الخطبة : 0905 - الإنفاق. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0905 - الإنفاق.


2003-11-07

الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إيمان المؤمن بالغيب :

 أيها الأخوة المؤمنون : نحن في رمضان ، وكان عليه الصلاة والسلام جواداً ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، والحديث بادئ ذي بدء عن الإنفاق ، والإنفاق أوسع من أداء الزكاة وأداء الصدقة ، لأن الله سبحانه وتعالى في الآية الأولى من سورة البقرة يصف المؤمنين فيقول :

﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 1-3]

 نقف عند كلمة : يؤمنون بالغيب ، الناس جميعاً يؤمنون بالمشاهدة ، الدنيا مشاهدة، هي بين أيديهم ، وملء سمعهم وبصرهم ، الشهوات تقع على شبكية أعينهم ، المرأة أمامهم ، القصور أمامهم ، الولائم أمامهم ، المركبات الفارهة أمامهم ، الدنيا محسوسة ، الدنيا ملء السمع والبصر ، لكن هذا المؤمن حينما صدق بما أخبر الله به أن هناك حياة أبدية لا تنتهي ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، هو آمن بالغيب ، أي آمن بخبر ، آمن بكلمات في كتاب الله :

﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾

[ سورة الضحى : 4]

 أما هذه الدنيا التي هي ملء سمعه وبصره ، ملء كيانه فقد أعرض عنها :

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾

[ سورة البقرة : 3]

 هذه البطولة ، أن تؤمن بالنص ، وبإخبار الله عز وجل ، لا أن تتخذ من حواسك مقياساً لأهدافك .
 الناس يعيشون الحياة الدنيا ، يعيشونها بجوارحهم ، وبمشاعرهم ، ويطمحون إلى مزيد منها ، لكن هذه الآخرة التي هي خبر في القرآن الكريم من عند خالق السموات والأرض أعرضوا عنها ، فمن خصائص المؤمن أنه يؤمن بالغيب ، لذلك يستحق الجنة لأنه آمن بالجنة ولم يرها ، وآمن بالنار ولم يرها ، لكنه صدق الله عز وجل ، حينما رأى أن هذا الكون ينطق بوجود الله ، وبوحدانيته ، وبكماله ، وأن هذا الكتاب من خلال إعجازه ينطق أنه كلام الله ، وأن هذا الإنسان الذي جاء بهذا الكتاب هو رسول الله ، فقد صدّق بالغيب ، أهل الدنيا يصدقون بالشهود ، الشيء الذي أمامهم ، الشيء المحسوس ، الشيء الذي تقع حقيقته على شبكية أعينهم ، أو على طبلة أذنهم ، أو على ملمس حواسهم ، لكن المؤمن آمن بالغيب :

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 3]

البشر على اختلاف مللهم ونحلهم لا يزيدون على رجلين :

 المؤمن بنى حياته على الإنفاق ، إن أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة فما الذي يسعدك أن تأخذ أم أن تعطي ؟ المؤمن بنى أصل حياته على الإنفاق :

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 3]

 ذلك أن البشر كما أقول دائماً على اختلاف مللهم ونحلهم وانتماءاتهم وأعراقهم وألوانهم وأجناسهم وطوائفهم ومذاهبهم لا يزيدون على رجلين ، رجل عرف الله فانضبط بمنهجه ، وأحسن إلى خلقه فسعد بالدنيا والآخرة ، ورجل غفل عن الله ، وتفلت من منهجه ، وأساء إلى خلقه ، فشقي في الدنيا والآخرة ، الأول :

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾

[ سورة الليل : 5]

 تكاد تكون الصفة الصارخة :

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾

[ سورة الليل : 5]

 اتقى أن يعصي الله :

﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾

[ سورة الليل :6]

 الترتيب تنازلي ، لأنه صدق بالحسنى ، اتقى أن يعصي الله ، ثم بنى حياته على العطاء ، والثاني لأنه كذب بالحسنى فاستغنى عن طاعة الله ، وبنى حياته على الأخذ ، صنفان لا ثالث لهما ؛ إما أن تأخذ ، وإما أن تعطي ، من صفات المؤمن أنه يعطي من وقته ، من علمه ، من خبرته ، من ماله ، من كل شيء منحه الله إياه :

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 3]

الطبع و التكليف :

