الخطبة : 0785 - أسباب ضياع الوقت - مراقبة ألعاب الأطفال . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0785 - أسباب ضياع الوقت - مراقبة ألعاب الأطفال .


2001-04-13

الخطبة الأولى:

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الوقت أثمن شيء يملكه الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام، إن أثمن شيء نملكه على الإطلاق هو الوقت، إنه وعاء عملنا، إنه إذا انقضى لا يعود، إنه يمر سريعاً، بل إننا في حقيقتنا العميقة وقت كلما انقضى يوم انقضى بضع منا، و أكثر المسلمين غافلون عن هذه الحقيقة، حقيقة أن الوقت أثمن شيء يملكونه.
 يا أخوة الإيمان، حجم استغلال الوقت و الاستفادة منه من أهم العلامات الفارقة بين الأمم، حتى في المقاييس الحضارية المادية، حتى في مقاييس التقدم المادي فقط، إن حجم استغلال الوقت و الاستفادة منه من أهم العلامات الفارقة بين الأمم المتخلفة و الأمم المتقدمة بمقياس العصر، بمقياس المادة، و إن حجم استغلال الوقت و حجم الاستفادة منه علامة فارقة بين الأشخاص الناجحين و الأشخاص العاديين الذين هم عبء على الأمة.
 مرحلة ثالثة: إن حجم استغلال الوقت والاستفادة منه من أهم العلامات الفارقة بين المؤمن و الشارد.
 يا أيها الأخوة الكرام، ليس هناك إنسان ناجح على نحو ما لا يهتم بوقته، أهم رأسمال نملكه هو الوقت، أثمن ما نملك هو الوقت، إننا في الحقيقة وقت، كلما انقضى وقت انقضى بضع منا، ربنا جل جلاله أقسم بالعصر، و أقسم بالليل و النهار، و أقسم بالفجر، و أقسم بالليالي العشر، و أقسم بالضحى، و هذه كلها أوقات، شيء ثمين، يقول عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ))

[ البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ]

 معك وقت، لك أن تطلب فيه العلم، لك أن تحضر مجلس علم، لك أن تحضر مجلساً فيه خير، لك أن تفكر في خلق السموات و الأرض، لك أن تعمل صالحاً، إنه وعاء العمل.
 يا أيها الأخوة الكرام، استمعوا إلى أقوال بعض الصحابة، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: " ما ندمت على شيء مثل ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي و لم يزد فيه عملي" .
 سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول: "الليل و النهار يعملان فيك، فاعمل فيهما".
 والحسن البصري يقول: " إنما أنت بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، ما من يوم ينشق فجره إلا و ينادي: يا بن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة " و يقول أيضاً:" أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم و دنانيركم" .

 

استثمار الوقت :

 أيها الأخوة الكرام، ما هو الأطول والأقصر في وقت واحد؟ إنه الوقت، قد يطول العمر إلا ساعة، ساعة اللذة دقيقة، و دقيقة الألم ساعة، يطول و يقصر و هو واحد، يسرع، ويبطئ، أيام السرور تنقضي سريعاً كلمح البصر، وأيام الألم لا تنقضي، وكأنها سنوات، وكأنها دهور، ما الشيء الأسرع والأبطأ في وقت واحد؟ إنه الوقت، ما الشيء الذي نهمله جميعاً و نتحسر عليه جميعاً؟ إنه الوقت.
 أيها الأخوة الكرام، الوقت ليس بيدنا، الوقت لا ينتظر أحداً، ليس بإمكانك أن تتحكم فيه إطلاقاً لكنك تستطيع أن تستغله، و تستطيع أن تنتفع به، و تستطيع أن تنفقه إنفاقاً استثمارياً، قد ينفق الوقت إنفاقاً استهلاكياً كما يفعل معظم الناس، يأكلون، و يشربون، و ينامون، ويستمتعون، ويسمرون، ويمضون أوقاتاً طويلة في كلام فارغ، و في متابعة أعمال قذرة، وفي متابعة أشياء سخيفة، أيام تمضي، شهور تمضي، سنوات تمضي، عقود تمضي، فإذا هو في لحظة نسي فيها كل شيء إلا الحساب:

﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾

[ سورة المدثر : 9-10]

﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾

[ سورة الزخرف: 83]

 يا أيها الأخوة الكرام، قضية الوقت من أخطر القضايا، حركة الوقت لا يمكن أن نتحكم بها، لكننا نستطيع أن نستغله، وأن نوظفه فيما ينفعنا، هناك من لا يعصِ الله لكنه يأكل، ويشرب، ويتمدد، ويستلقي ليس له هدف، إنه يستهلكه في المباحات، هذا الذي يستهلكه في المعاصي والآثام موضوع آخر، هو ليس معنا إطلاقاً و لا علاقة لنا به، و لا يأتي إلى هذه الأمكنة يقف خارج المساجد، هذا الذي لا يعرف كيف ينفق الوقت إنسان غافل ينبغي أن نذكره.

 

تعلق إنفاق الوقت بأهدافنا و معتقداتنا :

 أيها الأخوة الكرام، لكن المشكلة أن إنفاق الوقت متعلق بمفهوماتنا عن الحياة، إنفاق الوقت متعلق بأهدافنا، إنفاق الوقت متعلق بعقيدتنا، إنفاق الوقت متعلق بمعرفة سر وجودنا، إنفاق الوقت متعلق بمعرفة حقيقة الحياة الدنيا، إن عرفت ربك، إن عرفت فلسفة الحياة، إن عرفت سرّ وجودك، إن عرفت غاية وجودك، إن عرفت مهمتك في الأرض، يمكن أن تستغل الوقت، يمكن أن تنتفع به، يمكن أن توظفه في العمل الصالح، يمكن أن تستهلكه استهلاكاً استثمارياً لا استهلاكاً نفعياً.
 أيها الأخوة الكرام، لابد من أن نعرف ربنا و نعرف لماذا جيء بنا إلى هذه الدنيا؟ حتى نحسن استغلال الوقت، أما هؤلاء الشاردون عن الله عز وجل فما عندهم هدف، لا يعلمون لماذا هم على وجه الأرض؟ شاردون تائهون، كلكم يعلم أيها الأخوة أن هناك فقراً سببه الكسل، هناك فقر الكسل، و هناك فقر القدر، و هناك فقر الإنفاق، فقر الكسل مذموم، و فقر الإنفاق محمود، و فقر القدر معذور، لاشك أننا جميعاً لنا أعمال، هناك وقت عمل، و هناك وقت فراغ، وقت العمل قسمان: وقت إنتاج ووقت ضائع، فكلما نظمت وقتك رفعت مستوى الإنتاج، و قللت الوقت المهدور، واستمتعت بالحياة، و كلما عشت سبهللة كما يقولون بلا تخطيط، ولا تنظيم أضعت وقتاً كبيراً في إنتاج قليل، من هو الناجح؟ من هو المتفوق؟ هو الذي يبذل جهداً محموداً، ويقطف ثماراً يانعة، أما الذي ينفق جهداً كبيراً جداً، ويقطف ثماراً ضئيلة جداً فهذا إنسان لم يخطط لوقته، ولم يستغل وقته.

ضرورة تنظيم وقت العمل :

 أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن تنظم وقت العمل كي يبقى لك وقت تتفرغ فيه لتأكيد ذاتك، قالوا وأقول هذا كثيراً: الذي ليس عنده وقت فراغ لا يعد من بني البشر، لأن أي عمل مهما درّ عليك من الخير، من المادة، من المال، إذا استغرق كل وقتك فهو أخطر الأعمال، و أشدها خسارة لك، لأنه ألغى وجودك، ألغى سرّ وجودك، ألغى مهمتك في الحياة، ألغى رسالتك، لا تبحث عن عمل يأكل كل وقتك، إنك تضيع كأب، تضيع كزوج، تضيع كمؤمن، تضيع كطالب علم، تضيع كإنسان، هناك من يفتخر و يقول: أنا أعمل عشرين ساعة، هذه كلمة تعد كلمة مدح أحياناً إذا كنت تعمل عشرين ساعة فيما يرضي الله، و فيما يعود عليك خيره بعد الموت، و فيما ينفعك في الدار الآخرة، أما إذا كنت تعمل عشرين ساعة من أجل الدنيا فما تجمعه في عمر مديد تخسره في ثانية واحدة، و كل ما يملكه الإنسان منوط بقطر شريانه التاجي في قلبه، و القطر ميليمتر واحد وربع، و كل ما يملكه الإنسان الذي جمعه في عمر مديد يخسره حينما يتجلط الدم في شرايينه، وكل ما يملكه الإنسان في عمر مديد يخسره إذا تفلتت الخلايا في نموها، فهذا الذي يغامر و يقامر و لا ينتبه أن هناك ساعة يغادر فيها الإنسان الدنيا إنسان خاسر.
 يا أيها الأخوة الكرام، لابد من تنظيم الوقت، إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، و إن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل؟ رسول عامله على أذربيجان، جاء المدينة ليلاً، وكره أن يطرق باب الأمير في ساعة متأخرة من الليل، دخل إلى المسجد فسمع رجلاً يناجي ربه و يقول: ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها؟ فسأله و ليس هناك إضاءة واضحة قال: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر، قال: أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل؟ قال: أنا إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، و إن نمت نهاري أضعت رعيتي.
الوقت أنا أخاطب من عرف الله، من طلب العلم، من عرف سرّ وجوده، من عرف غاية وجوده، أنا أخاطب رواد المساجد، هؤلاء الذين حسبوا على الإسلام، نظموا أوقاتكم، أثمن شيء تملكه هو الوقت.

أسباب ضياع الوقت :

1 ـ الكسل :

 أيها الأخوة الكرام، الموضوعات المتعلقة بالوقت لا تنقضي في سنوات، و لكن اخترت لكم في هذه الخطبة موضوعاً محدداً، أسباب ضياع الوقت.
 أول سبب في ضياع الوقت هو الكسل، انظر إلى هؤلاء الناس الشاردين كيف يمضون أوقاتهم على أبواب منازلهم؟ يمضون أوقاتهم وهو مضجعون في أسرتهم، يمضون أوقاتهم وهم يتابعون سهرة فارغة تافهة سخيفة، موضوعات سخيفة، لقاءات غير ذات معنى، نوم مديد، وقوف أمام البيت على الشرفة، تجول في الطرقات، هم يقتلون الوقت قتلاً، مرة أحد كبار علماء الشام أمام مقهى، فقال: يا سبحان الله لو أنّ الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم، يمكن أن تكون بطلاً في الوقت، يمكن أن تحفظ كتاب الله في الوقت، يمكن أن تفهم كتاب الله في الوقت، يمكن أن تكون أكبر محسن في الوقت، يمكن أن تكون أكبر عالِم في الوقت، وأكبر داعية في الوقت، يجب أن تعدّ الوقت عدّاً دقيقاً، شيء طريف ورد معي برنامج في الكومبيوتر تعطيه سنة ميلادك، وشهر ميلادك، ويوم ميلادك يعطيك العمر بالشكل التالي: عمرك كذا سنة، و كذا شهر، و كذا يوم، و كذا ساعة، و كذا دقيقة، و كذا ثانية، العمر يُعد بالثواني، لك عند الله سنوات محدودة، و أشهر محدودة، و أيام محدودة، و ساعات محدودة، و دقائق محدودة، وثوان معدودة.

دقات قلب المرء قائلة له  إن الحياة دقائق و ثواني
***

 أيها الأخوة الكرام، الكسل، النوم المديد، التأجيل، اللا مبالاة، هدر للوقت، كلام فارغ، سهرة لا معنى لها، لقاء ساذج، مشي في الطرقات، متابعة مسلسلات، هكذا يضيع وقت الناس، يفاجؤون بعلة في أجسامهم تتفاقم هذه العلة، ثم النعي على جدران بيوتهم، ماذا قدمت يا علي؟

إلى متى أنت بـاللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
***
تعصي الإله وأنـت تُظهر حب ه ذاك لعمري في المقــال شنيع
لو كان حبك صـادقاً لأطعتـه  إن المحب لمـن يحـب مطيع
***

