الخطبة : 0459 - قوة المؤمن2 - من لوازم القوة - الثروة الحقيقية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0459 - قوة المؤمن2 - من لوازم القوة - الثروة الحقيقية .


1993-11-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أسس القوة النفسية :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الخطبة السابقة تحدثت لكم عن أن المؤمن الحقيقي يشعر بقوة نفسية ، هذه القوة النفسية أساسها إيمانه بالله تعالى ، وتوكله عليه ، ومن أسسها إيمانه أنه على الحق الذي قامت من أجله السموات والأرض ، ومن أسسها إيمانه بخلود الإنسان فما حياته الدنيا إلا عرض حاضر ، ومن أسس شعوره بالقوة إيمانه بالقضاء والقدر ، فلكل شيء حقيقة ، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، ومن أسس شعوره بالقوة إحساسه بالأخوة الإيمانية ، فالمؤمنون جميعاً له ، وهو لهم جميعاً ، هذه بعض الأسس التي جاء بها القرآن ، ووردت بها السنة المطهرة ، والتي تؤكد أن المؤمن لا يخنع ، ولا يذل ، ولا يشعر بالوهن ، ولا بالضعف ، وانتهيت بالخطبة إلى حقيقة أساسية هي أن شعورك بالقوة يتناسب مع قوة إيمانك ، واليوم نكمل الموضوع ، هذا المؤمن الذي يشعر بقوة نفسية ما لوازم هذه القوة ؟

 

لوازم قوة المؤمن :

1 ـ الصدق و العدل في كل حين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من لوازم القوة التي يشعر بها المؤمن ، الصدق في كل حال ، والعدل في كل حين ، صادق مع نفسه ومع الناس ، صادق مع نفسه ومع ربه ومع الناس ، وعادل في كل أحيانه مع أصدقائه ، ومع أعدائه ، فالآية الكريمة التي قل من يلتفت إليها ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ﴾

[ سورة المائدة: 8]

 المؤمن يبغض من ؟ يبغض الكافر ، يبغض الفاجر ، يبغض المنافق ، فهؤلاء الذين تبغضونهم لا يحملنكم بغضكم لهم على ألا تعدلوا معهم ، إذا توهمتم يا عبادي أنني أرضى عنكم إذا جرتم مع الذين تبغضونهم ، إذا توهمتم يا عبادي أنني أرضى عنكم إذا لم تنصفوا أعداءكم فأنتم واهمون .

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[ سورة المائدة: 8]

 هو أقرب لطاعتي وعندئذٍ أنتم أقرب إلي ، وربما كان عدلكم مع هؤلاء المنافقين يحملهم على طاعة الله عز وجل ، ويقربهم إلى الله ، فالمؤمن أيها الأخوة إذا شعر بقوة روحية عالية لا يمكن أن تحمله هذه القوة على أن يحيد ، أو على أن ينكر ، أو على أن يجحد ، أو على أن يتجاوز حدوده مع الآخرين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ بعث النبي عليه الصلاة والسلام سيدنا عبد الله بن رواحة إلى خيبر ليقيّم ثمن النخل ، وكان هناك اتفاق بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين اليهود على أن يعطوه نصف ثمارهم من النخيل ، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن رواحة إلى خيبر ليقيّم بتقدير ثمن النخل ، فقام بالمهمة ، وقدر ثمن النخل ، ثم جمع له اليهود حلياً من حلي نسائهم ، وقالوا له : هذه لك ، وخفف عنا في القسمة ، وتجاوز ، فقال لهم : يا معشر اليهود ، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ ، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم ، أما الذي عرضتم علي فإنه سحتٌ ، وإنا لا نأكلها ، فلم يملك اليهود إلا أن قالوا بهذا قامت السموات والأرض ، بهذا العدل قامت السموات والأرض ، أي المؤمن مهما شعر بقوته الروحية ، مهما تألقت نفسه ، مهما شعر بقوته النفسية ، مهما شعر بقربه من الله عز وجل ، لا يمكن أن يحيف على أعدائه ، فضلاً على أصدقائه :

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾

 أي لا يحملنكم :

﴿ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾

 الشنآن ؛ هو البغض الشديد ، ومن هو الذي يبغضه المؤمن ؟ إنه الكافر ، إنه الفاجر ، إنه المنافق ، أي كأن الله سبحانه وتعالى يقول : يا عبادي إذا توهمتم أنني أرضى عنكم إذا لم تقسطوا مع أعدائكم ، ومع الطرف الآخر ، فأنتم واهمون :

