الخطبة : 0778 - أنواع القلوب وصفاتها - آداب الحوار - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0778 - أنواع القلوب وصفاتها - آداب الحوار


2001-02-09

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسوله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أنواع القلوب في القرآن الكريم :

1 ـ القلب السليم :

 أيها الأخوة الكرام، أخطر شيء في الإنسان قلبه لقول الله عز وجل:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 أمراض القلب يبدأ فعلها بعد الموت وتُشقي صاحبها إلى أبد الآبدين، بينما أمراض الجسد مهما تكن خطيرة ينتهي أثرها بعد الموت، فشتان بين مرض يبدأ بعد الموت إلى أبد الآبدين، وبين مرض ينتهي عند الموت، فأمراض القلب أخطر ألف مرة من أمراض الجسد، ونحن مع القرآن الكريم، مع آيات القرآن الكريم المُحكَمة.
 القلوب في القرآن الكريم ثلاثة: قلب سليم، وقلب ميت، وقلب مريض، هذا موضوع الخطبة، ما صفات القلب السليم؟ وما صفات القلب الميت؟ وما صفات القلب المريض؟ القلب السليم أيها الأخوة لا ينجُو يوم القيامة إنسانٌ إلا من أتى به لقول الله عز وجل:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 فينبغي أن نحرص على سلامة القلب حرصاً لا حدود له لأنه سبب النجاة، وسبب الخلود في جنات الله، القلب السليم، كم إنسان يقوم بشعائر الدين ويرتاد المساجد وفي قلبه حقد ومرض وعنده كِبْر وفيه تعصب وانحيازٌ أعمى؟ لا ينجُو من أمراض القلب إلا قلة قليلة، وينبغي أيها الأخوة أن نحرص حرصاً لا حدود له على سلامة قلوبنا، نحن مع الآية:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 سليم أي سالم، السؤال: لِمَ لَمْ يقل الله بقلب سالم؟ سالم على وزن فاعل صفة طارئة، تقول: داخل أي دخل وانتهى، أما سليم على وزن فعيل فصفة مشبهة باسم الفاعل كطويل، الطول صفة ملازمة له، كبخيل، إلخ، فوزن سليم أي صفة ثابتة، ليس القلب الذي صفا يوماً أو صفا ساعةً، القلب الذي صفته الدائمة السلامة من كل عيب، ومن كل شبهة، ومن كل شهوة.

 

تعريفات القلب السليم :

 أيها الأخوة الكرام، من أدق تعريفات القلب السليم؛ إنه القلب الذي سَلِم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، حينما تشتهي شيئاً حرّمه الله فهذه بادرة ليست طيبة، هذه بادرة مرض ينبغي أن تتابعها، حينما تشتهي شيئاً حرّمه الله أو منعه رسول الله، القلب السليم الذي سَلِم من كل شهوة تُخالف أوامر الله ونهيَه، هذه أول صفة، والقلب السليم الذي سَلِم من كل شُبُهةٍ تُعارض ما جاء في الكتاب والسُّنة، إذا كنت تعتقد شيئاً في الكتاب والسُّنة عكسه، إذا كنت تتوهم شيئاً لم يَرِد فيه نص شرعي بل فيه نص نهي، فهذه أيضاً بادرة خطيرة ينبغي أن تتابعها من أولها وإلا تفاقَم المرض، وجميع الأمراض إذا تُوبعت في أول مظاهرها لعل الله عز وجل يكتب السلامة والشفاء منها، فلمجرد أن تعتقد، أو أن تتوهم، أو أن تصدق، أو أن تفهم شيئاً على خلاف ما في الكتاب والسنة، على خلاف إخبار الله، وذكرت لكم مرة أيها الأخوة أنّ الله عز وجل يقول:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

[ سورة النحل: 1]

 أتى فعل ماض، فلا تستعجلوه أي لم يأتِ بعد، فما حكمة هذه الصيغة؟ أي ينبغي أن تأخذ خبر الله ووعده ووعيده وكأنهما وقعا، هكذا المؤمن، وحينما قال الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾

[ سورة الفيل: 1]

 ألم ترَ أي ينبغي أن تأخذ إخبار الله وكأنك تراه، فخبر الله يُؤخذ وكأنك تراه، ووعد الله ووعيده يؤخذان وكأنهما وقعا، هذا شأن المؤمن مع الكتاب والسُّنة، فحينما تتوهم شيئاً، أو تعتقد شيئاً، أو تقرأ مقالة، أو تستمع إلى ندوة أو إلى محاورة وتعتقد شيئاً نهى الله عنه، أو نفاه القرآن الكريم، فهذه بادرة ليست طيبة في القلب، فالقلب السليم هو الذي سَلِم من كل شهوة تُخالف أوامر الله ونهيه، وسَلِم من كل شبهة تُعارض ما جاء في الكتاب والسُّنة.
 والقلب السليم هو القلب الذي سلِم من عبودية لغير الله، حينما ترى أنّ جهة تعطي وتمنع، ترفع وتخفض، تُعِز وتذل، هكذا تعتقد فالتزمت أمرها ونهيها ولو على حساب دينك فهذا القلب ليس سليماً بل هو قلب مريض، وربما أهلك صاحبه يوم القيامة، سلِم من عبودية لغير الله، وسلِم من تحكيم لغير رسول الله، قال تعالى:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾

[ سورة النساء: 65]

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

[ سورة الأحزاب: 36]

 ينبغي ألا تعبد إلا الله بالمفهوم الواسع، من يقول أنا أعبد غير الله، عملياً حينما تركن إلى جهة لا تُرضِي الله، حينما تطيع مخلوقاً وتعصي الله، حينما تتبع إرشادات إنسان غافل عن الله، فأنت تعبده بالمعنى الواسع دون أن تشعر، فالقلب السليم هو القلب الذي سلِم من عبادة غير الله، والقلب الذي سلِم من تحكيم غير رسول الله، يقول لك: القانون بيننا، لا الشرع بيننا، الحسنُ ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع، فسلِم هذا القلب في محبة الله وتحكيمه لرسول الله في خوفه، ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته على كل حال، والبعد عن سخطه بكل طريق، وهذه حقيقة العبودية التي لا يمكن أن تكون إلا لله وحده.
 أيها الأخوة الكرام، القلب السليم هو الذي سلِم من أن يكون لغير الله فيه شِرك بأي وجه من الوجوه، بل أصبحت عبوديته لله خالصة إرادةً، ومحبةً، وتوكلاً، وإنابة، وخشيةً، ورجاءً، القلب السليم صاحبه إن أحبَّ أحبَّ لله، وإن أبغض أبغض لله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منعَ منَعَ لله. القلب السليم هو القلب الذي لا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يعلِّق أملاً على غير الله، هذا هو القلب السليم وهو معنى من معاني التوحيد.

 

ملامح القلب السليم الذي ينَجي صاحبه يوم القيامة من أهوال النار :

 أيها الأخوة الكرام، ألم يقل الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

[ سورة الحجرات: 1]

