الترغيب والترهيب - الدرس : 093 - كتاب البيوع وغيرها - الترهيب من الاحتكار - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 093 - كتاب البيوع وغيرها - الترهيب من الاحتكار


1997-11-01

 االحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الاحتكار و تعريفه:

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من احْتكَرَ طَعاماً فَهُوَ خاطئ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن مَعمر بن أبي مَعمر]

وفي رواية أخرى:

(( لا يحتكر إلا خاطئ ))

[ أخرجه مسلم عن مَعمر بن عبد الله ]

  أيها الأخوة الكرام، الإنسان حريص على شيئين أساسيين، حريص على حياته، وحريص على رزقه، ويأتي الحرص على الرزق بعد الحرص على الحياة، وأوسع نشاط للإنسان كسبه للمال وإنفاقه للمال.
 الاحتكار بالتعريف الدقيق: التدخل في حركة السوق، السوق له حركة طبيعية، هناك طلب، وهناك عرض، السعر يستقر على موازنة بين العرض والطلب، أما حينما نفتعل شيئاً، حينما نشتري البضاعة ونخزنها، ليقل عرضها فيرتفع ثمنها، هنا تدخل، تدخل مفتعل في حركة السوق الطبيعية، هذا التدخل المفتعل في حركة السوق الطبيعية من شأنه أن يرفع السعر، والسعر شيء خطير جداً في حياة الناس، كل إنسان له دخل، لو أن الأسعار ارتفعت لقلّ دخله، هذا المال راتب الإنسان دخله هو طعام أولاده، تطبيب أولاده، كساء أولاده، تأمين حاجاته الأساسية، فلو عملت حركة ورفعت السعر معنى هذا أنك خلصته نصف معاشه، أخذته حراماً، الشيء الظاهر الأسعار ارتفعت، بيع وشراء، هو حر، لا ليس حراً، لابدّ من أن يشتري اللحم، لابدّ من أن يشتهي الفاكهة، الطفل يحتاج لفاكهة، لابدّ من أن يشتري الدواء.
 فعندما يتدخل الإنسان ويرفع السعر ما الذي يحصل ؟ السعر ارتفع، الشريحة المستفيدة من هذه السلعة صغرت، صار هناك فئة قليلة تتنعم بكل شيء، وفئة كثيرة حرمت من كل شيء.
حينما يكون الفقر قائماً، والإيمان ضعيفاً، تنشأ الجريمة، تنشأ السرقة، تنشأ الدعارة.
 إنسان باحث اجتماعي، زار السجون، ولاسيما سجون النساء، هذا الباحث توصل إلى حقيقة مرة، أنّ تسعين بالمئة من النساء اللواتي يعملن في الدعارة عن فقر شديد وعن حاجة.

 

الأحمق من بنى دخله على شقاء الآخرين و تعاستهم:

 

 

 عندما أنت ترفع السعر، وتقلل قيمة الدخل، صار الدخل ليس له قيمة، عندئذٍ تفشو جريمة، تفشو السرقة، يفشو الانحراف والزنا، لأن السعر خطير، الله هو المسعر، أما إنسان يتدخل بالتسعير، يحتكر، يعمل ترتيباً معيناً ليرفع السعر، يعمل تجمعاً معيناً.
 فالاحتكار يعني دمار مجتمع، الاحتكار حرمت الناس من لقمة عيشهم، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( لا يحتكر إلا خاطئ ))

[ أخرجه مسلم عن مَعمر بن عبد الله ]

