من نور الإيمان - الحلقة : 3 - التفكر في آيات الله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠02 برنامج من نور الإيمان - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

من نور الإيمان - الحلقة : 3 - التفكر في آيات الله.


2005-10-25

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتمها على حبيب الله محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
 أيها الأخوة والأخوات ؛ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، نحييكم أجمل تحية من خلال برنامج : "من نور الإيمان" نسأل الله عز وجل أن نقدم مادة مفيدة فيها من نور الإيمان الشيء الكثير ، يسعدنا في هذا اللقاء أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، وخطيب مسجد النابلسي بدمشق ، سماحة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أستاذ جمال .
المذيع :
 فضيلة الشيخ نتحدث دائماً عن نور الإيمان ؛ هذا النور ما إن دخل في القلب إلا صنع المعجزات ، وهناك التفكر بآلاء الله عز وجل ، بآيات الله ، التي فيها أيضاً الشيء الكثير ، إفادة ومعرفة لقلب المؤمن ، كيف نبدأ في هذا الاتجاه ؟ تفضل .

أصل الدين معرفة الله :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد؛ الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ جمال جزاك الله خيراً .
المذيع :
 بارك الله بكم .
الدكتور راتب :
 أصل الدين معرفة الله ، المسلم إذا عرف الله ثم عرف أمره تفانى في طاعته ، أما إذا عرف الأمر ولم يعرف الآمر تفنن في التفلت من أمره ، فلذلك حينما يعرف المسلم ربه حق المعرفة يتفانى في طاعته ، وأي منهج إسلامي لا يقدم معرفة الله على معرفة الأمر منهج لا ينجح ، ذلك أن الله سبحانه وتعالى حينما قال :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

 قد يسأل سائل : كيف نعرف الله ؟ الله عز وجل بقول فصل :

﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾

[ سورة الأنعام : 103 ]

 لكن العقول تصل إليه ، فالله سبحانه وتعالى خلق الكون ، بسماواته وأرضه ، بجباله وبحاره ، بأسماكه وأطياره ، بالنباتات ، كل ما في هذا الكون يدل على الله عز وجل ، فالإنسان إذا تفكر في خلق السماوات والأرض عرف الله ، لذلك الله عز وجل جعل الكون تجسيداً لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، أو جعل الكون مظهراً لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، فالإنسان حينما يتفكر في طعامه قال تعالى :

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

[ سورة عبس : 24]

 الإنسان حينما يتفكر فيما خلق :

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾

[ سورة الطارق : 50]

 الإنسان حينما يتفكر فيما حوله ، قال :

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ*وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ*وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

[ سورة الغاشية: 17-19]

 فكل ما في الكون يدل على الله ، بل إن هذا الأعرابي ببساطة ما بعدها بساطة قال: الأقدام تدل على المسير ، والماء يدل على الغدير ، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟

الكون هو المادة الأولى لمعرفة الله عز وجل :

 إذاً الكون له وظيفة كبيرة جداً في حياة المسلم ، إنه المادة الأولى لمعرفة الله عز وجل :

وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحـد
***

 من مسلمات الإيمان أن تؤمن أن الله موجود ، وواحد ، وكامل ، والكون كله يدل على ذلك ، والإنسان حجم استقامته متعلق بحجم معرفته بالله ، حجم خشوعه متعلق بحجم معرفته بالله ، فكلما ازدادت معرفته بالله عز وجل ازداد طاعة له ، وخشوعاً له ، وتقرباً إليه .
وهذا الكون بين أيدي الناس جميعاً ، لو أردت أن تبدأ بنفسك ؛ قال تعالى :

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

 لو أردت أن تصل إلى طعامك ، إلى شرابك ، إلى ما حولك ، إلى من فوقك ، إلى من تحتك لوجدت أن الله وراء هذه المخلوقات بعلمه ، وحكمته ، وقدرته ، وغناه .
 لو فرضنا أردنا ان ندخل في بعض التفاصيل : الأرض تبعد عن الشمس مئة وستة وخمسين كيلو متر ، يقطعها الضوء في ثماني دقائق ، الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، أي إن جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، إذاً الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متراً ، وفي أحد أبراج السماء وهو برج العقرب نجم صغير ، أحمر اللون ، متألق ، يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما :

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾

[ سورة الزمر 6 ]

المذيع :
 سبحانه وتعالى .
الدكتور راتب :
 الإنسان حينما يعرف عظمة الله عز وجل كيف يعصيه ؟! كيف ينصرف عنه ؟! كيف لا يعتد بوعده ووعيده ؟! كيف لا ينصرف إلى طاعته ؟! شيء عجيب ، لذلك قضية العلم هي المشكلة الأولى عند أهل النار ، ماذا يقولون ؟

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10 ]

 إذاً الكون يدل على الله ، يدل على وجوده ، وعلى وحدانيته ، وعلى كماله ، وحيثما نظرت ، وأنى التفت تجد الآيات القاطعة التي تؤكد وجوده ، وعظمته ، ووحدانيته ، و كماله ، فما على الإنسان بعد أن يعرف الله عز وجل إلا أن ينصرف إلى طاعته ؛ فلذلك الله عز وجل في آيات كثيرة جداً يقول :

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾

﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾

فالنظر جزء من الإيمان ، بل إن هذا الإيمان هو أعلى مرتبة ينالها الإنسان .