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

 إن عدلتم أنتم أقرب إلي ، وربما جعلتم خصومكم أقرب إليّ ، وربما حملتموهم بعدالتكم على أن يحبوا هذا الدين العظيم الذي يقوم على العدل ، وربما إذا عدلتم مع خصومكم أن يكون هذا أقرب إلي مما لو لم تفعلوا ذلك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ سيدنا عمر بن عبد العزيز بلغه أن ابنه اشترى خاتماً فصه بألف درهم ، فبعث إليه يقول : بلغني أنك اشتريت خاتماً فصه بألف درهم ، فإذا بلغك كتابي هذا فبعه ، وأطعم بثمنه ألف جائع ، واشترِ خاتماً فصه من حديد ، واكتب عليه رحم الله امرأ عرف قدر نفسه ، هذا معنى قول الله عز وجل :

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

 قلت في الخطبة السابقة : إن المؤمن بسبب إيمانه بالله وتوكله عليه ، وبسبب أنه على الحق المبين ، وبسبب أنه يؤمن بالقضاء والقدر ، وأنه لا يقع شيء إلا بعلم الله ، وبسبب إيمانه بالخلود ، وإيمانه بالأخوة الإيمانية ، كل هذا لا يحمله على أن يظلم ، ولا يحمله على أن يحيف ، ولا يحمله على أن يطمس ، ولا يحمله على أن يتجاوز ، العدالة قامت عليها السموات والأرض ، وقد ورد في الأثر أن عدل ساعة أفضل من أن تعبد الله ثمانين عاماً .

2 ـ الشّجاعة في مواطن البأس والثبات في موضع الشّدة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من لوازم القوة التي يشعر بها المؤمن شجاعته في مواطن البأس ، وثباته في موضع الشدة ، لا تتزلزل له قدم ، ولا يتزعزع له ركن ، ولا يخشى الناس قلوا أو كثروا ، ولا يبالي بالأعداء ، وإن أرغوا وأزبدوا ، إن سدت أبواب الخوف كلها أمامه فلم يخف إلا من ذنبه ، ومن سخط ربه ، ومن الأحاديث الجامعة المانعة التي وردت عن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتي لو عرفنا أبعادها ، وعرفنا مضمونها لكنا في حال آخر ، يقول عليه الصلاة والسلام:

((لا يخافن العبد إلا ذنبه))

[ كنز العمال موقوفاً عن علي]

 لا تخش أحداً ، لأنه ليس إلا الله ، فاخش الذنب الذي إذا فعلته استحققت التأديب من الله :

((لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه))

[ كنز العمال موقوفاً عن علي]

 وهكذا المؤمن الصادق لا يخاف ، لا لأنه في الأصل لا يخاف ، خلق الإنسان ضعيفاً ، لكنه لا يخاف لإيمانه أن كل من في السموات والأرض بيد الله عز وجل ، وهذا مصداق قول الله عز وجل :

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 55-56 ]

 إيمانه أن الأمر كله بيد الله ، وأن كل مخلوق مهما علا شأنه ، ومهما استطار شره هو في قبضة الله عز وجل ، فإذا كنت مع الله عز وجل فلا تخف في الله لومة لائم .

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنــا
ولذ بحمانا واحتـــــــــــمِ بجنابنا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
***

 إيمان المؤمن أن أمره كله بيد الله ، أي توحيده وبعده عن الشرك الخفي هو مبعث قوته ، ومع ذلك إذا قيل للمؤمن : إن أعداءك أكثر عدداً تلا قوله تعالى :

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 249]

 وإن قيل له : إنهم أكثروا أموالاً تلا قول تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 36]

 وإذا قيل له : إنهم ماكرون خداعون تلا قوله تعالى :

﴿ َقَدْ مَكَرُوا مَكْرَُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 54]

 وإذا قيل له : إنهم أقوى منه وأمنع منه ، وأشدّ تحصيناً تلا قوله تعالى :

﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾

[سورة الحشر : 2]

 هذا القرآن أيها الأخوة الذي نقرؤه صباحاً مساء ، ينبغي أن يكون له أثر إيجابي في نفوسنا .

