الخطبة : 0784 - الولاء والبراء . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0784 - الولاء والبراء .


2001-04-06

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، و نستعين به و نسترشده، و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم :

 أيها الأخوة الكرام: ما من مجلس يجتمع فيه المسلمون إلا ويتساءلون ما الحل؟ ماذا نفعل؟ الأخطار محدقة بهم من كل جانب والعالم كله يتآمر عليهم، ما العمل؟
 الحقيقة الأولى أيها الأخوة أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، المسلمون بسذاجة ما بعدها سذاجة يريدون من الله أن يغير سننه وقوانينه وهم ليسوا مستعدين أن يغيروا شيئاً، حياتهم وكسبهم وإنفاقهم وبيوتهم وتجارتهم وأتراحهم وأفراحهم وسفرهم وحلهم وترحالهم وإقامتهم وعلاقاتهم ومخاصماتهم كلها غير إسلامية.
 انتماؤهم شكلي، يأتون إلى المساجد، يصلون ويصومون ولكن المنهج الإسلامي منهج تفصيلي، أي يظن الإسلام خمس فرائض مع أن الإسلام أكثر من مئة ألف بند، منهج تفصيلي حتى في علاقاتك الشخصية، حتى في علاقاتك الحميمة، حتى في بيتك، حتى في غرفة نومك، هناك أحكام شرعية، حتى في سفرك، في حلك، في ترحالك، الإسلام منهج كامل، فالمسلمون يريدون من الله أن يغير قوانينه وكلماته وهم ليسوا مستعدين أن يغيروا شيئاً، لذلك قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ٌ﴾

[ سورة الرعد: 11]

تلخيص لما سبق :

 أيها الأخوة الكرام ، الخطبة قبل السابقة تحدثت عن الهجرة، وأن عبادة في الهرج كهجرة إليّ، والهجرة قائمة إلى يوم القيامة بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة، قال تعالى:

﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُون﴾

[ سورة العنكبوت: 56]

 علة وجودنا أن نعبد الله، ينبغي أن نعبده، فأي مكان وأي بيئةٍ حال بينها وبين أن نعبده ينبغي أن نغادرها - كلام عام-.
 تحدثت في الخطبة قبل السابقة عن الهجرة والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، وهذا أوسع معنى من معاني الهجرة، أن تدع ما نهى الله عنه، ليس الولي - كما قال بعض علماء القلوب- الذي يطير في الهواء ولا الذي يمشي على وجه الماء، ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
 أما الخطبة التي سبقت هذه الخطبة فالحديث عن الهجرة المعاكسة، الخطبة السابقة والتي سبقت السابقة تحدثت عن الهجرة في سبيل الرحمن، وفي الخطبة السابقة تحدثت عن الهجرة في سبيل الشيطان، تضيع دينك ودين أهلك ودين أولادك، تضيع مستقبلهم، تجعلهم بعيدين عن الإسلام، وعن معرفة الواحد الديان، من أجل دريهمات تكسبها وتنفقها، ويأتي الموت فتنتهي كل اللذائذ وتبدأ كل التبعات.

 

الولاء و البراء :

 أما اليوم فالحديث عن الولاء والبراء، وأنت في بلدك، وأنت بين أهلك- من هوي الكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً- قد لا تعجبك بلدك وتتمنى أن تكون مع هؤلاء، وتتمنى أن تعيش حياتهم، وأن تؤمن بقيمهم، إنك تعظمهم وتبجلهم مع أن هؤلاء الأذكياء إن لم يعرفوا ربهم فليسوا عقلاء، وشتان بين الذكاء والعقل، قد تتفوق في اختصاصك، قد تتفوق في عملك، قد تختص اختصاصاً نادراً يدر عليك أرباحاً طائلة، أنت ذكي ولست عاقلاً إلا إذا عرفت ربك، ولست عاقلاً إلا إذا عرفت سرّ وجودك، ولست عاقلاً إلا إذا عرفت الغاية من وجودك، ولست عاقلاً إلا إذا جاءت حركتك اليومية مطابقة لهدفك.
يا أيها الأخوة الكرام، الحديث اليوم عن الولاء والبراء دققوا: من شهد معصيةً فأنكرها كان كمن غاب عنها، ومن غاب عن معصية أو عن منكر فأقرها كان كمن شهدها ، أي يكفي أن تستمع إلى عمل ساقط جرى في ألاسكا وتتمنى أن تكون مكان هذا الإنسان فتكون قد حملت إثمه.
 من شهد معصيةً فأنكرها كان كمن غاب عنها، ومن غاب عن معصية فأقرها كان كمن شهدها، محور هذه الخطبة يقول عليه الصلاة والسلام:

