الخطبة : 0787 - البراء - البحر المسجور - قاع المحيطات - البراكين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0787 - البراء - البحر المسجور - قاع المحيطات - البراكين.


2001-05-04

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسوله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تقسيم الله عز وجل البشر إلى صنفين لا ثالث لهما :

 أيها الأخوة الكرام، قبل ثلاثة أسابيع على ما أذكر ألقيت خطبة عن الولاء، ووعدت أن أتبعها بخطبة عن البراء، والولاء والبراء جزء كبير من الدين، بل هو من أخصّ خصائص الدين، لكن جاءت مناسبات وجاءت خطبة إذاعية أرجأت الحديث عنها إلى وقت آخر، لكن أحد الأخوة الكرام طالبني أن أتابع الموضوع، كنت قد بدأت بالولاء، والآن أتحدث عن البراء.
 أيها الأخوة الكرام، أذكركم بمقدمة الخطبة الأولى، أن الله عز وجل قَسَّم البشر إلى صنفين لا ثالث لهما، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 5-6]

 هؤلاء المؤمنون خُلِقوا للجنة، البشر جميعاً خُلِقوا للجنة لكنهم أدركوا هذه الحقيقة، أدركوا أنهم خُلِقوا للجنة فاتقوا أن يعصوا ربهم، وبنوا حياتهم على العطاء، وتكريمهم في الدنيا قال تعالى:

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

[ سورة الليل: 10]

 وتكريمهم في الآخرة أن يدخلوا جنة عرضها السموات والأرض، أما الطرف الآخر فسمهم ما شئت: ملحدين، مشركين، كفارًا، شاردين، قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل:8-9]

 أي كذب أنه مخلوق للجنة، لم يؤمن بالآخرة إطلاقاً، ولم يدخلها في حساباته اليومية، بل إن أحد العلماء المحترمين الأجلاء قال: إنني أنظر إلى المسلمين، ولسان حالهم يقول:

﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

[ سورة الأنعام: 29]

 لو دققت في حياة المسلمين لا تجد أنهم أدخلوا الآخرة في حساباتهم إطلاقاً، فلسان حالهم شيء وهو الأبلغ، ولسان مقالهم شيء لا قيمة له، هؤلاء الذين كذبوا بالحسنى، ورأوا أن الدنيا كل شيء، هي منتهى آمالهم، ومحط رحالهم، كذبوا بالحسنى، واستغنوا عن طاعة الله، وبنوا حياتهم على الأخذ، خصائص ثلاث: خصيصة عقائدية كذبوا بالحسنى، وخصيصة تعاملية استغنوا عن طاعة الله، وخصيصة شهوانية بنوا مجدهم على أنقاض الآخرين، هؤلاء الطرف الآخر، لنُسمِّهم إن شئتم الطرف الآخر، الطرف المؤمن والطرف الآخر، الذي كذب بالحسنى واستغنى عن طاعة المولى، وأخذ ولم يعطِ، هؤلاء توعدهم الله في الدنيا بأن ييسرهم للعسرى، كل الطرق أمامهم مسدودة، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124]

 أيها الأخوة الكرام، الناس على اختلاف تقسيماتهم، وألوانهم، وأعراقهم، وأجناسهم، وأديانهم، وطوائفهم، ومذاهبهم، وانتماءاتهم، وخلفياتهم، وأرضياتهم، وفوقياتهم، وتحتياتهم صنفان لا ثالث لهم، صنف عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، وصنف غفل عن الله وتفلت من منهجه وأساء إلى خلقه.

