موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 373 - منعكس المص - حليب الأم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1موضوعات علمية من الخطب
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 373 - منعكس المص - حليب الأم.


1999-04-09

 يؤكد علماء نفس الطفل، أن الطفل حينما يولد لايملك أية قدرة إدراكية، بل إن كل ما يتمتع به الراشد من إمكانات وقدرات، ومفهومات ومعقولات، وخبرات ومؤهلات، إنما هي نتيجة تفاعله مع البيئة، وهذا فحوى الآية الكريمة:

﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

 لكن منعكساً ـ على حدّ تعبير علماء النفس ـ يولد مع الطفل، ولا يحتاج إلى تعليم إنه منعكس المص، إذ لولاه لما وجدت إنساناً واحداً على سطح الأرض في قاراتها الخمس، إن الطفل الذي يولد من توِّه لا يستطيع أن يتلقى توجيهات والده في ضرورة التقام ثدي أمه، وإحكام إطباقهما، ثم سحب الهواء، كي يأتيه الحليب، لا يستطيع أن يتلقى هذه التوجيهات بالفهم فضلاً عن التطبيق.
 حليب الأم من آيات الله الكبرى الدالة على عظمته فهو يتغيَّر تركيبه خلال الرضعة الواحدة، يبدأ حليب الأم بماءٍ كثير، يقلُّ الماء ويزداد الدسم، إلى أن تصبح المواد الدسمة في نهاية الرضعة أربعة أمثال.
هل بالإمكان أن تغذي طفلاً بقارورةٍ وتتغيَّر نسب الدسم، والمواد السكرية والمواد البروتينية، في أثناء الرضعة الواحدة ؟
 شيءٌ آخر.. تتغيَّر تراكيب مقوّمات لبن الأم، بالكميات المعادلة لنمو الصغير، كلّما نما الصغير الرضيع، تزداد الأحماض الأمينية، والأملاح المعدنية، والمعادن النادرة والفيتامينات.

 

 أما الشيء الذي يلفت النظر... فهو أن هذا الطفل الذي خلقه الله عزَّ وجل، أودع فيه خمائر هاضمةً بمقادير تتناسب مع حليب الأم، فلو أرضعناه حليب البقر، ولو كان طازجاً، أو كان مجففاً، يعجز الطفل عن هضمه، وتبقى كميّاتٌ كبيرة من المواد الدسمة والبروتينيات والأحماض الأمينية دون هضم، وطَرْح هذه المواد عن طريق الكلية يجهدها لذلك نجد الطفل الذي يرضع حليب البقر تجهد كُليتاه في طرح المواد الدسمة، والأحماض الأمينية، والبروتينات التي لم يستطع هضمها، فخمائر الهضم عنده متوافقةٌ مع حليب الأم، وليست مع حليب البقر في حليب البقر أربعة أمثال ما في حليب الأم من الأحماض الأمينينة
 قال العلماء : ارتفاع نسبة الأحماض الأمينية في الدم تسبب للطفل الرضيع القصور العقلي، والآفات القلبية، والآفات الوعائية، وأمراض جهاز الهضم والكبد، الأمراض المزمنة التي تلازم الإنسان طوال حياته ولو سألت أطباء الأورام الخبيثة لأجابوك إن المرأة التي ترضع ابنها من ثديها أقلُّ عرضةٌ للإصابة بورم الثدي من المرأة التي لا ترضع ابنها من ثديها.. أي أن نسب أورام الثدي الخبيثة في النساء اللواتي يرضعن أولادهن قليلةٌ جداً، أما نسب الأورام الخبيثة في النساء اللواتي لا يرضعن أولادهن نسبٌ عالية..

 إن العطف والحنان الذي يتلقّاه الطفل من أمّه في أثناء الرضاعة، هذا يكسبه رحمةً في قلبه تنعكس على علاقاته بمن حوله في مستقبل أيامه.

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾

 

 وصيغة ( يرضعن ) جاءت خبراً في معرض الأمر أي أيتها الوالدات أرضعن أولادكن وكل أمر في القرآن يقتضي الوجوب ما لم تكن هناك قرينة تنص على خلاف ذلك
وقد ألزمت حكومات أكثر الدول معامل حليب الأطفال أن تكتب على كل عبوة: لاشيء يعدل حليب الأم
 وقد جرى بحث علمي، تمّ في بلد متقدم، قاس مستوى الذكاء الفطري، لدى عدد من الأطفال، من شعوب متعددة، بالنسبة للإرضاع الطبيعي والصناعي، فكانت النتائج مدهشة: أطفال جزر الباسيفيك يتمتعون بأعلى نسب ذكاء من بين مجموعة الأطفال الذين تناولهم البحث وذلك بسبب أنهم لا يعرفون الإرضاع الصناعي إطلاقاً، لقد صدق الله العظيم إذ يقول:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾

 هذا منهج الله عزَّ وجل، إنه تعليمات الصانع، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾

تداركْتَنا باللطف في ظلمة الحشا
وخير كفيلٍ في الحشا قد كفلتنا
وأسكنْتَ قلب الأمهات تعطفاً
علينا وفي الثديين أجريت قوْتَنا
وأنشأْتَنا طفلاً، وأطلقت ألسناً
تترجم بالإقرار أنك ربنا
وعرّفتنا إياك، فالحمد دائماً
لوجهك، إذ ألهمتنا منك رُشْدنا

أيها الإخوة المؤمنون
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبغ نفسه هواها وتمنى على الله الأماني
والحمد لله رب العالمين

