الخطبة : 0780 - فضل العشر من ذي الحجة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0780 - فضل العشر من ذي الحجة .


2001-02-23

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.

التخصيص والاجتباء شأن إلهي له سبحانه وتعالى :

 أيها الأخوة الكرام: نحن مقبلون على عشرة أيام من ذي الحجة، وهي من أفضل الأيام عند الله عز وجل، هذا التفضيل من قبل الله عز وجل، والتخصيص والاجتباء شأن إلهي له سبحانه وتعالى، فمن شأنه أن يفضل بعض الأيام على بعض، وبعض الشهور على بعض، وبعد الساعات من ليل أو نهار على بعض، كما يفضل جلّ جلاله بعض الأماكن على بعض، فالمسجد الحرام مفضل على المساجد الأخرى، فالصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمئة صلاة، فضّل بعض الأوقات، وبعض الأماكن والأشخاص، قال تعالى:

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾

[سورة البقرة: 253]

 في آية أخرى يقول جلّ جلاله:

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾

[ سورة القصص: 68]

 أيها الأخوة الكرام: حينما يقول الله عز وجل:

﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ﴾

[سورة الدخان: 32]

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 132 ]

 من هذين الآيتين يتضح أن تفضيل الله وتخصيصه لحكمة بالغة، قد ندركها وقد لا ندركها، وقد يذكرها القرآن الكريم وقد لا يذكرها، قال تعالى:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾

[سورة البقرة: 158
وفي قوله تعالى:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾

[سورة القدر: 1]

 وقد فضّل بعض الشهور، وهي الأشهر الحرم، فقال تعالى:

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾

[ سورة التوبة: 36]

على الإنسان اغتنام الأيام الفاضلة التي فضّلها الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام: هذه الأيام العشرة التي نحن مقبلون عليها مفضلة عند الله عز وجل، بل إن بعض المفسرين في قوله تعالى:

﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾

[سورة الفجر: 1-2]

 أي أن هذه الأيام العشرة من ذي الحجة.
 أيها الأخوة الكرام: الله عز وجل يقول:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

 قال رجل من أهل الكتاب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين إن في كتابكم آية لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا يوم نزولها عيداً، فقال عمر رضي الله عنه: وأية آية هذه؟ فقال هذا الرجل:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

 فقال عمر رضي الله عنه: والله علمنا يوم نزولها، وفي أي مكان نزلت، فكان ذلك يوم الجمعة، وعشية يوم عرفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا يخطب الناس.
 أيها الأخوة الكرام: هذه الأيام الفاضلة التي فضّلها الله عز وجل اغتنموها فهي أيام مباركات، فيها تتنزل النفحات والتجليات، الأبواب مفتحة للدعوات أكثروا فيهن الصلوات، فأوقات هذه الأيام لا تساويها أوقات.

 

ما ينبغي على المؤمن فعله في هذه الأيام :

1 ـ الحج و العمرة :

 أيها الأخوة الكرام: ماذا ينبغي على المؤمن أن يفعل في هذه الأيام؟ أول شيء ينبغي أن يؤدى الحج والعمرة في هذه الأيام، وهو أفضل ما يعمله مؤمن، ويدل على فضله عدة أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم:

((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 فمن كتب الله له الحج و أكرمه بهذه الفريضة الكبيرة فقد حقق أعظم شيء يفعله المؤمن في هذه الأيام.

 

2 ـ صيام هذه الأيام أو ما تيسر منها :

 الشيء الثاني أيها الأخوة صيام هذه الأيام أو ما تيسر منها، وعلى وجه الخصوص يوم عرفة، الصيام في هذه الأيام من أفضل الأعمال، وهو مما اصطفاه الله لنفسه، ففي الحديث القدسي :

((عن أيوب بن حسان الواسطي قال "سمعت رجلا سأل سفيان بن عينية فقال: يا أبا محمد فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))

[الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام جلال الدين السيوطي ]

 وما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً، أول عمل إن كُتب لنا أن نحج إلى بيت الله الحرام، أو أن نؤدي العمرة، فإن لم يكتب لنا الحج فصيام هذه الأيام، وعلى وجه التأكيد صيام يوم عرفة.

