من نور الإيمان - الحلقة : 8 - ليلة القدر وماهيتها. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠02 برنامج من نور الإيمان - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

من نور الإيمان - الحلقة : 8 - ليلة القدر وماهيتها.


2005-10-30

مقدمة :

المذيع :
  أيها الأخوة والأخوات ؛ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
 يسعدنا في هذا اللقاء وفي هذه الليالي المباركات أن نستضيف سماحة فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته .
المذيع :
 فضيلة الشيخ ، أنتم أستاذ مادة الإعجاز العلمي في جامعة الأزهر ، فرع دمشق ، طبعاً هناك دائماً سماحة الشيخ حديث جميل ورائع ، ليلة القدر المباركة هذه الليلة الهامة جداً للأخ المؤمن ، الذي أحب الله ، وأحب رسوله عليه الصلاة والسلام ، كيف نتحدث عن ماهية هذه الليلة المباركة ؟ تفضل .

تذكير النفس بالله عز وجل دائماً :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ جمال ، ليلة القدر ليلة عظيمة ، هي خير عند الله من ألف شهر ، والحقيقة أنها ليلة اللقاء مع الله ، ليلة الإقبال عليه ، ليلة الصلح معه ، ليلة المغفرة ، ليلة التوبة ، هي خير عند الله من ألف شهر ، إذا قدرت الله حق قدره فقد وصلت إلى كل شيء ، جاء في الأثر :

((ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإذا فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء))

 كيف يصل الإنسان إلى الله عز وجل ؟ لابد من أن يذكر نفسه بالله .
 الإمام الجليل أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى خاطب نفسه التي بين جنبيه مشيراً إلى واعظين بليغين ، ناطقاً و صامتاً ، فالناطق هو القرآن الكريم ، والصامت هو الموت ، وفيهما كفاية لكل متعظ ، الإمام الغزالي يقول : أنت يا نفس مصدقة بأن القرآن هو الواعظ الناطق ، فإن الله تعالى يقول في كتابه :

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة هود : 15-16]

 فيا نفس لقد وعدك الله سبحانه وتعالى بالنار على إرادة الدنيا وحبها ، وكل ما لا يصحبك بعد الموت فهو من الدنيا ، فلو أن طبيباً وعدك بالمرض على تناول ألذ الأكلات لتحاشيتها ، و اتقيتها ، أيكون الطبيب يا نفس أصدق عندك من الله ؟ فإن كان كذلك فما أكفرك ! وإن كان المرض أشد عندك من النار فما أجهلك !
 ويتابع الإمام الغزالي رحمه الله تعالى خطابه النفسي ، فيقول : ثم وعظتها بالواعظ الصامت وهو الموت فقلت لها : لقد أخبر الواعظ الناطق عن الواعظ الصامت ، حيث قال تعالى :

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ *ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

[ سورة الشعراء 205-207]

 وكان سيدنا عمر بن عبد العزيز إذا دخل إلى عمله ثم كان في الخلافة يتلو هذه الآية :

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ *ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

[ سورة الشعراء 205-207]

 ثم ذكر نفسه : " ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا ، جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا ، طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم ، ألا يا رب متخوض ومتنعم ، ماله عند الله من خلاق ، ألا وإن عمل الجنة حزن بربوة ، ألا وإن عمل النار سهل بسهوة ، ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً " .
المذيع :
 فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي دائماً هناك مثوبة من الله عز وجل ، العبادة لذة لكن ما وراء العبادة هناك ثواب من الله أو عقاب ، كيف نتحدث في هذا الموضوع بشكل معمق ؟

العبادة لذة لكن ما وراء العبادة هناك ثواب من الله أو عقاب :

الدكتور راتب :
 لن نستطيع الحديث بأفضل مما قاله سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال هذا الإمام الجليل : " إنه ليس شيء شر من الشر إلا العقاب ، وليس شيء خير من الخير إلا الثواب ، وكل شيء في الدنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكل شيء في الآخرة عيانه أعظم من سماعه ، فليكفكم من العيان السماع ، ومن الغيب الخبر ، واعلموا - هذا كلام سيدنا علي- أن ما نقص من الدنيا ، وزاد في الآخرة خير مما نقص في الآخرة ، وزاد في الدنيا ؛ فكم من منقوص رابح ، وكم من مزيد خاسر ، واعلموا أن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه ، وما أحل لكم أوسع مما حرم عليكم ، فذروا ما قل لما كثر ، وما ضاق لما اتسع ، قد تكفل الله لكم بالرزق ، وأمرتم بالعمل ، فلا يكن المضمون لكم أولى بكم من المفروض عليكم ، فبادروا بالعمل ، وخافوا بغتة الأجل " .
 وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

((بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال ، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال ، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى ، ونَسيَ الجبَّار الأعلى ، بئس العبدُ عبد سها ولها ، ونَسيَ المقابر والبِلَى ، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى ، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى ، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدنيا بالدِّين ، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدين بالشبهات ، بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده ، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه ، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))