 أيها الأخوة الكرام : أحد أخطر سمات المؤمن وخصائصه أنه ينفق ، وأحد أخطر خصائص المعرض عن الله عز وجل أنه يأخذ ، هذا الذي قدم كتاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في مقدمته : " يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ " ، الأنبياء أعطوا كل شيء ، ولم يأخذوا شيئاً ، والأقوياء أخذوا كل شيء ، ولم يعطوا شيئاً ، أنت ممن ؟ تابع لمن ؟ إذا كان همك أن تأخذ فأنت تابع للأقوياء ، وإذا كان همك أن تعطي فأنت تابع للأنبياء ، الأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم ، والأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم ، أنت ممن ؟ أنت تستخدم ما معك من قوة لإرغام الناس على شيء ما أم تستخدم الكمال البشري لتأخذ بيد الناس ؟ الأمور أيها الأخوة واضحة كالشمس ، الناس رجلان ؛ غر كريم ، وخبّ لئيم ، الغر الكريم بنى حياته على العطاء ولو بابتسامة ، ولو بكلمة طيبة ، ولو بوقت يبذله ، ولو بعلم يقدمه ، ولو بخبرة يسمح للناس أن يأخذوا بها .
 أيها الأخوة : لا يكفي أنه ينفق ، الأمر الإلهي :

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾

[ سورة آل عمران : 133-134]

 ينفق وهو في بحبوحة ، وينفق وهو في ضيق ، ينفقون في السراء والضراء .
 أخوتنا الكرام : الإنسان حينما أودعت فيه الشهوات أودع فيه حب المال ، لقوله تعالى :

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة آل عمران : 14]

 ثم إن الإنسان كما قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

[ سورة المعارج : 19-21]

 أودع فيه حب المال ، وأودع فيه الحرص عليه ، فيأتي التكليف أن ينفق ، التكليف يبدو أنه مناقض لجبلة الإنسان ، في أصل خلقك أودع فيك حب المال ، وأودع فيك الحرص عليه ، وجاء التكليف أن تنفق ، هذا التناقض الذي يبدو من أصل الطبع ومن أمر التكليف هو ثمن الجنة ، ثمن الجنة أن تعاكس طبعك ، قال تعالى :

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 3]

 ثمن الجنة أن تخالف طبعك ، قال تعالى :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 5-10 ]

 لابد من معاكسة للنفس ، لابد من مخالفة لرغبات النفس ، إن هذه المعاكسة وتلك المخالفة هي ثمن الجنة . لكن أيها الأخوة : لابد أن يكون هذا الإنفاق في سبيل الله ، وابتغاء مرضاة الله ، لابد من أن يلحظ فيه الإخلاص ، قال تعالى :

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 9]

 ومن علامات الإخلاص أن عطاءك لا يزيد بالمدح ، ولا يقلّ بعدم المديح ، وأن عطاءك لا يختلف أمام الناس ، وبينك وبين نفسك ، فإذا كان العمل لا يتأثر بثناء الناس ولا بقدحهم ، ولا يتأثر أن يكون أمام الخلق أم في خلوة فإنه خالص لله ، ثم إن هناك عاملاً ثالثاً للإخلاص أنك إذا أنفقت تشعر أنك قريب من الله ، وإذا أنفقت لغير الله تشعر أنك قريب من هذا الذي أنفقت من أجله .

 

دوافع الإنفاق :

 أيها الأخوة الكرام : المؤمن يؤمن بالغيب ، ويقيم الصلاة ، ومما رزقه الله ينفق .
 شيء آخر : الإنسان إذا أنفق ابتغاء وجه الله ماذا يتمنى ؟ أن يعلم الله أنه أنفق ، الله عز وجل في آيات كثيرة تقترب من ثماني آيات يطمئنه :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾

[ سورة البقرة : 270]

 هذا المطلب الأول يتحقق في المنفق ، يحب أن يعلم الذي أنفق له أنه أنفق له ، كما أن كل واحد منا حينما يقدم هدية للإنسان يحرص أن يضع في هذه الهدية بطاقةً تشير إلى من قدمها ، هذا شيء طبيعي جداً ، والإنسان حينما ينفق ينبغي أن يعلم بنص هذه الآيات الكريمة أن الله يعلم إنفاقه .
 شيء آخر ، الإنسان بحرصه على المال يخاف أن يفتقر إذا أنفق ، فطمأنه مرةً ثانية ، قال تعالى :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

