الخطبة : 0779 - مفهوم الحب في الإسلام . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0779 - مفهوم الحب في الإسلام .


2001-02-16

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسوله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مفهوم الحب في الإسلام :

 أيها الأخوة المؤمنون: كلمة الحب مؤلفة من حرفين، إنها في الإسلام تعني شيئاً كبيراً، إنها أصل من أصول الدين، إنها حقيقة راسخة من حقائق الإيمان.
 أيها الأخوة الكرام: هذه الكلمة الكبيرة مُسِخت عند أهل الدنيا إلى ميل الذكر للأنثى، وللناحية الحسّية فيها، بينما هي في الإسلام شيء كبير، هذه الكلمة أيها الأخوة يلهج بذكرها العابدون، ويوصي بها الأطباء والمصلحون، ويسعى إلى ترسيخها الدعاة إلى الله عز وجل، العالم الإسلامي اليوم يعاني أزمة في المحبة، هذه الأزمة جعلت الإنسان لا يفهم معنى إنسانيته، يعيش لنفسه، أو يعيش الناس له و هذا يكون بعيداً عن معظم المسلمين.
 أيها الأخوة المؤمنون: نحن كمسلمين في فقر مدقع إلى الحب بمعانيه السامية التي جاء بها القرآن، بمعانيه النبيلة التي وردت في أحاديث النبي العدنان، بينما الكراهية والبغضاء سمة في علاقات الناس، ولعل أسباب ذلك ترجع إلى قانون مستنبط من قوله تعالى:

﴿فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة المائدة : 14]

 فكل تقصير في حق الله، وكل معصية لله، وكل مخالفة لمنهج الله تنعكس فيما بين الناس عداوة وبغضاء لأن المصالح تتضارب، بينما الأخوة في الله تتنامى و تتسامى.
 أيها الأخوة الكرام: لا يمكن أن تكون هذه الكلمة الكبيرة ممسوخة بميل الذكر للأنثى فحسب، إنها ميل شهوة وحاجة، ولكن الإسلام أعطى كلمة الحب مفهومات واسعة جداً، قال أحدهم مرة وهو من علماء النفس: الإنسان الذي لا يجد حاجة إلى أن يُحِب أو يُحَب ليس من بني البشر، فكأنما الطائرة إن لم تطر ليست طائرة، سمّها ما شئت ليست طائرة ما لم تطر في الأجواء، كذلك الإنسان لا يعد إنساناً إلا إذا وجد في نفسه رغبة قوية في أن يُحِب، وأن يُحَب، أوسع هذه الدوائر أن تحب الله الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، وأن تحب دينه القويم وصراطه المستقيم، وأن تحب إخوانك المؤمنين الذين تلتقي معهم في عدد لا يعدّ ولا يحصى من القواسم المشتركة، أن تحب رسول الله الذي جاءك بهذا الدين القويم، أن تحب أسرتك التي خلق الله بينك وبينها المودة والرحمة، حتى أن المؤمن يحب لقاء الله، الشيء الذي يفر منه معظم الناس ويرونه أكبر مصيبة، المؤمن يحب لقاء الله، بعض علماء الرياضيات له مقولة مشهورة هي: أنا أفكر إذاً أنا موجود، لكن علماء القلوب يقولون: أنا أحب الله إذاً أنا مؤمن، علامة إيمانك أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما.

