من نور الإيمان - الحلقة : 1 - قراءة في سورة العصر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠02 برنامج من نور الإيمان - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

من نور الإيمان - الحلقة : 1 - قراءة في سورة العصر.


2005-10-23

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتمها على حبيب الله محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
 أيها الأخوة والأخوات ؛ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، نحييكم أجمل تحية من خلال برنامج : "من نور الإيمان" ، نسأل الله عز وجل أن نقدم مادة مفيدة فيها من نور الإيمان الشيء الكثير .
 يسعدنا في هذا اللقاء أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، وخطيب مسجد النابلسي بدمشق ، سماحة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته أستاذ جمال .
المذيع :
 فضيلة الشيخ ، شهر رمضان المبارك كاد أن ينتهي لكنه باق في النفوس ألقاً متوهجاً ، وعطاء استزاد الإنسان فيه من عطاء الله إيمانياً وروحياً ، كيف نتحدث وهناك بضعة أيام ويختتم شهر رمضان لهذا العام ؟

سورة العصر ترسم حدود منهج كامل لحياة البشرية :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ جمال ، جزاك الله خيراً ، ما من حديث أبلغ من كلام الله عز وجل ، ففي القرآن الكريم سورة قصيرة ؛ كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يفترقا حتى يتلو أحدهما على الآخر هذه السورة ، وكان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول :" لو تفكر الناس في هذه السورة لكفتهم" .
 إنها سورة العصر؛ هذه السورة ترسم حدود منهج كامل لحياة البشرية كما يريدها خالق البشرية ، فعلى امتداد الزمان في جميع العصور ؛ وعلى امتداد المكان في جميع الدهور ، ليس أمام الإنسان إلا منهج واحد رابح ، وطريق واحد سالك إلى جنة الخلد ، وكل ما وراء ذلك ضياع وخسارة وشقاء .
السورة تقول :

﴿و العصر* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2 ]

 قد أقسم الله جلّ جلاله بمطلق الزمن لهذا الإنسان المكرم ، الذي هو في حقيقته زمن، في أدق تعريفات الإنسان إنه بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي : يا بن آدم أنا فجر جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
 لقد أقسم الله بالزمن للإنسان أنه في خسر ؛ بمعنى أن مضي الزمن وحده يستهلك عمر الإنسان الذي هو رأس ماله ، ووعاء عمله الصالح ، الذي هو ثمن الجنة ، التي وعد بها ، وهل الخسارة في العرف التجاري إلا أن تضيع رأس مالك من دون تحقيق الربح المطلوب ؟! لكن الإنسان إذا استثمر الوقت فيما خلق يستطيع أن يتلافى هذه الخسارة ، وذلك بالإيمان والعمل الصالح ، والتواصي بالحق ، و التواصي بالصبر ، فقد قال الإمام الشافعي:
 هذه أركان النجاة ، قال تعالى :

﴿وَالْعَصْرِ* ِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3 ]

المذيع :
 إذاً هناك فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي موضوع الإيمان الذي تتحدث عنه .

أركان النجاة :

