دورات للطلاب الأجانب - دورة عام 1999 - سيرة الصحابة : 04 - الصحابي البراء بن مالك الأنصاري . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

دورات للطلاب الأجانب - دورة عام 1999 - سيرة الصحابة : 04 - الصحابي البراء بن مالك الأنصاري .


1999-07-06

إنه البطل المقدام الذي كتب الفاروق بشأنه إلى عماله في الآفاق:

" لا تولوا البراء جيشاً من جيوش المسلمين ؛ خوفاً من أن يهلكهم بإقدامه ".
إنه البراء بن مالك الأنصاري، أخو أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إننا لو رحنا نستقصي أخبار بطولات البراء لطال الكلام كثيراً، لذلك نكتفي بقصة واحدة تقاس عليها جميع مواقفه.
تبدأ هذه القصَّة منذ الساعات الأولى لوفاة النبي الكريم، حيث خرجت قبائل العرب من دين الله أفواجاً، صمد الصديق رضي الله عنه لهذه الفتنة صمود الجبال الراسيات، وجهز أحد عشر جيشاً ليعيد المرتدين عن دين الله إلى سبيل الهدى والحق، وكان أقوى المرتدين عدداً، وأقواهم بأساً، بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب، فقد اجتمع له من قومه أربعون ألفاً من أشداء المحاربين.
هزم مسيلمةُ أولَ جيش من المسلمين، فأرسل الصدِّيق له جيشاً ثانياً بقيادة خالد بن الوليد، وكان من عِداد هذا الجيش بطل قصتنا... البراء.
التقى الجيشان على أرض اليمامة، فما هو إلا قليل حتى رجحت كفة مسيلمة وأصحابه، عند ذلك شعر المسلمون بالخطر الداهم، وأدركوا أنهم إن يُهزموا أمام مسيلمة فلن تقوم للإسلام قائمة بعد اليوم، ولن يُعبد الله وحده في جزيرة العرب.
وهب خالد إلى جيشه فأعاد تنظيمه، وتجهيزه، ودارت بين الفريقين معركة لم تعرف حروب المسلمين لها نظيراً، وثبت قوم مسيلمة في ساحات الوغى ثبات الجبال، وأبدى المسلمون من البطولات ما أذهل أعداءهم، ولكن جميع بطولاتهم تتضاءل أمام بطولة البراء بن مالك رضي الله عنهم جميعاً !
وذلك أن خالداً حين رأى وطيس المعركة قد اشتد، التفت إلى البراء وقال: " إليهم يا فتى الأنصار ".
فالتفت البراء إلى قومه وقال: " يا معشر الأنصار لا يفكِّرن أحد منكم بالرجوع إلى المدينة، فلا مدينة لكم بعد اليوم، وإنما هو الله وحده ثم الجنة ".
اقدام البراء كان سببا في نصر المسلمين
ثم حمل على المشركين وحملوا معه، وانبرى يشق صفوف المشركين، ويُعمل السيف في رقاب أعداء الله، حتى انكسر مسيلمة وأصحابه، فهربوا إلى الحديقة التي عرفت فيما بعد بحديقة الموت لكثرة ما قتل فيها في ذلك اليوم.
كانت حديقة الموت رحبة الأرجاء، عالية الجدران، فأغلق المشركون عليهم بابها وجعلوا يمطرون المسلمين بنبالهم فتسقط عليهم كالمطر، عند ذلك: تقدم مِغوار المسلمين البراء بن مالك وقال:
" يا قوم ضعوني على ترسٍ، وارفعوا الترس على الرماح، ثم اقذفوني إلى الحديقة قريباً من بابها، فإما أن أُستشهد وإما أن أفتح لكم الباب ".
وبالفعل هذا ما كان، فقد نزل البراء عليهم نزول الصاعقة، وما زال يجالدهم بسيفه حتى قتل منهم عشرة، وفتح الباب وفي جسده بضع وثمانون جراحة، ما بين رمية بسهم أو ضربة بسيف، وقاتل المسلمون أعداء الله حتى هزموهم، ووصلوا إلى مسيلمة وقتلوه وأنهوا أمره.
ظل البراء بن مالك يتوق إلى الشهادة، وأخذ يخوض المعارك شوقاً إلى تحقيق أمنيته، حتى جاء يوم فتح مدينة " تُستر " الفارسية، حيث حاصر المسلمون هذه المدينة حصاراً طويلاً، فلما اشتد البلاء على الفرس، جعلوا يدلُّون من فوق أسوار القلعة سلاسل من حديد علقت بها كلاليب حميت بالنار، حتى غدت أشد توهجاً من الجمر، فكانت تعلَق في أجساد المسلمين فتحرق أجسادهم وتقتلهم، فعلَق واحد منها بأنس بن مالك، أخي البراء بن مالك، فوثب البراء على جدار الحصن، وأمسك بالسلسلة التي تحمل أخاه، وجعل يعالج الكُلاَّب ليخرجه من جسده، فأخذت يده تحترق وتدخن فلم يأبه لها، حتى أنقذ أخاه، وهبط إلى الأرض بعد أن صارت يده عظاماً ليس عليها لحم.
وفي هذه المعركة دعا البراء بن مالك الأنصاري الله أن يرزقه الشهادة، فأجاب الله دعاه؛ حيث خَرَّ شهيداً مغتبطاً بلقاء الله.
نضّر الله وجهه في الجنة، وأقر عينه بصحبة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018