((إن من أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله ))

[ الدار قطني عن علقمة بن مرة عن أبي عبد الرحمن ]

(( أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ ))

[ أبو داود عن أبي ذر]

 ينبغي أن تحب في الله، وأن تبغض في الله، لا يكمل إيمان عبد حتى يحب في الله ويبغض في الله، ويعطي في الله ويمنع في الله، ويغضب في الله ويرضى في الله، هذا هو الولاء. وأنت في بلدك ربما كان ولاؤك لغير المؤمنين، وأنت بين أهلك ربما كان ولاؤك لغير المسلمين، من هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً، لأن الله عز وجل يحاسب الإنسان على نيته كما أخبر سيد الخلق وحبيب الحق في الحديث المتواتر:

(( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[متفق عليه عن عمر بن الخطاب]

 أيها الأخوة الكرام ، إن من أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله، وقد قال بعض العلماء: الحب نوعان حب في الله وحب مع الله، أي جهة في الأرض إن أحببتها فقربتك إلى الله فهذا حب في الله وهو عين التوحيد، وأي جهة في الأرض إن أحببتها فأبعدتك عن الله فهذا عين الشرك، أحب في الله ولا تحب مع الله، الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور وأن تبغض على عدل.
 إنسان ليس مستقيماً جاءك منه خير كثير تمحصه حبك، وإنسان آخر نصحك نصيحة بأدب جم خدش كبرياءك تبغضه، هذا نوع من الشرك، بل إنك لو تعمقت أكثر لوجدت أن المؤمن الصادق يحب مؤمناً أساء إليه ولا يحب كافراً أحسن إليه، هذه الحقيقة، يحب مؤمناً أساء إليه متأولاً، أو مجتهداً، أو مخطئاً، أو ناسياً، ولا يحب كافراً أحسن إليه، هذا هو الولاء.

أدلة الولاء من القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام ، من أعظم أدلة الولاء الآية الكريمة:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

[ سورة الحجرات: 10]

 ما معنى إنما؟ إنما أداة قصر، كيف نترجمها بصيغة أخرى؟ أي ليس المؤمنون إلا أخوة فإذا انتهت أخوتهم انتهى إيمانهم، لمجرد أن تنفرط الأخوة بين المؤمنين فبالتالي انمحى إيمانهم ولا أدل على ذلك من قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: صلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))

[ الترمذي عن أبي الدرداء ]

 العداوة والبغضاء والشحناء والحسد والكبر والغطرسة والاستعلاء والزهو والعجب بين المؤمنين تلغي إيمانهم، بل إن الأوس والخزرج في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقعت بينهم مشادة؛ يهودي ماكر أرسل غلاماً وألقى على بعضهم قصيدة في الجاهلية فيها فخر وهجاء، هذه القصيدة فعلت فعلها  فكانت الملاسنة والمشادة، فسمع النبي بهذه الفتنة فغضب غضباً شديداً، فأنزل الله تعالى:

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾

[ سورة البقرة: 28]

 سمى هذه العداوة والبغضاء والمخاصمة كفراً:

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾

[ سورة آل عمران: 101]

 يا أيها الأخوة أعيد وأكرر: مظاهر الإسلام صارخة، مساجد من أروع ما بني في المساجد، مكتبات ضخمة، مؤتمرات فخمة، كتب رائعة، أشرطة نادرة، كل شيء يؤكد أننا مسلمون لكن الحب مفقود بيننا، لذلك قال تعالى:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 46]

 المسلمون الآن في شتى بقاع الأرض - وهذه حقيقة يدمى لها الفؤاد- بأسهم بينهم، إنما المؤمنون أخوة لمجرد أن تلغى أخوتهم ألغي إيمانهم هذا أقوى شاهد.
 أيها الأخوة الكرام ، الآية الثانية:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