الدكتور راتب :
 أحد فقرات أركان النجاة ، أربع فقرات ؛ إيمان وعمل صالح ودعوة وصبر .
 أي ينبغي أن تعلم ، وينبغي أن تعمل بما تعلم ، وينبغي أن تخلص في دعوتك إلى الله عز وجل ، وينبغي أن تصبر على كل شيء .
 الإيمان هو اتصال هذا الكائن الإنساني الصغير ، الضعيف ، الفاني ، المحدود ، بالأصل المطلق ، الأزلي ، الباقي ، الذي صدر عنه هذا الوجود ، وعندئذ ينطلق هذا الإنسان من حدود ذاته الصغيرة إلى رحابة الكون الكبير ، ومن حدود قوته الهزيلة إلى عظمة الطاقات الكونية المخبوءة ، ومن حدود عمره القصير إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله ، هذا الاتصال فضلاً على أنه يمنح الإنسان القوة والامتداد والانطلاق فإنه يمنحه السعادة الحقيقية التي يلهث وراءها ، وهي سعادة رفيعة ، وفرح نفيس ، وأنس بالحياة ، كأنس الحبيب بحبيبه ، وهو كسب لا يعدله كسب ، وفقدانه خسران لا يعدله خسران ، وعبادة إله واحد ، يرفع الإنسان عن العبودية لسواه ، فلا يذل لأحد ، ولا ينحني رأسه لغير الواحد القهار ، فليس هناك إلا قوة واحدة ، ومعبود واحد ، وعندئذ تنتفي من حياة الإنسان المصلحة والهوى ليحل محلها الشريعة ، والعدل ، والاعتقاد بكرامة الإنسان من لوازم الإيمان .
المذيع :
 دكتور ، هذا الموضوع الذي تتفضل به يلخص حقيقة وجودنا في هذه الحياة ، أي هناك موضوع لوازم الإيمان ، كيف نطل على هذا الجانب ؟

العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان :

الدكتور راتب :
 الاعتقاد أستاذ جمال بالله عز وجل اعتقاد يحقق كرامة الإنسان ، فيرفع الله من قيمته في نظر نفسه ، ويثير في نفسه الحياء من التدني عن المرتبة التي رفعه الله إليها .
 البند الثاني أستاذ جمال وعملوا الصالحات ، ولأن الإيمان حقيقة إيجابية متحركة كان العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان ، فما إن تستقر حقيقة الإيمان في ضمير المؤمن حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها في صورة عمل صالح ، فلا يمكن أن يظل الإيمان في نفس المؤمن خامداً لا يتحرك ، كامناً لا يتبدل ، فإن لم يتحرك الإيمان هذه الحركة الطبيعية فهو مزيف أو ميت ، شأنه شأن الزهرة ينبعث أريجها منها انبعاثاً طبيعياً ، فإن لم ينبعث منها أريج فهو غير موجود ، والعمل الصالح ليس فلتة عارضة ، ولا نزوة طارئة ، ولا حادثة منقطعة ، إنما ينبعث عن دوافع ، ويتجه إلى هدف ؛ يتعاون عليه المؤمنون ، فالإيمان ليس انكماشاً ، ولا سلبية ، ولا انزواء ، ولا تقوقعاً ، بل هو حركة خيّرة نظيفة ، وعمل إيجابي هادف ، وإعمار متوازن للأرض ، وبناء شامخ للأجيال؛ يتجه إلى الله ، ويليق بمنهج يصدر عن الله .
المذيع :
 ما المقصود دكتور بقوله تعالى : "وتواصوا بالحق" ؟

التواصي بالحق قضية مصيرية لا تكون إلا في مجتمع مؤمن :

الدكتور راتب :
 هو البند الثالث . (إلا الذين آمنوا) البند الأول ، (وعملوا الصالحات) (وتواصوا بالحق) أستاذ جمال لأن النهوض بالحق عسير ، والمعوقات كثيرة ، والصوارف عديدة ، فهناك هوى النفس ، ومنطق المصلحة ، وظروف البيئة ، وضغوط العمل ، والتقاليد ، والعادات ، والطمع ، عندئذ يأتي التواصي بالحق ليكون مذكراً ، ومشجعاً ، ومحصناً للمؤمن ، الذي يجد أخاه معه يوصيه ، ويشجعه ، ويقف معه ، ويحرص على سلامته ، وسعادته ، ولا يخذله ، ولا يسلبه ، وفضلاً عن ذلك فإن التواصي بالحق ينقي الاتجاهات الفردية ، فالحق لا يستقر ولا يستمر إلا في مجتمع مؤمن ، متواص ، متعاون ، متكافل ، متضامن ، فالمرء بالإيمان والعمل الصالح يكمل نفسه ، وبالتواصي بالحق يكمل غيره ، وبما أن كيان الأمة مبني على الدين الحق الذي جاء بالنقد الصحيح ، وأكده العقل الصريح ، وأيده الواقع الموضوعي ، وتوافق مع الفطرة السليمة فلابد من أن يستمر هذا الحق ويستقر حتى تشعر الأمة بكيانها ، ورسالتها ، فالتواصي بالحق قضية مصيرية ، فما لم تتنام دوائر الحق في الأرض تنامت دوائر الباطل ، وحاصرته ، فالتواصي بالحق يعني الحفاظ على وجوده وأداء رسالته .
المذيع :
 التواصي بالصبر والصبر له أهمية متميزة في ديننا الحنيف .

