دورات للطلاب الأجانب - دورة عام 1998 - عقيدة : 11 - العزة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

دورات للطلاب الأجانب - دورة عام 1998 - عقيدة : 11 - العزة .


1998-07-21

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، يا رب العالمين.

العِــــــزَّةُ

الكبرياء علىالعباد صفة رب العباد الذي خلق فسوى، والذي قدَّر فهدى والذي إذا ظهر قهر، وإذا تجلى طاشت لأنوار جلاله ألباب البشر، قال تعالى:

﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)﴾

[سورة الجاثية]

ذلة العباد لربهم ذلة بالحق لا بالباطل
وذلة العباد لربهم، ذلةٌ بالحق لا بالباطل، فإن الخلق والأمر، والغنى والملك له وحده، ومصائر العباد طوع إرادته، وهم إنما يكونون في أزكى أحوالهم، ساعة تخضع جباههم لرب العزة، في السجود الطويل، عندها يعرفون حدهم، ويعطون الخالق الكبير حقه الذي لا مرية فيه، ولا عدوان في تقريره.
أما ذلة العبد لعبد مثله، فباطل لا ريب، والمتكبر هنا متطاول يزعم لنفسه ما ليس لها، والوضيع المستَعبدُ جاهل بقدر نفسه... وقد حرَّم الإسلام الكبر، وحرَّم الذل، وأوجب العزَّة ذلة العبد لعبد مثله باطل لاريب فيه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ))

 

[انفرد به أحمد بهذا اللفظ]

وأخرج مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))

وقد حرَّم الإسلام على المسلم أن يهون، أو يضعف، وبرَّأه من وضعٍ يخدش كرامته، ويجرح مكانته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من أصبح حزيناً على الدنيا، أصبح ساخطاً على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به، فإنما يشكو الله تعالى، ومن تضعضع لغني لينال مما في يديه أسخط الله ))

هذا الحديث يستنكر الضراعة، التي تظهر على بعض الناس حين يصابون بأزمة، فيبكون على ما فقدوا من حطام، ويصيحون بالخلق طالبين النجدة ويتمرغون في تراب الأغنياء انتظار عطفهم عليهم.
لايجب أن يتضرع من هو في أزمة لبشر مثله
العزِّة والإباء والكرامة من أبرز الصفات التي نادى بها الإسلام وغرسها في أنحاء المجتمع، وتعهد تنميتها بما شرع من عقائد، وسنَّ من تعاليم.
لماذا يصيح المؤذن خمس مرات كل يوم، منادياً الله أكبر في بداية الأذان ونهايته ؟ ولماذا يتكرر هذا النداء في كل حركة من حركات الصلاة الله أكبر ؟..
ذلك حتى يتيقن المسلم أن كل متكبر بعد الله فهو صغير، وأن كل متعاظم بعد الله فهو حقير، فكأنما وُكِّل إلى هذا النداء أن يرد الناس إلى الصواب كلما غرقوا في الدنيا وظنوا أنهم يقدرون على كل شيء.
الأذان خمس مرات يذكر كل متكبر أنه صغير بعد الله
توكيداً لهذا المعنى ؛ اختار الله عز وجل اسمَي العظيم، والأعلى من أسمائه الحسنى، ليكررهما المسلم في أثناء ركوعه وسجوده، فتشرب روحه إفراد رب العالمين بالعظمة والعلو.
والمسلم عزيز بعقيدته ؛ لأنها تعلمه أن لا يخضع إلا لله، وأن لا يسأل غير الله، وهو لا يسمح لأحد أن يمس كرامته أو حقه، قال تعالى:

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)﴾

[سورة الفتح]

فليس من التواضع أن يكون المؤمن مباح المال والدم والكرامة، بل لقد صانه الإسلام وجعله في أعزِّ درجة، وأعلى مكانة ؛ لأنه من حزب العزيز الحكيم سبحانه تعالى.
اللهم اجعلنا أعزاء بعزك، وأقوياء بقوتك، يا رب العالمين.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018