[ سورة الأنفال: 72 ]

 عليك أن تؤمن، وعليك أن تجاهد نفسك وهواك، وعليك أن تجاهد جهاداً دعوياً، وعليك أن تجاهد جهاداً قتالياً، وعليك أن تؤوي المؤمنين، وأن تنصرهم، وأن تحمل همومهم، وأن تذب الشر عنهم، وأن تحبهم، وأن تحمل مشكلاتهم، وهناك آية تالية يقول الله عز وجل:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[ سورة الأنفال:73 ]

 يتعاونون، ويخططون، ويتآمرون في تدمير المسلمين، لإفقار المسلمين، لشق صفوف المسلمين، للإيقاع بين المسلمين، لنهب ثروات المسلمين، للتعتيم على منجزات المسلمين، لإظهار سلبيات المسلمين، لافتعال مذاهب تسيء سمعة المسلمين، لتفجير الدين من الداخل.

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾

[ سورة الأنفال:73 ]

 أي إن لم تؤمنوا، وإن لم تهاجروا، وإن لم تجاهدوا، وإن لم تؤووا، وإن لم تنصروا:

﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾

[ سورة الأنفال:73 ]

الطريق الأوحد إلى استرجاع مجد هذه الأمة أن نكون كما أراد الله :

 أيها الأخوة مادام الله عز وجل وعدنا بالنصر، ووعدنا بالاستخلاف، ووعدنا بالتمكين، ووعدنا بالتطمين، قال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

[ سورة النور: 55]

 دققوا يعبدونني، فإذا أخلّ الفريق الثاني بما عليه فالله جل جلاله في حلّ من وعوده الثلاثة، وعدنا أن يمكن لنا ديننا الذي ارتضى لنا، فإن لم يمكنا فديننا لم يرتضه لنا، دقق في آية ثانية وهي الطريق الأوحد إلى استرجاع مجد هذه الأمة واسترجاع قيادتها للعالم، قال تعالى:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة مريم: 59]

 أجمع العلماء على أن تضييع الصلاة لا يعني ترك الصلاة لكن تفريغها من مضمونها:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

[ سورة مريم: 59]

 ولقد لقي المسلمون ذلك الغي، ما السبيل؟ أن نصلي الصلاة التي يريدها الله، وأن نبتعد عن كل شهوة لا ترضي الله، هذا الحل، الحل الأوحد كي نسترجع استخلافنا في الأرض، وكي نسترجع تمكين ديننا في الأرض، وكي نسترجع تطميننا أن نحكم صلاتنا، فالصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين.

(( مِفْتَاحُ الصّلاةَ الطُّهُورُ))

[ الدارمي عن علي ]

 الصلاة نور، الصلاة حبور، الصلاة معراج المؤمن، الصلاة عقل، الصلاة قرب، الصلاة ذكر، الصلاة تنور القلب، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر.

﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت: 45]

أدلة الولاء من الحديث الشريف :

 أيها الأخوة الكرام ، ومن أدلة الحديث الشريف:

((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمر]

(( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ ))

[متفق عليه عن أبي موسى]

(( تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

[متفق عليه عن عامر]

لوازم الولاء :

 يا أخوتنا الكرام ، هذا الولاء كيف يترجم؟ كيف ينقلب واقعاً؟ ما لوازمه؟ ما خصائصه؟ ما صفاته؟ كيف يكون الولاء؟ كيف أكون ولياً للمؤمنين متبرئاً من الكافرين؟
 أول شيء أن تحب المؤمنين، أو أن تفعل أسباب محبتك لهم، الحب شعوري لا يملكه الإنسان ولكن يملك أسبابه يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

[متفق عليه عن أنيس]

 وفي رواية أخرى:

((وحتى يكره له ما يكره لنفسه ))