 

3 ـ التكبير و الذكر :

 والشيء الثالث: التكبير والذكر في هذه الأيام لقوله تعالى:

﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾

[سورة الحج: 28]

 قال بعض المفسرين: الأيام المعلومات هي الأيام الأوائل من ذي الحجة، واستحب العلماء كثرة الذكر لحديث ابن عمر رضي الله عنهما:

(( مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ ))

[ أحمد عن ابن عمر]

 وذكر الإمام البخاري:

((كان ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ ))

[البخاري عن ابن عمر]

 وروى اسحاق عن فقهاء التابعين أنهم كانوا يقولون في أيام العشر: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله ولله الحمد.

 

4 ـ التوبة والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب :

 أيها الأخوة الأكارم: والشيء الرابع وهو مهم جداً التوبة والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب.
 بالمناسبة أيها الأخوة: في حياتنا الدنيا مواسم، كل أصحاب حرفة يغتنمونها كي يتضاعف ربحهم كمواسم رمضان ومواسم العيد، في أيام الحر الشديد مواسم لبعض الحرف، في أيام البرد الشديد مواسم لبعض الحرف، فكما أن الناس تعارفوا على مواسم في حياتهم يضاعفون فيها أرباحهم، هناك مواسم للطاعات عند الله عز وجل جعلها الله مواسم وفضلها كي يتضاعف الثواب فيها، ومن هذه المواسم يوم الجمعة، فيها ساعة يستجاب للعبد فيها، من هذه المواسم شهر رمضان، من هذه المواسم التي جعلها الله مواسم عبادة ومواسم قرب الأيام العشرة من ذي الحجة، موسم من مواسم الطاعات، ولكن أي طاعة تقبل إن رافقتها معصية؟
 أيها الأخوة الكرام: أعظم عمل يفعله المسلم في هذه الأيام التوبة النصوح والإقلاع التام عن المعاصي والآثام وجميع الذنوب، لأن المعاصي تبعد والطاعات تقرب، وحينما تعلم أن في الوجود حقيقة واحدة هي الله، وأن كل شيء يقربك إليه مغنم كبير، وأن كل شيء يبعدك عنه خسارة كبيرة، ونحن في موسم من مواسم الطاعات. الله عز وجل كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام يغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرّم الله عليه، فقبل أن تكبّر، وقبل أن تصوم، وقبل أن تصلّ النوافل، يجب أن تقلع عن المعاصي والمخالفات حتى يكون الطريق إلى الله سالكاً.
 أيها الأخوة الكرام: الطريق إلى الله واضح جداً، كل معصية أو مخالفة هي معاقبة كؤود في الطريق إلى الله، فإذا أزلتها وتبت منها جميعاً، صار الطريق سالكاً إلى الله، فقبل أن يتوب المرء من ذنوبه ينبغي أن يفكر تفكيراً عميقاً أن الأعمال التي تأتي مع المعاصي والآثام أثرها ضعيفٌ جداً، لأن الإنسان محجوب بذنوبه، محجوب بمخالفاته، أما حينما يصطلح ويتوب ويقلع عن كل ذنوبه فيكون الطريق إلى الله سالكاً، عندئذٍ تأتي النوافل والعبادات والصيام وما إلى ذلك.

5 ـ كثرة الأعمال الصالحة :

 أيها الأخوة الكرام: مما ينبغي أن نفعله في هذه الأيام كثرة الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة كلمة مطلقة فتعني نوافل العبادات كالصلاة، والصدقة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم، كل عمل يقرب إلى الله من عبادة شعائرية، أو عبادة تعاملية، من بذل وعطاء.
 إذاً هذه الأيام موسم لا للتوبة فحسب، بل موسم إيجابي للعمل الصالح، فأبواب الخير مفتحة في كل زمان ومكان، بل إنها في هذه الأيام أيام ضيق أحياناً، أيام قلّة الدخول وكثرة المطالب، في هذه الأيام أبواب العمل مفتحة على مصارعها، فكم من بائس وكم من مريض وكم من يتيم وكم من أرملة وكم من فقير وكم من جائع وكم من مقهور وكم من مظلوم يمكن أن تواسيه بمالك أو بجاهك أو بعلمك أو بعضلاتك؟