 

محبة الإنسان للكمال والنّوال والجمال :

 أيها الأخوة الكرام: شئنا أم أبينا، أحببنا أم كرهنا، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وما لم يتوازن بين هذين الخطين فإن خللاً خطيراً في شخصيته، ينبغي أن يعالج، عقل يدرك وقلب يحب، جسم يتحرك وروح تتسامى، وفي قلبه تعتلج عواطف كثيرة منها عاطفة الحب، وعاطفة البغض، وعاطفة الرغبة، وعاطفة الرهبة، ومنها عاطفة الرجاء، وعاطفة الخوف، هذا هو الإنسان الحي، ولكن حبّه وبغضه ورغبته ورهبته ورجاءه وخوفه منضبطان بالشرع، يحب لله ويبغض لله، ويخاف لله ويرجو لله، وكل أعمال قلبه إن صحّ التعبير منوطة بالله عز وجل، يحب المرأة كزوجة أو أم أو أخت أو ابنة، هناك حدود لا يتجاوزها.
 أيها الأخوة الكرام: بل إن المؤمن تنساق نفسه مع الكون، أليس الكون من خلق الله؟ هناك علاقة طيبة بينه وبين كل من حوله، إلا أن يكون عدواً لله، أو إلا أن يكون مفسداً في الأرض، يحب الشجر، يحب الطيور، يحب الأسماك، كل شيء خلقه الله عز وجل، حتى الحيوانات التي أُمِرنا بقتلها يقتلها وفق منهج الحب، لا يعذبها، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ))

[الترمذي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]

 أيها الأخوة الكرام، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي))

[الترمذي عَنْ ابن عباس ]

 أهم ما في الحديث أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، الإنسان مفطور شاء أم أبى على حب النوال - العطاء- وحب الكمال، وحب الجمال، وحين يكتشف المؤمن أن الله جل جلاله هو مصدر العطاء، وأن الله منبع الكمال ومصدر الجمال، تحب الكمال والنوال والجمال وهي عند الله عز وجل لذلك:

﴿آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾

[سورة البقرة: 165]

 يقول الله عز وجل:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾

[سورة البقرة: 165]

 وحينما يكتشف الإنسان حبه لله بعد فوات الأوان يرى أن القوة لله جميعاً، لعل القوة في العطاء، أو لعلها في الكمال، أو لعلها في الجمال، الشيء الذي يهواه الإنسان مخزون عند الله تعالى، لذلك المؤمن يحب الله، ويحب في الله، ولا يحب مع الله أحداً.

(( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ.... فَقَالَ: وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلاةٍ وَلا صِيَامٍ إِلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ بَعْدَ الإِسْلامِ فَرَحَهُمْ بِذَلِك ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

الحب في الله و الحب مع الله :

 أن تحب رسول الله، وان تحب الصحابة الكرام، وأن تحب أولياء الله، وان تحب المؤمنين، وأن تحب المساجد، وأن تحب القرآن، وأن تحب كل ما يتّصل بالواحد الديّان، هذا حب في الله، أما الحب مع الله فأن تحب أعداء الله، أن تحب لمصالح ومآرب وأهواء، الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك، بل إن مما يلفت النظر أن المؤمن يحب كل ما حوله، النبي عليه الصلاة والسلام في معركة مؤلمة جداً لم يكتب للمسلمين فيها النصر، لكنه رأى جبل أُحد فقال عليه الصلاة والسلام:

((أحد جبل يُحبنا ونحبه ))

[الجامع الصغير الإصدار لجلال الدين السيوطي]

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَحَنَّ الْجِذْعُ حَتَّى أَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 أرأيت إلى هذه الشفافية؟ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ ))

[مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ]

((كان النبي عليه الصلاة والسلام قد دخل إلى بستان أحد الأنصار فرأى ناقة، وقد ذرفت دموعها فمسح ذفريها وقال: من صاحب هذه الناقة؟ فجاؤوا بأنصاري من فتيان الأنصار قال: أنا صاحبها يا رسول الله، قال: ألا تتقي الله في هذا الجمل الذي سخره الله لك؟ فإنه شكا إلي أنك توجعه وتدئبه ))

[ تاريخ الإسلام الذهبي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]

 المؤمن يحب كل شيء، يحب مخلوقات الله، يحب النبات، يحب البيئة لا يلوثها، هو منسجم مع خلق الله عز وجل، هؤلاء الشاردون عن الله عز وجل يقولون: قهرنا الطبيعة، غزونا الفضاء، عبارات نابية، وعبارات قاسية، وعبارات تدل على همجية، الله جل جلاله قال:

﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان: 20 ]

 ففرق بين التسخير والتبذير، وبين قهر الطبيعة وبين غزو الفضاء.

