رياض الصالحين - الدرس : 040 - باب ذكر الموت وقصر الأمل ، حديث- كن فِي الدنيا....., وقول ابن عمر- إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح, صور من حياة الصحابة نستنبط منها مدى محبتهم وطاعتهم للنبي عليه الصلاة والسلام - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رياض الصالحين - الدرس : 040 - باب ذكر الموت وقصر الأمل ، حديث- كن فِي الدنيا....., وقول ابن عمر- إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح, صور من حياة الصحابة نستنبط منها مدى محبتهم وطاعتهم للنبي عليه الصلاة والسلام


1990-06-17

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إليكم هذه الآيات التي بدأ بها النووي كعنوان لهذا الدرس :

 أيها الأخوة المؤمنون, في رياض الصالحين، كتابنا في الحديث الشريف للإمام النووي رحمه الله تعالى، وهو من أفضل كتب الحديث، لما ينطوي عليه من أحاديث صحيحة, انتقاها ورتبها على أبواب، يمكن أن تكون هذه الأبواب موضوعات, تهم كل مسلم, في الباب الخامس والستين باب: ذكر الموت وقصر الأمل .
 كلكم يعلم أن الموت حق، وأن الموت نهاية كل حيّ، لا يختلف في هذا اثنان، ولكن الشيء الذي يختلف فيه هو: أن زيداً من الناس, يستعد لهذه الساعة، وعمرو لا يستعد، أما لو سألت عمرًا: هناك موت؟ يقول لك: نعم، سوف تموت, يقول لك: نعم, فلا يختلف شخصان في العالم الإسلامي أو في بني البشر على أن الموت نهاية كل حي، ولكن الشيء الذي نختلف فيه هو: أن المؤمن يستعد لهذه الساعة، هذه الساعة أدخلها في حساباته اليومية، أدخلها في برامجه، وغير المؤمن غفل عن الموت، فلما جاء الموت, كانت هذه الساعة عصيبةً عليه, قال تعالى:

﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

[سورة ق الآية: 19-22]

 هل من إنسان على وجه الأرض أشد كفراً، وعناداً، وعتواً، وعلواً، وطغياناً, مِن الذي قال: أنا ربكم الأعلى؟ ومع ذلك قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، إذاً: كشفُ الغطاء لا بد منه، كل بطولتك، كل فوزك، كل نجاحك، كل فلاحك, في أن تعد نفسك للموت قبل أن يأتي الموت .
 لا أريد أن تفهموا مني, أنه على الإنسان أنْ يترك عمله، فالذي يدخل الموت في حساباته اليومية؛ متفوق في عمله، متفوق في دراسته، متفوق في وظيفته، متفوق في صنعته، متفوق في تجارته، لأن طبيعة الحياة لا تتناقض مع الموت، ولكن الموت يحجزك عن معاصي الله عز وجل .
 على عادة الإمام النووي رحمه الله تعالى في صدر الباب, يصدّر هذا الباب بطائفة من الآيات الكريمة، من هذه الآيات التي صدَّر الإمام النووي, فصل: ذكر الموت وقصر الأمل قوله تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

 كل: تفيد الشمول, قال تعالى:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

 يفهم من هذه الآية: أن الدنيا دار جزاء، قد يشجِّع الله عز وجل المؤمنين, فيثيب بعضهم في الدنيا، وقد يحذِّر الناس, فيعاقب بعض الناس في الدنيا، ليس عقاب المسيئين في الدنيا عقاباً نهائياً، وليس ثواب المؤمنين المحسنين ثواباً نهائياً، إنما ثواب المؤمنين ثوابٌ تشجيعي، وعقاب المنحرفين عقابٌ تحذيري، ولكن رصيد الحساب، وكامل الجزاء، والتوفية الكاملة، والحق الكامل، والعدل التام، والقسطاس المستقيم يوم القيامة .
 لذلك: قد يموت الإنسان من دون أن يأخذ حقه الكامل، ما دام يوم القيامة يوم العدل، ويوم القسطاس، ويوم الجزاء، ويوم الدينونة، فلا بأس بذلك, قال تعالى:

﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾

[سورة الرعد الآية: 40]

 يمكن أن نتوفينك قبل أن ترى الذي نعدهم، لا مانع، لا ينبغي أن نعتقد أن الدنيا دار جزاء، الدنيا دار بلاء، والآخرة دار جزاء، ولكن هناك محسنٌ يثاب على إحسانه تشجيعاً لبقية الناس، وهناك مسيءٌ يعاقب على إساءته تحذيراً لبقية الناس، عيِّنات .
 هذا كلام أسوقه لكم, لئلا يرى أحدٌ منكم إنساناً منحرفاً، كافراً، فاجراً، ويزداد قوة, ومنَعَة, وغنى، فتقول: أين العدالة؟ ولئلا ترى إنساناً مؤمناً ضعيفاً في الظل، يعاني من مشكلات, فتقول: أين العدالة؟ الدنيا دار ابتلاء, قال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[سورة الملك الآية: 2]

 هذا المفهوم مريح جداً، إذاً :

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

 أريد أن أضيف شيئاً: البلاء لا يستمر، البلاء كالامتحان، الامتحان ثلاث ساعات، إما أن تنجح، وإما أن ترسب، فهل من المعقول أن يكون العمر كله ابتلاء؟ لا، والدليل:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[سورة المائدة الآية: 18]