6 ـ التكبير المطلق في جميع الأوقات :

 أيها الأخوة الكرام: الشيء السادس يشرّع في هذه الأيام التكبير المطلق في جميع الأوقات من ليل أو نهار إلى صلاة العيد، ويشرّع التكبير المقيّد وهو الذي يكون بعد الصلوات المكتوبة التي تصلى في جماعة، ويبدأ هذا التكبير المقيّد لغير الحجاج من فجر يوم عرفة إلى عصر اليوم الرابع من أيام العيد، وأما للحجاج فيبدأ هذا التكبير من ظهر يوم النحر ويستمر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويشرّع في هذا اليوم الأضحية.

(( مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلانَا ))

[ابن ماجة عن أبي هريرة]

 إن بعض الفقهاء جعل الأضحية واجباً، وبعضهم جعلها سنّة مؤكدة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان:

((يضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ))

[ البخاري عن أنس ]

 أيها الأخوة الكرام: هذه بعض الأعمال التي ينبغي أن يفعلها المسلم في هذه الأيام العشرة، وعلى المسلم الحرص على أداء صلاة العيد حيث تصلّى، وحضور الخطبة، والاستفادة منها، وعليه معرفة الحكمة من شرعية هذا العيد، وأن هذا العيد يوم شكر وعمل وبرّ، فلا ينبغي أن يكون يوم أشر وبطر، ولا موسم معصية وتوسع.

 

كل اصطفاء من الله مهمته أن يتوسع الصفاء عند الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام: هذه الأيام العشرة ينبغي أن نستفيد منها وأن نجعلها موسماً للطاعات، هناك أوقات يتضاعف فيها الأجر، بل إن بعض العلماء يقول: إن الله اصطفى بعض الأزمنة ليكون الصفاء فيها منسحباً على بقية الأزمنة، أي في هذه الأيام تجتهد فتقفز قفزة نوعية، ينبغي أن تستمر هذه القفزة إلى كل الأوقات، واصطفى بعض الأمكنة ومنها بيت الله الحرام، ليكون الصفاء الذي شاع فيه كل مكان، واصطفى بعض الأشخاص وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون هذا الاصطفاء قدوة للأمام، يصطفي مكاناً لينسحب الصفاء فيه على كل الأمكنة، ويصطفي زماناً لينسحب الصفاء فيه على كل الأزمنة، ويصطفي إنساناً ليكون قدوة لكل الخلق.
 فيا أيها الأخوة الكرام: شيء دقيق جداً ينبغي أن يكون واضحاً لديكم هذا الذي يأتي في موسم الطاعات فيطيع الله فيه، فإذا انتهى الموسم عاد كما كان من قبل، هذا شيء مرفوض في الدين، هذا الذي يفعله مثل الذي يصوم في رمضان، يغضّ بصره في رمضان، يمسك لسانه في رمضان، يمسك يده في رمضان عن البطش بالآخرين، فإذا ولّى رمضان عاد كما كان، يأتي موسم الحج فيحج إلى بيت الله الحرام، فإذا عاد إلى بلده عاد كما كان، هذه المسالك التي يسلكها بعض المسلمين مرفوضة عند الله عز وجل، ينبغي أن يأتي رمضان كي ترتقي فيه، وأن يستمر الرقيّ إلى بقية أشهر العام، وينبغي أن تحج بيت الله الحرام مرة في العمر لتكون ثمار هذا الحج مستمرة على الدوام، فكل اصطفاء من الله عز وجل لمكان أو لزمان أو لإنسان مهمة هذا الاصطفاء أن يتوسع الصفاء عندك في كل مكان و في كل زمان وأن يكون النبي عليه الصلاة والسلام قدوةً لك ولكل المسلمين.
 أيها الأخوة الكرام: هذه الأيام العشرة أيام ذي الحجة ينبغي أن تغتنموها، أيامٌ مباركات فيها التجلّيات، وفيها القربات، ومفتحة فيها أبواب الرحمات، وأوقاتها ليست ككل الأوقات، إنها موسم من مواسم الطاعات.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطّانا إلى غيرنا، وسيتخطّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الناس بنص القرآن الكريم رجلان لا ثالث لهما :