البراء :

 ما علاقة المؤمن بالطرف الآخر؟ هذا موضوع الخطبة، الخطبة الأولى ما علاقته مع المؤمنين؟ الولاء. الآن ما علاقته مع الطرف الآخر؟ البراء.
 الأصل في هذا الموضوع أن حاطب بن أبي بلتعة أرسل إلى قريش يسألهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم خارج لغزوهم، وذلك في غزوة الفتح كما روى البخاري بإسناده عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:

((بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ قَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَانْطَلَقْنَا، تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ؟ فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا حَاطِبُ مَا هَذَا ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلا ارْتِدَادًا وَلا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ صَدَقَكُمْ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ))

[ متفق عليه عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ]

 عندئذ نزل قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾

[ سورة الممتحنة: 1]

 يا أيها الذين آمنوا، يا من آمنتم بي، يا من آمنتم بوجودي و وحدانيتي و كمالي، يا من آمنتم بحكمتي، ومحبتي لكم، لا تتخذوا عدوي، وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة.

التلازم بين عداوتك لجهة و أن تكون هذه الجهة عدوة لله :

 أيها الأخوة الكرام، و مع أن هذه الآية نزلت في هذه الحادثة لكن القاعدة الأصولية أن عموم القصد أبلغ من خصوص السبب، هذا توجيه إلهي لكل المؤمنين في شتى أصقاعهم وأمصارهم إلى يوم القيامة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾

[ سورة الممتحنة: 1]

 فهذا الذي فسدت عقيدته، و تحلل من منهج الله، و أساء إلى خلقه، هذا عدو الله، و هناك إشارة لطيفة إلى أن العدو الذي ينبغي أن تتخذه عدواً ينبغي أن يكون عدواً لله أيضاً، و إلا أنت منحرف انحرافاً خطيراً، أيعقل أن يكون عدوك مؤمناً بالله!! إذاً أنت لست مؤمناً، ينبغي أن يكون عدوك هو عدو لله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾

[ سورة الممتحنة: 1]

 و في آية أخرى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 60]

 دققوا في هذه النقطة، يجب أن يكون هناك تلازم بين عداوتك لجهة، وأن تكون هذه الجهة هي نفسها عدوة لله عز وجل.

 

تعليل الله عز وجل أوامره رحمة بالمؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام، لعل الله عز وجل بيّن في آية لاحقة هذا التعليل، و الله عز وجل نحن عباده يأمرنا، وينهانا فقط، لكن رحمة بنا، و لطفاً بنا يعلل أوامره، قد تجد إنساناً عادياً، قوياً يعطي أمراً و لا يعلل، و لا يجيبك عن الحكمة إطلاقاً، لكن الله سبحانه و تعالى رحمة بنا قال:

﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾

[ سورة الممتحنة:2]

 أي إن يظفروا بكم، أي هم حينما يظفروا بكم لن يرحموكم، إنهم يؤذونكم بألسنتهم، أي بإعلامهم أو بجيوشهم:

﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾

[ سورة الممتحنة:2]

 أيها الأخوة الكرام، أي أن هذا الإنسان الشارد الذي فسدت عقيدته، و ساء عمله، و أراد الدنيا، و بنى مجده على أنقاض الآخرين، هذا يهادنك مادمت قوياً، أما إذا ضعفت، أما إذا ظفر بك، فلن يرحمك، سيبسط إليك لسانه أولاً و يده ثانياً، و كنت ذكرت لكم من قبل أن المسلمين يواجهون أربعة تحديات: تحدي الإفقار، و تحدي الإضلال، و تحدي الإفساد، و تحدي الاجتياح، و ما لم يكن المسلمون متعاونين، متكاتفين، متناصرين، معتصمين بالله عز وجل، بكتابه، و معتصمين بسنة نبيه فلن يستطيعوا أن يقفوا في وجه أعدائهم، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾

[ سورة إبراهيم: 46]

 أيها الأخوة الكرام، ثم يبين الله عز وجل في الآيات نفسها:

﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾

[ سورة الممتحنة: 4]

 و بدا بيننا و بينكم العداوة و البغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده، و إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء، و نحن نتبع ملة إبراهيم حنيفاً كما جاء في القرآن الكريم.