[الترمذي عن أسماء بنت عميس]

 أيها الأخوة الكرام ؛ يروي عن سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال : " من حمل ذنبه على ربه فقد فجر ، وأن الله تعالى لا يطاع استكراهاً ، ولا يعصى بغلبة ، فإن عمل الناس بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا ، وإن عملوا بالمعصية فليس هو الذي أمرهم ، ولو أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب ، ولو أمرهم بالمعصية لأسقط العقاب ، ولو أهملهم لكان عجزاً في القدرة ، فإن عملوا بالطاعة فله المنة عليهم ، وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم " .
 وابن عطاء الله السكندري في كتابه الحكم العطائية أقوال طيبة؛ يقول هذا العالم الجليل : " من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره ، وربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ، قد يكون العطاء من الخلق حرمان ، وقد يكون المنع من الله إحسان ، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء ، ومتى أوحشك من خلقه فليفتح لك باب الأنس به، وربما وجدت من الفاقات ما لا تجده في الصوم والصلاة ، فلا تستبطئ منه النوال ، ولكن استبطئ من نفسك الإقبال ، وما لم تفرغ قلبك من الأغيار فلن يملأه بالمعارف والأسرار ، فكما أن الله تعالى لا يحب العمل المشترك ، لا يحب القلب المشترك - العمل المشترك أي العمل الذي فيه شرك ، لا يحبه الله - العمل المشترك لا يقبله ، والقلب المشترك لا يقبل عليه " .
 لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في إحدى خطبه :

((رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له ، إن لم يغفر له فمتى؟))

[ البزار عن عمار بن ياسر]

 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، لقد قال الله عز وجل :

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس : 9-10]

 وليلة القدر مناسبة جليلة لتزكية النفس وفلاحها .
المذيع :
 جزاك الله خيراً .

أصل الدين معرفة الله :

الدكتور راتب :
 بارك الله بك أصل الدين معرفة الله ، المسلم إذا عرف الله ثم عرف أمره تفانى في طاعته ، أما إذا عرف الأمر ولم يعرف الآمر تفنن في التفلت من أمره ، فلذلك حينما يعرف المسلم ربه حق المعرفة يتفانى في طاعته ، وأي منهج إسلامي لا يقدم معرفة الآمر على معرفة الأمر منهج لا ينجح ، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال :

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191]

 قد يسأل سائل : كيف نعرف الله سبحانه ؟ الله عز وجل بقول فصل :

﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَار﴾

[ سورة الأنعام : 103]

المذيع :
 جل جلاله .

الكون تجسيد لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى :

الدكتور راتب :
 لكن العقول تصل إليه ، فالله سبحانه وتعالى خلق الكون بسماواته وأرضه ، بجباله وبحاره ، بأسماكه وأطياره ، بالنباتات ، كل ما في هذا الكون يدل على الله عز وجل ، فالإنسان إذا تفكر في خلق السماوات والأرض عرف الله ؛ لذلك الله عز وجل جعل الكون تجسيداً لأسمائه الحسنى ، وصفاته الفضلى ، أو جعل الكون مظهراً لأسمائه الحسنى ، وصفاته الفضلى ، فالإنسان حينما يتفكر في طعامه قال تعالى :

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾

[ سورة عبس : 24]

 الإنسان حينما يتفكر فيما خلق :

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾

[ سورة الطارق : 5]

 الإنسان حينما يتفكر فيمن حوله ، قال :

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ*وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

[ سورة الغاشية : 17-20]

 فكل ما في الكون يدل على الله ، بل إن هذا الإعرابي ببساطة ما بعدها بساطة قال: الأقدام تدل على المسير ، والماء يدل على الغدير ، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟
المذيع :
 سبحان الله .
الدكتور راتب :
 إذاً الكون له وظيفة كبيرة جداً في حياة المسلم ؛ إنه المادة الأولى لمعرفة الله عز وجل :

وفي كل شيء له آية  تدل على أنه واحد
***

 من مسلمات الإيمان أن تؤمن أن الله موجود ، وواحد ، وكامل ، والكون كله يدل على ذلك ، والإنسان حجم استقامته متعلق بحجم معرفته بالله ، حجم خشوعه متعلق بحجم معرفته بالله ، فكلما ازداد الإنسان معرفة بالله عز وجل ازداد طاعة له ، وخشوعاً له ، وتقرباً إليه ، وليلة القدر مناسبة جليلة لتزكية النفس وفلاحها .

خاتمة وتوديع :

المذيع :
 يا سعادة المؤمن عندما يقبل على الله تعالى ، فهو دائماً الملاذ و الخلاص والسعادة في الدنيا والآخرة .
 نشكركم سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي على هذه المعلومات القيمة ، المستنبطة من كتاب الله عز وجل ، وهدي النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ، نشكركم سماحة الشيخ ، و السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018