 

النهي عن تمني الموت :

 أيها الأخوة الكرام: النبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن تمني الموت فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي))

[البخاري عَنْ أَنَسٍ]

 بل إن أحد الصحابة الكرام كان في أسعد لحظات حياته حينما غادر الدنيا.
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

((لَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَرْبِ الْمَوْتِ مَا وَجَدَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: وَا كَرْبَ أَبَتَاهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

[ابن ماجة عَنْ أَنَسٍ]

طاعة الله يجب أن تكون عن حبّ و اختيار و مبادرة :

 أيها الأخوة الكرام: الحب أصل من أصول الدين، وسمة بارزة من سمات المؤمن، لأن هذا الكون بُني على المحبوبية، لو أن الله أراد أن نطيعه فقط لأجبرنا على طاعته، لكنه أراد قلوبنا، أراد محبتنا، أراد مبادرتنا وسعينا إلى مرضاته، فلذلك هناك آيات كثيرة:

﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ﴾

[ سورة الرعد: 31]

 لو شاء أن نطيعه طاعة مجردة من المحبة لأجبرنا على طاعته، ولكنه شاء أن نطيعه عن حب، وأن نطيعه عن اختيار، وأن نطيعه عن مبادرة.

 

الموت عرس المؤمن وتحفته :

 ثم إن الموت الذي يخافه الناس جميعاً ويفرقون بذكر اسمه، ويفرقون بمقدماته ولأي مرض ينقلهم إلى الدار الآخرة، هؤلاء الناس يفهمون الموت على أنه عَدَم، مع أن الموت رحلة، الموت انتقال، النفس البشرية لا تموت ولكنها تذوق الموت.

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

[ سورة العنكبوت: 57]

 الموت في وهم الناس عدم.

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾

[سورة آل عمران: 169]

 في أعلى درجات الحياة، بل إن المؤمن ليعذب ببكاء أهله عليه، حينما يرى أهله يضربون صدورهم ويصرخون ويبكون يتألم لألمهم لأنه في جنات النعيم، بل إن المؤمن حينما يحضر أجله يرى مقامه في الجنة، فيعرق خجلاً من الله عز وجل، ويصيح صيحة لم أرَ شراً قط، كل ما تحمله في الدنيا من متاعب وابتلاءات وامتحانات يراها ثمناً لهذا النعيم المقيم.

(( غَدًا نَلْقَى الأَحِبَّهْ، مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ ))

[ أحمد عن سَعِيد بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ]

 أيها الأخوة الكرام: لو قرأتم تاريخ الصحابة أجمعين لوجدتم في سيرهم قاسماً مشتركاً واحداً ألا وهو أنهم كانوا في أسعد لحظات حياتهم حين لقاء ربهم، إنسان في النزع الأخير في ساحة المعركة، تفقده النبي فأرسل من يتفقده، فرآه بين الموتى قال له: يا فلان أنت بين الأحياء أم مع الأموات؟ قال: أنا مع الأموات، كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولكن أبلغ رسول الله مني السلام، قل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه لا عذر لكم إذا خُلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.
 هو يغادر الدنيا، لو نظرت إلى من يغادر الدنيا من البشر المتفلتين لرأيت شيئاً لا يوصف، صراخ وعويل وضرب وندم واصفرار وإغماء، إذا اقتربت الطائرة من أن تقع انظر، بينما المؤمن لأنه عمل عملاً يرضي الله عز وجل فهو في عرس، الموت عرس المؤمن وتحفته.
 أيها الأخوة الكرام: قلب المؤمن يعتلج فيه الحب، أحد سماته البارزة أنه يحب الله محبة تدفعه إلى طاعته.