[ سورة سبأ : 39]

 هو يعلم ، وسيعوّض عليك أضعافاً مضاعفة ، هل هناك من دافعين للإنفاق يفوقان هذين الدافعين ؟ هو يعلم ، وسيخلف لك ما أنفقته من مال ، أو من أي شيء آخر .
 أيها الأخوة الكرام : هذا نقطة الضعف في خلق الإنسان ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 معنى ذلك أن المصلي مستثنى من نقاط الضعف البشري ، لابد أنه إذا اتصل بالله حق الاتصال طمأنه الله ، ورأى خزائن الله يمنحها لمن كان قريباً منه ، لذلك ينفق ، ويعلم أن الله لن يضيع .

 

الزكاة من أجلّ فرائض الإسلام :

 أيها الأخوة : ولو دخلنا إلى موضوع الزكاة يقول الله عز وجل :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 (خذ) أمرٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ، وقد وجّه بعض علماء التفسير هذه الآية أن هذا الأمر ليس موجهاً للنبي عليه الصلاة والسلام على أنه نبي هذه الأمة ، ولكنه موجه إليه على أنه ولي أمر المسلمين ، فالزكاة تؤخذ ولا تعطى ، لأن في أدائها مصلحة الأمة ، لذلك تؤخذ ، ولابد من أن تدفع ، هي فريضة ، بل هي من أجل فرائض الإسلام .

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 أما كلمة (من) فتعني أن الزكاة لا ينبغي أن تنال كل المال ، أن تأخذ بعضه القليل، وهذا من فضل الله عز وجل ، بل إن الله عز وجل حينما قال :

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

[ سورة البقرة : 195]

 فإن لم تنفق أتيت يوم القيامة مفلساً ، أتيت يوم القيامة صفر اليدين ، وقال بعض المفسرين :

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

[ سورة البقرة : 195]

 إن أنفقتم كل المال . خذ من - من للتبعيض - بعض أموالهم صدقة ، هذا المال الذي تنفقه يؤكد صدقك في طاعتك لله .

 

السير إلى الله يحتاج إلى جهد و ضبط للنفس :

 أخوتنا الكرام : هل تشعر أنك ترقى إلى الله حينما تأكل طعاماً طيباً ؟ وحينما تأتي الحركة موافقة لطبيعة النفس ، موافقة لرغبات النفس ، موافقةً لنوازع النفس لا تشعر أنك ترقى بها ، هو مباح ، ولا إثم عليك إذا أكلت طعاماً طيباً ، لكنك لا ترقى بحركة جاءت موافقة لطبيعة النفس ، لكن متى ترقى ؟ حينما تأتي بحركة مناقضة لطبيعة النفس ، ترقى إذا غضضت بصرك عن محارم الله ، وترقى إذا أنفقت ما تحبه ، وترقى إذا ضبطت جوارحك ، الإنسان طبعه يقتضي أن يخوض في فضائح الناس ، أما إذا ضبط لسانه يشعر أنه اقترب من الله عز وجل ، ولعل كلمة التكاليف تعني أنها ذات كلفة ، السير إلى الله يحتاج إلى جهد ، وفي الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

((أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلَاثًا أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ ))

[أحمد عن ابن عباس ]

 يكفي أن تسترخي ، وأن تأكل ما تشاء ، وأن تقول : ما تشاء ، وأن تلتقي مع من تشاء ، وأن تملأ عينيك ممن تشاء ، وأن تقول ما تشاء حتى تصبح في طريــق النار :

((أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلَاثًا أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ . . . .))

[أحمد عن ابن عباس ]

فرض الزكاة على كل المسلمين ممن يملكون النصاب :

 يقول الله عز وجل :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 (من) للتبعيض ، خذ بعض أموالهم ، وإياك وكرائم أموالهم النبي عليه الصلاة والسلام يوجه سيدنا معاذ ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ :

((إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ))

[متفق عليه عن ابن عباس ]

 خذ بعض أموالهم ، جاءت كلمة (أموالهم) جمعاً ، كل أنواع الأموال تجب فيها الزكاة ، صدقة تؤكد صدقهم ، أما أموال فجمع ، لكن أموالهم أيضاً مضافة إلى ضمير الجمع ، الأموال جمع وهي مضافة إلى ضمير الجمع ، أي الزكاة مفروضة على كل المسلمين ممن يملكون النصاب دون أن يستثنى منهم واحد ، ليس هناك في قانون الله عز وجل إنسان معفى من هذه الزكاة ، أو إنسان تطوى عنه هذه الفريضة .