1 ـ رجل أعطى و اتقى و صدق بالحسنى :

 أيها الأخوة الكرام: كلكم يعلم أن هناك تقسيمات لبني البشر لا تعدّ ولا تحصى، فرق وطوائف ومذاهب وأجناس وأعراق وتقسيمات قديمة وتقسيمات حديثة، دول الشمال ودول الجنوب، الدول النامية والدول المتطورة، الشعوب الساميّة والشعوب الآرية، تقسيمات قديمة وحديثة ما أنزل الله بها من سلطان، وهي منوعة تنوعاً عجيباً، ولكن إذا قرأتم القرآن تجدون شيئاً آخر، تجدون أن هؤلاء البشر من آدم إلى يوم القيامة نموذجان فقط؛ رجلان لا ثالث لهما، هذا توضحه الآية الكريمة:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل: 5-7]

 من هو النموذج الأول؟ هو الذي عرف أن الله أوجده للجنة، وجاء به إلى الدنيا ليدفع الثمن فقط، نحن مخلوقون لجنة عرضها السموات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهذا كلام خالق البشر، وما الحياة الدنيا إلا فرصة نجتهد فيها كي نستحق دخول الجنة، هذا الذي صدّق بالحسنى نمودج أول كل همّه الآخرة، كل عمله للآخرة، اهتماماته للآخرة، أعماله للآخرة، منعه من أجل الآخرة، عطاؤه من أجل الآخرة، صلته من أجل الآخرة، غضبه من أجل الآخرة، كل نشاطات الإنسان من أجل أن يفوز بالجنة.
 هذا الذي صدق بالحسنى ماذا ينبغي أن يفعل؟ ينبغي أن يستقيم على أمر الله.

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾

[ سورة الليل: 5]

 اتقى أن يعصي الله، سأل عن الحلال و الحرام، سأل عن الخير والشر، عن الذي يجوز والذي لا يجوز، عن الذي يرضي الله والذي لا يرضيه، اتقى معصية الله وغضبه وسخطه والبعد عنه، والشيء السادس أعطى ترتيباً آخر: صدّق بالحسنى فاتقى وأعطى، آمن أنه مخلوق للجنة وعمل وانضبط بمنهج الله عز وجل، وبذل كل ما عنده في سبيل الله، بنى حياته على العطاء، استراتيجيته العطاء، يعطي من أجل أن يرضى الله عز وجل، يعطي من وقته، من ماله، من علمه، من خبرته، من جاهه، من كل شيء، ومما رزقناهم ينفقون، هذا النموذج الأول الردّ الإلهي:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل: 5-7]

 يوجد توفيق، وتيسير، وسرور داخلي، وسعادة كبيرة، وشعور بالأمن.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل: 5-7]

2 ـ و رجل بخل و استغنى و كذب بالحسنى :

 الطرف الثاني، النموذج الآخر، قلت لكم قبل قليل: التصنيفات القديمة والحديثة لا تعد ولا تحصى وكلها لا أساس لها، كلكم لآدم وآدم من تراب، الناس سواسية كأسنان المشط.

((عَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى))

[ أحمد عن أبي نضرة]

 الطرف الآخر :

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾

[ سورة الليل:8]

 جعل حياته أخذاً، بنى حياته على الأخذ، يسعده أن يأخذ لا أن يعطي، أن يأخذ جهد الآخرين، أن يأخذ علمهم الدنيوي طبعاً، وخبرتهم، وأن يستغلّ ضعفهم وجهلهم، وأن يستغل قلّة خبرتهم، يبتزّهم يأخذ مالهم بطريقة مشروعة أو غير مشروعة، بنى حياته على الأخذ، وكلما اخذ أكثر كان في وهمه أشطر وأزكى، قد يعيش على أنقاض الآخرين، قد يبني ثروته على إفقارهم، قد يبني غناه على فقرهم، وقد يبني حياته على موتهم، قد يبني أمنه على خوفهم، قد يبني سعادته الموهومة على شقائهم، عاش الناس له.