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

تعصي الإله و أنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كـان حبك صـادقاً لأطعتـــــــه  إن المحب لمن يحب يطيـــع
***

الودّ بين المؤمنين من خلق الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

[ سورة مريم : 96]

 قال بعض علماء التفسير: ودّاً مع الله، وقال بعض آخر: ودّاً فيما بينهم:

﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 63]

 هذا الودّ بين المؤمنين من خلق الله عز وجل، من خلق الله وينبغي أن يكون، وإن لم يكن فنحن في خطر عظيم .

﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾

[ سورة الحشر: 14]

 هذا الذي يكيد لإخوته المؤمنين، هذا الذي يرتاح لفاحشة ظهرت بينهم:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴾

[ سورة النور : 19]

 يحب سقوط المؤمن وانهياره وإخفاقه هو ليس مؤمناً، هو في صف المنافقين لقوله تعالى:

﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 50]

 لكن علامة الإيمان أن يمتلئ قلبك فرحاً لخير أصاب أخيك من خيري الدنيا والآخرة، هذه علامة إيمانك، ولك أن تمتحن إيمانك من حين إلى آخر، هل تفرح إن أصاب أخوك خيراً مشروعاً في الدنيا أو الآخرة أم تتألم وتتمنى زوال هذا الخير عنه وتتمنى أن يسقط؟

 

الحب في الله هو محبة إنسان من دون منفعة أو قرابة أو خدمة :

 أيها الأخوة الكرام: الحب في الله يعني أن تحب إنساناً من دون منفعة ولا شهوة ولا قرابة ولا خدمة أداها لك، تحبه لله، لذلك ورد في بعض الأحاديث في صحيح مسلم:

((أن رجلاً أراد أن يزور رجلاً، فأرسل له الله على مدرجته ملكاً في الطريق في صورة رجل وسأله: أين تذهب؟ فقال: أريد أن أزور أخي فلاناً، قال: ألقرابة بينك وبينه؟ قال: لا، قال: أفبنعمة له عندك؟ قال: لا، قال: فما الذي؟ قال: أحبه لله، قال: أبشر فإن الذي تحبه من أجله بعثني لأبشرك بأنه يحبك لحبك إياه))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 هذا هو الحب في الله، أن تحب إنساناً من دون منفعة ولا مصلحة ولا قرابة ولا نسب، من هنا ورد في بعض الأحاديث القدسية حدثني معاذ فقال عبادة رحمه الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال:

(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ، المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))

[الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]

الحب و التعاون بين المسلمين هو الردّ الإسلامي على الطرف الآخر :

 يجب أن يعود الحب بين المؤمنين، يجب أن تضع تحت قدمك كل قضية تبعد أخاك عنك، تسيء العلاقة مع أخيك، أكبر رأس مال للمؤمنين اليوم الحب بينهم، التعاون، التكاتف، التضامن، لأن قضيتنا اليوم قضية مصيرية، نكون أو لا نكون، الطرف الآخر يتمنى دمارنا وإفقارنا، ويتمنى أن نكون جاهلين، وأن يكون بيننا عداوة وبغضاء، يعيش على هذه العداوة والبغضاء (فرق تَسود) ما من ردّ إسلامي حار مخلص إلا أن نتعاون.

