراً بإطلاق هرمون التجلط ، وأمراً بتضييق الأوعية الخارجية ، فالخائف يصفر لونه ويرتفع نبضه ويلهث ، وإذا فحصت دمه تجد سكره زائداً ، الآن دور القلب في الدابة بعد الذبح الوظيفة أن يخرج الدم كله من الدابة ، لأن الدم أكبر بؤرة للجراثيم ، الدم فيه حمض بول وسموم وثاني أكسيد الكربون ، كل فضلات الإنسان في دمه ، أما الدم فطاهر ما دام هناك رئتان وكليتان وغدد تعرقية فالدم يصفى باستمرار عن طريق الرئتين والكليتين والتعرق ، أما إذا صار الدم مسفوحاً لم يعد هناك تصفية ، فمهمة القلب بعد الذبح أن يخرج الدم كله ، لو قطعت الرأس منعت الأمر الاستثنائي الذي يأتي من الدماغ إلى الكظر إلى القلب ، فثمانون نبضة لا تكفي إلا لإخراج ثلث الدم فقط ، وثلثا الدم تبقى في الدابة ، لذلك الدابة التي تقطع من رأسها تبقى زرقاء اللون ، وهي مضرة وأكثر أمراض المفاصل تتأتى من أكل لحم غير مذكى .
 أيها الأخوة الكرام : حينما أمرنا أن نقطع أوداجها ونبقي رأسها متصلاً من أجل أن يبقى الأمر الاستثنائي الصادر من الغدة النخامية إلى الكظر إلى القلب ، هل هذا من ثقافة النبي ؟ مضى ألف وثلاثمئة عام وليس في الأرض كلها من يستطيع أن يفسر هذا التوجيه ، فلذلك اتباع النبي هو اتباع للخالق والخبير ، لذلك طاعة النبي وإرضاؤه عين طاعة الله وإرضائه وبالعكس ، والله ورسوله أحق أن يرضوه .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018