3 ـ الإخلاص في القول والعمل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من لوازم قوة المؤمن المبنية على الأسس التي شرحتها من قبل إخلاصه في القول والعمل ، المؤمن يعمل الخير ، ويحارب الشر ، يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، وإن لم يكن له نفع مادي ، ولا هوى شخصي ، ولا تهمه شهوة ، ولا محمدة، ولا رضا الناس عنه ، يؤثر الخفاء على الشهرة ، وعمل السر على عمل العلانية تجنباً للرياء ، وبعداً بالنفس عن مزالق الشرك الخفي ، متمنياً ممن يحبهم الله عز وجل ، وهذا قوله دائماً : إلهي أنت مقصودي ، ورضاك مطلوبي ، لا يتمنى إلا أن يرضى الله عنه ، رضا الله عنه غاية الغايات ، ومحط الرحال ، ومنتهى الآمال ، لذلك المخلص لا يستجدي المديح من الناس ، المخلص لا يهمه قول الناس به ، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به ، المخلص يشعر بعزة ما بعدها عزة ، يشعر بغنى ما بعده غنى .
 أيها الأخوة الكرام ؛ وصف النبي عليه الصلاة والسلام المخلصين من المؤمنين فسماهم الأتقياء الأخفياء ، الذين إذا حضروا لم يعرفوا ، وإذا غابوا لم يفتقدوا ، المؤمن المخلص هو كجذر الشجرة يمدها بالغذاء ، ولا يراه أحد ، المؤمن المخلص كأساس البنيان ، يختفي في الأعماق ويقوم عليه البنيان .

4 ـ التحرر من الخوف و الحرص :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من لوازم إحساس المؤمن بالقوة التحرر من شيئين ، من الخوف ومن الحرص ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[سورة المعارج : 19 ـ 22]

 هذه طبيعة الإنسان قبل أن يعرف الله ، هذا طبيعة الإنسان الخام إن صح التعبير :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[سورة المعارج : 19 ـ 22]

 فمن طبيعة الإنسان الخلقية أنه حريص على ما بيده ، خائف مما هو آت ، هذا الخوف وذاك الحرص الإيمان كفيل بأن يحرره منهم ، فلا شيء أيها الأخوة يضعف النفوس كالحرص على الحياة ، ولو كانت ذليلة ، ولا شيء يضعف الإنسان ، ويحني رقبته ، ويذل عنقه، ويضعفه كحرصه على ما في يديه ، فالمؤمن الحق يتحرر من حرصه على ما في يديه ، ومن خوف انتهاء أجله ، وكلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تقرب أجلاً ، هؤلاء السحرة سحرة فرعون حينما تهددهم فرعون ، وقال لهم :

﴿ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة الشعراء : 49]

 هددهم .

﴿ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

[سورة طه : 71 ـ 73]

طاعة الله وحدها هي التي ترفع الإنسان عند الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ المؤمن يرفع رأسه ، المؤمن لا يذل نفسه ، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، ابتغوا الحوائجَ بعزةِ الأنفس ، فإنَ الأمورَ تجري بالمقادير :

اجعل لربك كلَ عِــزكَ يستـــقرُ و يـثبتُ  فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك مـــيت
***

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإيمان إذا تعمقت جذوره في النفس الإنسانية ، وتغلغل في كل كيانها ، وقوي سلطانه على النفس ، ماذا يفعل بصاحبه ؟ يمد صاحبه بيقين لا يضعف ، وهمة لا تني ، وأمل لا يخبو، ودافع لا يتوقف ، وعزم لا يخور ، يملك الدنيا ولا تملكه ، يكسب المال ولا يستعبده ، تحيط به النعمة لكن لا تبطره ، ينزل به البلاء لكن لا يقهره ، لا تزيده الشدائد إلا عزيمةً على عزيمته .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ليس هذا كلاماً أدبياً إنما هو حقيقة واقعة ، أصحاب النبي عليهم رضوان الله كانوا قلة قليلة ، بإيمانهم بربهم فعلوا المعجزات ، دانت لهم أطراف الدنيا في ربع قرن .
 أيها الأخوة الكرام : من كان يصدق أن مجموعة قليلة العدد ضئيلة العُدد لم يكن لهم فلسفة اليونان ، ولا مدنية الرومان ، ولا حكمة الهند ، ولا صنعة الصين تملك الدنيا ، وترث ملك الأكاسر ، والقياصرة ، تنشر حضارة في ربع قرن ؟ هذا هو التاريخ بين أيديكم ، ما الذي جعلنا ضعفاء ؟ ما الذي جعلنا لا نقوى ؟

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 هذه وعود الله ، ومن أصدق من الله حديثاً ؟ ومن أوفى بعهده من الله ؟ على أن تعبدونني ، فإن أردتم أن تسألوا عن سرّ ضعفنا ، وسرّ تخلفنا ، إن كان هناك ضعف أو تخلف، إذا أردتم أن تسألوا عن ذلك فهو في تقصيرنا في جنب الله عز وجل ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد ، صادق في وعده ، ومن أصدق من الله حديثاً ، قال : يعبدونني فقط ، مقياس قرآني عظيم.