 هذا المحتكر إنسان جشع، إنسان يعيش لذاته، إنسان يجمع هذا المال وقد لا ينتفع به، يجمع هذا المال وسيحاسب عليه، والخيارات كلها بيد الله عز وجل، يمكن أن يجمع المال من جهة و يدفعه لعملية في القلب خارج القطر، يقول: كلفت العملية مليوني ليرة، يمكن أن يصاب بفشل كلوي، كل شيء جمعه دفعه ثمن عملية جراحية باهظة، يمكن أن يبيع بيته بالنهاية.
 فالإنسان إذا بنى دخله على شقاء الآخرين يكون أحمقاً، يكون بعيداً عن الرحمة، كل أسرة لها دخل، لاحظ عندما الأسعار ترتفع بشكل عام، كان الدخل يسع الطعام، والكساء، والطبابة، لم يعد يسع الدخل الطبابة، لم يعد يسع الدخل اللباس، الطعام هبط مستواه، فعندما يرفع الإنسان الأسعار حتى يحقق أرباحاً طائلة، هو لا يدري أنه يرتكب جريمة، والمؤمن كلما رخصت الأسعار يفرح، وكلما ارتفعت يحزن، أما المحتكر إذا السعر هبط يتضايق، وإذا لم يأخذ ثلاثة أمثال السعر لا يشعر براحة، أما الناس حرموا، الناس افتقروا، الناس انحرفوا، لا فرق عنده.
 كم مشكلة بالبيوت بسبب ضيق الدخل ؟ كم مشكلة بين الزوجة وزوجته ؟ بين الزوج وأولاده ؟ كلما ارتفع السعر الدخل لم يعد له قيمة، صار ألوف لكن لا تساوي مئات سابقاً.

 

اثنان لا تقربهما الإشراك بالله والإضرار بالناس:

 

 إذاً: موضوع الاحتكار موضوع خطير، اثنان لا تقربهما الإشراك بالله، والإضرار بالناس.
 أنا أذكر قصة قديمة جداً، من أكثر من عشرين سنة، عدة تجار يستوردون الفستق، فاتفقوا مع بعضهم، و اعتذروا عن استيراد الفستق إلا واحداً، هذا الواحد أخذ منهم جميعاً، اتفقوا أن تكون صفقة واحدة، فأحضروا كمية ضخمة، بائعو الحلويات كلما ذهبوا إلى مستورد يقول لهم: الأسعار مرتفعة جداً في هذه السنة فلم نستورد، هي ليست غالية، هي عادية جداً ـ و لكن هذا اتفاق فيما بينهم ـ أنا أذكر أنه كان يباع كيلو المعمول الفستق بخمس ليرات وربع ـ القصة قديمة جداً ـ بسنة واحدة صار بعشرة، الضعف، هذا الفقير كان يشتري خمسة كيلو من المعمول فرضاً لم يعد يستطيع أن يشتريهم، يأخذ نصفهم، طبعاً التجار الخمسة بالاحتكار والاتفاق غيروا بيوتهم، وغيروا سياراتهم فوراً.
 فالتاجر يظن هذا ذكاء منه، هناك ألف طريق للاحتكار، ألف طريق وطريق، لكن الله عز وجل يكشف لك يوم القيامة ماذا فعلت بالناس.
  أنا أقول لكم: لو تعدوا المقاسي في البيوت الناتجة عن رفع الأسعار، إذا قال ابن لأبيه: نريد موزاً، ومعاش الأب لا يكفي، إذا قالت له الزوجة: أريد هذه الكنزة، لا يكفي، إذا كان ثمن الكنزة يقدر بألفين و خمسمئة ليرة، ومعاشه خمسة آلاف، معقول نصف معاشه ؟ لا تنظر إلى الأغنياء، الأغنياء لا يشكلون شيئاً، انظر إلى الخط العريض في المجتمع، انظر إلى أصحاب الدخل المحدود، كلام خطير.
 فالإنسان إذا كان له عمل تجاري متعلق بالمواد الغذائية أو الأساسية لا يفرح لرفع السعر، يجب أن يتألم أشد الألم، لانتشار الحرمان و نشوء المشكلات.
فالمسلم عندما يكون بخير فنحن جميعاً بخير، أما إذا المسلم في ضائقة، وفي مشكلة، فموضوع السعر موضوع خطير.

الكمال بالاقتصاد أن تكون الكتلة النقدية موزعة بين أيدي الناس جميعاً:

 أنا كنت أشبهه بمخروط له عمود في الوسط، العمود هو السعر، كلما رفعت السعر صغرت الشريحة، لو فرضنا أن هناك فاكهة جديدة، فرضاً برتقال، لو نزل بسبعين ليرة كم إنساناً يشتري برتقالاً ؟ لو صار بالثلاثين، بالعشرين، بخمس عشرة، بعشر، كلما نزل السعر توسعت الشريحة، فالكمال بالاقتصاد أن تكون الكتلة النقدية موزعة بين أيدي الناس جميعاً، الكل يأكل فواكه، الكل يأكل لحماً، الكل يلبس، الكل يسكن ببيوت، الكل عنده هاتف، هذا الكمال، أما إذا رفعنا الأسعار فتضيق الشرائح، تصبح الفئة القليلة هي المستفيدة، والفئة الكثيرة هي المحرومة، والحرمان معه مشكلات، و انحراف، و خصومات.
 أحياناً ابن لا يجد في دخل والده ما يحقق طموحه، تنشأ مشكلة، ومع ذلك فالعمل مقدس، الإنسان عندما يعمل، ويهيئ لأولاده وزوجته الحاجات الأساسية، هذا العمل جزء من عبادته، وهناك أناس يميلون إلى الكسل، إلى القعود، فالعمل لتأمين حاجات الأسرة هذا جزء من عبادة الإنسان.
  لذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه عندما يلتقي بأحد ولاته أول سؤال يطرح عليه ـ جاءه والي الشام، جاءه والي العراق ـ يقول له: كيف الأسعار عندكم ؟ من شدة رحمته يسأل عن الأسعار، فلو عرف المسلم ربه، وعرف منهج الله عز وجل، وعرف خطورة رفع السعر، لعد للمليون قبل أن يرفع السعر، فكيف إذا افتعل ذلك افتعالاً ؟ نحن نتوهم أن البائع هو المحتكر، لا، والمشتري هو المحتكر.

التخزين والإيهام وافتعال الأزمات يرفع الأسعار فعلينا الابتعاد عن هذه الأعمال:

 كنت أضرب أمثلة: هذا المعمل يطرح بالسوق طن معكرونة فرضاً، كل يوم صار في قلق، أنا يلزمني بالسنة ربطتين، أخذت خمس ربطات، الخمس ربطات سببوا إرباكاً بالمعمل، رفع السعر، فحتى المشتري يعد محتكراً إذا اشترى فوق حاجته.
فالمشتري إذا أخذ حاجته، والبائع لم يخزن، ولم يكذب، ولم يوهم، ولم يفتعل شيئاً تجد السعر طبيعياً.
 الحديد مثلاً عندنا صارت حركته طبيعية فالطن يقدر بثماني عشرة ليرة أو خمس عشرة ليرة، وعندما تدخل البعض صار بأربعين، الطن بين أربعين و بين خمس عشرة ؟ فرق كبير جداً.
 السكر أذكر حركته الطبيعية بخمس عشرة ليرة، غير الطبيعية بثلاثين، بخمس وثلاثين، فكلما صار تدخل غير طبيعي من قبل البائعين، التخزين، والإيهام، وافتعال الأزمات، يرفع الأسعار، من يدفع ثمن هذه اللعبة القذرة ؟ أصحاب الدخل المحدود.
 فالإنسان عندما يكون في قلبه رحمة عندما ترتفع الأسعار لا يفرح، و المحتكر إذا ارتفع السعر يفرح، وإذا انخفض يتألم.

الابتعاد عن الاحتكار من قِبل البائع أو الشاري:

 حتى إن هناك مصطلحاً أنا أحتقره جداً، يقول لك: تبهدل السعر، إذا لم يكن السعر عالياً جداً، والناس تتمنى شراء هذه الحاجة هو لا يستطع شراءها، لا يعد نفسه تاجراً شاطراً، أما إذا هبط السعر، الآن أكثر الأساليب في البيع والشراء أساسها الاحتكار، أساسها الحصر، يحصر ثلاثمئة بالمئة، إذا لم يكن هناك حصر لا يوجد ربح أثناء المنافسة.
 لذلك الدول الأجنبية الكافرة لا تسمح لمنتج تحتكره شركة مصنعة، الاحتكار عندهم ممنوع، يجب أن يكون في شركتين تنتج هذا الصنف، حتى يتنافسوا، والتنافس لصالح المواطن، لصالح المشتري، النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

( سورة النجم )

فأول ملاحظة أن المحتكر هو المشتري، والبائع أيضاً هو المحتكر.