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 (من) للتبعيض ، وأموال جمع ، أيْ من جميع أموالهم ، و(هم) ضمير الجمع ، الزكاة تجب على أغنياء المسلمين قاطبةً ، بل والله اطلعت اليوم على صفحة واحدة في موقع معلوماتي يتحدث عن الدخل القومي لبلد من بلاد المسلمين ، و يتحدث عن قيمة الزكاة ، أذكر خمسة وعشرين مليار ضرب ثلاثة عشر هي الزكاة المستحقة في أموال أغنياء هذا البلد ، هذا رقم فلكي ، فلو أن أموال المسلمين دفعت زكاتها لكان المسلمون في حال غير هذا الحال ، وكأن الزكاة نظام التكافل الاجتماعي ، ولكن الحقيقة مؤلمة جداً ، ومرّة جداً ، أن الذين يدفعون الزكاة من أغنياء المسلمين لا يزيدون على خمسة بالمئة من أموال مَن ينتسبون إلى هذا الدين ، طبعاً من أموال من ولدوا في بلاد إسلامية ، وله أب مسلم وأم مسلمة ، الزكاة المستحقة في أموال المسلمين تزيد على رقم فلكي ، وهي كافية لحل مشكلات المسلمين في هذا البلد ، لا يعني أنها تكفي لتعطي كل إنسان ما يأكل ويشرب في رمضان ، يجب أن تغنيه طوال العام على مذهب ، ويجب أن تغنيه طوال عمره على مذهب آخر ، وأموال الزكاة في الأساس يجب أن تحوِّل آخذ الزكاة إلى دافع للزكاة ، حينما تحول آخذ للزكاة إلى دافع للزكاة تكون الزكاة قد حققت أهدافها الكبرى .

الزكاة فرض من لم يؤدها عرض ماله للدمار :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 تؤكد صدقهم ، مرةً ثانية : أنت حينما تستمتع بشيء مباح لا ترقى إلى الله به ، هو مباح ، ولا تؤاخذ عليه ، ولكن لا ترقى إلى الله به لأنك لم تشعر بمدافعة وصراع ، أما حينما تمسك ألف ليرة أو عشرة آلاف ليرة فهذه إن أنفقتها على نفسك استفدت منها ، وتنعمت بها ، وإن دفعتها إلى فقير خالفت نفسك وهواك .
 ولكن أيها الأخوة : يجب أن تعلموا أن الزكاة فرض ، ومن لا يؤدي الزكاة يعرض ماله للدمار ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((حصنوا أموالكم بالزكاة))

[الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

 وما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة ، ولكنك ترقى أضعاف ما ترقى بالزكاة حينما تدفع زيادة على الزكاة من أموال الصدقة ، لذلك في بعض الآيات :

﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 177]

 ثم يقول الله تعالى :

﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾

[ سورة البقرة : 177]

 إيتاء الزكاة شيء ، وآتى المال على حبه شيء آخر ، هذا تطوع ، هذا إنفاق اختياري ، هذا إنفاق أساسه المحبة .

 

الزكاة تطهر الغني من الشّح و الفقير من الحقد :

 أيها الأخوة الكرام : خذ من أموالهم صدقة تؤكد صدقهم ، أنت ترقى حينما تنفق من مالك ، أنت ترقى حينما تغض بصرك ، أنت ترقى حينما تضبط لسانك ، أنت ترقى حينما تنهض من الفراش ، والفراش يدعوك إلى متابعة النوم ، أنت حينما تخالف هواك ، وتخالف مزاجك ، وتخالف رغباتك ترقى إلى الله عز وجل .