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13]

 طاعة الله وحدها هي التي ترفع الإنسان عند الله عز وجل .

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 160]

من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا كان الزمان قد تغير على المسلمين فانكمشوا بعد امتداد ، ووهنوا بعد قوة ، فالآن الإيمان لم يعد يسيطر على أنفسهم ، ولا يوجه أخلاقهم وسلوكهم ، مصطلح قرأته من عهد قريب ، إيمانهم جغرافي أي أن هذا المسلم نشأ في بلاد المسلمين ، فبحكم ولادته صار مسلمًا ، هذا الإيمان الجغرافي لا يقدم ولا يؤخر ، أو إيمانهم وراثي ، ورث دين الإسلام عن أمه وأبيه ، أما هو ففي واد ودينه في واد آخر ، الإيمان الجغرافي والإيمان الوراثي لا يقدم ولا يؤخر ، بل إن بعض علماء التفسير فسر قوله تعالى :

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 قال : هناك أمتان ، أمة التبليغ ، وأمة الاستجابة ، فبحكم مولد الإنسان ، وبحكم أن أمه وأباه مسلمان فهو مسلم ، إذاً هو من أمة التبليغ ، وليس من أمة الاستجابة .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال: 24 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال عليه الصلاة والسلام : من الأحاديث التي يعلمنا بما سيكون ، و قبل أن أقول هذا الحديث هناك ملاحظة دقيقة وسريعة ، النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب بذاته ، إلا أن يعلمه الله به ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا*إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾

[ سورة الجن : 26 ـ 27 ]

 يقول عليه الصلاة والسلام في حديث جامع مانع ، وكأنه بين أظهرنا :

((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، فقال قائل : ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ – مليار ومئتا مليون - ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللّه من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفنَّ اللّه في قلوبكم الوهن ، فقال قائل : يا رسول اللّه ؟ وما الوهن قال : حبُّ الدنيا وكراهية الموت))

[ أخرجه أبو داود عن ثوبان ]

 أي إذا آثرنا دنيانا على طاعة ربنا ، إذا آثرنا دنيانا على إقامة أمر الله عز وجل ، إذا آثرنا دنيانا على الدعوة في سبيل الله ، إذا آثرنا دنيانا على واجباتنا الدينية ، إذا آثرنا الدنيا على ما علينا من واجبات دينية كنا ضعافاً ، وقد انطبق علينا قول النبي عليه الصلاة والسلام .

 

شخصية المؤمن شخصية فذة فيها جوانب ثلاثة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يبدو على بعض من يتمسحون بالدين الضعف والتماوت ، والتخشع والتذلل والذبول ، فيظن المرء واهماً أن هذه هي صورة المؤمن ، والحقيقة أن الإيمان الحق بريء من هذه الصورة الزائفة ، وتلك المظاهر الكاذبة ، الإيمان قوة في الباطن والظاهر ، قوة في الباطن ، وقوة في الظاهر ، في الخلق والسلوك ، في المخبر والمظهر .
 سيدنا عمر رأى رجلاً متماوتاً في صلاته ، مطأطئاً رقبته ، مبدياً للتذلل ، علاه بدرة ، وقال : لا تمت علينا ديننا ، ارفع رأسك ، فإن الخشوع في القلب ، لا في الرقاب ، سيدنا عمر كان يدعو ويقول : " اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق ، قيل له : وما خشوع النفاق ؟ قال : أن يُرى البدن خاشعاً والقلب ليس بخاشع " خشوع في الأعضاء ، وشرك خفي في القلب .
 صحابية جليلة اسمها الشفا بنت عبد الله ، رأت فتياناً يمشون متماوتين ، فقالت في دهشة : من هؤلاء ؟ قالوا لها : هؤلاء نساكٌ عباد ، قالت : رحم الله عمراً ما رأيت أزهد منه ، ولا أخشع منه ، كان إذا مشى أسرع ، وإذا تكلم أسمع ، وإذا ضرب أوجع ، وإذا أطعم أشبع ، وكان هو الناسك حقاً ، أي هذه الشخصية التي ينبغي أن نصبو إليها ، شخصية متفوقة في علمها ، وفي أخلاقها ، وفي قيمها ، شخصية المؤمن أيها الأخوة شخصية فذة ، فيها جوانب ثلاثة ، فيها جانب علمي ، الخرافات ، والترهات ، والأباطيل ، هذه بعيدة عن عقل المؤمن ، لأن عقله تغذى بالعلم ، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه ، فجانب من شخصية المؤمن علمي ، فإذا حدثك معه الحجة والبيان ، معه الدليل والتعليل ، معه المنطق الصارم .