 لو نظمت وقتك، ضع برنامجاً للقاءاتك، لمطالعتك، لحضور دروس العلم، للدعوة إلى الله، لكسب المال، للجلوس مع الأهل، لابد من برنامج، لابد من تنظيم، الوقت لا ينتظر أحداً، الوقت يمضي، ما مضى فات، و المؤمل غيب، و لك الساعة التي أنت فيها، لا تملك إلا هذه الساعة، ما مضى فات، و المؤمل لا تملكه، الوقت ثمين جداً، أنت بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك.
 أيها الأخوة الكرام، أول سبب هو الكسل، و الكسل من نتائجه الفقر، و هذا الفقر مذموم، هذا فقر الكسل، لا تقل لي: أنا صابر، هذا صبر الحمقى، يوجد كسل، عندك مهمات، عندك أولاد، لك زوجة، عندك متطلبات، حينما تنظم وقتك، و تسأل الله الرزق الحلال، و تخرج من بيتك في وقت مبكر الله عز وجل يتولى أن يرزقك رزقاً حلالاً طيباً.
 الكسل من صفات الشعوب المتخلفة، كسل، جلوس، استلقاء، كلام فارغ، ثرثرة، المؤمن وقته ثمين.
 دعي النبي عليه الصلاة و السلام للعب و كان طفلاً صغيراً، فقال في سن مبكرة: أنا لم أُخلق لهذا ، هناك ألعاب تستهلك وقتاً كثيراً، معظم الناس يلعبون الشدّة و النرد و هذه الألعاب إلى الساعة الثانية أو الثالثة يجلسون ويلعبون، أي شيء لا يصدق، هؤلاء أشقى الناس.

 

2 ـ عدم وجود هدف للإنسان في الحياة :

 يا أيها الأخوة الكرام، هناك سبب كبير جداً في ضياع الوقت، إنه عدم وجود هدف لك في الحياة، ليس له هدف، هدفه أن يعيش، وأن يأكل، وأن ينام، وأن يجلس مع زوجته، وأن يجلس مع أولاده، لا يوجد هدف، لا يعلم لماذا هو في الدنيا؟ يقول لك: هذا قدرنا.

جئــــــــــــــت لا أعلم من  أيــــــــــن و لكني أتيـــــــــــــــــــــــت
و لقــــــــــــــــد أبصرت قدامــــــــــي  طريقاً فمشــــــــــــــــــــيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت  طريقــي؟ لســــــــــت أدري؟
ولمـاذا لســــــــــــــــــــــــــت  أدري؟ لســـــــــــــــــــــــــــــت أدري؟
***

 هذا إنسان سخيف يعيش على هامش الحياة، إنسان لا يستطيع أن يفعل شيئاً، الذي لا يعرف لماذا هو في الدنيا، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾

[ سورة هود: 119]

 و لذلك خلقهم، خلقك ليرحمك، اسأله موجبات الرحمة، تب إلى الله من ذنوبك، أدِّ الصلوات الخمس، اقرأ القرآن، ابتهل إلى الله، اجلس مجلس العلم، صاحب المؤمنين، عدم وجود هدف هو أحد أكبر أسباب ضياع الوقت.
 الآن قد يقول لك قائل، وقد يقول لك طالب علم: أنا أعرف لماذا خُلقت ؟ أنا خُلقت لمعرفة الله، و لطاعته، و للجنة، هل عندك خطة تفصيلية لهذا الهدف ؟ العلماء قالوا: الأهداف من دون خطط أحلام و أمنيات، و الله جل جلاله لا يتعامل معنا بالأماني:

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾

[ سورة النساء: 123]

 أبداً، كل واحد منا يتمنى أن يكون مؤمناً كبيراً، و تاجراً ناجحاً، و موظفاً مهماً، و زوجاً سعيداً، كل واحد، التمنيات بضاعة الحمقى و من أراد الآخرة و سعى لها سعيها، هناك حركة:

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾

[ سورة الإسراء: 19]

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال: 72]