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ﴾

[ سورة الليل:8]

 عن طاعة الله، لا يعبأ إن كان هذا أمراً محرماً أم مباحاً، دعك من هذا يقول لك: كن واقعياً، خذ ما شئت واستمتع كما يحلو لك، هذا النموذج الثاني.

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل:8-9]

 هي الدنيا فقط ولا شيء بعدها، هي كل شيء والغني فيها هو السعيد، والمال مادة الشهوات، والشهوات منتهى الغايات، هذا نموذج آخر، وقد يكون هذا النموذج الآخر من المسلمين، ولد من أب مسلم وأم مسلمة، العبرة المضمون لا الاسم، العبرة الحقيقة لا الصورة، العبرة السلوك لا الإعلان، العبرة المضامين لا العناوين، العبرة المبادئ لا الأشخاص، نموذجان لا ثالث لهما :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 5-9 ]

 الرد الإلهي للطرف الثاني:

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 10]

 يفقده الأمن، يخاف، قلبه فارغ من الأمن، لأنه بخل واستغنى وكذب بالحسنى.

 

الولاء و البراء :


 أيها الأخوة الكرام: هذا التقسيم الإلهي، والناس رجلان، تقيّ برّ كبير، وفاجر لئيم، هذا التمهيد من أجل أن الطرف الأعلى الشارد الذي كذب بالحسنى وبخل و استغنى لا ينبغي أن تقلّده، لا ينبغي أن تتمنى أن تكون مكانه، قال تعالى:

﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

[سورة القصص: 79-80]

 لا ينبغي أن تشتهي أن تكون مكان الطرف الآخر، ولا أن تقلده لا في هيئته، ولا في لباسه، ولا في أعياده.
 أيها الأخوة الكرام: كلام دقيق نحن في ديننا حقيقة خطيرة جداً هي الولاء والبراء، أن توالي أهل الإيمان ولو كانوا ضعافاً أو فقراء، وأن تتبرأ من أهل الشرك والكفر ولو كانوا أغنياء وأقوياء، فالطرف الثاني لا ينبغي أن تقلدهم، ولا ينبغي أن تشهد مشاهدهم، ولا ينبغي أن تتمنى أن تكون مثلهم لقول الله عز وجل:

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾

[ سورة المائدة : 51]

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾

[ سورة المجادلة: 22 ]

 فيا أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾

[سورة الممتحنة: 1]

 يقبل من مواطن في هذا البلد أن يحتفل بعيد الغفران مثلاً؟ يُتّهم بوطنيته، وفي انتمائه وقد يحاسب، لأنه أن تحتفل بعيد الطرف الآخر هذا موالاة، دليل حب وتقدير.

 

التقيد بمنهج الله في الأفراح و الأحزان :

 فيا أيها الأخوة الأكارم: المسلمون يبالغون في احتفالاتهم بأعياد الطرف الآخر، إلى درجة أنك تنسى أنه مسلم، الآية الثانية:

﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 142]

(( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ))

[أبو داود عن ابن عمر]

 ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري:

(( لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ ))

[البخاري عن أبي سعيد]

 من الذي يتحكم بأزياء نسائنا؟ أناس يهود في فرنسا، يصممون الأزياء، فهل ينبغي أن ترتدي امرأة مسلمة ثياباً فاضحة لأن الذي صمم الأزياء هكذا؟ هذا العام هكذا صمم، أليس هذا مضمون الحديث؟ امرأة مسلمة معها منهج، ومعها كتاب، معها وحي السماء، تقلّد أهل الطرف الآخر بثيابهم، باحتفالات مختلطة، بأعراس بالفنادق مختلطة، توزّع الخمور، يؤتى بالراقصات، ومكتوب على البطاقة: الطيبون للطيبات، ومن أسرتين عريقتين تقيتين إلى آخر الليل، كليشة ثابتة.
 فيا أيها الأخوة: أن تقلد الطرف الآخر في أعراسهم واحتفالاتهم واختلاطهم وانفتاحهم وذوبانهم هذا شيء خطير، يجب أن تتميز فأنت مسلم، أن تتميز بعقيدتك وببيتك الإسلامي وبعملك وأفراحك، ولا سمح الله في المناسبات الحزينة ينبغي أن تتقيد بمنهج الله، قال عليه الصلاة والسلام:

((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ ))

[ البخاري عَنْ أبي هريرة ]

على المسلم أن يكون متميزاً في حياته :

 أيها الأخوة الكرام: شيء آخر في هذا الموضوع:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى))

[النسائي عن أنس بن مالك]

 في حديث آخر دقيق جداً في هذه المناسبة:

(( حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلا بِبُوَانَةَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ قَالُوا لَا قَالَ هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ قَالُوا لَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْفِ بِنَذْرِكَ فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ))

[أبو داود عن ثابت بن الضحاك ]

 أيها الأخوة الكرام: ذكرت هذا الموضوع لكثرة ما أشاهد من احتفالات المسلمين على نمط الطرف الآخر، اختلاط، فساد، فتن، رقص، غناء، تصوير، هذا كله نقلّد به الطرف الآخر، أنت مسلم متميز ينبغي أن تكون احتفالاتك إسلامية، وأن يكون بيتك وعملك ولهوك إسلامياً، وأن تكون علاقتك بأهلك إسلامية، وإلا ما الذي يميزك عن بقية الناس؟
 يا أيها الأخوة الكرام: والله الذي لا إله إلا هو أن مسبحاً مختلطاً تتعرّى فيه النساء ويسبحن مع الرجال، أقيم فيه احتفال، وأثنى المتكلمون على صاحب هذا المسبح! حينما يُعصى الله جِهاراً، وأن ندّعي أننا مسلمون، وأن لدينا خلفية وأرضية إسلامية، ونزعة إسلامية وعاطفة واتجاه إسلامي، هذا كله كلام لا يعني شيئاً.

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال:72]

 لن يُعتدّ بك إلا إذا وقفت موقفاً، إلا إذا أعطيت لله ومنعت لله، إلا إذا غضبت لله ورضيت لله، إلا إذا وصلت لله وقطعت لله، هذا الذي يرفعك عند الله، أما أن تكون ذائباً بالطرف الآخر؛ بأعيادهم، باحتفالاتهم، بأزيائهم، باختلاطهم، بأعراسهم، بأحزانهم، أنت مثلهم تماماً، ما الذي يميّزك؟ لا شيء.
 أيها الأخوة الكرام: بكلمة مختصرة إنسان معه مرض جلدي لا يشفى إلا بالتعرض لأشعة الشمس، قابع في منزل قميء مظلم تحت الأرض، والشمس ساطعة خارج البيت، يقول: إنها شمس ساطعة، يا لها من شمس مشرقة، الله أكبر ما هذا السطوع؟ ! لو قلت هذا الكلام مئات المرات لا تستفيد من أشعة الشمس ما لم تخرج وتتعرض لها، هذا كلام بكلام، ولا يزيد شيئاً، اسمعوا قوله تعالى والله عز وجل يلخص القرآن الكريم كله في آية واحدة:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾

[سورة الكهف: 110 ]

 ما مضمون الوحي؟

﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾

[سورة الكهف: 110 ]

التوحيد وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

 من آمن بالله الإيمان الصحيح لا يشرك في طاعته أحداً :

 الآن:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾

[سورة الكهف: 110 ]

 الاتصال به، الإقبال عليه، التنعم بقربه، أن يكون في ظله برعايته، بحمايته، بتوفيقه، بظله، بتأييده، بنصره.

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

[سورة الكهف: 110 ]

 إن آمنت بالله الإيمان الصحيح ينبغي ألا تشرك في طاعته أحداً، وينبغي أن تبدل الغالي والرخيص والنفس والنفيس في سبيل رضوانه، عود على بدء:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 5-10]

 الناس على اختلاف مللهم ونحلهم وأعراقهم وأنسابهم وأجناسهم وزمرهم وجنسياتهم وأقاليمهم وأمصارهم رجلان؛ أعطى واتقى وصدق بالحسنى، والآخر بخل واستغنى وكذب بالحسنى، الأول يوفق، ويحفظ، ويسعد، ويطمئن، والثاني يحبط عمله، ويلقى شر عمله، ويهلك.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين، يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018