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾

[ سورة الأنعام : 83]

 ولكل مؤمن من هذه الآية نصيب ، بقدر إيمانه ، وقدر عمله ، وقدر إخلاصه ، وجانب آخر أيها الأخوة من جوانب شخصية المؤمن الجانب الأخلاقي .أي الإيمان كله خلق ، الإيمان كله قيم ، الإيمان صدق ، الإيمان أمانة ، الإيمان وفاء ، الإيمان ثبات على المبدأ ، الإيمان عطاء ، الإيمان بذل ، إذا نحيت الخلق عن المؤمن لم يبق من إيمانه شيء ، إذا نحيت الخلق الكريم عن المؤمن لم يبق من الإيمان شيء ، لأن الإيمان هو الخلق الحسن .
 الإيمان قيم ، المؤمن لا يغدر ، المؤمن لا يكذب ، المؤمن لا ينافق ، إيمانه يتجلى بأخلاقه ، هذا جانب آخر .
 الجانب الثالث : جانب جمالي ، أذواق المؤمن رفيعة ، اللقاء معه مؤنس ، سعيد وهو مسعد ، فإذا كنا في مرتبة الإيمان حقاً فنحن في مرتبة علمية ، وفي مرتبة خلقية ، وفي مرتبة جمالية ، وما لم يكن المؤمن كذلك لا تطمح إليه النفوس ، ولا تشرئب إليه الرقاب ، ولا يكون المؤمن موضع فخر ، ولا هدفاً يحتذى .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الثروة الحقيقية أن تكون مؤمناً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ تأكيداً لهذه المعاني التي تليت على مسامعكم في الخطبة الأولى يقول عليه الصلاة والسلام :

((من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته))

[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]

 الثروة الحقيقية أن تكون مؤمناً ، الثروة الحقيقية أن تكون أخلاقياً ، الثروة الحقيقية أن تكون عارفاً بالله عز وجل ، الثروة الحقيقية أن تكون سعيداً في الدنيا والآخرة ، فأن تكون عالماً ، وأن تكون أخلاقياً ، وأن تكون سعيداً ، هذه لا تكون إلا من خلال الإيمان ، والإيمان أيها الأخوة أساسه العلم ، العلم بالله ، وأساس العلم بالله التفكر في خلق السموات والأرض ، وتدبر آيات الله عز وجل القرآنية ، والنظر في أفعاله التي هي الأحداث التي تجري في العالم ، فإذا تفكرت في خلق السموات والأرض كما أمر الله عز وجل ، وتدبرت كلامه ، ونظرت في أفعاله ، نما الإيمان في قلبك ، إذا نما الإيمان في قلبك شعرت بحاجة ملحة إلى معرفة الأمر والنهي ، لذلك تتعلم أحكام الشريعة ، إذاً أنت بالكون تعرف الله عز وجل ، وبالشرع تعبده ، فلابد من خطيين متوازيين ، خط معرفة الله من خلال آياته القرآنية ، وآياته الكونية ، وآياته التكوينية ، وخط معرفة أمره ونهيه من خلال معرفة أحكام الشرع ، وأحكام الفقه ، فإذا سار الخطان متوازيين فقد سرت على الطريق الصحيح ، والله سبحانه وتعالى يهدي إلى سواء السبيل:

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾

[ سورة الكهف : 13]

 يكفي أن تخطو الخطوة الأولى والله سبحانه وتعالى رحمة منه بك أيها المؤمن يأخذ بيدك إلى الطريق الصحيح ، ويقيلك كلما عثرت ، وينهضك كلما كبوت ، إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يأخذ بيد المؤمن :

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾

[ سورة الكهف : 13]

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ﴾

[ سورة الكهف : 16]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018