 لابد من أن تتحرك، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن حتى تعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق، الوضع السكوني، تأجيل، إرجاء، مواعيد غير صحيحة، قابع في البيت، يستلقي، ينام، يتابع ما على الشاشة، ليس هذا من صفات الذي عرف الله، و لا الذي عرف سر وجوده و غاية وجوده، لابد من خطة، لابد من وقت تتعرف فيه إلى الله، لابد من وقت تقرأ كلامه، لابد من وقت تعمل فيه عملاً صالحاً، لابد من وقت تطلب فيه العلم، لابد من وقت تجلس فيه مع أهلك و أولادك، لابد من وقت تكسب فيه المال، لابد من تنظيم الأوقات.

 

3 ـ سوء التنظيم :

 أيها الأخوة الكرام، وأحد أسباب ضياع الوقت سوء التنظيم، هناك إنسان مركزي يفعل كل شيء بنفسه، و لا يثق بأحد، هذا ما حاله؟ يستهلك وقتاً كبيراً جداً لإنجاز قليل جداً، هذا العمل قد يقوم به ابنك دعه له، قد تقوم به زوجتك دعه لها، لابد من أن تعمل عملاً بمستوى إمكاناتك، أما إذا عملت عملاً يقوم به من هو دونك بكثير فهذا من سوء التنظيم، و سوء التخطيط، معنى ذلك يمكن أن يضيع وقت كثير بإنتاج قليل، إذاً: لابد من مدافعة الكسل، و لابد من وجود هدف كبير يستقطب جهدك و اهتماماتك، و لابد من وجود خطة لتحقيق هذا الهدف، و لابد من حسن تنظيم هذه الخطة.

4 ـ تطفل الآخرين :

 و هناك شيء آخر يضيع الوقت ليس من قبلك، من قِبل الآخرين، هذا الذي يعيش حالة الملل فيأتي لزيارتك من دون موعد، ليس عنده شيء، ما عنده ما يقول إطلاقاً، لكن يريد أن يمضي الوقت معك، و ينسى أنك على موعد، أو على إنجاز مهمة، أو على إنجاز عمل، فلا بد من أن ننتبه أنني إذا كنت فارغاً، إذا كنت بحالة ملل و سأم، لا ينبغي أن أُضيع أوقات الآخرين، الذي عليهم مهمات ينبغي أن ينجزوها، فتطفل الآخرين أيضاً من أسباب ضياع الوقت، مكالمة أحياناً ساعة، هذا الهاتف معطل ساعة، و الكلام فارغ، لا يوجد فيه شيء أبداً، حوادث يومية تافهة تُذكر في هذه المكالمة، فأنت مضطر إلى أن تتصل به مكالمة طويلة، كلام فارغ، هذه حالة بعض المسلمين.
 يا أيها الأخوة الكرام، أسباب ضياع الوقت الكسل، و عدم وجود هدف كبير، و عدم وجود خطة لهذا الهدف، و سوء التنظيم، و تطفل الآخرين، هذا مما يضيع الوقت.

حفظ الله وقت الإنسان إن أنفقه في العبادات و الطاعات :

