من نور الإيمان - الحلقة : 7 - الإنسان من خلال القرآن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠02 برنامج من نور الإيمان - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

من نور الإيمان - الحلقة : 7 - الإنسان من خلال القرآن.


2005-10-29

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتمها على حبيب الله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
 أيها الأخوة والأخوات ؛ كنا في الأيام الأربع الماضية قد تحدثنا عن نور الإيمان من خلال كتاب الله عز وجل ، وهدي النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم ، في هذه الحلقة الخامسة من شهر رمضان الخير يسعدنا أيضاً أن نستضيف سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، في كليات الشريعة وأصول الدين ، فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته .
المذيع :
 فضيلة الشيخ الإنسان دائماً هو الأغلى على الله عز وجل ، وهو الذي أبدعه الله في أحسن تقويم ، لكن هناك الإنسان المعنوي ؛ الإنسان الذي يصنعه القرآن ، كيف نتحدث عن هذا الجانب الهام في تهيئة هذا الإنسان الممتلئ بقيم ومثل عليا أي تستحق أن نقف عندها ؟ تفضل .

الإنسان هو المخلوق الأول المكرم والمكلف عند الله :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أستاذ جمال ، جزاك الله خيراً .
 الإنسان هو المخلوق الأول لقوله تعالى :

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[ سورة الأحزاب : 72]

 والإنسان هو المخلوق المكرم ، لقوله تعالى :

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾

[ سورة الإسراء : 70]

 والإنسان هو المخلوق المكلف ؛ كلف بعبادة الله عز وجل لقوله تعالى :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

التزام المؤمن بمنهج الله وعبادته :

 والعبادة في أدق تعاريفها طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية ، في هذا التعريف الدقيق كليات ثلاثة ؛ كلية علمية أو معرفية ، وكلية سلوكية ، وكلية جمالية .
 الكلية السلوكية هي الأصل ، وما لم يلتزم المسلم في رمضان وفي غير رمضان بمنهج الواحد الديان لا يمكن أن يقطف شيئاً من ثمار الدين ، عند هذا الإنسان غير الملتزم يكون الدين ثقافة ، هناك كلمات شائعة الآن : فلان عنده اهتمامات إسلامية ، وفلان عنده خلفية إسلامية ، وأرضية إسلامية ، ونزعة إسلامية ، ولكن الإسلام شيء آخر ، الأصل في الإسلام الالتزام :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال : 72]

المذيع :
 إذاً دكتور محمد راتب النابلسي ، الإسلام مثل ، وقيم ، وتسامح ، ومحبة ، الإنسان يتمثل هذه القيم الإنسانية ، ينفذها بحذافيرها حتى يدخل نور الإسلام في قلبه ؟

من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله و لا تشقى نفسه :

لدكتور راتب :
 الحقيقة أن الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، غذاء العقل العلم ، وغذاء القلب الحب ، وغذاء الجسم الطعام والشراب ، وما لم تلبّ هذه الحاجات الثلاثة عندئذ يكون التطرف ، ونحن نريد التفوق لا التطرف ، حينما تلبي حاجة العقل فتملؤه يقينيات ، وحينما تملك عن الكون صورة حقيقية ؛ عن حقيقة الكون ، وعن حقيقة الحياة ، وعن حقيقة الإنسان ، وحينما تعلم منهج الله عز وجل في خلقه فقد قال الله عز وجل :

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه : 123]

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 38]

 لو جمعت الآيتان لكان من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ، و لا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت .

القوة الإدراكية أثمن شيء يملكه الإنسان :

 هذا المخلوق الأول أودع الله فيه قوة إدراكية ؛ هذه القوة الإدراكية أثمن شيء يملكه، بل هي التي تميزه عن بقية المخلوقات ، ولو أن الإنسان افتخر بجانب مادي في جسمه يعلم علم اليقين أن ما من جانب مادي فيه إلا والحيوان يفوقه في هذا الجانب ، لو تحدث عن شمه ؛ الكلب شمه مليون ضعف ، لو تحدث عن عينيه ؛ الصقر رؤيته ثمانية أضعاف ، لو تحدث عن وزنه ؛ الحوت وزنه مئة وخمسين طناً ، لو تحدث عن سرعة جريانه ؛ الطائر يطير بسرعة مئة وخمسة وعشرين كيلو متراً في الساعة ، لذلك ؛ الإنسان أودع الله فيه قوة إدراكية ، هذه القوة الإدراكية ينبغي أن تلبى حاجتها ، وما لم يلبّ الإنسان الحاجة العليا فيه فهو قد هبط عن مستوى إنسانيته .

من أعظم معجزات القرآن أنه يصنع بطلاً :

 نحن في الحلقات السابقة - جزاك الله خيراً - تحدثنا عن إعجاز علمي في القرآن والسنة ، ولكن في هذه الحلقة أريد أن ألفت النظر إلى أن من أعظم معجزات القرآن أنه يصنع بطلاً ، لا تجد في بقاع الأرض كلها كتاباً يصنع إنساناً عادياً فيجعله بطلاً ، البطل إنسان متميز متفوق حينما قال الإمام جعفر :

((كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الرحم ، ونسيء الجوار ))

 ماذا فعل فيهم القرآن ؟ الحقيقة إن لم يتغير الإنسان بعد قراءة القرآن مئة وثمانين درجة ، إن لم يكن بطلاً ؛ بطلاً في تفكيره ، بطلاً في سلوكه ، بطلاً في مشاعره ، بطلاً في تضحياته ، بطلاً في اهتماماته ؛ فليس من بني البشر ، فلذلك القرآن كما قال الله عز وجل :

﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[ سورة الإسراء : 9]

 والقرآن يمنع الإنسان من أن يضل عقله ، أو أن تشقى نفسه ، يجعل عقله ممتلئاً بالعلم ، ويجعل نفسه جياشة بالمشاعر .
المذيع :
 دكتور ما هي الصفات المثلى والقيم العليا التي يجب أن تتوافر في هذا الإنسان الذي صنعه كتاب الله عز وجل ؟ حبذا لو نسلط الضوء على هذا الجانب .