 الإمام الشافعي عندما استنبط من هذه الآية: أن الله لا يعذب أحبابه، هذا لا يتناقض أن تعتقد: أن الإنسان مبتلى في الدنيا، الابتلاء موقت، الابتلاء محدود، أما حياة المؤمن فتستقر على الإكرام، ولكن لا بد من أن تبتلى؛ في مالك، في صحتك، في وقتك، في مكانتك، في حريتك، لينظر الله عز وجل كيف نعمل؟ إذاً:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

 إنما تفيد القصر، أي التوفية الكاملة التامة، إحقاق الحق، أن يأخذ الإنسان حقه كاملاً، أن يعطى كل إنسانٍ ما يستحق، أن يفصل الله بين عباده، هذا يوم القيامة, قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

 أحياناً: الإنسان يضع مبلغ استثمار، يقبض دفعات على الحساب، نقول له: هذا المبلغ ليس هو ربحك، هذا دفعة على الحساب، قد يأخذ القليل أو الكثير، ولكن حقه محفوظ، فإذا جاء يوم الحساب, كان هذا المبلغ الكامل، إذاً هذه:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

 تعني: أن الدنيا دار ابتلاء وفيها جزاء، ولكن جزاء عينات من الجزاء، فيها عقاب وفيها ثواب، العقاب تحذيري، والثواب تشجيعي، ومع ذلك المؤمن مبتلى، وحياته تستقر على الإكرام، والدليل:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

[سورة النور الآية: 55]

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[سورة آل عمران الآية:185]

 لا أعتقد أن إنسانًا على وجه الأرض, لا يتمنى أن يكون فائزاً، ناجحاً، المشكلة أن تنجح على أي مقياس, هنا المشكلة، على مقياس أهل الدنيا: الغني هو الناجح، القوي هو الناجح، صحيح الجسم هو الناجح، مَن له أولاد متفوقون نجباء هو الناجح، من له زوجة تروق له هو الناجح، من عنده مال يضفي عليه أمناً هو الناجح، هذا مقياس البشر، ولكن البطولة: أن تتعرف إلى مقياس الله عز وجل، الله عز وجل قال:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 71]

 الله عز وجل قال :

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[سورة الشمس الآية: 9-10]

 الله عز وجل قال :

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 1-2]

 مقاييس القرآن غير مقاييس الناس، قد تكون عند الناس فالحاً، ورائعاً، وذكياً، وليس عند الله كذلك، فالبطولة أن تبحث عن مقياس القرآن في التفوق .
 إذاً: ما من واحد على وجه الأرض, إلا ويتمنى أن يكون فائزاً، ناجحاً، فالحاً, ولكن على أي مقياس؟ يجب أن تكون على مقياس القرآن من الناجحين، وربنا عز وجل قال:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 1]

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾

[سورة الشمس الآية: 9]

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 71]

 وكفاك على عدوك نصراً, أنه في معصية الله، إذاً :

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

 الإنسان يقول: صدق الله العظيم، كلام رب العالمين، كلام طيب، من الأدب أن تقول: صدق الله العظيم، ولكن يا ترى ربنا عز وجل يقول:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

 لو كنت تعاني ضائقة مالية، وأنت في أشد الحاجة إلى المال، ولك صديق في بحبوحة كبيرة, وهو غارق في المعاصي، لو شعرت للحظة واحدة, أن هذا الصديق الذي في بحبوحة ، هنيئاً له، وأنا محروم، والله ما عرفت معنى هذه الآية، وقولك: صدق الله العظيم غير صحيح، أنت لست مصدقاً ربك في هذه الآية، ولكن هذا متى يعرف؟ عندما يلقى الإنسان ربه ، المؤمن يعرق لشدة خجله من هذا الإكرام الذي أكرمه الله به، هذه ساعة الموت, قال تعالى:

﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾

[سورة المدثر الآية: 8-10]

 هذه الآية الأولى .قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

 قلت لكم البارحة، يوم الجمعة: هذا المسجد المتواضع، الأخوة الأكارم المحدودون، والله رحل من هذه المسجد عشرات، عمر التدريس والخطابة في هذا المسجد ثمانية عشر عامًا، في هذه المدة المحدودة رحل عشرات، كل شهرين أو ثلاثة, تجد أخًا يرحل، كان ملء السمع والبصر، كان معنا، في دروسنا، في مجالسنا، جلس، يستمع، يقرأ، ذهب إلى بيته، الآن تحت أطباق الثرى، هكذا الدنيا، فليست قضية تشاؤم، تذكر لنا ذكر الموت، اتركنا مسرورين، لا، ليس هذا الموت، الموت موضوعه واقعي جداً، بعد الموت أجمل مما قبل الموت، هذه الحقيقة، أريد الدليل .
 الدليل: النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ, فَرِحَ بِصَوْمِهِ))

 النبي لا ينطق عن الهوى، يعني ما يقول، كلمة فرح: أي فرح حقيقة، وعندنا فرحٌ: أي عرس، ونجاح، وفرح في شراء بيت، في مناسبة، في حفلة، في سهرة، عندنا مناسبة فرح، معناها لا يوجد فيها بكاء، فإذا مات إنسان مؤمن على الإيمان فرِح، الموت عرس المؤمن، وهذا الذي يعد لهذه الساعة طوال عمره, إذا نجح في هذه الساعة، فهنيئاً له, قال تعالى:

﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾

[سورة يس الآية: 26]

 تفضل, قال تعالى:

﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾

[سورة يس الآية: 26-27]

 لا يتمنى المؤمن, وهو يلقى الله, إلا أن يطلع هؤلاء الذين يبكون عليه من حوله, أين هو؟ لذلك ورد في بعض الأحاديث الصحيحة:

((إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح والنسائي في سننه]

 في ظاهر هذا الحديث تناقض مع آية كريمة، ربنا عز وجل يقول:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

[سورة الأنعام الآية: 164]

 ما علاقة الميت؟ ما ذنبه أن يعذب ببكاء أهله عليه؟ ولكن بعض علماء الحديث, فسروا هذا الحديث, ووجهوه توجيهاً رائعاً، قال: لا أحد يعذب المؤمن, إذا بكى أهله عليه، ولكن هو يتألم، هو يرى أنه في أعلى درجات النعيم، وهم يندبون حظهم لفقده، هو يعذَّب لعذابهم، لذلك من السنة: الإنسان إذا حزن, مسموح لك أن يحزن القلب، وأن تدمع العين .
 شيء آخر: ممنوع، شيء آخر: معصية كبيرة، هذا الذي يمزق ثيابه، وهذا الذي يلطم جبينه، أو يلطم صدره، وهذا الذي يشد شعره، وهذه التي تقول: أن الجسر هد في البيت، هذا الكلام كله كلام غير إسلامي، كله كلام غير صحيح، كلام فيه اعتراض على قضاء الله وقدره ، كلام فيه شرك .

 

((إن العين لتدمع، والقلب ليحزن -فقط، هذا مسموح، هذا من طبيعة البشر- ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون))

 والأحاديث والقصص كثيرة جداً، ولا أعتقد أن أكثر من مائة وخمسين صحابي، في كل سير هؤلاء الصحابة, قاسم واحد مشترك: أنهم جميعاً كانت أجمل لحظات حياتهم, حينما لقوا ربهم .
 سعد بن الربيع, هذه القصة أعيدها كثيراً، لأنها مؤثرة، هذا الصحابي الجليل الذي افتقده النبي عليه الصلاة والسلام بعد إحدى المعارك, فسأل عنه، لا أحد يعلم عنه شيئاً، كلف صحابي آخر, يتفقده بساحة المعركة، فانطلق إلى ساحة المعركة, فإذا هو في حالة النزع، فقال له:

 

((يا سعد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أتفقدك، أأنت في الأحياء أم في الأموات؟ .
قال: في الأموات -في النزع الأخير- ولكن أبلغ رسول الله مني السلام .
-أنا سألت أحد أصدقائي الأطباء, عن حالات الإنسان عندما يموت، قال لي طيار: كنا في طائرة فوق مدينة أوروبية، والطائرة دخلت بسحابة مكهربة، وحدث فيها خلل كبير في أجهزتها، وتحطم زجاجها، وجهاز الرادار تحطم، وكان الموت محققاً، فقال لي: ما من واحد رأى الطائرة بعد هبوطها, وإلا وعجب من سلامتها! قال: لو رأيت منظر الركاب, وقد أيقنوا أن الطائرة على وشك السقوط؛ هذا يرفع صوته، وهذا يصرخ، وهذا يضرب نفسه، وهذا يقول: يا زوجتي، يا أولادي، والطيار مضطر أن يبلغهم شيئاً، موضوع الأحزمة وتدابير السلامة، ما من إنسان يفهم منه كلمة، لا يوجد راكب يسمع منه كلمة، حالة هياج منقطعة النظير، إلى أن وجدوا راكبًا من الركاب, ناسبَ أن يبلّغ الركاب، يجلس هادئاً، توجهوا إليه, فإذا هو مغمى عليه، هذا الوحيد .
فكيف قال له وعلى وشك الموت-: أبلغ رسول الله مني السلام، وقل له: جزاك عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم عند الله, إذا خُلِص إلى نبيكم, وفيكم عين تطرف؟))

 يبدو أن هذا الصحابي كان في أعلى درجات السعادة، فبطولتك تظهر عند الموت، حينما يغادر الإنسان الدنيا بكاملها، كل شيء جمعه في الحياة, يفقده في طرفة عين، لذلك :

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

 الدنيا تضر، وتغر، وتمر، ممكن تفكر بالموت تفكير جدي، وتكون بالدنيا متفوق، لأنك تسير على أصول، على منهج، على مجموعة قيم؛ تأكل، وتشرب، وتلبس، وتجلس مع أهلك، وتعمل في معملك، في متجرك، في وظيفتك، في دراستك، في قاعة تدريسك، في قوس المحكمة، في عيادتك، ليس معنى هذا: أن الإنسان حينما يدخل الموت في حساباته, يصاب بالسوداوية، أنت متفائل، لكن أجمل فكرة سمعتها: أن خط بياني صاعد صعود مستمر، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد، عملية تحول بسيط من وضع إلى وضع، ثياب خلعتها, قال تعالى:

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

 الآية الثانية في هذا الباب الذي عقده الإمام النووي عن الموت, قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

[سورة المنافقون الآية: 9]

 هل نحن نصدق كلام الله عز وجل؟:

﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

[سورة المنافقون الآية: 9]

 دائماً عندك مقياس، هذا مقياس مهم جداً، أنت كائن تتحرك، الإنسان ديناميكي متحرك، يخرج من بيته لعمل، لكسب مال، لإنفاق مال، لعقد مال، لشراء، لنزهة، لتجارة، لأداء عمل معين، لزيارة صديق، في حركة، هذه الحركة، هذه كلمة واسعة جداً، أنت متحرك ، إلى النزهة حركة، إلى عملك حركة، إلى التعزية حركة، إلى التهنئة حركة، إلى قضاء ساعة من ساعات اللهو حركة، أنت متحرك، كل حركاتك وسكناتك قسها بمقياس واحد, العمل الذي له تأثير، أو يستمر أثره إلى ما بعد الموت, هذا عمل جيد، افعله وأكثر منه, والعمل الذي ينقطع أثره بعد الموت, هذا عمل فيه خسارة، ابتعد عنه، هذا المقياس, قال تعالى:

﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾

[سورة الكهف الآية: 46]

 إذاً :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

[سورة المنافقون الآية: 9]

 خاسر، لأن الإنسان مجموعة أيام، فإذا استهلك أيامه .
 كنت أضرب مثل دائماً: الذي ينفق المئات، يلقيها في الطريق، يلقى عليها الحجز، أو الحجر، عندنا حجر صحي، وحجر عقلي، هذا إنسان سفيه، فكل إنسان ينفق ماله جزافاً, هذا يعد في الشرع سفيهاً، والسفيه يمنع من التصرُّف في أمواله، لكن ما دام الإنسان يدفع كل ماله, من أجل الحفاظ على حياته، أيهما أغلى؟ الحياة، الإنسان يدفع كل أملاكه، يبيع بيته، ويجري عملية جراحية خارج البلد مثلاً، حياته أغلى من ماله، لكن إذا كان إنفاق المال جزافاً, يعد صاحبه سفيهاً، فما قولكم بإنفاق الوقت جزافاً؟ هذا أشد سفاهة، أشد خسراناً، أشد غبناً، أشد انحرافاً، فلذلك:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾

[سورة المنافقون الآية: 9-10]

 أيضاً عز وجل رحيم، لم يقل: أنفقوا ما رزقناكم، قال: أنفقوا مما، هذه مِن للتبعيض, قال تعالى:

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

[سورة المنافقون الآية: 10]

 بماذا جاء الجواب؟ قال تعالى:

﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

[سورة المنافقون الآية: 11]

 فهذه ساعة الموت طريق مسدود، تندم بهذه الساعة ندم, ليس له معنى إطلاقاً، كما قلنا لكم سابقاً: الإنسان عندما يرتكب جريمة، ويحكم عليه بالإعدام، عند تنفيذ حكم الإعدام, يحب أن يبكي، يضحك، يرجو، يتجلد، ينهار، كله مثل بعضه، أي موقف يقفه لا يؤثر في تنفيذ الحكم، والإنسان عند الموت, قال تعالى:

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ﴾

[سورة النساء الآية:18]

 وفرعون قال له ربه :

﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾

[سورة يونس الآية: 91]

 إذاً: البطولة قبل فوات الأوان .

 

إليكم شرح هذا الحديث, ويليه هذا القول :

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:

((أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيل))

[أخرجه البخاري في الصحيح والترمذي في سننه عن عبد الله بن عمر]

 وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ:

((إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ, وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ, وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ, وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ))

[أخرجه البخاري في الصحيح والترمذي في سننه عن عبد الله بن عمر]

 الغريب يكتفي بحاجات محدودة، الغريب إنسان مسافر إلى بلد، نزل في فندق، لو كان لون الستارة غير مناسب مع لون الفرش لا يتأثر، هو مسافر، ليلة واحدة تمضى، شعور الغريب شعور مسعد، لا أحد يغضبه، البلد ليس بلده، والبيت ليس بيته، ويهمه من هذا البلد ومن هذا البيت بُلغته فقط، ما يحتاجه، إذا سافر الإنسان ينقل معه حاجات محدودة بقدر سفره ، ولكن بماذا يعتني؟ ببيته، بمركز إقامته الدائم، فإذا اعتبر الإنسان نفسه في الدنيا مسافرًا أو غريبًا, تحل كل مشاكله، إذا اعتبر الدنيا مديدة, وهي كل شيء, تنشأ مشكلات له, لا يعلمها إلا الله، لذلك الموت يذيب المشكلات، والنبي عليه الصلاة والسلام مثلما علمنا, كل يوم نفكر دقائق في الموت، حتى المشكلات الضاغطة من أجل أن تذوب، من أجل أن تصغر، هذا حديث لطيف وقصير .
 قال له:

((كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيل))

 يا مسافر، يا غريب، يا غريب مسافر، لا يعنيك إلا الأشياء الدقيقة التي جئت من أجلها, إذا واحد سافر لبلد من أجل يعقد صفقة .
 لو فرضنا تاجرا, ذهب إلى بلد أجنبي, حتى يشتري صفقة، إذا كان يعلق على هذه الصفقة آمالا كبيرة جداً، وفي بلده ينتظرون هذه البضاعة على أحر من الجمر، له في هذا البلد هدف واحد، هدف واحد ليس له ثان: أن يوفق في شراء هذه الصفقة، لمجرد أن يتفق على البضاعة والنوعية والسعر، يعطي تعليمات الشحن، يقطع تذكرة للرجعة مع تأكيد الحجز ، كل حاجاته في هذا البلد عقد هذه الصفقة .
 وهكذا النبي الكريم:

((كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيل))

 أما إذا كان هدف الإنسان آخر في السفر, يريد أن يستقر، يشتري بيتًا، ويرى الأماكن الجميلة والمقاصف، إذا كان لك هدف واحد، هناك آية تؤكد هذا المعنى، قال ربنا عز وجل:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

[سورة القصص الآية: 77]

 فلو سألت معظم الناس حولك عن هذه الآية, يقولون: الإنسان له أن يستمتع في الدنيا، والله عز وجل سمح له، مع أن المعنى السياقي يقول :