 أي لا تتقدم بين يدي الكتاب والسنة بعقيدة، أو قول، أو عمل على خلاف ما جاء بهما، أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، قال بعض السلف وهذه نقطة مهمة جداً: ما من فعلة وإن صغُرَت إلا ولها سؤالان يوم القيامة، قدمت هدية لإنسان، زرت زيداً، دعوت عبيداً إلى طعام، سافرت إلى مكان، ألفت كتاباً، اشتركت في دورة، ما من فعلة مهما صغُرِت إلا ولها سؤالان يوم القيامة: لِمَ؟ وكيف؟ لِمَ فعلت هذا؟ وكيف فعلت هذا؟ السؤال الأول سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه، هل هو حظ عاجل من حظوظ الإنسان؟ هل هو غرض من أغراض الدنيا؟ هل هو يهدف إلى محبة المديح من الناس أو خوف ذمهم؟ أو استجلاب محبوب عاجل؟ أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل هو القيام بحق العبودية لله، وطلب التودد والتقرب إلى الله جل جلاله، ما من فعل تفعله شئت أم أبيت، أحببت أم رضيت إلا وراءه باعث، ما هو هذا الباعث؟ إرضاء الناس! خوف ذمهم! تحصيل المدح! تحقيق غرض عاجل! تحقيق مصلحة معينة! إغواء لذة معينة! ما الباعث على هذا العمل؟ ما من فعلة ولو صغرت إلا ولها سؤالان يوم القيامة: لِمَ؟ وكيف؟ أما سؤال كيف فهل تابعت رسول الله في هذا الفعل؟ هل طبقت السُّنة؟ هل نفذت منهج رسول الله؟
 أيها الأخوة الكرام، السؤال الأول سؤال متعلق بالإخلاص، والسؤال الثاني سؤال متعلق بالمتابعة. لِمَ لم تفعل هذا لمولاك الذي أوجدك من العدم؟ لِمَ لم تفعل هذا وفاءً لحق عبوديتك لله؟ لِمَ لم تفعل هذا تقرباً إلى الله بل فعلته تحقيقاً لحظ دنيوي عاجل؟
 والسؤال الثاني: هل كان هذا العمل مما شرعته لك على لسان رسولي أم كان عملاً لم أُشرعه ولم أرضهُ منك؟ السؤال الأول عن الإخلاص والسؤال الثاني عن المتابعة، والله عز وجل لا يقبل عملاً صالحاً إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتُغِيَ به وجه الله، وصواباً ما وافق السُّنة.
هذه بعض ملامح القلب السليم الذي ينَجي صاحبه يوم القيامة من أهوال النار:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

2 ـ القلب الميت :

 أما القلب الميت فنعوذ بالله من هذا القلب، قلب لا حياة فيه، صاحبه لا يعرف ربه، ولا يعبده لا بأمره ولا بنهيه، ولا بما يُحب ولا بما يُبغض، بل هو واقف مع شهواته ولذَّاته ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالِي إذا فاز بشهوته وحظه، رضي ربه أم سخط، هو متعبد لغير الله، يحب غير الله، ويخاف غير الله، ويرجو غير الله، ويرضى لغير رضى الله عز وجل، ويسخط لغير سخط الله عز وجل، ويعظِّم غير الله، ويتذلل لغير الله، إن أحبَّ أحبَّ لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه ، فهواه عنده أحبُّ إليه من رضى مولاه، الهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه، هو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور، يُنادى إلى الله وإلى الدار الآخرة فيُصم أذنيه، ولا يستجيب لناصح، ويتبع كل شيطان مريد، الدنيا تُسخطه وترضيه، والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه، فهو في الدنيا أجير، فهو في الدنيا الفانية شقيٌ من أشقيائها.
 يا أيها الأخوة الكرام، نصيحة لوجه الله: مصاحبة صاحب هذا القلب سقم، ومعاشرته سمٌ، ومجالسته هلاك، هذا هو القلب الميت، قال تعالى:

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾

[ سورة النحل: 21]

 وقال:

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾

[ سورة فاطر: 22]

 وأيضاً:

﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾

[ سورة المنافقين: 4]

 وقوله:

﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾

[ سورة الفرقان: 44]

 وقوله:

﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾

[ سورة الأعراف: 176]

 وقوله:

﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾

[ سورة المدثر : 50-51]

 قال تعالى:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾

[ سورة الجمعة: 5]

 هذا هو القلب الميت، إيّاك وصحبة من قلبه ميت، إيّاك ومعاشرته، إيّاك ومُساءلته، إيّاك وأن تختلط به لأنه ميت- ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء- قال سيدنا علي: "يا بنيَّ مات خُزَّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة" .