الصبر وسيلة فعالة لتذليل العقبات ومضاعفة القدرات :

الدكتور راتب :
 نعم ( الذين آمنوا) البند الأول ، (وعملوا الصالحات) البند الثاني (وتواصوا بالحق) البند الثالث ، (وتواصوا بالصبر) البند الرابع .
 وقد شاءت حكمة الله جل جلاله أن تكون الدنيا دار ابتلاء بالشر والخير ، ودار صراع بين الحق والباطل ، لذلك كان التواصي بالصبر ضرورة للفوز بالابتلاء ، والغلبة في الصراع ، إذاً لابد من التواصي بالصبر على مغالبة هوى النفس ، وعناد الباطل ، وتحمل الأذى، وتكبد المشقة ، لذلك يعد الصبر وسيلة فعالة لتذليل العقبات ، ومضاعفة القدرات ، وبلوغ الغايات:

﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾

[ سورة النساء: 104 ]

 هذه بعض بنود أركان النجاة التي وردت في هذه السورة الكريمة سورة العصر .
المذيع :
 فضيلة الشيخ نتحدث دائماً عن نور الإيمان ؛ هذا النور ما إن دخل في القلب إلا صنع المعجزات ، وهناك التفكر بآلاء الله عز وجل ، بآيات الله التي فيها أيضاً الشيء الكثير ، إفادة ومعرفة لقلب المؤمن .

أصل الدين معرفة الله :

الدكتور راتب :
 أصل الدين معرفة الله ، المسلم إذا عرف الله ، ثم عرف أمره تفانى في طاعته ، أما إذا عرف الأمر ، ولم يعرف الآمر فيتفنن في التفلت من أمره ، لذلك حينما يعرف المسلم ربه حق المعرفة يتفانى في طاعته ، وأي منهج إسلامي لا يقدم معرفة الله على معرفة الأمر منهج لا ينجح ، ذلك لأن الله تعالى حينما قال :

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191]

 قد يسأل سائل: كيف نعرف الله ؟ الله عز وجل بقول فصل :

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَار﴾

[ سورة الأنعام : 103]  لكن العقول تصل إليه ، فالله سبحانه وتعالى خلق الكون بسماواته ، وأرضه ، بجباله، وبحاره ، بأسماكه ، وأطياره ، بالنباتات ، كل ما في هذا الكون يدل على الله عز وجل ، فالإنسان إذا تفكر في خلق السماوات والأرض عرف الله ، لذلك الله عز وجل جعل الكون تجسيداً لأسمائه الحسنى ، وصفاته الفضلى ، أو جعل الكون مظهراً لأسمائه الحسنى ، وصفاته الفضلى ،
 فالإنسان حينما يتفكر في طعامه قال تعالى:

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾

[ سورة عبس : 24 ]

 الإنسان حينما يتفكر فيما خلق :

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾

[ سورة الطارق : 5]

 الإنسان حينما يتفكر فيمن حوله ، قال :

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ*وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾

[ سورة الغاشية : 17-19 ]

خاتمة وتوديع :

المذيع :
 أًهلاً وسهلاً بسماحة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الأستاذ المحاضر في كليات الشريعة وأصول الدين ، أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، فضيلة الشيخ لقاء طيب وجميل ورائع ، أهلاً وسهلاً بك.
الدكتور راتب :
 بكم ، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018