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

[سورة القصص الآية: 77]

 على بعض أقوال المفسرين، وليسوا كلهم: أنك جئت للدنيا لمهمة، لك منها نصيب هو العمل الصالح ومعرفة الله عز وجل، إياك أن تنسى هذا النصيب من الدنيا، نقول لطالب ذهب إلى الدراسة بفرنسا: إياك أن تنسى الدراسة، أنت الآن بهذا البلد لمهمة واحدة وهي الدراسة، ولا تنس المهمة الأولى التي من أجلها, ذهبت إلى هذا البلد, قال تعالى:

﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

[سورة القصص الآية: 77]

 ما هو النصيب؟ قال تعالى:

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾

[سورة القصص الآية: 77]

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ﴾

[سورة القصص الآية: 77]

 كله, ابتغ فيما أتاك الله من مال، أو من صحة، أو من قوة، أو من شباب، أو من وجاهة، أو من شأن، أو من خبرة, قال تعالى:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾

[سورة القصص الآية: 77]

 هذا الحديث الأول:

((كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيل))

 وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ:

((إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ, وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ, وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ, وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ))

[أخرجه البخاري في الصحيح والترمذي في سننه عن عبد الله بن عمر]

 معنى دقيق، أنت الآن صحيح, فاقرأ القرآن، تعلم العلم الشرعي، جاهد في سبيل الله، جاهد نفسك وهواك، ازدد معرفة بالله عز وجل، اعمل أعمالا صالحة، لأنه لو جاء المرض وقف عملك الصالح، خذ من صحتك لمرضك .
 فالناس في الدنيا يقول لك: أنا الآن شاب، يجب أن أكسب أكبر مبلغ من المال حتى لما أكبر أصرف منه، هذا المعنى الشائع بين الناس, الإنسان في أول حياته, يعمل بطاقة كبيرة جداً، ليؤمن مستقبل حياته، هذا المعنى المادي.
 أما المعنى الآخر: خذ من صحتك لمرضك .
 وأنت صحيح, بإمكانك أن تصلي, وأن تصلي قيام الليل، وأن تقرأ القرآن، وأن تحفظ القرآن، وأن تحضر مجالس العلم، وأن تخدم الناس، وأن تتقرب إلى الله وأنت صحيح، لا توجد مشكلة، لا يوجد هم، فإذا جاء خريف العمر، والخريف فيه مشكلات، مقلقات، تراجع بالصحة، قلق بالحياة، تأتي هذه الذخيرة من المعرفة والعمل الصالح، تغطي لك هذه الفترة المتأخرة من حياتك، ومع ذلك في بشارة من رسول الله عليه الصلاة والسلام :

((من تعلم القرآن متعه الله حتى يموت))

 حفظناها في الصغر, فحفظها الله علينا في الكبر، والدعاء النبوي الشهير:

((ومتعنا اللهم بأسماعنا, وأبصارها, وقوتنا, ما أحييتنا، واجعله الوارث منا))

الملاحظ: أن الصالحين الله عز وجل يكرمهم حتى في صحتهم، وحتى في نشاطهم، وحتى في حيويَّتهم، والحقيقة: أن الإنسان نفسه لا تشيخ، يشيخ جسمه، لأن المؤمن له سبب، غير المؤمن أهدافه محدودة، أهدافه مادية، فإذا بلغها انتهت أهدافه، تصبح حياته مملة .
 الآن: انظر للشاب في أول حياته, تجده مملوءًا بالأحلام، يقول لك: سن الأحلام, يحلم ببيت معين، بزوجة معينة، بعمل معين، بوظيفة راقية، بتجارة رائجة، هكذا سيربي أولاده، كل حياة الشاب أحلام، فإذا تزوَّج تحددت؛ هذه زوجته، لم يعد في أحلام، انتهت الأحلام، عمله تحدد، بيته تحدد، كل أحلامه تحددت، لا أقول: تلاشت، بل تحددت، إذا كان يرغب بالمال جاءه المال، شبع من المال, أكل ما يشتهي، شرب ما يشتهي، سافر إلى أي مكان يشتهيه، انتهت الأمور، لذلك حياة غير المؤمن حياة مملة، يصير ساخرًا .
 طبيب مشهور جداً, دخله كبير، أكثر كلامه سخرية مع المرضى، من ملله، عنده كل يوم من دخله عشرة آلاف مثلا، لا توجد عنده مشكلة، لكن المشكلة لا يوجد عنده هدف، بلا هدف الحياة مملة .
 أما من أين تأتي سعادة المؤمن؟ هدفه الله عز وجل، والله لا نهائي، الهدف المادي محدود، هدفك المال، المال بلغته، هدفك المنصب، وصلت له، هدفك الأولاد، هؤلاء الأولاد، هذه زوجته.
 واحد مرة كان بخريف عمره، قال له: مليت من سويسرا، من أمريكا، رحت لهنا ، رحت للصين، لليابان، كله مليت من العالم، يمكن إذا واحد ما رأى بلد بالعالم، وسيسافر سفرة بعيدة, لا ينام ليلته من فرحه، أما هذا سافر إلى أن مل، كل شيء يمل .
 بالمناسبة: كل شيء ما سوى الله يمل، البيت الفخم، مَن الذي يعجب به؟ الزائر فقط، أما صاحب البيت, مستهلك البيت على اتساعه, وفخامته, وتزييناته، المنصب الراقي من يعجب به؟ المراجع فقط، مكتب فخم، ثمانية تلفونات، تزيينات رائعة، حجَّاب، أما هو المنصب يصير شيئًا مألوفاً بعد زمن، كل ما سوى الله يمل .
 بالأدق من ذلك؛ لا يمكن أن يعطيك شيء مما سوى الله سعادة مستمرة، لكن المؤمن ما دام هدفه الله عز وجل، والله لا نهائي، مهما سعيت في معرفة الله, فالله أعظم، لهذا أقول، وهذا كلام قطعي: حياة المؤمن في شباب دائم، مهما قرأت هذا القرآن, فهناك معان غابت عنك, فأنت معه في حياة، في تجدد، مهما فهمت حديث رسول الله، هناك أحاديث لم تفهمها بعد، وهناك معان دقيقة في أحاديثه لم تفهمها، فأنت مع الحديث في تجدد دائم، صليت صلاة راقية جداً، شيء مضحك أن تقول: هذه أرقى صلاة صليتها، الله عز وجل لا يوجد نهاية لمعرفته، الإيمان له بداية وليس له نهاية، هذا سر شباب المؤمن الدائم، المؤمن شاب، بالسبعين شاب، بالثمانين شاب .
 والقصة التي أذكرها دائماً والمشهورة: هذا الرجل من علماء دمشق رحمه الله تعالى، توفي عمره سبع وتسعون سنة، بدأ بالتعليم سبعة عشر عام، أي أنه علَّم ثمانين سنة، كان إذا رأى الشاب يقول له: أنت يا بني كنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، علَّم ثلاثة أجيال، وأخبرنا عنه، أن صحته تامة، سمعه مرهف، بصره حاد، أسنانه صحيحة، قامته منتصبة، لا يشكو شيئًا، وله كلمة شهيرة: يا بني حفظناها في الصغر, فحفظها الله علينا في الكبر .
 والله زرت في العيد شخصًا من الصالحين، قال لي: أنا في حياتي, لم آكل قرشًا حرامًا، ولم أفعل الحرام، زرته كان عمره اثنتين وتسعين سنة, قال لي: عملنا تحاليل كاملة, لا يوجد شيء إطلاقاً .
 كأنه في قانون:

((حفظناها في الصغر, فحفظها الله علينا في الكبر))

((من عاش تقياً عاش قوياً))

((من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت))

 فالمؤمن في شباب دائم، غير المؤمن ما دامت أهداف الإنسان مادية، فإذا بلغتها انتهت سعادتك، انتهت كل سعادتك، وإن أردت فاسأل، وعاين، وتأمل, ودقق .
 انظر لأهل الدنيا، الذين حصلوا كل ما فيها، أنا واثق مما أقول، لو سألت أغنى أغنياء العالم يقول لك: أنا أشقى إنسان، لماذا أشقى إنسان, ولا توجد عندك مشكلة؟ انقباض؟ والدليل:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾

[سورة طه الآية: 124]

 هذه الآية، الآن على الأرض خمسة آلاف مليون إنسان أو أكثر، إذا كان هناك إنسان واحد على وجه الأرض, أعرض عن الله, وهو سعيد، هذا القرآن يكون غلطًا، مستحيل أن يكون الإنسان معرضًا, ويكون سعيدًا، ومستحيل لإنسان مستقيم, أن يكون شقيًّا, قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[سورة النحل الآية: 97]

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾

[سورة طه الآية: 124]

 في بعض التفاسير، سئل أحد العلماء: فما بال الأغنياء والملوك, لا يوجد عندهم مشكلة؟! فقال: ضيق القلب، انقباض، لا يوجد سرور، لا يوجد انشراح، كل شيء موجود, لكن لا يوجد سرور .
 مرة دخلت بيتا بالجادة الخمسة عشرة، الأرض عدسة، الفرش بساط مقطَّع، غرفتين، صاحب البيت مؤمن، موظف وظيفة متواضعة جداً، في نظافة بالبيت، شهد الله شعرت بسعادة وانشراح .
 أقول لكم: الفرش بساط بسيط، وضعه بالديار, جلسنا عليه، عمل لنا كأس شاي، والبيت عدسة، والجادة رقم خمسة عشرة، أنا شعرت بسرور عجيب؛ هذا البيت فيه روحانية، فيه مودة، فيه شعور بالسرور، وتدخل بيتًا ثمنه خمسون مليونا، فيه أثاث بعشرة ملايين، وبلاطه مستورد من إيطاليا، فيه انقباض .
 موضوع الانقباض والانشراح شيء يحير، الله عز وجل يعطي ويحرم السعادة، ويمنع ويعطي السعادة، لا تعرف .
 النبي الكريم هو أسعدنا، ألا نقول: بالصلاة على النبي, وعلى أسعدنا محمد عليه الصلاة والسلام؟ .
 مرة قرأت كلمة: إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، لما يخرج الإنسان من ذاته لإسعاد الآخرين فهو أسعدهم، طريق الإيمان مُسْعِد، أنت ممن تعرف نفسك, اجلس مع المعرضين، إذا كان لك أصدقاء قدامى معرضين شاردين، اجلس معهم، انظر لمستوى كلامهم ، انظر إلى عقليتهم، انظر طموحاتهم كلها أرضية، انظر لأخلاقهم, انظر لمزاحهم، لا تعرف حالك، لا تعرف رقيك, نظافتك، مستواك، سموك، إلا إذا جلست مع أهل الدنيا، إذا واحد أنيق , نظيف، معطر، جلس مع واحد ثيابه قذرة، ورائحته قذرة، وهيئته رثة، يتضايق الناس منه، هذا بالنواحي المادية, فكيف بالنواحي المعنوية؟ مزحة جنسية، تشعر نفسك كأنك مع ميت القلب، ما هذا؟! تشعر بسموك، تشعرك بنظافتك .
 فلذلك: لكي يعرف الإنسان قيمة إيمانه، فالإنسان مثل عقرب الساعة يبدو واقفًا، الشمس تبدو واقفة، لكن تشاغل عنها خمس دقائق, تجدها قد أفلتت، إذا كنت داخل غرفة في الشتاء، تشاغل عنها خمس دقائق, تجدها قد أفلتت، قطعت عشرة سنتيمترات، المؤمن كذلك يبدو أنه هوَ هو، لكن من أين تعرف نفسك؟ من أقرانك، من أترابك، اجلس معهم بعد سنة، أنت غير مستوى صرت، لك أهدف نبيلة، أهداف عليا، لك طموحات عند الله عز وجل، عندك انضباط شديد، لسانك مهذب، أخلاقك رضية، عندك رحمة، ليس عندك سخرية للناس، ولا سوء أدب معهم، فهذا الإيمان طريق ثمين جداً، فإذا سار الإنسان في هذا الطريق فليهنأ به .
 إذاً:

((وَخُذْ مِنْ ِصَّحِتَك لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ))

 لأن رأس مالنا حياتنا، ما دمنا أحياء، وأدق من ذلك: ما دام القلب ينبض فأنت بخير، الباب مفتوح، الصلح مع الله ممكن، التوبة ممكنة، إصلاح الماضي ممكن، الرُقِيّ ممكن, ما دام القلب ينبض، رأس مالك حياتك، ما دمت حيًّا فأنت بخير، فالإنسان يستغل حياته، يذهب الصيف، يأتي الشتاء، ثم الربيع، ثم الخريف، والله فتحنا هذا المحل من عشر سنوات، هذه السنوات كيف مضت: في طاعة أم في معصية؟ في يقظة أم في غفلة؟ في ذكر أم في سهو؟ في حب أم في جفاء؟ .
 وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ:

((إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ))

[أخرجه البخاري في الصحيح والترمذي في سننه عن عبد الله بن عمر]

 إن شاء الله في درس قادم, نتابع هذا الباب، حيث بقيت مجموعة أحاديث مهمة جداً نتابعها في الدرس القادم، لكن أتمنى ألا يقول أحد: الأستاذ تكلم عن الموت، نحن الآن لا نريد أن نعكر حالنا، الموت ليس تعكيرًا، الموت عرس، مثل ما قلت لكم: للصائم فرحتان؛ فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه .
 والموت يضبط أعمالك، يجعل لك هدفًا واضحًا، وهذا شيء حق وواقعي، فلا يوجد موضوع أكثر واقعية من الموت، لأنه الرحيل مستمر .
 سألت أحد الأشخاص, لهم عمل في دفن الموتى: كم حالات الموت بالشام؟ أنا بحسب تقديراتي خمسة أو عشرة أموات، قال لي: في دمشق أربعون ميتا، أو خمسون، في رمضان في موسم، يموتون بالمئة خمسون، الناس في رحيل مستمر .
 وأنا هذه الكلمة أقولها على المنبر دائماً: واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا.
 نذهب إلى التعزية، مات فلان نعزيه، مات فلان نعزيه، في يوم واحد الناس يعزونه، التعزي باستمرار، كل يوم تعزية، فلان رحمة الله عليه، مات، كم عمره؟ دائماً هناك استفهام، لكن في مرة واحدة الناس سيستفهمون عنك: كم عمرك يوم مت؟ هذا حق .
 فالإنسان يستعد لهذه اللحظة، والاستعداد ليس صعبًا، تعامل مع الله واضح جداً، الأمور واضحة، هذا شرعه، هذا كتابه، لا يوجد ضبابيات، القضية مزاجية، لا، الأمر واضح, قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾

[سورة النحل الآية: 97]

 الجوارح تضبطها، الدخل تضبطه، الإنفاق تضبطه، اللسان تضبطه، تتعلم أمر دينك, تصلي صلاة متقنة، تذكر الله عز وجل، تفكر بالكون, ترقى، تسعد .

ما وراء هذه القصص :

 الآن: بقي علينا فقرة قصيرة في الدرس، نحن يوم الجمعة في الخطبة, تحدثنا عن حب أصحاب النبي عليهم رضوان الله لرسول الله، تمنيت أن أضيف إلى هذه القصص, بعض القصص الرائعة, عن حب أصحاب النبي عليهم رضوان الله .
 رجل من أصحاب رسول الله، يرى النبي عليه الصلاة والسلام بيده خاتماً من ذهب، بالمناسبة خاتم الذهب الأبيض لا يجوز، أنت مسلم، الذهب حرام، الآن هناك شيء اسمه ذهب أبيض، لكن هذا ذهب، هذا ذهب، الجائز للرجال الفضة .
 فالنبي رأى في يد رجل خاتمًا من ذهب، فينزعه النبي، ويطرحه في الأرض، فلا يتبرم الرجل، ولا يشمئز، بل ينشرح صدره، ويسر بذلك .
 حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ, حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ, أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ:

((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ, فِي يَدِ رَجُلٍ, فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ, وَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ, فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ, فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَدًا, وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

 والذهب ثمين، على طول هو ثمين، ليس عندنا في هذا الوقت، بل في كل العصور هو ثمين، قال:

((والله لا آخذه بعد أن طرحه رسول الله))

 عَنْ أَبِي أَيُّوبَ:

((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عَلَيْهِ, فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّفْلِ, وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعِلْوِ, قَالَ: فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً, فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَتَنَحَّوْا فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ, ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: السُّفْلُ أَرْفَقُ, فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا, فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُلُوِّ, وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ, فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا, فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ, سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ, فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ, فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ, فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ, سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ, فَفَزِعَ وَصَعِدَ إِلَيْهِ, فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا, وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ, قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ أَوْ مَا كَرِهْتَ, قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى))

 وفي رواية أحمد عَنْ أَبِي أَيُّوبَ:

((أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, نَزَلَ فِي بَيْتِنَا الْأَسْفَلِ, وَكُنْتُ فِي الْغُرْفَةِ, فَأُهْرِقَ مَاءٌ فِي الْغُرْفَةِ, فَقُمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ بِقَطِيفَةٍ لَنَا, نَتْبَعُ الْمَاءَ شَفَقَةَ, يَخْلُصُ الْمَاءُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَنَزَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَأَنَا مُشْفِقٌ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ نَكُونَ فَوْقَكَ, انْتَقِلْ إِلَى الْغُرْفَةِ, فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَتَاعِهِ, فَنُقِلَ وَمَتَاعُهُ قَلِيلٌ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كُنْتَ تُرْسِلُ إِلَيَّ بِالطَّعَامِ فَأَنْظُرُ, فَإِذَا رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِكَ, وَضَعْتُ يَدِي فِيهِ, حَتَّى إِذَا كَانَ هَذَا الطَّعَامُ, الَّذِي أَرْسَلْتَ بِهِ إِلَيَّ, فَنَظَرْتُ فِيهِ, فَلَمْ أَرَ فِيهِ أَثَرَ أَصَابِعِكَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجَلْ إِنَّ فِيهِ بَصَلًا, فَكَرِهْتُ أَنْ آكُلَهُ, مِنْ أَجْلِ الْمَلَكِ الَّذِي يَأْتِينِي, وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكُلُوهُ))

 رسول الله مضياف، وأصحابه يدخلون إلى عنده, فوق صعب، إنه أرفق بنا أن نكون في الأسفل, لما يغشانا من الناس، فقبل سيدنا أبو أيوب الأنصاري، قال:

((فلقد رأيتني ليلة, وقد انكسرت جرةٌ -بالغرفة التي فوقنا، لم يكن إسمنت, وبلاط، تراب، وجرة انكسرت بالغرفة العلوية, وحتماً الماء سوف يسقط على النبي- لنا فيها ماء, فأهرق ماؤها، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا -لحاف- ليس لنا لحاف غيره, ننشف به الماء، فرقاً -خوفاً- من أن يصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكنا نصنع طعاماً، فإذا رد ما بقي منه, تيممنا موضع أصابعه -نصنع له طعاماً، ونقدمه له، وإذا بقي شيء من الطعام, نتيمن موضع أصابعه- فنأكل منه, نريد البركة، فرد علينا عشاؤه ليلة, –لقد قدمنا العشاء فرده-, وكنا جعلنا فيه ثوماً أو بصلاً، فلم نر فيه أثر أصابعه، فذكرت له الذي كنا نصنع، والذي رأيناه من رد الطعام، ولم يأكل منه شيئاً, فقال عليه الصلاة والسلام: إن وجد فيه ريح هذه الشجرة –طبعاً: ليس من المحرم علينا أن نأكله, ولكن النبي له خصوصيات، نحن مكروه أن نأكله في أيام الجُمع، عندك مجلس علم ، عندك خطبة جمعة، أما في الأيام العادية موضوع ثان- وأنا رجل أناجي ربي، فلم أحب أن يوجد مني ريحه, فأما أنتم فكلوه))

 أما أنا فرجل أناجي ربي، ما أحب النبي عليه الصلاة والسلام أن يأكل طعاماً فيه هذه الرائحة، هذا موقف ثان من مواقف أصحاب النبي عليهم رضوان الله .
 موقف ثالث أعلق عليه أهمية كبرى: أسند ابن إسحاق, عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما, أن سعد بن معاذ رضي الله عنه, قال في غزوة بدر:

((يا نبي الله، ألا نبني لك عريشاً تكون فيه -إذا زار الإنسان موقعة بدر, في الحجاز, هناك موضع العريش، بنيت له غرفة صغيرة لرسول الله, قاد المعركة منها- ونعد عنده ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله, وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى, جلست على ركائبك, فلحقت بمَن وراءنا من قومنا؟ -هذا شيء معروف بالموقعة، أما موطن الشاهد:- فقد تخلف عنك أقوامٌ، ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً, ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك, ويجاهدون معك))

 فأثنى عليه رسول الله، أنا أعجبني في هذه القصة, موقف هذا الصحابي من أخوانه، من زملائه، فالإنسان ليس له حق يتكلم على أخوانه، ليس له حق يتهم أخوانه بالتقصير .
 قال له:

((يا رسول الله, لقد تخلف عنك أقوام, ما نحن بأشد حباً لك منهم, يحبونك كما نحبك، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً, ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك, ويجاهدون معك))

 فأثنى عليه رسول الله، كأنه ربنا يحبنا أن نكون متعاونين، يثني بعضنا على بعض، نحسن الظن ببعضنا، لا نسيء الظن، إنسان مستقيم مؤمن، قال له: أنت لم تفهم شيء عن شيء، لا تتهم إنسان من دون بينة، إذا في بينة, تكلم بالبينة, وعند الضرورة .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018