 

3 ـ القلب المريض :

 أما القلب المريض فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يشفي كل قلب مريض، هذا المرض الذي يُشقي صاحبه، هذا هو المرض العضال، هذا هو المرض الذي يُشقي، كم من إنسان مريض في جسمه متألق في نفسه؟ كم من إنسان يشكو عدة أمراض وهو في قمة القرب من الله عز وجلّ؟ المرض هنا مرض القلب.
 القلب الثالث هو القلب المريض، قلب له حياة وبه علَّةٌ، فله مادتان تُمِدُّه هذه مرة وهذه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، إن غلبت عليه مادة الحياة أصبح حياً، وإن غلبت عليه مادة الموت أصبح ميتاً، ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له والتوكل عليه شيء وهو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها والحسد والكُبر والعُجب وحب العلو في الأرض والفساد وحب الرياسة ما هو مادة هلاكه وعصبه، وهو ممتحَنٌ بين داعيَيْن؛ داعٍ يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة؛ وداعٍ يدعوه إلى العاجلة، وهو إنما يجيب أقربهما منه باباً وأدناهما منه جواراً، إما إلى عطَبٍ وإما إلى حياة، قلب مريض فيه من عوامل الصحة وفيه من عوامل المرض، فأي عامل طغى على الآخر أعطاه صفة الآخر، فالقلب المريض إما أن يصبح قلباً حياً مُنيباً مُخبِتاً، وإما أن يصبح قلباً ميتاً، القلب الأول قلبٌ مُخبتٌ لين واعٍ، والقلب الثاني يابس ميت، والثالث مريض، فإما إلى السلامة أدنى، وإما إلى العطب أدنى، وقد جمع الله جل جلاله بين هذه القلوب الثلاثة في قوله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة الحج : 52-54]

 قلب مُخبت قلب المؤمن، وقلب يابس قلب الكافر، وقلب مريض قلب المنافق.
 أيها الأخوة الكرام، القلبان المفتونان القلب الذي فيه مرض والقلب القاسي، قال تعالى:

﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الزمر: 22]

 والقلب الناجي هو قلب المؤمن المُخبت إلى ربه، المطمئن إليه، الخاضع له، المستسلم والمنقاد إليه.

القلوب تعود في النهاية إلى نوعين؛ قلوب بيضاء و قلوب سوداء :

 أيها الأخوة الكرام، القلب السليم ليس بينه وبين قبول الحق ومحبة الحق وإيثار الحق سوى إدراكه، القلب السليم يحتاج إلى إدراك الحق فقط، فإذا أدركه آمن به، وإذا أدركه أحبه، وإذا أدركه تعلق به ودافع عنه، لمجرد أن يكون قلبك سليماً فأنت قريب من الحق، وهذا شيء يلفت النظر، قد تدعو إنساناً إلى الله من أول لقاء يستسلم ويصدق ويتحرك ويتوب، وقد تدعو إنساناً آخر قلبه مريض فتحاوره سنوات طويلة وهو مُصر على شبهاته وشهواته.
 أيها الأخوة الكرام، القلب المريض إذا غلب عليه مرضه التحق بالقلب الميت القاسي، وإذا غلبت عليه صحته التحق بالقلب السليم.
 عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قالَ: قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتَنِ:

(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ عَرْضَ الْحَصِيرِ ))

[ متفق عليه عَنْ حُذَيْفَةَ]

 لو أنك أمام حصير كبير كم عود فيه؟ مئات ألوف الأعواد، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قالَ: قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتَنِ:

((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ عَرْضَ الْحَصِيرِ، قُلْتُ: تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ عَرْضَ الْحَصِيرِ، فَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ))

[ متفق عليه عَنْ حُذَيْفَةَ]