من اتخذ الكافرين أولياء خرج عن حماية الله و ولايته :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾

[ سورة الممتحنة: 13]

 الذين يبين عظم هذا العمل آيتان في القرآن:

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾

[ سورة المائدة: 51]

 أرأيت إلى هذا الردع الشديد:

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾

[ سورة المائدة: 51]

 و هناك آية ثانية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

[ سورة التوبة: 23]

 أرأيت إلى هذه الآية الثانية، لو أنه كان أباك، أو كان أخاك ينبغي ألا تتخذه ولياً، ينبغي ألا تستنصحه، ينبغي ألا تستنصره، ينبغي ألا تسأله عن قضية في شأن دينك و دنياك، إنه شارد غافل، جاهل كافر.
 أيها الأخوة الكرام، لكن الآية التي يرتعد لها قلب الإنسان:

﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾

[ سورة آل عمران: 28]

 أي لقد انحلت عقدته مع الله، و أصبح خارجاً كلياً عن حماية الله و ولايته، ثم قال تعالى:

﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[سورة المجادلة: الآية 22]

 طبعاً تستثنى علاقات العمل، أنت تعمل في دائرة، في مدرسة، في مستشفى، في مكان، هناك علاقات عمل مسموح بها، مرضي عنها، أما إذا تجاوزتها إلى علاقات حميمة، إلى سهرات طويلة، إلى لقاءات مستمرة، إلى بذل، و إلى حب، و إلى ولاء، و إلى استنصاح، و إلى اندماج، فهذه العلاقات كلها محرمة على المؤمنين لأن المؤمن إذا فعلها فليس من الله في شيء.

 

كيفية تحقيق البراءة من الطرف الآخر :

1 ـ أخذ الإسلام بكامله من دون حذف أو انتقاء أو حرج :

 أيها الأخوة الكرام، كيف تتحقق البراءة من الطرف الآخر ؟
 الشيء الأول: إسلامك لا يقتطع منه شيء، يجب أن تأخذه بكامله، بكامل القرآن، بكل آياته، بكل تقييماته، و سنة النبي عليه الصلاة و السلام الصحيحة بكاملها، بكل تقييماتها، لا تأخذ منه ما يعجبك، و تتغافل عما لا يعجبك، لا تأخذ منه ما كان مريحاً لك، و تدع ما ليس مريحاً لك، ينبغي أن تأخذ هذا الدين كلية، لذلك ربنا عز وجل رب هذه الأمة بعظيمها محمد صلى الله عليه وسلم، و لعل هذه الآية من أخطر الآيات، و لعل هذه الآية فيها بيان إلى نشاط الطرف الآخر من بدء الخليقة إلى يوم القيامة، قال تعالى:

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾

[ سورة الإسراء: 73]

 مهمة الطرف الآخر الأولى أن يفتنوك عن الذي أوحينا إليك ليأتوا بنظم وضعية، بنظم اقتصادية، بنظم اجتماعية، بنظم أخلاقية، بقيم مستوردة، بنمط حياة جديد، بسلوك آخر، بقيم أخرى:

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾

[ سورة الإسراء: 73]

 مودتهم لا تكون إلا إذا تنازلت عن بعض دينك، عن جزء من دينك، و هذا الدين دين الله عز وجل، لا تقطف ثماره إلا إذا قبلته بكامله، و أخذت به بكامله، أما إذا اقتطعت منه ما لا ترتاح له، و ما يتناقض مع مصالحك فهذا من أخطر الاتجاهات في الدين، هؤلاء الانتقائيون يأخذون من الدين ما لا كلفة فيه، أما الشيء المحرج له، الشيء الذي يتضارب مع مصالحه، الشيء الذي يتعبه، فيهمله أو ينكره، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

[ سورة الإسراء: 76]