الإيمان مرتبة أخلاقيّة وعلميّة وجماليّة :

 الإيمان في الحقيقة مرتبة أخلاقية ، ومرتبة علمية ، ومرتبة جمالية ، مرتبة علمية ؛ المؤمن عرف الحقيقة الكبرى في الكون ، الحقيقة الأولى ، الحقيقة التي تسعد ، فهو على علم يتفوق به عمن سواه ، والإيمان مرتبة أخلاقية ؛ المؤمن منضبط بمنظومة قيم كثيرة جداً ، ألم يقل سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي عن الإسلام ، قال :

((كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الرحم ، ونسيء الجوار ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، ونسبه ، فدعانا إلى الله لنعبده ، ونوحده ، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ))

[ أحمد عن أم سلمة]

 إذاً الإسلام مجموعة من المبادئ الأخلاقية ، ثم إن الإسلام بالمرحلة الثالثة له بعد جمالي ، فالإنسان حينما يتصل بالذي منح الجمال لكل الكون يكون أسعد الناس :

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولو سمعت أذناك حسن خطاب نا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
***

المذيع :
 سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي تفضلتم بالحديث عن التفكر بأدلة ، وبعد أن دخل نور الإيمان إلى قلب الإنسان ما المطلوب إذاً مع ختام هذا الحديث ؟ ما المطلوب من المؤمن حتى يصل إلى دار الأمان ؟

إقبال المؤمن على الله ثمرة شيئين ؛ تفكره ومعرفته بعظمة الله :

الدكتور راتب :
 المطلوب أن يكون العلم عنده وسيلة وليس غاية ، بمعنى أن هذه المعرفة التي حصلت له عن طريق التفكر في خلق السماوات والأرض ينبغي أن تترجم إلى استقامة على أمر الله ، والمؤمن حينما يستقيم على أمر الله يشعر أن الله راض عنه ، لذلك يقبل عليه ، إقبال المؤمن على الله عز وجل ثمرة شيئين : ثمرة تفكره في خلق السماوات والأرض ، ومعرفته بعظمة الله عز وجل ، ثم بطاعته له ، فإذا اتصل بالله عز وجل حقق المراد من خلقه ، قال تعالى :

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾

[ سورة النساء: 147]

 أي حينما تشكرون ، وحينما تؤمنون تكونون قد حققتم الهدف الذي من أجله خلقتم .
المذيع :
 هناك معادلة إيجابية هي قول عز وجل :

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

[ سورة إبراهيم : 7]

 هذه الزيادة حبذا أن نتحدث عنها سماحة الشيخ .

من يشكر الله يزيده الله علماً وقرباً وعملاً صالحاً :

الدكتور راتب :
 الإنسان حينما يشكر الله عز وجل يزيده علماً ، ويزيده قرباً ، ويزيده عملاً صالحاً .
 يوجد ركائز كبيرة في الإسلام ؛ الركيزة الأولى : أن تعرف الله ، والركيزة الثانية : أن يجعل الله على يديك عملاً صالحاً - أن يكون لك عمل طيب - والركيزة الثالثة : أن يكون لك صلة بالله ، فالذي يؤدي ما عليه من واجبات تعبدية حينما يتقرب إلى الله عز وجل بأعماله الصالحة يزيده الله علماً ، ويزيده قرباً ، ويزيده معرفة بالله عز وجل .
المذيع :
 التفكر بآيات الله فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي هناك آيات جليلة وعظيمة تزيد الإنسان معرفة وقرباً من الله عز وجل .

آيات الله لا تعد ولا تحصى وهي تزيد الإنسان معرفة وقرباً من الله :

الدكتور راتب :
 آيات كثيرة لا تعد ولا تحصى مثلاً الله عز وجل قال :

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾

[ سورة البروج : 1-2]

 فهذه الأرض في دورتها حول الشمس تقطع هذه المسافة ، لكن سرعتها في الثانية الواحدة ثلاثون كيلومتراً ، أي هذا اللقاء الطيب الذي مضى عليه عشر دقائق تقريباً في كل ثانية قطعنا ثلاثين كيلومتراً ، فكم قطعنا في الدقيقة ؟
المذيع :

﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

[ سورة المؤمنون : 14]

الدكتور راتب :
 كم قطعنا في عشر دقائق ؟ ضرب عشرة ، قطعنا آلاف الكيلومترات في هذا اللقاء المحدود ، فالأرض أيضاً تسير في مسار إهليلجي حول الشمس ، هذا المسار يستهلك عاماً بأكمله ، وسرعة الأرض في دورتها حول الشمس ثلاثون كيلو متراً في الثانية ، بينما سرعتها في دورتها حول نفسها ألف وستمئة كيلو متر في الساعة ، ومن أروع ما في آيات الله الدالة على عظمته أن هذا الهواء لو كان ساكناً الأرض تدور لنشأت عواصف وزعازع وأعاصير سرعتها ألف وستمئة كيلومتر في الساعة ، أي لانهدم كل ما على الأرض .

خاتمة وتوديع :

المذيع :
 أهلاً ومرحباً بسماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، الأستاذ المحاضر في كليات الشريعة وأصول الدين ، أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، فضيلة الشيخ لقاء طيب وجميل ورائع ، أهلاً وسهلاً بك .
الدكتور راتب :
 بكم ، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018