المؤمن متميز أشد التميز لا بعباداته ولكن بتصرفاته :

الدكتور راتب :
 نعم أستاذ جمال ، ماذا تنتظر من مخلوق اتصل بالمطلق ؟ بخالق السماوات والأرض؟ ماذا تنتظر من إنسان اتصل بالرحيم ؟ إذاً اشتق منه الرحمة ، ماذا تنتظر من إنسان اتصل بالغني ؟ اشتق منه الغنى ، فالمؤمن متميز أشد التميز لا بعباداته ولكن بتصرفاته ، ببطولته ، بترفعه عن الدنايا ، صفات الرحمة ، والعفو ، والتواضع ، والحكمة . .
المذيع :
 والتسامح .
الدكتور راتب :
 والتسامح ، ونجدة الضعيف . .
المذيع :
 و المروءة
الدكتور راتب :
 وصفات المروءة ، والصدق ، والأمانة .
 أستاذ جمال أبرز صفات المؤمن أنه إذا حدثك فهو صادق ، وإذا عاملك فهو أمين ، وإذا استثيرت شهوته فهو عفيف ، وهذا ما قال عنه سيدنا جعفر :

((حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، ونسبه))

[ أحمد عن أم سلمة ]

المذيع :
 الأمانة ، دكتور راتب النابلسي ، هذه الكلمة الهامة التي يجب أن تتوافر في صفات الإنسان الذي تتكلم عنه ؟

مفهوم الأمانة :

الدكتور راتب :
 الأمانة لها مفهوم ضيق ، من مفهوماتها الضيقة أنه إذا أودع عندك إنسان حاجة أن تؤديها بالتمام والكمال ، في الوقت المناسب ، لكن الأمانة أبلغ من ذلك بكثير لأن الله عز وجل يقول :

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[ سورة الأحزاب : 72]

 الأمانة في أدق تعاريفها نفسك التي بين جنبيك :

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس : 9-10]

 الأمانة أن تحمل نفسك على طاعة الله بعد أن تعرفها به ، الأمانة أن تتقرب لله بالطاعات ، والبذل ، والتضحية من أجل أن تستحق الجنة .

البشر على اختلافهم نموذجان فقط :

 لذلك يمكن بكل بساطة أن نقسم البشر على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وأجناسهم ، و ألوانهم ، ومذاهبهم، وطوائفهم ، إلى نموذجين ليس غير ، إلى إنسان آمن بالآخرة ، آمن بالجنة ، بناء على إيمانه بالجنة اتقى أن يعصي الله ، ثم تقرب إلى الله بأن جعل حياته مبنية على العطاء ، يعطي من وقته ، يعطي من ماله ، يعطي من صحته ، يعطي من خبرته ، يعطي من حكمته ، يعطي من كل شيء منحه الله إياه ، مصداق ذلك قوله تعالى :

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5-6]

 والحسنى هي الجنة .
 أنت حينما تؤمن أنك مخلوق للجنة لابد من أن تنعكس مقاييسك مئة وثمانين درجة ، الإنسان قبل أن يعرف الله يرى ذكاءه في الأخذ ، بعد أن يعرف الله يرى ذكاءه في العطاء ، لذلك الأنبياء جاؤوا إلى الدنيا ، وأعطوا كل شيء ، ولم يأخذوا شيئاً ، بينما الأقوياء أخذوا كل شيء ، ولم يعطوا شيئاً .
الحقيقة قرأت كلمة رائعة لمؤلف ألّف كتاباً عن رسول الله ، قال : يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ ، يا من قدست الوجود كله ورعيت قضية الإنسان ، يا من زكيت سيادة العقل ، و نهنهت غريزة القطيع ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع ، يا من الرحمة مهجته ، والعدل شريعته ، والحب فطرته ، والسمو حرفته ، ومشكلات الناس عبادته.
المذيع :
 إذاً محمد عليه الصلاة والسلام هو الإنسان الذي صنعه القرآن ، ونحن نتمنى دائماً ونسعى جاهدين أن نتمثل قيمه ومثله ، حتى نكون كالإنسان الذي قصدته سيادتك دكتور راتب النابلسي في تصنيع القرآن لهذا الإنسان .

من عرف الله واستقام على أمره فهو بطل كبير :

الدكتور راتب :
 مادام الإنسان قد عرف ربه ، واستقام على أمره ، وتقرب إليه فهو بطل كبير ، هو إنسان متميز بإدراكه ، و انفعالاته ، وتصرفاته .
 أستاذ جمال لا يمكن إلا أن نؤكد هذه الحقيقة ؛ الناس رجلان ؛ رجل عرف الله فانضبط بمنهجه ، وأحسن إلى خلقه فسعد في الدنيا والآخرة ، ورجل غفل عن الله فتفلت من منهجه ، وأساء إلى خلقه ، فشقي في الدنيا والآخرة .

خاتمة وتوديع :

المذيع :
 نسأل الله عز وجل سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي أن يجعلنا أهلاً لشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، نشكركم الشكر الجزيل على هذه القيم المثلى ، والفضائل العليا ، التي تحدثتم من خلالها ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018