 أي بنية أن يؤمنوا، أن يسلموا، و هذه خطة ثابتة، يمدحك، يمدح دينك، يمدح اتجاهك، لكن هذه غير معقولة، هذه فيها توحش - قطع اليد- هذه غير مقبولة الآن، هذا الدين جاء لمرحلة قبل هذه المرحلة، يثني على أشياء في الدين ثم ينتقد بعض ما جاء في القرآن الكريم، و بعض ما جاء في سنة سيد المرسلين، لذلك:

﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ﴾

[ سورة الإسراء:74-75]

 البطولة: الثبات، قال تعالى:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾

[ سورة الأحزاب: 23]

 لا يمكن أن نقطف ثمار هذا الدين في آخر الزمان إلا إذا طبقناه بكل تفصيلاته دون أن نبدل و دون أن نغير، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾

[ سورة هود : 112-113]

﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾

[ سورة المائدة: 49]

 هذا كله في القرآن الكريم، فماذا بعد الله و آياته؟ ماذا بعد الله و قرآنه؟ ماذا بعد الله و تنزيله؟ ماذا بعد الله و منهجه؟
 أيها الأخوة الكرام، يجب أن تأخذ إسلامك بكامله من دون حذف، من دون انتقاء، من دون حرج، أن هذه الآية تحرج، هذا الحكم غير معقول، هذا التقييم لهؤلاء غير مقبول، أتناساه، أتغافل عنه، أو أقول كلاماً بخلافه.

 

2 ـ وجوب إعلان البراءة :

 الشيء الثاني في البراء: وجوب إعلان البراءة:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون : 1-2]

 أنت حينما تمتنع عن شرب الخمر لا تقل: معي قرحة، قل: أنا مسلم، و هذا محرم في ديني، أنا لا أصافح لأن هذا محرم في ديني، أنا لا أخون لأن الله عز وجل أمرني أن أكون مخلصاً، لا تعزو استقامتك و تألقك إلى عادات أو تقاليد أو إلى تربية بيتية، هذا تضليل للناس، اعزُ تألقك وكمالك إلى دينك، لولا أنني مسلم ما فعلت هذا، من أجل أن تُعلّم الناس، من أجل أن ترغب الناس بالدين، أما كلمات ضبابية ضميره حي، ما هو الضمير الحي؟ تربية بيتية عالية، جبلته طاهرة، هذا كلام فارغ، لأنني عرفت الله و استقمت على أمره هكذا أفعل:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 أيها الأخوة الكرام، سيدنا إبراهيم له باع طويل في وجوب إعلان البراءة من هؤلاء، كان فتى صغيراً:

﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾

[ سورة الشعراء: 75-78]

 هذه المجاملات ضيعت المسلمين، ضيعت الشباب، تجامل إنساناً شارب خمر، تجامل إنساناً لا يصلي، تجامل إنساناً يكيد للمسلمين، ماذا يفعل الصغير؟ يرى أباه و هو مقدس عنده يجامل إنساناً يكيد للمسلمين:

﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾

[ سورة الشعراء: 75-78]

3 ـ تحريم إعانة الكافر على المسلم :

 من لوازم البراء أيها الأخوة تحريم إعانة الكافر على المسلم، لأنه من شتم مسلماً فقد فسد، و من اقتطع جزءاً من ماله استحق النار، و من قتله استحق الخلود في النار، فإذا أعنت إنساناً من الطرف الآخر على مسلم فأنت قد خرجت من دين الله، فمن وجوب البراءة من الطرف الآخر ألا تعين كافراً على مسلم، و الآية كما قلت لكم قبل قليل:

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

[ سورة المائدة: 51]

 ثم ينبغي ألا تتخذ الطرف الآخر مقرباً إليك، يطلع على عوراتك، يطلع على خصوصياتك، على دقائق عملك، هذا ينبغي ألا تأمن له لأنه لا عهد له، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

(( مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا قَالَ: لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ ))

[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 يعطيك من طرف اللسان حلاوة، و يروغ منك كما يروغ الثعلب:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾

[ سورة النساء: 71]