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 ماذا تفعل الزكاة ؟ تطهرهم تطهيرًا حقيقيًا ، تطهر الغني من الشح ، كيف أننا في الحياة الدنيا عندنا أمراض وبيلة كالسرطان مثلاً ، الشح مرض يشبه السرطان ، لكنه يصيب النفس ، لقول الله عز وجل :

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 9]

 شح النفس مرض البخل ، مرض الحرص ، لذلك الزكاة تطهر الغني من الشح ، وتطهر الفقير من الحقد ، الفقير إذا أديت له الزكاة ، ونعم بمال الغني ، وانتفع به ، وأكل طعاماً يقويه ، واشترى ثياباً تستره ، وأقام في مأوى ، يشكر هذا الغني الذي دفع له زكاة ماله ، وانتهى الحقد ، ماذا يعاني العالم اليوم ؟ يعاني أن تسعين بالمئة من ثروات الأرض يملكها عشرة بالمئة من سكان الأرض ، وأن تسعين بالمئة من سكان الأرض لا يتاح لهم إلا عشرة بالمئة من موارد الأرض ، لذلك في الأرض مفارقة ، يقولون مثلاً : دول الشمال ودول الجنوب ، الدول الغنية والفقيرة ، هذه المفارقة الحادة بين الأغنياء والفقراء تولد الأحقاد ، تولد أعمال العنف ، أكاد أقول: إن معظم ما تعانية البشرية اليوم من مشكلات يطلق عليها أسماء متباينة هي في حقيقتها حقد المحروم على المنعم ، حقد المحروم على المبذر ، حقد المحروم على المترف ، الزكاة تشفي الفقير من الحقد ، وتشفي الغني من الشح ، وتطهر المال مِن تعلق حق الغير به ، تطهر المال من تعلق حق الفقير به ، أي تطهر المال من أسباب إتلافه ، تطهر المال من أسباب تدميره ، تطهر المال من أسباب محقه .

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

[ سورة التوبة : 103]

الزكاة تنمي نفس الغني و الفقير :

 الزكاة شيء آخر ، الزكاة نمو ، الإنسان إذا كان له عمل طيب يشعر بنمو ، يشعر بأهميته في المجتمع ، يشعر أنه في قلوب المئات ، يشعر أنه يعمل أعمالاً طيبة ، يشعر أنه في قلوب من يحبه ، هذا اسمه نمو ، ليس أن تقول : إنسان واحد ، وإنسان في أمة ، المحسنون أعمالهم الخيرة في قلوب من حولهم ، لذلك قلوب من حولهم تهفو إليهم بالمودة والمحبة ، لذلك يشعرون بامتداد الإنسان ، فإذا عمل عملاً إنسانياً يشعر بسمو ، والإنسان إذا عمل لمصالحه يشعر بالدنو ، هؤلاء الذين يعيشون للناس ، ولا يعيش الناس لهم ، الأنبياء عاشوا للناس ، والطغاة عاش الناس لهم ، هؤلاء الذين يعيشون للناس ، هؤلاء الذين يحملون همَّ الناس ، هؤلاء الذين يخففون أعباء الحياة عن الناس ، هؤلاء الذين يسعدهم أن يعطوا لا أن يأخذوا ، هؤلاء هم أسعد الناس ، لذلك إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين ، لذلك الغني الذي يؤدي زكاة ماله يشعر بامتداد ، يشعر بنمو ، يشعر براحة ، يشعر بسعادة . قبل رمضان لفت نظري أن إعلانات فخمة جداً وضعت في أطراف المدينة تبين وجهاً مشرقاً متألقاً سعيداً فرحاً ، قال : أديت زكاة مالي ، إنسان في أعلى درجة من الغبطة والسرور والتألق كتبوا تحت هذه الصورة : لقد أديت زكاة مالي .
 فيا أيها الأخوة الكرام : الزكاة فضلاً على أنها تطهر من الحقد ، وتطهر من الشح ، وتطهر من أسباب دمار المال ، تنمي نفس الغني ، فيشعر بعمله الصالح ، كان عليه الصلاة والسلام انطلاقاً من أمر الله عز وجل يصلي على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله قال تعالى :

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 هذا الذي يؤدي زكاة ماله ليحل بهذا المال مشكلات المسلمين ، هذا قريب من الله عز وجل ، وينبغي أن تثني عليه ، وينبغي أن تريه عمله ، وينبغي أن تريه نتائج عمله ، هذا من تنفيذ الآية الكريمة :

﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 أيها الأخوة : الغني نمت نفسه ، فما بال الفقير ؟ الفقير أيضاً حينما تأتيه زكاة الغني يشعر أنه ليس منسياً ، ولا مهملاً ، ولا مهمشاً ، هناك من يهتم به ، هناك من يحرص على سعادته ، هناك من يعنيه أمره ، هناك من يسعى لتأمين حاجاته ، فيشعر بامتداد أيضاً ، فالزكاة تنمي نفس الغني ، وتنمي نفس الفقير ، بل إن هؤلاء الأغنياء الذين يخافون السرقة ، ويحرصون على وضع إجراءات أمنية مشددة على أموالهم لو أنهم أدوا زكاة مالهم لكان الفقير حارساً لهم ، لكان هذا الذي أعطوه الزكاة في خدمتهم ، لأن الأثر القدسي : "يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم ، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها " فأداء الزكاة ينمي نفس الغني ، وينمي نفس الفقير .

 

أداء الزكاة ينمي المال بطريقتين :

 بقي موضوع ثالث ، أن أداء الزكاة ينمي المال بطريقتين ، بطريقة يعرفها علماء الاقتصاد ، أن هذا الفقير حينما أعطيته المال صار بيده قوة شرائية ، ماذا يفعل بهذه الأوراق؟ لا معنى لها إلا أن تنقلب إلى طعام ، إلى ألبسة ، إلى مقتنيات ، فإذا به بعد أن يأخذ زكاة ماله يتوجه إلى الأسواق ليشتري بهذه الكتلة النقدية التي دفعت للفقراء ، وسوف تسهم في ترويج البيع والشراء ، هذا بالقوانين الأرضية ، وهذا القانون اكتشفته بعض الدول حينما يقدمون مساعدات للدول النامية بقصد ترويج معاملهم ، هذه الدول حينما تأتيها هذه المساعدات تشتري من تلك الدول أكثر الحاجات ، لذلك النماء يصيب المال نفسه ، هذا في القوانين المعروفة ، ولكن النماء يصيب المال بطريقة العناية الإلهية ، فحينما تنفق مالك في سبيل الله بطريقة لا تعلمها أنت ، بإلهام من الله ، بطريقة تؤكد لك أن الله سوف يخلف عليك كلما أنفقته أضعافاً مضاعفة ، هذا يقين المؤمن ، ما نقص مال من صدقة ، أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالا ، عبدي أَنفِق أُنفِق عليك ، وهؤلاء الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله هم وحدهم يتذوقون طعم هذه النصوص ، أَنفق أُنفق عليك ، أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالا ، ما نقص مال من صدقة . والإنسان أحياناً يرى من فضل الله عليه إذا أنفق إلى درجة يصبح محباً للإنفاق ، هذا سماه العرب الأريحي ، ارتاح للعطاء ، سعادته بالعطاء ، سعادته أن يكون حوله في كفاية و في بحبوحة .

إنفاق المال لا يقلّ عن إنفاق العلم :

 أيها الأخوة الكرام :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 ماذا أقول للإخوة الذين عرفوا الله وآتاهم الله بعض الأموال ؟ هل تصدق أن داعية أو عالماً أمضى حياته في طلب العلم ، وفي قراءة الكتب ، وفي متابعة الأحداث ، بذل جهداً يفوق حدّ الخيال ، حتى استطاع أن يتكلم كلاماً مفهوماً متوازناً معللاً مدللاً مؤثراً ، هذا الكلام الذي يقوله الإنسان حينما يحصل العلم وراءه جهد لا يعلمه إلا الله ، يأتي غني مؤمن فينفق من ماله مخلصاً فيرتقي إلى مستوى هذا العالم الداعية ، والدليل عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا))

[متفق عليه عن عبد الله بن مسعود ]

 ما هذا الإغراء لأصحاب الأموال ؟ إنك أيها الغني المؤمن إذا أنفقت فأنت على حد سواء مع هذا الذي أنفق علمه ، إنفاق المال لا يقلّ عن إنفاق العلم ، لأن المال شقيق الروح .
 والله مرة كنت في حفل تخريج دفعة من حفظة كتاب الله ، فالذي ألقى كلمة - والقصة قديمة – قال بالحرف الواحد : أنا أشكر هؤلاء الطلاب الصغار الذين أقبلوا على حفظ كتاب الله - كلام طيب - ثم إنني أشكر هؤلاء المعلمين الذين علموهم هذا القرآن ، فعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))

[البخاري عن عثمان]