 الآن من زاوية إيمانية: أنت حينما تزكي على وقتك كيف أنك تزكي مالك، كيف أنك تنفق بعضاً من مالك، والرد الإلهي يحفظ الله لك بقية مالك، أنت إذا أنفقت بعض وقتك فيما أُمرت، يحفظ الله لك بقية وقتك، إذا أدَّيت الصلوات فأنت تزكي وقتك، إن أديت العبادات فأنت تزكي وقتك، إن عملت عملاً صالحاً في وقت يبارك الله لك في بقية وقتك، يحفظ الله لك بقية وقتك، أي أن الله عز وجل قادر أن يتلف لك وقتاً طويلاً بلا سبب، الإنسان إذا ضنّ على ربه أن يؤدي العبادات، وأن يعمل الصالحات، و أن يتعلم القرآن، إذا ضنّ على ربه أن يستهلك وقته فيما خلق له أدبه الله عز وجل بأن يتلف له وقتاً مديداً بلا فائدة، ترتفع حرارة الابن، يقول لك الطبيب خطأ: التهاب سحايا، من مخبر إلى مخبر، و من طبيب إلى طبيب، و من تصوير إلى تصوير، و ساعة مرنان، و ساعة إيكو، ثم يزول هذا المرض و قد دفعت عشرة آلاف ليرة، ومضى من وقتك مدة طويلة جداً، و النتيجة عاد ابنك كما كان، هذا الذي ينفق وقته في طلب العلم، و في حضور مجالس العلم، و في عمل الصالحات، و في قراءة القرآن، الله جل جلاله يتولى صون وقته، يتولى حفظه، يتولى تيسير أموره، يتولى نصره، يتولى توفيقه، أنت حينما تنفق وقتاً لطلب العلم، أو لأداء الصلاة، أو لحضور مجلس علم، أو لقراءة القرآن، أو لعمل صالح، الذي في السماء ربنا جل جلاله يتولى بذاته العلية صون وقتك.
 أيها الأخوة الكرام، زكوا عن أوقاتكم بعبادات، و أعمال صالحة، و طلب للعلم، و دعوة إلى الله، و نصح للآخرين، هذه كلها من زكاة أوقاتكم، هذا يعرفه أصحاب المعامل، يمكن قطعة تنكسر يتعطل المعمل أسبوعين، والأجرة مرتبة عليك، والإنتاج واقف، لا تضن بوقتك على عمل صالح، و لا على خدمة، و لا على تلبية حاجة، و لا على عبادة، و لا على طلب علم.

إطالة العمر باستغلال الوقت :

 شيء آخر أيها الأخوة، هناك قاعدة دقيقة جداً: إطالة العمر باستغلال الوقت، أي محل تجاري فتح ساعة ربح مئة ألف، محل فتح عشر ساعات ربح مئة ليرة، الساعات ليس لها قيمة، العبرة بالغلة، لذلك أئمة كبار عاشوا أقل من خمسين سنة، تركوا آثاراً علمية لا تنقضي فائدتها إلى يوم القيامة، الإمام الشافعي عاش أقل من خمسين سنة، الإمام النووي عاش أقل من خمسين سنة، ترك رياض الصالحين، و شرح الإمام مسلم، و بغية المحتاج، ترك كتباً بالفقه، و الحديث، و التفسير لا يعلمها إلا الله، هناك أناس عرفوا الله فبارك الله لهم في أوقاتهم، بعض العلماء يُقال أنه ترك مؤلفات عدد صفحاتها لو قسمت على عمره لكان كل يوم يكتب تسعين صفحة، أنت لا تملك أن تقرأ هذه التسعين في اليوم، هناك إنجازات مذهلة قام بها بعض العلماء بسبب أن الله وفقهم، و يسرهم لليسرى، وطرح البركة في أوقاتهم، لذلك حينما تستغل الوقت يطول العمر، العمر الزمني عمر تافه جداً، عاش تسعين سنة، مئة وعشر سنوات، ثمانين، سبعين، ستين، العبرة ماذا فعلت في هذا العمر؟ ماذا قدمت للمسلمين؟ ما الأثر الذي تركته؟

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ ﴾

[ سورة يس: 12]

 ماذا فعلت؟ هل علمت العلم؟ هل أنفقت المال؟ هل رعيت الأيتام؟ ماذا فعلت في الدنيا؟ و لكن يا عبدي ماذا فعلت من أجلي؟ يا ربي أكلت و شربت و تنعمت في الحياة الدنيا، تزوجت، أنجبت أولاداً أصبحوا أطباء، و مهندسين، و لكن لا يوجد فيهم دين يا رب، لكن أنا درستهم، هذا كلام لا يقال يوم القيامة، ينبغي أن تُسأل عن عملك، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَال: َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ،وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ بِهِ،وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاهُ ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ]