 كم من طامة كبرى وقعت بالمسلمين بسبب حسن ظن ساذج بالطرف الآخر ووعود كاذبة؟ يكذبون علينا من فجر النهضة، ولم يحققوا شيئاً، أخذوا منا كل شيء و لم يعطوا شيئاً، وأنتم ترون هل هناك أمل في سلم مع اليهود!! هذه المفاوضات إلى متى؟ يزدادون إجراماً وعدواناً و قسوة.
 أيها الأخوة الكرام :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾

[ سورة آل عمران: 118]

 أي لا يدخرون وسعاً في إفسادكم:

﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 118]

4 ـ اللين في عرض الدعوة :

 أيها الأخوة الكرام، شيء آخر لابد منه، البطولة في التوازن، هناك من يفهم البراء فهماً غير صحيح فيعادي بلا مبرر، و هناك من يفهمه فهماً آخر غير صحيح فيوالي ما ينبغي أن يعادي، لذلك هناك استثناءات لا تنضوي تحت البراءة من الطرف الآخر، من هذه الاستثناءات: اللين في عرض الدعوة:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[ سورة آل عمران: 159]

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾

[ سورة النحل: 125]

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾

[ سورة فصلت: 34]

 أنت مكلف أن تستميل قلب هذا الطرف الآخر، و الحقيقة أيها الأخوة بطولتك الكبرى أن تنقل إنساناً من الطرف الآخر إلى طرفك، هذا لا يأتي إلا باللين و اللطف و التودد و المحبة، أي لابد من مودة معه من أجل أن تستميله، و في نيتك أن تنقذه مما هو فيه، في نيتك أن تنقذه من التيه الذي هو فيه، في نيتك أن تنقذه من الانحراف الذي هو فيه، و المؤمن يرحم كل الخلق، لذلك حينما تلتقي بإنسان من الطرف الآخر ينبغي أن تلين له القول، أن تكون معه متواضعاً، أن تكون معه لطيفاً كي ينفتح قلبه لك، كي تستميله، هذا لا يتناقض مع البراء من الكفار، الآية واضحة جداً:

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾

[ سورة فصلت: 34]

 و:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾

[ سورة النحل: 125]

 و الأبلغ من ذلك:

﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

[ سورة العنكبوت: 46]

 إذاً هناك ألف عبارة حسنة ينبغي أن تختار أحسنها، هذا أمر إلهي، هناك آيات تعلمنا أدب الحوار، قال:

﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[ سورة سبأ: 24]

 أي لم يضع نفسه موضعاً أعلى:

﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[ سورة سبأ: 24]

﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

[ سورة سبأ: 25]

 ما هذا التوجيه؟ أخلاق الدعوة هكذا، أخلاق الأدب و اللطف و المودة بنية الدعوة، بنية أن تنقذه مما هو فيه، بنية أن تأخذه إلى طرفك، بنية أن يهتدي إلى الله، بنية أن يصطلح معه، أن تكون لطيفاً مع الطرف الآخر هذا لا يتناقض مع البراء، ينبغي أن تكون كذلك.

 

الفرق بين أخلاق الدعوة وأخلاق الحرب :

 قد يقول أحدكم ماذا نفعل بقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 73]

 هذه أخلاق الحرب، العلماء الأجلاء فرقوا بين أخلاق الدعوة وأخلاق الحرب، في الحرب لا ينبغي أن تكون ليناً، و لا متسامحاً، و لا ينبغي أن تكون متساهلاً، لأنك إن كنت كذلك فلن تربح المعركة:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 73]

 أما في السلم إن التقيت بأناس من الطرف الآخر ينبغي أن تكون ليناً معهم، لطيفاً معهم، متواضعاً معهم، كي تأسرهم، فإما أن تملك رقابهم بقوتك، و إما أن تملك قلوبهم بكمالك، و أنت في موطن الدعوة تريد أن تملك قلوبهم.
 أيها الأخوة الكرام، هذا الذي قال:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

[ سورة النازعات: 24]