 ثم قال : وأنا اشكر هؤلاء العلماء الذين حكَموا في هذه المسابقة ، كانوا حكامًا في هذه المسابقة ، بقي صنف رابع ، قال : وإنني أشكر هؤلاء الأغنياء الذين بذلوا أموالهم مكافآت لهؤلاء الصغار . لأن المال شقيق الروح ، فأنت أيها الغني حينما تنفق مالك لا تصدق كم لك من مقام عند الله ، لأن المال قوام الحياة ، إنك حينما تزوج شاباً ، إنك حينما تعالج مريضاً ، إنك حينما تدعم أسرةً ذات دخل محدود ، فتعم الفرحة في هذه الأسرة أنت ماذا فعلت ؟ أنت حققت مصلحة راجحةً في الحياة الدنيا ، المال قوام الحياة .
 أيها الأخوة : والله الذي لا إله إلا هو لو يعلم أغنياء الأمة ماذا ينتظرهم عند الله من مكافآت ومن حفظ ومن توفيق ومن تأييد ومن رعاية لذابوا محبة لله عز وجل .

 

محاسبة الإنسان على المال الذي كسبه :

 أخوتنا الكرام : المال الذي كسبته محاسب عليه ، كيف كسبته ؟ الرزق هو الذي تستهلكه فقط ، الرزق هو هذه الثياب التي على جسمك ، وهذا السرير الذي تنام عليه ، وهذا الطبق الذي تأكل منه فقط ، وهذا البيت الذي تسكنه فقط ، الرزق ما انتفعت به ، ولكن الكسب ما حصلته ولم تنتفع به ، المشكلة أن الكسب تحاسب عليه ، ولا تنتفع به ، تصور إنسانًا عليه دين مليون ليرة ، فاستقرضها ، وضاعت منه ، وعليه أن يسددها ، ولم ينتفع بها ، فالكسب هو المال الذي تحصله ، ولا تنتفع به ، وأنت محاسب عليه ، لذلك في الحديث الدقيق :

((أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ قَالَ يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي قَالَ : وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ))

[مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ]

 أي لك الذي أنفقته في سبيل الله فقط ، حتى الذي استهلكته هو ليس لك ، حتى الذي لبسته ليس لك :

((وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ))

[مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ]

 لذلك من روائع الحِكم السريعة أن سيدنا عمر رضي الله عنه أمسك بتفاحة فقال : أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يوزع شاةً لم يبق منها شيئاً، فعَنْ عَائِشَةَ :

((ذَبَحُوا شَاةً قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَقِيَ إِلَّا كَتِفُهَا ؟ قَالَ : كُلُّهَا قَدْ بَقِيَ إِلَّا كَتِفَهَا))

[أحمد عن عائشة]

الزكاة تسعد الإنسان و تذيقه طعم الإنفاق :

 فيا أيها الأخوة : نحن في شهر الإنفاق ، نحن في شهر البذل ، نحن في شهر القرب ، نحن في شهر جبر الخواطر ، نحن في شهر مسح الدموع ، نحن في شهر تلبية حاجات الفقراء ، عبدي أَنفق أُنفق عليك ، وما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة ، آية الزكاة :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 كل حرف في هذه الآية يعني حكماً شرعياً ، (خذ) يعني شيئًا ، و(من) للتبعيض تعني شيئاً ، ما قال : خذ من مالهم ، بل من أموالهم ، وجمع كلمة مال تعني شيئاً ، وما قال : خذ من أمواله ، من أموالهم ، صدقة هي الزكاة ، لكنها سميت هنا صدقة لأن علاقة أداء الزكاة بالصدق واضحة جداً ، تطهرهم ؛ تطهر الفقير والغني والمال ، وتزكيهم ؛ تزكي الفقير والغني والمال ، وصلِّ عليهم ، أثنِ عليهم ، إن صلاتك سكن لهم .
 أيها الأخوة الكرام ، الذي يذوق طعم الإنفاق هو المنفق ، لكن كأن الله أرادنا في رمضان أن نذوق طعم الإنفاق قصراً ، لذلك كلف الفقراء الذين لا يملكون إلا قوت يومهم كلفهم بدفع صدقة الفطر ، تجب على من يملك قوت يومه وجبة طعام واحدة ، إنسان لا يملك من الدنيا إلا وجبة طعام واحدة تجب عليه زكاة الفطر ، لماذا ؟ ليذوق الفقير طعم الإنفاق مرةً في العام ، فإن الإنفاق مسعد .
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

