الترغيب والترهيب - الدرس : 098 - كتاب البيوع وغيرها - الترهيب من اليمين الكاذبة الغموس - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 098 - كتاب البيوع وغيرها - الترهيب من اليمين الكاذبة الغموس


1997-11-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

اليمين الكاذبة الغموس:

 في كتاب الترغيب والترهيب باب حول الترهيب من اليمين الكاذبة الغموس، وسميت غموساً لأنها تغمس الحالف في الإثم في الدنيا و في النار يوم القيامة.
 كلكم يعلم أن اليمين ثلاثة أنواع، يمين لغو، ويمين منعقدة، ويمين غموس، اليمين الغموس حينما تقرض إنساناً مبلغاً من المال، ولا تأخذ إيصالاً، ولا سنداً، ولا وثيقة، ثم تطالبه بهذا فينكر، ليس أمامك إلا أن يحلف اليمين، فإذا حلف اليمين أخذ هذا المال ظلماً:

(( مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ))

[ متفق عليه عَنْ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

  وفي المحاكم تسمى هذه اليمين باليمين الحاسمة لأنه لا يوجد وثائق، ولا بينات، ولا مستمسكات، ولا إيصال، ولا سند، لا يوجد إلا أن يحلف، فإذا حلف نجا من عقاب الدنيا لكنه عرض نفسه لأشد أنواع العقاب من الله عز وجل، وهناك من يروي قصصاً كثيرة جداً أنه من يحلف هذا اليمين ربما يصاب بالشلل فوراً، وهناك عشرات القصص وهو في المحكمة وقع مشلولاً لأنه يجترئ على الله.

من وقع في سخط الله و غضبه لاقى أشد أنواع العذاب والتنكيل:

 اليمين الغموس لها وضع خاص، بعضهم قال: تغمس صاحبها في النار، بعضهم قال: لا كفارة لها، بعضهم قال: ينبغي أن تبدأ التوبة من جديد.

(( سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحج بين الجمرتين و هو يقول من اقتطع مال أخيه المسلم بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار ليبلغ شاهدكم غائبكم مرتين أو ثلاثاً ))

[حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه بهذه السياقة عن الحارث بن البر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

  أي الإنسان عليه أن يعد للمليون قبل أن يحلف يميناً ليس متأكداً من صحتها، إنك تضع يدك على كتاب الله وتقول: أقسم بالله العظيم، فإن حلفت هذه اليمين نجوت فوراً من عقاب القاضي ولكن أين قاضي السماء ؟
 يحكى أن رجلاً يطوف حول الكعبة، ويقول: ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل ؟ وراءه رجل، قال له: يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله ؟ قال له: ذنبي عظيم، قال له: ما ذنبك ؟ قال له: كنت جندياً في قمع فتنة، فلما قُمعت أُبيحت لنا المدينة، فدخلت أحد البيوت فرأيت فيه رجلاً، وامرأة، وطفلين، قتلت الرجل، وقلت لامرأته: أعطني كل ما عندك، أعطتني كل ما عندها، فقتلت ولدها الأول، ولما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة، أعجبتني أيما إعجاب، تأملتها، تفحصتها، فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً عليّ، البيتان:

 

إذا جار الأمير وحــاجباه                 وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فـــويل ثم ويل ثم ويل            لقاضي الأرض من قاضي السماء

 

* * *

 الإنسان أحياناً ينجو من عقاب الدنيا، ينجو من حكم القاضي، لكنه إذا وقع في سخط الله وغضبه قد يلاقي أشد أنواع التنكيل:

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾

( سورة البروج)

اليمين الغموس من أكبر الكبائر:

 اليمين الغموس، الآن بالمحاكم كلها هي الحل الوحيد إذا انعدمت الوثائق، والسندات، والأدلة، والبينات، ليس أمام القاضي إلا اليمين الحاسمة، فالإنسان إذا حلف نجا، لكنه إذا حلف يميناً كاذبة فاجرة ليقتطع بها مال أخيه المسلم بغير حق وقع في غضب الله وسخطه، وهذه اليمين الغموس من أكبر الكبائر، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ مَصْبُورَةٍ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ بِوَجْهِهِ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ))

 

[أحمد عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 هذا الحديث يوضح أن هذه اليمين الفاجرة تغمس صاحبها في النار، فقبل أن تحلف يميناً لست متأكداً من صحتها راجع نفسك لأنه:

 

 

(( مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ))

 

[أخرجه مالك و أحمد و مسلم عن أبي أمامة]

 فقال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وإن كان شيئاً يسيراً ؟ فقال النبي: وإن كان قضيباً من أراك، مسواك، هذه اليمين الغموس توجب النار لصاحبها.

 

(( الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ))

 

[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار:

 تعلمون أيها الأخوة أن الله عز وجل يقول:

﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(31) ﴾

( سورة النساء)
 الكبائر ورد فيها أحاديث كثيرة، الإمام الذهبي جعلها سبعين كبيرة، ولكل كبيرة أدلة من الكتاب والسنة على أنها كبيرة:

 

﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(31) ﴾

 

( سورة النساء)

(( لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ رواه ابن المنذر والديلمي عن ابن عباس ]

  الصغائر إذا لم يفكر في التوبة منها انقلبت إلى كبائر، كما لو أن إنساناً يركب مركبة، على طريق عن يمينه واد سحيق، فلو حرف المقود درجة واحدة، وثبت هذا الانحراف ينزل في الوادي إلا أنها صغيرة و تعديلها سهل جداً، سميت الصغيرة صغيرة لأن التوبة منها سهل جداً، أما إذا أصررت عليها انقلبت الصغائر إلى كبائر، أما الكبيرة أن تحرف المقود تسعين درجة فجأة، الصغيرة أن تحرفه درجة واحدة، فإذا ثبت هذا الانحراف مصير راكب هذه المركبة إلى الوادي.

 

(( الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ))

 

[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

(( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ قَالَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ قُلْتُ وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ قَالَ الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ ))

[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

من حصّن نفسه تجاه المال الحرام وتجاه العلاقات الآثمة فقد أغلق على الشيطان منفذه:

 آخر حديث:

(( مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْرٍ فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ إِلَّا جُعِلَتْ نُكْتَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ]

  أيها الأخوة الكرام، الإنسان المؤمن يجب أن يخشى أن يقف بين يدي الله عز وجل ليسأله فيم فعل هذا ؟ وفيمَ ترك هذا ؟ وفيمَ اقتطع هذا المال ؟ تسعة أعشار الأحكام متعلقة بكسب المال الحرام والعلاقة بالنساء، فالإنسان يؤخذ من هذين، من كسب مال حرام، أو من نظرة، أو علاقة آثمة مع امرأة لا تحل له، فالمؤمن إذا حصن نفسه تجاه المال الحرام، وتجاه العلاقات الآثمة بالنساء، فقد أغلق على الشيطان أكبر منفذين له، والله عز وجل يقول:

 

﴿ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾

 

( سورة فصلت )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018