 كيف أن الإسفنج يشرب الماء، ضع قطعة إسفنج في ماء يشربها، والقلب المريض يشرب الفتن فتنة فتنة، أي شهوة شهوة، شبهة شبهة.
 وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب إلى قلبين؛ قلبٍ أسود مرباد لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه، وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض.
 في النهاية قلب مريض أُشرب الفتن فتنة فتنة، مأخوذ بكل الشهوات والشبهات، أي صرعة يتمسك بها، ويُدافع عنها، ويدعو إليها، أية فتنة يبحث فيها، وينميها، ويوسعها. إن هذا القلب المريض أُشرب الفتن فتنة فتنة، أُشرب الشهوات شهوة شهوة، أُشرب الشبهات شُبهة شُبهة.
 أيها الأخوة الكرام، أما القلب الأبيض فقد أشرق فيه نور الإيمان وأزهر، فإذا عُرضت عليه الفتن أنكرها وردها فازداد نوره وإشراقه.

 

الفرق بين القلب الأجرد و القلب المغلف :

 أيها الأخوة الكرام، ما هذه الفتن؟ قال بعض العلماء: هي فتن الغيِّ والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل، هذه الفتن التي يشربها القلب فتهلكه إلى أبد الآبدين.
 يا أيها الأخوة الكرام، القلوب أيضاً قلب أجرد، أي تجرد مما سوى الله، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 1-3]

 معرضون عما سوى الله، هذا القلب متجرد مما سوى الله، وسلِم مما سوى الحق، وفوق ذلك فيه سراج يُزهر وهو مصباح الإيمان. وقلب أغلف هو قلب الكافر، لا يدخل فيه شيء، يصد كل شيء، يرفض كل شيء، ينكر كل شيء، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة البقرة: 88]

 هكذا قال اليهود.
 أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً﴾

[ سورة الإسراء: 45، 46]

 الوقر والأكنة والحُجُب هذه من صفات القلب المغلف الذي لا يعيا على خير.
 وأما قلب المنافق فيقول الله عز وجل:

﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾

[ سورة النساء: 88]

 أي نكسهم وردهم إلى الباطل بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة، وهذا شر القلوب وأخبثها، فإنه يعتقد الباطل حقاً ويوالي أصحابه، ويعتقد الحق باطلاً ويعادي أهله.

العناية بالقلب لأنه سبب سعادتنا أو شقائنا :

 أيها الأخوة الكرام، موضوع القلب موضوع خطير جداً، إنه سبب سعادتنا أو شقائنا، إنه سبب هلاكنا أو نجاتنا ولا تنسَ هذه الآية:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 وقد ورد في بعض الأحاديث :

((لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، ولا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))

[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 فلذلك أنا لا أخاطب الشاردين هؤلاء لا يأتون إلى المساجد، ولا أخاطب الأصفياء من المؤمنين هؤلاء أحسبهم صالحين ولا أزكي على الله أحداً، لكن أخاطب الخط العريض في المجتمع، هؤلاء الذين في قلوبهم إيمان، وفي قلوبهم محبة لله وإخلاصٌ، ولكن في قلوبهم مرضاً أيضاً، فالعبرة أن ينتقل هذا القلب المريض إلى القلب السليم، وأن ينجو صاحبه من شقاء الدنيا ومن عذاب الآخرة، أما إذا أهمل الإنسان قلبه فيقول لك: أنا لا أرتكب كبائر، صحيح، ولكن عنده حقداً وحسداً وحباً للذات، ورغبة أن يحطم الآخرين، وأنانية وشعوراً أنه هو وحده الفهيم، وهو وحده على حق، هذه كلها أمراض قلبية تنعكس كبراً واستعلاءً وفوقية وحقداً أحياناً وكذباً، قد تكذب كي تحطم الآخرين، وأنت تصلي وترتاد المساجد، وهنا تكمن المشكلة، أنا أخاطب رواد المساجد من يصلي ويصوم ويحج ويفعل الخيرات. قد يكون الإنسان منطوٍ على أمراض لا تُعد ولا تحصى وهذه كلها تظهر عند الموت، والناس نيام إذا ماتوا انتبهوا، انتبهوا لأمراضهم، قال تعالى:

﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[ سورة ق: 22]

 أيها الأخوة الكرام، البطولة كل البطولة أن تصحح مسار قلبك، وأن تطهر قلبك، وأن تعتني به، فقد قال عمر رضي الله عنه: " تعاهد قلبك" استبطن قلبك، تأمل قلبك، إذا كان فيه غش للمسلمين، أو كبر، أو عجب، أو راحة .
 إذا انتشرت فاحشة فيهم فهذه مشكلة كبيرة جداً، كيف أنك إذا رأيت ذبابة تطير أمام عينيك، ذبابة غير حقيقية، مرض يصيب العين، كيف أنك تسارع إلى طبيب العيون وقد تأخذ موعداً بعد شهرين، وقد تقول كما في اللغة الدارجة: العين ما معها لعبة مثلاً، لماذا تعتني بعينك هذه العناية؟ لماذا تعتني بقلبك المادي؟ يقول لك: معي تسرُّع، إلى الطبيب، إلى التخطيط. لماذا تعتني بقلبك هذه العناية؟ لماذا لا تعتني بقلب نفسك العناية نفسها؟ لمَ تهمل أمراض قلبك؟ لمَ لا تنتبه لمشاعر لا ترضي الله تعتمل في قلبك؟
 أيها الأخوة الكرام، هذه خطبة عن القلب السليم، والقلب الميت، والقلب المريض، أرجو الله سبحانه وتعالى أن تفعل فعلها في نفوس الأخوة المستمعين، وأن يبادروا إلى إصلاح نفوسهم، وإصلاح العلاقة مع ربهم، لأنه لا ينفع عود على بدء، وكما قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنّ ملَك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأمانيّ، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

آداب الحوار :

1 ـ الأخذ بيد المحاور إلى الله و رسوله :

 أيها الأخوة الكرام، من خلال محاورات بين من يجتهد بالعلم أحياناً، من خلال مناظرة ونقاش ومجادلة وقد ذمها النبي عليه الصلاة والسلام، من خلال محاكمة فكرية بين شخصين تظهر بعض أمراض القلوب، لذلك أنت حينما تحاور مسلماً أو غير مسلم ينبغي أن تتحرى الباعث، اجعل هذه قاعدة؛ أي عمل تعمله هناك سؤالان يوم القيامة، ليس هناك غش في الامتحان يوم القيامة، ليس هناك من يهمس في أذنك الجواب فتأخذه وتجيب عنه، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

[ سورة الأنعام: 94]

 ما من فعل تفعله مهما دقّ في عينك إلا وتسأل: لِمَ؟ وكيف؟ لِمَ الباعث؟ وكيف اتبعت فيه رسول الله؟
 أيها الأخوة، الحقيقة الأولى ليس المقصود من الحوار العلو في الأرض ولا الفساد والانتصار للنفس، المقصود أن تأخذ بيد المُحاوَر إلى الله ورسوله، إذاً تواضع له، الله عز وجل يعلمنا كيف نحاور الطرف الآخر، قال تعالى:

﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[ سورة سبأ: 24]

 الحق كرة إما عندنا أو عندكم، عندما نتباحث علينا أن نبدأ من التواضع، من النديَّة، جعلت خصمك نداً لك، لست أنت العالِم وهو الجاهل، لست أنت المتصل وهو المنقطع، ولو كان الطرف الآخر شارداً في أدب الحوار أن تجعله في مستواك كي يتقبل أفكارك. الإمام الشافعي علَّمنا شيئاً دقيقاً جداً قال: " رأيي صواب ويحتمل الخطأ، ورأي الآخر خطأ ويحتمل الصواب" بهذه النفسية حاور، أنك قد تكون على الحق، وقد تزل قدمك، أنت لست معصوماً، والطرف الآخر قد يكون على باطل وقد يُصيب أحياناً، لذلك أن تحرر القصد، أن تأخذ بيد المُحاوَر إلى الله ورسوله، هذه أول نقطة في الحوار، يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: " ما ناظرت أحداً إلا وددت أن الله تعالى أجرى الحق على لسانه "، وهذه أخلاق أتباع الأنبياء، هذا الإخلاص.