 فرعون الطاغية، ماذا قال الله بحقه؟

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾

[ سورة طه: 44]

 هذا الذي قال:

﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

[ سورة القصص: 38]

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾

[ سورة طه: 44]

 أيها الأخوة الكرام، هناك آية أخرى:

﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾

[ سورة المزمل: 10]

 لم يقل اغلظ عليهم، قال:

﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾

[ سورة المزمل: 10]

 أيها الأخوة الكرام، لكن بعد أن تنتهي المعركة، قال عليه الصلاة و السلام: "أكرموا الأسرى"، و قد ورد عن الصحابة الكرام أنهم كانوا يؤثرونهم على أنفسهم بالطعام و الشراب و اللباس، و أنهم كانوا يداوون جرحاهم، و يكرمونهم، الدعوة الإسلامية دعوة قيم، دعوة مبادئ، الغلظة و الفظاظة في الحرب فقط، أما في السلم فلابد من اللين، مقام الدعوة مقام اللين، و الملاطفة، و تخير الألفاظ، و إحسان القول رغبة أن تأخذ بيد هذا الشارد عن الدين، و أن تستميل قلبه، و الجاهل وحده هو الذي يكون فظاً وغليظاً مع الطرف الآخر في وقت السلم.

 

5 ـ المجاملة و الإحسان و الدعاء له بالهداية :

 أيها الأخوة الكرام، و من لوازم البراء من الطرف الآخر: المجاملة و الإحسان و الدعاء له بالهداية، ماذا يقول الله عز وجل:

﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة: 7]

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

[ سورة الممتحنة: 8]

 لذلك اختار العلماء من السلوك الذي ينبغي أن يكون مع الطرف الآخر عيادة مرضاهم، واتباع جنائزهم، وقبول هداياهم، والإهداء إليهم، وتهنئتهم في الأفراح، وتعزيتهم في الأحزان، و مساعدة فقرائهم، والمحتاجين منهم، وزيارتهم في منازلهم، وقبول دعوتهم، والدعاء لهم بالهداية، وهذا مما أجمع عليه المسلمون ممن يعتد برأيه، أما الذي لا يعتد برأيه فلا نأخذ عنه شيئاً، إليكم الدلائل والأدلة، سيدنا أبو هريرة سأل النبي سؤالاً فقال: اللهم اهدِ أم أبي هريرة، و كانت مشركة. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

((قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا ؟ فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، قَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 هذا المؤمن في قلبه رحمة لكل الخلق:

((اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ))

 عَنْ جَابِرٍ قَالَ:

((قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا))

[الترمذي عَنْ جَابِرٍ]

 هذا الذي سنه النبي.
 أعيد عليكم: لك أن تعود مرضاهم، وأن تتبع جنائزهم، و أن تقبل هداياهم، وأن تُهدي إليهم، وأن تهنئهم بأفراحهم - بمولود مثلاً- و أن تعزيهم في أحزانهم، و أن تساعد فقراءهم ومحتاجيهم، وأن تزورهم في منازلهم، و أن تقبل دعوتهم، و أن تدعو لهم بالهداية، هذا معنى:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

[ سورة الممتحنة : 8]

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت: 34]

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[ سورة المائدة: 8]

 النبي عليه الصلاة و السلام كما جاء في صحيح البخاري أهدى إلى عمر بن الخطاب حلة من حرير، فقال: يا رسول الله تكرهها و ترسلها إليّ؟ فقال: إني لم أرسلها لك لتلبسها أنت، و لكن ألبسها بعض نسائك. و الحرير ليس محرماً على النساء، ماذا فعل عمر؟ قال: أهداها إلى أخ مشرك له في مكة تأليفاً لقلبه.