 

* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

المفارقة الحادة بين إنفاق المؤمن و إنفاق غير المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام : الطرف الآخر :

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 36]

 الطرف الآخر الكافر إذا أنفق المال أنفقه إسرافاً وتبذيراً ، وإذا أمسكه أمسكه بخلاً وتقتيراً ، لابد من أن يكون هناك مفارقة حادة بين إنفاق المؤمن وإنفاق غير المؤمن ، المؤمن ينفق ليتقرب إلى الله عز وجل ، يضع المال في مكانه الصحيح ، ينفق المال على مستحقيه ، لكن غير المؤمن ينفق كبراً وزهواً واستعلاءً وغطرسةً ، وإذا منعه منعه بخلاً وتقتيراً ، مثلاً هل تصدقون أن في بلد كأستراليا قبل أعوام أُعدم عشرون مليون غنمة بالرصاص ، ودفنت للحفاظ على الأسعار المرتفعة ، هذا شأن الكافر ، ينفق ماله ليصد عن سبيل الله ، ينفق ماله إسرافاً وتبذيراً .

 

ثواب الزكاة لا يستكمل إلا إذا وضعت هذه الأموال في يد الجهة المستحقة :

 أيها الأخوة الكرام : بقيت نقطة ، يتوهم بعض إخوتنا الكرام أنه لمجرد أنه ألقى هذه الصدقة بيد سائل كائن من كان حلت المشكلة ، لا ، والله ما حلت ، يجب أن تعلم علم اليقين أن ثواب الزكاة ، أو أن هذه العبادة الرائعة لا تستكمل خصائصها إلا إذا وضعت هذه الأموال في الجهة المستحقة تماماً ، المشكلة أن الذي يسألك ويلحّ عليك قد يكون كاذباً ، لكن الذي يستحق الزكاة لا يسألك أبداً :

﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾

[ سورة البقرة : 273]

 تعرفهم بسيماههم ، إذا كان الذي يستحق الزكاة لا يسألك ، نشأ عن هذه الآية موقف يجب أن تقفه ، يجب أن تسأل أنت عنه ، يجب أن تتحقق أنت منه ، يجب أن تبادر أنت إليه ، هو لا يسألك ، لذلك حينما قال الله عز وجل :

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة الذاريات : 19]

 السائل الذي يقتحم عليك ، ويلح عليك ، ويسألك بقوة ، لكن العفيف المؤمن الفقير لا يسألك ، عنده ماء وجه ، يستحي أن يبذله ، يخاف الله أن يتضعضع لك ، فينبغي على كل محسن أن يبحث عن جهة يثق بها في دفع الزكاة ، لأن الذي يسأل ويلح قد لا يستحق .
 أحد أخوتنا الكرام في يوم من الأيام ساهم في منع التسول في هذه البلدة الطيبة ، والله أخبرني شيئاً لا يصدق ، أن ألفاً وثمانمئة متسول ضُبط منهم خمسة أو ستة كانوا بحاجة إلى المساعدة، والباقون في حالة غنى ، عشرات الألوف ، مئات الألوف ، بعض الملايين ، وهو متسول ، لذلك :

﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾

[ سورة البقرة : 273]

 هذا الذي يستحق زكاة مالك لا يسألك ، عنده عزة ، عنده كرامة ، عنده أدب ، عنده تجمل ، لا يتضعضع أمام غني ، ابحث عنه أنت ، اسأله ، دقق ، نقب ، هذا هو المؤمن ، لذلك أن تتوهم أنه لمجرد أن ألقيت هذا المال في يد سائل انتهى الأمر ، لا والله ما انتهى شيء، إنك تسهم في سوء توزيع الأموال بين الناس ، أما حينما تجتهد ، أو تكلف من يجتهد ، أو حينما تضمن أن يوضع المال في أسرة مؤمنة راقية فقيرة عندها حياء وخجل وأدب أنت بهذا تكون قد حققت الهدف من الزكاة ، وأوصلت الزكاة إلى مستحقيها .

 

الدعاء :

 اللهم أعل كلمة الحق والدين ، اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، اللهم وفق السيد رئيس الجمهورية بشار الأسد لما فيه خير البلاد والعباد ، وهيئ له بطانة خير ووزراء صدق ، يا رب العالمين ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018