الترغيب والترهيب - الدرس : 092 - كتاب البيوع وغيرها - الترهيب من الغش والترغيب في النصيحة في البيع وغيره -2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 092 - كتاب البيوع وغيرها - الترهيب من الغش والترغيب في النصيحة في البيع وغيره -2


1997-10-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أكبر نشاط في الحياة نشاط البيع والشراء فالإنسان حينما يغش يرتكب كبيرة:

 أيها الأخوة الكرام، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:

(( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 والإنسان المؤمن يتبع في السنة كل حديث يتوعد فيه النبي صلى الله عليه وسلم مرتكب ما نهى عنه، بأنه ليس منا، بأن هذا من الكبائر، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما ينفي عن إنسان انتماءه لهذا الدين معنى ذلك أنه ارتكب كبيرة، أكبر نشاط في الحياة نشاط البيع والشراء، ما من إنسان مهما كان، مهما تكن مهمته، مهما يكن حجمه، إلا يبيع ويشتري، فالإنسان حينما يغش ليس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الرواية:

 

(( ومَن غشَّنا فليس منا ))

 أما الرواية الأشد:

 

 

(( من غش فليس منا ))

 مطلق الغش، لو غششت مجوسياً فلست منا، لو غششت ملحداً فلست منا، فالنبي عليه الصلاة والسلام يبني المؤمن بناءً صحيحاً , يبني المؤمن بناءً دقيقاً , المؤمن لا يغش، المؤمن لا يكذب , المؤمن لا يخون , المؤمن لا يفعل شيئاً يغضب الله عز وجل.
 لو أن الباعة طبقوا هذا الحديث لكنا في حال غير هذا الحال، السبب الذي جعل المسلمين يتأخرون أنهم ضغطوا الدين فجعلوه عبادات شعائرية , ونسوا أن الدين معاملات، ففصلوا بين المسجد وبين السوق، الدين كلٌّ لا يتجزأ، دينك في بيت الله تؤدي الصلوات، ودينك في دكانك تنصح المسلمين.

 

 

(( فمن غش فليس منا )) (( ومَن غشَّنا فليس منا ))

 

أحاديث عدة تنفي عن الإنسان انتماءه للمسلمين حينما يفعل بعض هذه الذنوب:

 العلماء حينما صنفوا الكبائر على أي شيء اعتمدوا ؟ اعتمدوا على وعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 المرأة إذا خرجت متعطرة لعنتها الملائكة حتى ترجع، معنى ذلك أن هذا الذنب من الكبائر، فهي في غضب الله.

(( من وجد سعة فلم يضحِ فلا يقربن مصلانا ))

[ أحمد و ابن ماجه عن أبي هريرة]

 معنى ذلك أن ترك الأضحية للموسر شيء كبير، إذاً جعلت واجباً.
 فهناك مصطلحات، أحد أخطر هذه المصطلحات أن يقول عليه الصلاة والسلام: من فعل كذا فليس منا.
 بالجامع الصغير بضعة أحاديث تصل إلى العشرة تقريباً مبدوءة بكلمة ليس منا، مثلاً ليس منا من خبب امرأة على زوجها، أي إذا كرّه الإنسان زوجة بزوجها.
 أحياناً الأم تفعل هذا، تصغر الزوج أمام زوجته، ماذا قدم لك في العيد ؟ ما الهدية التي قدمها إليك ؟ تصغر من شأنه، كل إنسان يفسد علاقة زوجين مهما تكن نيته ليس منا.

 

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امرأة على زوجها أو عبدا عَلَى سَيِّدِه ))

 

[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]

 ليس منا من خبب عبداًٍ على مولاه.
 موظف في محل، تريد أن تفسده على صاحب العمل لتأخذه إليك , هذا ليس منا إطلاقا , ليس منا من غش.

 

(( لَيسَ مِنَّا مَنْ دَعا إِلى عَصبيَّة ))

 

[ أبو داود عن جبير بن مطعم ]

 قال لك: نحن بيت فلان , نحن العشيرة الفلانية , دعا إلى تجمع غير ديني، دعا إلى عصبية.

 

(( ليس منا من قاتل على عصبيَّة ))

 

[ أبو داود عن جبير بن مطعم ]

 ليس منا من قُتل على عصبية , ليس منا من دعا بدعوى الجاهلية , ليس منا من انتهبَ , وليس منا من أشار بالنهب.

 

(( ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه))

 

[ أبو يعلى عن أنس ]

 أكثر من عشرة أحاديث تنفي عن الإنسان انتماءه للمسلمين حينما يفعل بعض هذه الذنوب.

 

من أخفى عيب البضاعة عن الشاري فقد وقع في إثم الغش:

 

 هنا الحديث:

(( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 وعنه صلى الله عليه وسلم أنه:

 

(( مرّ على صبرة من طعام فأدخل يده فيه فنالت أصابعه بللا فيه رطوبة عالية فقال ما هذا يا صاحب الطعام فقال أصابته السماء يا رسول الله قال أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ثم قال من غشنا فليس مني ))

 

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

 معنى ذلك كل إنسان يبيع ويشتري , لمجرد أن يخفي العيب وقع في هذا الحديث، لمجرد أن يخفي العيب عن الشاري فقد وقع في إثم الغش.