 هذا أول مقياس إن كنت تحب للمؤمنين ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك فأنت موال للمؤمنين.
 أيها الأخوة: والشيء الآخر الذي يؤكد ولاءك للمؤمنين أن ترد السلام، وأن تطعم الطعام، وأن تشمت العاطس، وأن تتبع الجنازة، وأن تعود المريض، وأن تجيب الدعوة، الحب والمجاملة.
 والشيء الثالث أن تنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، إن كان مظلوماً أن تنصره بالمعنى البديهي المتعارف عليه، وإن كان ظالماً أن تنصره بأن تأخذ على يده، أنت مع الحق لا مع زيد أو عبيد.
 أيها الأخوة الكرام ، وأولى الناس بولائك رسول الله، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب: 45-46]

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾

[ سورة الفتح : 8-9]

 أن تحب النبي، أن تعظم سنة النبي، أن تصلي على النبي، أن يكون قدوتك النبي، أن تحب من أحب النبي، يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، قال: يا رسول الله كيف نبغضك وبك هدانا الله؟ قال: تبغض العرب فتبغضني.
 لا ينبغي أينما جلست أن تتحدث عن هذه الأمة بالسوء، هذا يتناقض مع ولائك، يوجد أخطاء ساهم بإصلاحها، يوجد أخطاء ساهم بحلها، أو اسكت، أما أينما جلست تعظم أهل الكفر وتحتقر أمتك العربية:

(( عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا سَلْمَانُ لا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَبْغَضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ ؟ قَالَ: تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي))

[ الترمذي عن سلمان ]

 قال تعالى:

﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴾

[ سورة الأحزاب: 57]

سنة النبي صالحة لكل مكان و زمان :

 هؤلاء الذين يتوهمون أن سنة النبي مرحلية جاءت لعصر البداوة والصحراء، أما سنته لهذا العصر فلا تصلح، فنحن قرآنيون ندع السنة ونبقى في القرآن، هذه دعوة رائجة الآن إنها سبيل إلى تحطيم الدين، هؤلاء الذين يدعون أنهم قرآنيون ليسوا قرآنيين لأن القرآن يأمرهم ويقول:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر: 7]

 إنه لا ينطق عن الهوى، إن أمره تشريع، كلامه تشريع، وحذفكم هذه الآية وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، يا رسول الله إنك بشر تغضب وترضى، أفنكتب عنك إذا كنت غاضباً؟ فأمسك النبي بلسانه وقال: والذي بعث محمداً بالحق هذا اللسان لا ينطق إلا بالحق، في الغضب والرضى، جزء من دينك أن تؤمن بعصمة النبي، أمته معصومة بمجموعها أما هو فمعصوم بمفرده، سنته تصلح لكل مكان وزمان، تصلح لعصر الكومبيوتر، وعصر الأقمار الصناعية، وعصر الفضائيات، تصلح لعصر الذرة، إن الذي جاء به النبي ليس من عنده إنما هو من عند الله.

﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾

[ سورة الأحزاب: 57]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 1]

 هذه الآية قد يفهمها بعضهم أنها في عهد النبي ماذا نفعل بها بعد انتقال النبي؟ نفعل بها أن حكمها قائم، لا تقترح حلاً لمشكلة حلها النبي على نحو آخر، لا تتوهم أنك تأتي بحل فوق حل النبي صلى الله عليه وسلم، لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، لا تقل قطع اليد عمل عنيف لا يليق بهذا العصر. أحد الشعراء سأل الإمام الشافعي قال: يد بخمس مئين عسجد ودية - ديتها خمسمئة دينار ذهبي إذا قطعت خطأ بحادث - ما بالها قطعت بربع دينار إذا سرقت. فقال:

عز الأمانة أغلاها وأرخصها  ذلّ الخيانة فافهم حكمة الباري
***

 لما كانت أمينة كانت ثمينة ديتها خمسمئة دينار ذهبي فلما خانت هانت، ما الذي يعاني منه العالم في كل قاراته؟ السرقة الظاهرة والمقنّعة، ما حلها؟ حلها بسيط هو هذا الذي جاء به القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾

[ سورة المائدة: 38]

 أيها الأخوة الكرام ، وحق الربانيون من العلماء، وحق الوالدين والأرحام، وحق الجوار، وحق الصحبة، وحق الشراكة، وحق الضيف، وحق الفقير، والمسكين، والسائل، وابن السبيل، هذه لها موضوعات خاصة وفيها تفصيلات كثيرة نتجاوزها إلى موضوع آخر.