الخلاف حول مادة الاحتكار:

 الشيء الثاني في: الخلاف حول مادة الاحتكار، العلماء بعضهم قال: في الغذائيات، في المواد الأساسية، في اللحم، والسكر، والأرز، من حق الحاكم، من حقه الطبيعي، وهذا من واجباته أن يسعر بالمواد الأساسية، هذا الرأي ينتج عنه أن الأشياء الثانوية ليس فيها احتكار، إنسان يشتري حوض سمك، إذا كان سعره مرتفعاً لا تشتريه، لا يؤثر على طعام أولاده، الأشياء الكمالية الثانوية الترفيهية هذه لا تدخل في الاحتكار، لكن بعض العلماء وسع الاحتكار حتى إلى خبرات الإنسان إذا كان عرضها بثمن باهظ.
 فالإنسان إذا كان يملك اختصاصاً نادراً، وطلب سعراً غير معقول أرهق الناس، فهو الموضوع هنا خلافي بين المواد الغذائية فقط الأساسية التي بها قوام الإنسان، وبين المواد الأخرى، بل حتى هناك من يجعل الاحتكار يشمل الاختصاصات النادرة والخبرات، أعاذنا الله وإياكم من أن نسلك سبيل الاحتكار.

(( لا يحتكر إلا خاطئ ))

[ أخرجه مسلم عن مَعمر بن عبد الله ]

(( من احْتكَرَ طَعاماً فَهُوَ خاطئ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن مُعمر بن أبي مَعمر]

التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين:

 هناك أحاديث أذكرها، أن الإنسان إذا اشترى الطعام، وباعه بسعر يومه، فكأنه تصدق بثمنه، تأتي ببضاعة، وكميات كبيرة، تبيعها بسعر يومها، من دون احتكار، فكأنك تصدقت بثمنها، و هذا العمل عدّه النبي عملاً صالحاً، والمواد إذا كثُرت رخص سعرها.
وهناك حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ))

[ رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

  التاجر الصدوق داعية، داعية بعمله، لأن الرزق أهم شيء بعد الحياة، فالتاجر إذا أمن لك بضاعة جيدة بسعر معتدل هو مع النبيين والصديقين والشهداء.
 أنا أذكر إذا أخذت بضاعة جيدة بسعر معتدل لسنوات الله يجزيه الخير، الله يبارك له، هناك حاجات متقنة وسعرها معتدل، و عندما يشتري الإنسان سلعة سيئة جداً بسعر معتدل، المهذب يسبه مئة مرة، يقول لك: لا بارك الله له، غشني.

 

(( التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ))

 

[ رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

الدعوة إلى الله ليس بالكلام فقط إنما بالأعمال أيضاً:

 شيء يدعو إلى العجب، الأقطار الإسلامية التي فتحت بالجهاد معروفة، أما أكبر قطر إسلامي على الإطلاق يساوي الأمة العربية بأكملها، إندونيسيا، وماليزيا، هذه الأقطار فتحت عن طريق التجار، التاجر دولة، فالتاجر عندما يكون صادقاً، أميناً، رحيماً، هذا إنسان عظيم، هذا التاجر صار داعية، وهو لا يشعر، الدعوة ليست بالكلام.
 أحياناً سعرك المعتدل دعوة إلى الله، كشف العيب دعوة إلى الله، الصدق دعوة إلى الله، الأمانة دعوة إلى الله، فتجد أن الإنسان عندما يكذب انتهى، عندما يغش انتهى، عندما يعلن عن بضاعته بغير حقيقتها انتهى، مليون أسلوب، مليون طريقة، يضع لصاقة جديدة.
 والله بلغني أن في الكويت معملاً حديثاً جداً، متفوقاً جداً، أي بضاعة غذائية انتهى وقتها يضع لها لصاقة مشابهة للأصل، أو يطبعها على القطعة، بتاريخ جديد، تأتي البضائع للبنان، وتتهرب للدول المجاور ـ هي قشقوان ـ وهي منتهية المفعول، انتهت من التخزين، اللصاقة جديدة عليها، هذا أسلوب الغش، إنسان يبيع بضاعة قد انتهى مفعولها ؟ هذا غش، فأساليب الغش لا تنتهي، أي شيء لا ينتهي، حدث ولا حرج، تغير المواصفات، الإيهام، أقلها هي صناعة إيطالية، يقول لك: صناعة إيطالية و تكون مصنوعة ببلد متخلف، لكن ليس كل البائعين أذكياء، وليس كل الذين يشترون يعلمون الحقائق، يوهمك أنها مستوردة، أخذ سعراً مضاعفاً، فهنا:

(( التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ))

[ رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018