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

 كم من طاقات هُدِرت؟ كم من ثروات تبدلت؟ كم من أموال أنفقت من أجل العداوة والبغضاء؟ ولعل مشكلة البشرية اليوم العداوة والبغضاء، وكلها بسبب البعد عن الله، كلما ابتعدت عن الله امتلأ القلب حسداً وحقداً وبغضاً وإساءة، وكلما اقتربت من الله امتلأ رحمة وتواضعاً وحباً للخلق. إنسان يبالِغ في الإساءة إليك لم يدّخر نوعاً من الإساءة إلا وفعلها، فلما فتحت مكة قال: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وحينما ذهب إلى الطائف وبالغ أهلها في الإساءة إليه قال:

((... نَادَانِي جِبريل فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ متفق عليه عن عائشة]

 هذا هو النبي الكريم:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة : 128]

حب الذّات :

 أيها الأخوة الكرام يقول الله عز وجل:

﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الزخرف: 67]

 دققوا: هناك حب في الدنيا؛ مصالح وشهوات، والحقيقة هذا الحب هو حب للذات، لأن حبك لذاتك يدفعك أن تحب امرأة تمتعك، لأن حبك لذاتك يدفعك لأن تحب رجلاً يعطيك، هذا الحب المبني على مصالح هو حب للذات في الحقيقة، كل أنواع هذا الحب يوم القيامة ينقلب إلى عداوة، قال تعالى:

﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الزخرف: 67]

 لأنك أحببت أخاك في الله، هذا الحب يبدأ في الدنيا ويستمر إلى أبد الآبدين :

﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الزخرف: 67]

 لو أن إنساناً أحب زوجته، ولأنه يحب زوجته عصى ربه فأكل المال الحرام إرضاءً لها، فتنقلب هذه المحبة يوم القيامة إلى عداوة منكرة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾

[ سورة التغابن: 14]

 فإذا حملتك محبتك لزوجتك أو محبتك لابنك أن تعصي الله فهذه المحبة في الدنيا تنقلب عداوة في الآخرة، هذه البنت التي أرضت أباها في الدنيا فخرجت كما تريد، أو أرضاها أبوها في الدنيا وسمح لها بالقيام بما تشاء تقف يوم القيامة وتقول: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، كل أنواع المودة في الدنيا المبنية على المصالح والأهواء والشهوات تنقلب عداوة في الآخرة:

﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الزخرف: 67]

 آية ثانية:

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾

[ سورة الفرقان : 27-29]

 هذه المودة في الدنيا انقلبت إلى عداوة.

 

المسلم يدافع عن أخيه و يعاونه على الخير :

 أيها الأخوة الكرام: دققوا في هذا الحديث المروي عن أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ:

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ قَاصِيَةِ النَّاسِ وَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ انْعَتْهُمْ لَنَا - يَعْنِي صِفْهُمْ لَنَا- فَسُرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا وَثِيَابَهُمْ نُورًا يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ))

[ أحمد عن أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ]

 عجيب ليسوا بأنبياء ولا شهداء، نحن في فقر مدقع إلى حب ومودة بيننا، إلى تعاون وإيثار وتضامن.
 سأل النبي في تبوك عن إحدى أصحابه فقال بعضهم: شغله بستانه يا رسول الله، فقام صحابي جليل وقال: لا والله يا رسول الله إن أناساً تخلفوا عنك ما نحن بأشدّ حب لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك، ما علمنا عليه إلا خيراً. هكذا كان أصحاب النبي، ينبغي أن تدافع عن أخيك وتحبه وتعاونه على الخير.

 

تقصي أسباب الود بين الإنسان و أخيه :

 أيها الأخوة الكرام، من أدعية القرآن الكريم:

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الحشر: 10 ]

 فكيف بقلب يمتلئ عداوة وحقداً على مؤمن؟

﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الحشر: 10 ]

 وكأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما أعلمه الله عن آخر الزمان يقول:

((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ...))

[أحمد عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ]

 هؤلاء الأمم الشاردة كل حياتها حروب واستنزاف، كل حياتها كيد وتآمر، هؤلاء هم الشاردون عن الله، ولكن المؤمنين قوم متميزون يقول عليه الصلاة والسلام:

((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ ما هو داء الأمم ؟ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لَا حَالِقَةُ الشَّعَرِ...))