الوقت أخطر موضوع في حياة الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام، موضوع الوقت و الله يمكن أن يعالج بخطط كثيرة جداً، و أنا أرى أن هذا الموضوع أخطر موضوع على الإطلاق، إنه أنت، الوقت أي نحن، أنت بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، سيدنا عمر يقول: و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، كل يوم يوجد من ستين إلى سبعين نعيًا على الجدران، و قد نقرأ معظمها، لكن لابد من يوم يقرأ الناس فيه نعينا شئنا أم أبينا، كل يوم نخرج من بيوتنا بشكل عامودي لابد من أن نخرج يوماً بشكل أفقي أبداً، كل يوم نخرج و نعود، في يوم نخرج ولا نعود، كل يوم ندخل ونخرج، يوجد يوم ندخل ولا نخرج، هكذا الدنيا، إنها بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضع منك، ما من يوم ينشق فجره إلا و ينادي يا بن آدم أنا خلق جديد و على عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة، و سأعالج إن شاء الله بعض موضوعات الوقت التفصيلية في درس الأحد إن شاء الله.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها، و تمنى على الله الأماني، و الحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مراقبة ألعاب الأطفال :

 أيها الأخوة الكرام، الحقيقة أن بعض الجهات الإسلامية أفتت بحرمة بعض الألعاب، و قد تكون المعركة أعمق من ذلك، إنها معركة بين شركتين كبيرتين، نحن ينبغي أن نقول إن كل شيء يأتينا من الغرب أو الشرق معاً يفسد عقائد أولادنا، و يفسد أخلاقهم، و يحملهم على سلوك يتناقض مع منهج الله عز وجل، هذا ينبغي أن نرفضه، فإذا صدف وهوجمت بعض الجهات التي تصنع ألعاباً و بطاقات و صوراً لأولادنا فالطرف الآخر لا ينجو من هذا النقد، هو مثله ضالع في ذلك، أي أوضح مثل أن بعض الألعاب التي تأتي من الغرب حينما يحل الطفل بعض الألغاز، الفتاة التي أمامه تتعرى من ثيابها قطعة قطعة، كلما حلّ لغزاً خلعت جزءاً من ثيابها، هذا هو الهدف، فالشرق و الغرب ضالع في إفساد عقائدنا، العقائد التي تعلمها الناس أن الإنسان ليس من آدم و حواء، بل هو تطور من حشرة إلى حيوان زاحف إلى قرد إلى ما هنالك، هذه الألعاب تؤكد هذا التطور، و تضرب عرض الطريق ما جاء في القرآن الكريم بأن هؤلاء البشر من آدم، فهناك إفساد لعقائد أولادنا، و إفساد لأخلاق أولادنا، و دعم لمذاهب تتناقض مع منهج الله عز وجل، فينبغي أن يكون الحديث عن كل تغذية ثقافية من جهة لا تؤمن بالله، يجب أن نكافح كل شيء يأتينا من الغرب، أو الشرق، و أن نتفحصه تفحصاً دقيقاً، و الأولى أن تكون هناك بدائل لما نحرم، هذا الطفل يحتاج إلى فكر إسلامي، إلى مثل عليا إسلامية، إلى منهج رباني، بشكل ألعاب، بشكل قصص، بشكل أعمال فنية، لكن لابد من أن يكون الإسلام مصدراً لما يستمتع به أبناؤنا، فلذلك أيها الأخوة هناك معركة قذرة بين شركتين عملاقتين تُعنى بشؤون الأطفال فلا ينبغي للدين أن يكون بيد إحدى الشركتين ليعطي فتاوى لجهة دون جهة أخرى، ينبغي أن نكافح كل شيء يفسد عقائد أولادنا، و يفسد أخلاقهم، و يفسد سلوكهم.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانتين، و لا تهلكنا بالسنين، و لا تؤاخذنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، و من الخوف إلا منك، و من الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، و من شماتة الأعداء، و من السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، و ما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم بفضلك و رحمتك أعل كلمة الحق و الدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، اللهم انصر من نصر المسلمين، ودمر من خذل المسلمين، اللهم عليك بأعدائك فإنهم لا يعجزونك، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، و انصر إخوتنا في الأرض المحتلة على أعدائهم وأعدائك يا رب العالمين.
 عباد الله إن الله يأمر بالعدل و الإحسان، و إيتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء، والمنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018