 

الموقف المتوازن في البراء :

 أيها الأخوة، كان صلى الله عليه و سلم يأمر ألا يتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية:

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة: 272]

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾

[ سورة الإنسان: 8]

 الأسير غير مسلم، هذا هو الفقه في الدين، أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه ذكرت للنبي أن أمها أتت و هي راغبة عن دين الإسلام، تكره الدين، أفأتصدق عنها؟ فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلها و هذا معنى قوله تعالى:

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾

[ سورة لقمان: 15]

 أيها الأخوة الكرام، هذا هو الموقف المتوازن في البراء، فيما لا يتعلق بالعقيدة و الدين لك أن تصلهم، وأن تقبل دعوتهم، وأن تزورهم، وأن تحسن إليهم، وأن تعطي فقراءهم، وأن تقبل هديتهم، هذا من باب المودة بنية الدعوة إلى الله، وهذه أخلاق السلم، وفي الحرب:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

[سورة التحريم: 9]

 لكن الزكاة لا تعطى إلا للمؤمنين، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم، و قد ذكر الإمام الشافعي أنه من دفع زكاته لإنسان لا يصلي إنكاراً لفرضية الصلاة لا تسقط عنه الزكاة، لإنسان لا يصلي إنكاراً لفرضيتها لا تهاوناً بأدائها هذا المال الذي دفعه لا يعد من الزكاة.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا و سيتخطى غيرنا غلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها، و تمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تفسير قوله تعالى : وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ :

 أيها الأخوة الكرام، من أكثر الآيات المبهرة في البحار و المحيطات هو وصف القرآن الكريم في مطلع سورة الطور للبحر بالمسجور:

﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ﴾

[ سورة الطور: 6]

 و يقسم الله تبارك و تعالى بهذا البحر المسجور، و هو تعالى غني عن القسم لعباده، و المسجور في اللغة هو الذي أوقد عليه حتى أصبح حاراً، الماء تتناقض مع النار، وجود أحدهما ينقض وجود الآخر، تطفأ النار بالماء، فكيف يكون البحر مسجوراً ؟ بعضهم قال: تتألف ذرة الماء من الأوكسجين و الهيدروجين، و الأوكسجين غاز مشتعل، و الهيدروجين غاز يعين على الاشتعال، فلو أن الله فك هذه العلاقة الباردة بينهما لأصبح البحر كتلة من اللهب هذا معنى، لكن عالماً معاصراً قال: ثبت أنه في قاع المحيطات براكين تقذف باللهب، أي آية من آيات الله في خلقه حيث أنه لولا هذه النار ما استطاعت الكائنات الحية في قاع المحيط أن تعيش في هذه الظلمة الحالكة؟ العلماء في أواخر الستينات من القرن العشرين، أي بعد أكثر من ألف و أربعمئة عام من نزول هذا القرآن يؤكدون أن جميع المحيطات، و العديد من البحار قيعانها مسجرة بالنيران، و هي الحقيقة التي ذكرها القرآن بالبحر المسجور قبل ألف و أربعمئة عام.
 أيها الأخوة الكرام، غير أنه إذا عدل العلاقة الترابطية بين ذرتي الأوكسجين و الهيدروجين يغدو البحر ناراً، في قاع المحيطات هناك نيران تهيئ جواً معتدلاً للأسماك كي تعيش فيه، و هذا معنى قوله تعالى:

﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ﴾

[ سورة الطور: 6]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا و بين معصيتك، و من طاعتك ما تبلغنا به جنتك، و من اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، و متعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا و قوتنا ما أحييتنا، و اجعله الوارث منا، و اجعل ثأرنا على من ظلمنا، و انصرنا على من عادانا، و لا تجعل الدنيا أكبر همنا، و لا مبلغ علمنا، و لا تسلط علينا من لا يخافك و لا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم صن وجوهنا باليسار و لا تبذلها بالإقتار فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، و أنت من فوقهم ولي العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، و ما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، و من الخوف إلا منك، و من الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، و من شماتة الأعداء، و من السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعل كلمة الحق و الدين، و انصر الإسلام و أعز المسلمين، و خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنك على ما تشاء قدير و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018