[أحمد عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ]

 من منا يصدق وينبغي أن يصدق أن هذه البغضاء التي بين المؤمنين تحلق دينهم جميعاً، لا تبغض، الأصح ينبغي أن تعامل أخاك معاملة تنتهي بمحبته لك، ينبغي أن تتقصى أسباب الودّ بينك وبين أخيك، يجب أن تهنئه إذا أصابه خير، وأن تواسيه، وأن تعزيّه، وأن تقرضه وتزوره، ينبغي أن تتفقد أحواله، هكذا ما من عمل يقرب المؤمنين بعضهم من بعضاً إلا وقد أمر النبي به، وما من عمل يضعضع الثقة بين المؤمنين إلا ونهى النبي عنه، فحرم الغيبة والنميمة، وحرم الإفك والبهتان، وحرم المحاكاة، وحرم أن تسلم أخاك إلى أعدائه، وحرم أشياء كثيرة لو طبقها المسلمون لكانوا في حال غير هذا الحال، مظاهر الدين صارخة، ولكن حقيقة الدين ضعيفة، مظاهر الدين؛ مساجد فخمة جداً، في المغرب مسجد بلغت كلفته ألف مليون دولار، مساجد فخمة، جامعات، كتب، أشرطة، محاضرات، مؤتمرات، كله صارف ولكن الحب الذي كان بين الصحابة جميعاً هذا قوي جداً، وكلما نما هذا الحب بين المؤمنين كانوا كتلة واحدة، وكانوا صفاً واحداً مرصوصاً.

 

علاقة الإنسان مع أخيه المؤمن تضبطها ثلاثة مستويات :

 أيها الأخوة الكرام: بشكل ملخص علاقتك مع أخيك المؤمن تضبطها ثلاثة مستويات: مستوى الإيثار وهو أعلى أنواع الحب، تجوع ليشبع، وتعرى ليكتسي، وتضع نفسك في الظل ليقوى، تعينه وتنجده وتدافع عنه وترفع قدره:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[سورة الحشر: 9]

 المستوى الثاني: أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأن تبغض له ما تبغض لنفسك، والمستوى الضعيف الحد الأدنى في العلاقة مع أخيك أن تكون سليم الصدر تجاهه، أن يكون قلبك خالياً من الحقد والحسد والبغضاء، فإذا كان هناك أعمال تؤدي إلى قطع العلاقة فما بالكم؟ الحد الأدنى أن تكون سليم الصدر تجاه إخوانك: فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ ))

[ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 سلامة الصدر هي الحد الأدنى، وأن تحب له ما تحب لنفسك، وأن تبغض له ما تبغض لنفسك، الحد الوسط، لكنك إذا كنت مؤمناً حقاً ومخلصاً وتحب الله ورسوله تؤثره على نفسه ولو كان بك خصاصة !
 أيها الأخوة الكرام، لو لم تكن هذه المحبة ما الذي يحل محلها؟ لو أن ابناً أحب أمه حباً جماً أعطاها كل ما يملك، لكن متى نقيم العدل؟ إذا فقدت المحبة، ماذا يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

[ سورة النحل: 90]

 فالقضية مع أخيك إن لم يسعها العدل وسعها الإحسان، ويأمرك بالإحسان أمره لك بالعدل، سيدنا عمر كان حين يرى قاتل أخيه ضرار بن الخطاب يقول له: أنا لا أحبك ولا أحب أن أرى وجهك، فكلما رأيتك تذكرت قتلك لأخي، فقال له: يا أمير المؤمنين أو يمنعنك هذا البغض من أن تعطيني حقي ؟ قال: لا والله، أعطيك حقك، ثم قال: إنما يأسف على الحب النساء.
 أيها الأخوة الكرام: إن لم يكن بينك وبين أخيك حباً ينبغي أن يكون العدل بينك وبين أخيك، قالوا: زوّج ابنتك لمؤمن إن أحبها أكرمها، وإن لم يحبها لم يظلمها.