 

2 ـ التواضع بالقول و الفعل :

 الشيء الثاني: التواضع بالقول والفعل، هناك تواضع بالقول وكبر بالفعل، هناك تواضع بالفعل وكبر بالقول، أنت مؤمن، أما كلمة قاسية جداً، إذاً لا بد من التواضع بالقول والفعل وتجنب ما يدل على الغرور والكبرياء.

3 ـ حسن الاستماع و الإصغاء :

 الشيء الثالث: حُسن الاستماع والإصغاء، وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى بهما، تعلموا حُسن الإصغاء كما تتعلموا حُسن الكلام، الإنصاف، أنت ضالَّتُك الحقيقة، فإذا أصاب خصمك في شيء ما فينبغي أن تُنْصفه، قل له: هذا صواب، أنا معك في هذا، هذا شيء فيه موضوعية، أن تُنصف الطرف الآخر، لو أنه تكلم كلمة حق بين ركام الباطل، خذ هذه الكلمة وأظهر أنها صحيحة، هذا حق. يُروى أن بعض الأنبياء كان يمشي مع أصحابه فرأوا شاة ميتة متفسخة ذات رائحة لا تُقاوَم، فقالوا: ما أنْتَن ريحها، فقال هذا النبي الكريم: بل ما أشد بياض أسنانها! نظر إلى جهة إيجابية، وأنت إن أحببت الناس، إن أحببت الطرف الآخر تأخذ بعض إيجابياته وتُظهرها تودداً لقلبه.
 النبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل أحد أصحابه ليصلي وقد أحدث جلبة أو ضجيجاً فلما سلَّم قال له: زادك الله حرصاً ولا تعد، أعطاه توجيهاً ونهاه عن أن يفعلها ثانية لكنه بَيَّن قصده.

4 ـ ترك التعصب لغير الحق :

 الشيء الآخر بالمُحاوِر: ينبغي أن يدع التعصب لغير الحق، أي أن هناك مع من ينتمي إليهم على حق أو على باطل، لا يفكر أنهم يخطئون، قد يخطؤون، دائماً يهاجم خصومهم ويدافع عنهم ويُعلي قدرهم من دون تفكير أحياناً، هذا موقف لا يليق بمن يحاور الآخرين، إذا كان هناك أخطاء فانتقدها بشكل علمي هادئ، وينبغي أن تحترم الطرف الآخر، ولا ينسى الإنسان أن الله عز وجل يقول للنبي الكريم:

﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

[ سورة سبأ: 25]

 دعوة النبي جريمة؟ قل لهم هكذا، أنتم تعملون ونحن مجرمون، ومع ذلك لن تُسألوا عن جريمتنا ولن نُسأل عن أعمالكم.
 أيها الأخوة الكرام، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]

 وقد ورد عن شمائل النبي أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً:

((لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقاً ))

[ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

5 ـ الموضوعية :

 أيها الأخوة الكرام، ثم من آداب الحوار الموضوعية، أي أن تكون في موضوع تعجز عن رده تنتقل لموضوع آخر لا علاقة له بموضوع الحوار من أجل أن تغالط، هذا موقف ليس أخلاقياً، وليس علمياً، فقد تبدو بعض الأمراض من خلال الحوار بين المتحاورَين.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذِل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هَب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تُؤثر علينا، أرضِنا وارضَ عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنّا مكرك، ولا تهتك عنا سِترك، ولا تنسِنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تُهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم صُن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونُبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم وليُ العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين، اللهم وفّق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018