 

(( من غشنا فليس مني ))

 

(( من غش فليس منا ))

 وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( مَنْ بَاعَ عَيْباً لَمْ يُبَيِّنْهُ لَمْ يَزَلْ فِي مَقْتِ اللَّهِ وَلَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ ))

 

[ رواه ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع ]

 معنى هذا أن الدين شيء كبير , الدين منهج قويم , الدين يدور معك أينما ذهبت , الدين ليس في المسجد , الدين في التعامل اليومي، أظهر مظهر له في حرفتك , هناك مظهر صارخ للدين , هناك مظهر حقيقي، المظهر الصارخ تصلي في المسجد , أما مظهره الحقيقي وأنت في دكانك , وأنت في التعامل اليومي , ودائماً الإنسان الله عز وجل يمتحنه بإنسان جاهل الباعة من أين يؤخذون ؟ يأتي زبون جاهل يمكن أن تبيعه أسوأ بضاعة بأعلى سعر، ما الذي يمنعك من ذلك ؟ خوفك من الله عز وجل , لذلك تنصحه , تقدم له أفضل البضاعة بأحسن سعر، هذا المؤمن , أما حينما يستغل جهل الشاري، ويرفع السعر، ويعطيه أسوأ بضاعة، هذا دخل في الغش.

 

أساليب الغش لا تعد ولا تحصى فالعاقل من ابتعد عنها:

 

 ورد عن السيدة عائشة ـ ولهذا الحديث وجهات نظر مختلفة ـ أن إنساناً وقع في معصية كبيرة في البيع والشراء، السيدة عائشة قالت: قولوا له إنه أبطل جهاده مع رسول الله.
 يستنبط من هذا كلام كبير , أن أي إنسان له عمل صالح , له عبادته , له إنفاقه , له صومه، لو أنه ارتكب الكبائر في التعامل اليومي كأنه أبطل هذا العبادات , هذه له لكنه أبطل مفعولها، العبادة وسيلة تقرب العبد إلى الله عز وجل , لكن الإنسان عندما يرتكب كبيرة صار هناك حجاب بينه وبين الله , مفعول هذه الصلاة انتهى، أبطل مفعولها , الصلاة وسيلة تقرب العبد من الله عز وجل، صلى وغش الناس ؟! الغش صار حجاباً , كأنه عطل مفعول الصلاة.

(( مَنْ بَاعَ عَيْباً ))

 من بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام ما قال: من باع شيئاً فيه عيب، صار العيب هو الأول , هذه البضاعة فيها عيب، معناها هل البضاعة هي عيب ؟ ما قال: من باع بضاعة فيها عيب , قال:

 

(( مَنْ بَاعَ عَيْباً لَمْ يَزَلْ فِي مَقْتِ اللَّهِ وَلَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ ))

 


[ رواه ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع ]

 بعيد عن الله عز وجل، فالآن نحن مهمتنا أن ننظر ما الذي يغضب الله علينا ؟ ما الذي يجعلنا في مقت الله وسخطه ؟ أن نغش بعضنا بعضاً , وهذا والله موجود بشكل واسع جداً , حتى بين الذين يصلون , حتى بين الذين يحسبون على الدين , حتى بين الذين يرتادون المساجد، تجد أن أساس بيعه مبني على الغش , وأساليب الغش لا تعد ولا تحصى , وليس لها نهاية في كل شيء.

 

الصدق يرفع المؤمن عند ربه إلى مكان رفيع:

 

 حتى العلماء وصلوا إلى مستوى أن الإنسان إذا عرض البضاعة عرضاً مغرياً أحياناً هناك إضاءة معينة، ترتيبات معينة , هذا يغري الشاري، ويرفعها عن المستوى الحقيقي لها , هذا نوع من الغش لأنك تعطيها ميزات هي دون ذلك , لأنك تعطيها مواصفات ليست صحيحة , فهذه ليس شطارة في البيع والشراء , هذه حماقة الشطارة، و أن تقول للشاري عن البضاعة كل شيء هذا هو الدين.

(( أدخل يده فيه فنالت أصابعه بللا في رطوبة ـفقال ما هذا يا صاحب الطعام فقال أصابته السماء يا رسول الله قال أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ثم قال من غشنا فليس مني ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

 الذي يرفع المؤمن إلى مقام رفيع هو صدقه , فنحن ندخل ديننا في كل شيء، ديننا في بيوتنا , وفي تجارتنا , وفي بيعنا وشرائنا , قد يقول أحدكم: أنا بإمكاني أن أبيع بضاعة سيئة، نقول له: نعم بشرط أن تبين , كل إنسان له مستوى مالي معين , له قدرة على الشراء معينة , فأنت قد تبيع بضاعة سيئة شرط أن تقول: هذه البضاعة سيئة، فيها العيوب التالية , فعندما تبين انعدم الغش إطلاقاً.
 لو توهم إنسان أنه يجب أن نبيع بضاعة درجة أولى , لا , البضائع تتفاوت، وكل بضاعة لها مستوى، أنت بمجرد أن تعلن عن العيب أو عن النقص، البيع صار شرعياً, أما صار له سعر خاص هذه هي المشكلة، فأنت عندما تأخذ منه سعر درجة أولى وتبيعه درجة خامسة , معنى هذا نوع من أنواع السرقة، لكنها سرقة مبطنة، دفعته ثمن لبضاعة جيدة و أعطيته بضاعة سيئة , هذا نوع من أنواع الغش.

 

(( من غشنا فليس مني ))

 

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018