 

نمو الشّدة النّفسية عند غياب الإيمان :

 أيها الأخوة: الحقد والحسد والبغضاء هذه تسبب موتاً، مرضاً، آفة، تسبب مرضاً عضالاً، وإليكم الدليل:

﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 119 ]

 هذه عبّر عنها الأطباء بالشدة النفسية، ما أكثر هذا المرض لأنه ينمو في غياب الإيمان، حتى في علاقتك مع زوجتك قال تعالى:

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾

[ سورة النساء: 19]

 لعل الخير كله يتأتّى من هذه الزوجة التي لا تحبها، والمعاشرة بالمعروف ليس أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ))

[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 ينبغي أن يأخذ الرجل زوجته بمجموعها لا بالتفاصيل، بالتفاصيل يوجد أشياء مزعجة، أما بالمجموع فهناك علامات، حصّلت سبعين إذاً هي ناجحة، أما على التفاصيل فقد لا يعجبك خلقاً من خلقها، خذها جملة لا تفصيلاً.
 أيها الأخوة الكرام: هذا هو الحب، لكن أهل الدنيا الرومان مسخوه إلى علاقة حسّية بين ذكر وأنثى، وجعلوا لهذه العلاقة عيداً.

 

الحب أحد أسس الإسلام :

 أيها الأخوة الكرام: الحب أحد أُسس الإسلام، وأحد سمات المؤمن العميقة.

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

[ سورة الروم : 21]

 المؤمن يحب زوجته، ويحب أمه، ويحب أخته، ويحب ابنته، ويحب محارمه، أما هذه العلاقة بين أي ذكر وأي أنثى فهذه علاقة محرّمة وهذا حب محرم.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حقيقة أن الله جميل يحب الجمال :

 أخواننا الكرام معظم المسلمين يمتع عينيه من محارم النساء ويغطي هذا بقول النبي الكريم:

((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))

[أحمد عن عبد الله بن مسعود ]

 الحديث أيها الأخوة ورد في الصحاح بهذا السياق:

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))

[ مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

 فإن الله جميل يحب الجمال يتناول جمال الثياب، المسؤول عنه في نفس الحديث، ويدخل فيه عموم الجمال في كل شيء:

((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وفي سنن الترمذي:

((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ ))

[ الترمذي عن عمرو بن شعيب ]

 عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

((رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيَّ أَطْمَارٌ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مَالٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ قُلْتُ: مِنْ كُلِّ الْمَالِ قَدْ آتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الشَّاءِ وَالْإِبِلِ قَالَ فَلْتُرَ نِعَمُ اللَّهِ وَكَرَامَتُهُ عَلَيْكَ…..))

[ أحمد عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ]

 فهو سبحانه وتعالى حينما أخبرنا النبي الكريم أن الله جميل يحب الجمال، يحب ظهور أثر نعمته على عبده، فإنه من الجمال الذي يحبه الله عز وجل، وهذا من شكره على نعمه وهو جمال باطن، فيجب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة.
 أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل:

﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾

[ سورة الأعراف :3]

 ذكر الله جل جلاله في هذه الآية الجمال الباطن وهو التقوى، والجمال الظاهر وهو لباس وريش، وقال تعالى:

﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ﴾

[سورة الإنسان: 11-12]

 فجمّل وجوههم بالنضرة، وبواطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير، إن الله يحب القول الجميل وجمال الأفعال واللباس والهيئة، و يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والثياب والهيئات.
 أيها الأخوة الكرام: هذه حقيقة أن الله جميل يحب الجمال، استخدم الكلمة اللطيفة، والبس الثوب النظيف، ليس الغالي بل النظيف. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَنَا إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ))

[ أحمد عن أبي الدرداء]

 نظّف بيتك، اجعل في بيتك مسحة جمال، هذا من معاني الحديث، وليس ما فهمه المسلمون أن يمتع عينيه بما هو حرام ويقول: بأن الله جميل يحب الجمال.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين، يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018