 

* * * *
 الحمد لله رب العالمين، واشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين

والآن إلى موضوع الساعة:
 مرّ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ببلدة من بلاد المسلمين في عهده، فوجد فيها أن الفعاليات المعيشية ليست بأيدي أبناء هذه البلدة ، فوبخهم، وعنفهم، وقال لهم: كيف بكم وقد أصبحتم عبيداً عندهم. لقد أدرك هذا الخليفة الراشد ـ ببعد نظره ـ أن المنتج هو القوي وأن المستهلك هو  الضعيف، ويمكن أن يضاف إلى ذلك أن التفوق العلمي سبيل إلى امتلاك القوة وأن صاحب الحق لا يستطيع أن يحمي حقه إن كان ضعيغا، وما يجري في العالم اليوم خير شاهد على ذلك ؛ لذلك أمرنا ربنا أن نعدَّ لأعدائنا ما نستطيع من قوة، فقال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ... قوةٍ في العَدد، وقوةٍ في العُدد، وقوةٍ في التدريب، وقوةٍ في التخطيط وقوةٍ في الإمداد، وقوةٍ في التموين، وقوة في الاتصالاتٍ، وقوة في المعلوماتٍ، وقوةٍ في تحديد الأهداف، وقوةٍ في دقة الرمي، وقوةٍ في الإعلام
إن الله جل في علاه ـ رحمة بنا ـ لم يكلفْنا أن نُعِّدَ القوةَ المكافئةَ لأعدائنا، ولكن كلفنا أن نُعِدَّ القوة المتاحة وهذا من رحمة الله بنا، لأن الله وعد المؤمنين حقاً، والمطبقين لمنهج الله، والمخلصين له، وعدهم بالنصر، قال تعالى:

﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾

 

 وأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف
* * *

 يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾

 يظن بعض أهلها اليوم أنهم قادرون عليها استطلاعاً وتدميراً، وأن أية بقعة في الأرض تحت استطلاع أقمارهم، وتحت مرمى طائراتهم، لكن حين يتوهم أهلها أنهم قادرون عليها:

﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾

 كما أن من الواجب علينا أن نبحث في كل مظنَّةِ ضَعْف عن سببَ قوةٍ كامنةٍ فيه، ولو أخلص المسلمون في طلب ذلك لوجدوه، ولصار الضعف قوةً لأن الضعف قد ينطوي على قوةٍ مستورةٍ يؤيدها الله بحفظِه ورعايته فإذا قوةُ الضعف تَهُدُّ الجبال وتدكُّ الحصون، إن الحديث عن القوةِ النابعة من الضعفِ ليس دعوةً إلى الرضا بالضعفِ أو السكوتِ عليه بل هو دعوةٌ إلى استشعار القوة حتى في حالة الضعف وربما صحت الأجسام بالعلل، فينتزع المسلمون من هذا الضعف قوةً تحيل قوة عدوهم ضعفاً وينصرهم اللهُ نصراً مبيناً

 وليس هناك من مرحلة في تاريخ أمتنا نحن في أمس الحاجة فيها إلى التعاون والتكاتف والتناصر والتضامن كهذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها أمتنا العربية والإسلامية ولاسيما في ظل النظام العالمي الجديد، وفي ظل غياب التوازن الدولي، وتحكم القطب الواحد وازدواجية المعايير، وسيطرة الاحتكارات الكبرى، والتطورات الهائلة في وسائل الاتصالات والمعلوماتية، وازدياد الهوة بين الدول الغنية المتقدمة والدول النامية، وانفجارات الحروب الإقليمية والمحلية والصراعات القبلية والدينية والعرقية في مناطق متعددة من العالم... إضافة إلى نهج العَولمة الثقافية والاقتصادية... إن عالم اليوم يكاد يتحول إلى غابة تتحكم فيها قواعد القوة وتغيب عنها ضوابط المبادئ والقيم، ومع ذلك فإن قوى الهيمنة تتحدث عن حقوق الإنسان... في الوقت الذي يجري فيه انتهاك لحقوق الإنسان كما قال السيد الرئيس في خطابه الأخير في مجلس الشعب: ويضيف قائلاً:
 العالمُ الإسلاميُ اليومَ يواجه تحدياتٍ كبيرةً تستهدفُ الإسلامَ وما يمثِّلُه من قيمٍ نبيلةٍ وما يدعو إليه من أخوةٍ وعدالةٍ ومساواةٍ وحرية، وإذا كان من واجبنا أن ندافعَ عن ديننِا فإن لنا فيه يَنبوعَ قوةٍ ومصدر إلهام في مواجهةِ كلِّ ما يقابلُنا من أخطارٍ وتحدياتْ

* * * *
 اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين واجعل هذا البلد آمناً مطمئنا، وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين ، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا، و مرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث من السماء ولا تجعلنا من القانطين،  اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني و نحن الفقراء أنزل علينا الغيث من السماء ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، اللهم لتسقي به العباد، و تحيي به البلاد، و لتجعله بلاغاً للحاضر و الباد.
 اللهم وفق ولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحبه وترضى اللهم ألّف بينهم، ووحد كلمتهم، واجمعهم على الحق والخير والهدى.
 اللهم وفق السيدَ رئيس الجمهورية حافظَ الأسد لما فيه خير البلاد والعباد، وهيئ له بطانة خير، ووزراء صدق ، يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير
والحمد لله رب العالمين.
عباد الله....

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018