 

نواقض الولاء :

 ما الذي ينقض ولاءك للمؤمنين؟ أن تكفر المسلمين، كيفما تحركت هذا كافر، هذا مشرك، هذا يتناقض مع ولائك للمسلمين، يقول عليه الصلاة والسلام: من قال لأخيه يا كافر وليس كما قال إلا حار عليه. أي عاد عليه الكفر.

(( مَنْ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ))

[متفق عليه عن عمر]

 والمبدأ الثابت أن المؤمن الصادق لا يكفر بالتعيين يكفر بالحال، من كان حاله كذا فقد كفر، من اعتقد كذا فقد كفر، من قال كذا فقد كفر، من فعل كذا فقد كفر، أما فلان كافر فهذه لا ينطق بها الدهر كله، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾

[ سورة الإسراء: 17]

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾

[ سورة النجم: 32]

 ثم الذي ينقض ولاءك للمؤمنين أن تستحل دماءهم، يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، أو أن تستحل أعراضهم، أن تتطلع على عوراتهم، أو أن تأكل أموالهم أو بعض أموالهم بالباطل، هذا يخرجك من الولاء.
 كم من مسلم يقنص أموال الآخرين؟ يأخذ منهم الشركات؟ يأخذ منهم الحاجات؟ يفعل بهم الأفاعيل؟ هذا كله ينقض ولاءك للمؤمنين، يقول عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع:

(( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ قَالَ:...قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ ))

[متفق عليه عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ]

 ثم أن توالي الكافر وأن تعينه على المسلم، أو أن تطلع الكافر على عورات المؤمنين، هذا مما ينقض الولاء للمؤمنين.

قوادح الولاء :

 أيها الأخوة الكرام: ما الذي يجرح الولاء؟ هذه تنقض الولاء، أن تكفر مسلماً أو أن تستحل دمه أو عرضه أو ماله، أو أن تعين كافراً عليه، أما الذي يجرح الولاء، يضعف الولاء؟ أن تظلم أخاك المؤمن لقول الله عز وجل في الحديث القدسي الصحيح:

((عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا))

[مسلم عن أبي ذر]

 أو أن تسب، أو أن تشتم، أو أن تغتاب، أو أن تنم، قال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ الْمُرْجِئَةِ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ))

[متفق عليه عن زُبَيْدٍ]

((لعن المسلم كقتله ))

[متفق عليه عن ثابت بن الضحاك]

﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾

[ سورة الحجرات: 12]

﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾

[ سورة النساء: 148]

 و :

(( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ))

[متفق عليه عن حذيفة ]

 أن تظلمه، أو أن تسبه، أو تشتمه، أو تغتابه، أو تنم عليه، هذه كلها تقدح في ولائك للمؤمنين، أو أن تبيع على بيعه، أو أن تخطب على خطبته، أو أن تدلي بسعر ولست جاد في الشراء لترفع السعر هو النجش وقد نهى النبي عن النجش قال:

(( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلا تَنَاجَشُوا وَلا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 أو أن تغش المسلمين فمن غش فليس منا، من غشنا فليس منا، ومن غش مطلقاً فليس منا، هذا الولاء مترجم إلى سلوك يومي.

(( غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))

[مسلم عن أبي هريرة]

 مترجم إلى فقرات، والذي يقدح في ولائك للمؤمنين أن تهجر أحدهم قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ))

[متفق عليه عن أبي أيوب الأنصاري ]

 والهمز واللمز والسخرية هذا كله أيضاً يقدح في الولاء قالت عن أختها صفية قصيرة، قال: يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته.
 أيها الأخوة الكرام ، هذه بعض أسباب ودلائل الولاء ومظاهر الولاء ونواقض الولاء وقوادح الولاء وما لم يكن ولاؤك للمؤمنين فلست مؤمناً.
 تحدثنا عن الهجرة إلى الرحمن، ثم تحدثنا عن الهجرة إلى الشيطان، وتحدثنا عن الولاء بأنه نوع من الهجرة.

((بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 الولاء الحقيقي بهذه التفاصيل نوع من الهجرة، وأنت في بلدك، وأنت بين أولادك، وأنت في مسكنك نوع من الهجرة.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المنافق إنسان لا يوالي المسلمين بل يلعنهم و يظلمهم :

 أيها الأخوة الكرام: الإنسان إن لم يكن ولاؤه للمؤمنين أين يصنف؟ كافر؟ لا، هو يصلي ويصوم ويحج ويعتمر ويدفع زكاة ماله وولاؤه ليس للمؤمنين بدليل أنه يلعنهم، أو يكفرهم، أو يظلمهم، أو ينتهك حرماتهم، أو يعتدي على أموالهم، أو على أعراضهم، أو على دمائهم، أو يظلمهم، هناك نواقض وهناك قوادح، هناك ما ينقض الولاء كلياً، وهناك ما يجرحه، فهذا الذي ليس ولاؤه للمؤمنين أين يصنف؟ أجمع العلماء أنه يصنف مع المنافقين، والمنافقين في الدرك الأسفل من النار لأنهم أرادوا أن يجمعوا بين ميزات الكفار في التفلت، وميزات المؤمنين في التعاون، فكانوا مع الكفار قلباً، وأظهروا ولاءهم للمؤمنين كذباً، فجمعوا بين ميزات الفئتين، لذلك وصف الله المؤمنين في آيات عديدة، والكفار في آيتين في أوائل سورة البقرة، ووصف المنافقين في ثلاث عشرة آية، لأن الخطر على المؤمنين لا من أعداء المؤمنين بل من أدعياء المؤمنين يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان))

[ أحمد عن عمر بن الخطاب]

 طليق معه حجة يقنع وهو ليس من المؤمنين، والخطر يأتي من أين؟ قال تعالى:

﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة: 47]

 والخطر يأتي من أين؟

﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾

[ سورة المنافقون: 4]

 حديث جذاب، ابتسامة صفراوية، وجه بشوش، إقناع ما بعده إقناع لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 فالذي لا يوالي المؤمنين هو منافق، لكن أن يكون الإنسان منافقاً شيء وأن يخشى أن يكون منافقاً شيء آخر، أن يخشى أن يكون منافقاً هذه ميزة، سيدنا عمر وما أدراك ما عمر جاء حذيفة بن اليمان قال: أشهدك الله اسمي مع المنافقين؟ - أحد التابعين - قال: والله التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحد إلا وهو يظن أنه منافق.
 فأن يكون المرء منافقاً شيء وأن يخشى أن يكون منافقاً شيء آخر، الأولى هو منافق أما الثانية فهذه ميزة طيبة من شدة خوفه من الله، وقلقه على مصيره، ومحبته لربه، يكثر من اتهام نفسه، وهؤلاء الذين ُيكَفرون المؤمنين كما وصفهم النبي بأنهم:

((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحلامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ))

[متفق عليه عن علي]

 كل من أحدث شرخاً بصفوف المسلمين، و كل من بالغ بتكفيرهم، أو تشريكهم، أو الطعن بمعتقداتهم، أو إساءة الظن بهم، فهو ينتمي إلى صنف آخر أخطر من المنافقين إنهم الخوارج.
 فيا أيها الأخوة الكرام:الولاء الولاء، و في موضوع آخر إن شاء الله سأتحدث عن البراء، و الولاء و البراء أحد أركان الإيمان، أو أحد لوازم الإيمان، أن توالي فيّ ولياً، أو أن تعادي فيّ عدواً، و ليس معنى البراء أن تقاتل الناس لكن أن تكون خالياً من الانتماء إليهم، أن تبتعد عن الاندماج بهم، أن تنكر أعمالهم، هذا إن شاء الله سيكون موضوع خطبة قادمة، إن شاء الله.

 

الدعاء :

 الله اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانتين، و لا تهلكنا بالسنين، و لا تؤاخذنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، الله إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، و من الخوف إلا منك، و من الذّل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، و من شماتة الأعداء، و من السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، و ما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم بفضلك و رحمتك أعل كلمة الحق و الدين، و انصر الإسلام و أعز المسلمين، و خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنك على ما تشاء قدير و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018