الندوة : 08 - مظاهر ضعف الإيمان - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠07ندوات مختلفة - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الندوة : 08 - مظاهر ضعف الإيمان


2002-11-15

المذيع: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الهادي الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد
أيها الأخوة المستمعون: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم إلى ندوتنا الثانية من ندوات شهرنا الفضيل شهر رمضان المبارك.
أيها الأحبة:

((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير ))

هذا بالنسبة للمؤمن، ولكن ماذا عندما يكون الإيمان ضعيفاً وليس المؤمن ؟! ما هي الأسباب المؤدية لضعف الإيمان عند الفرد ؟ ما هي مظاهر هذا الضعف ؟ في ندوتنا هذه وحول هذا الموضوع يسر إذاعة دمشق أن ترحب أجمل ترحيب بالأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، والأستاذ الديني في مساجد دمشق، دكتور راتب أهلاً ومرحباً بكم وكل عام وأنتم بخير، وشهر مبارك عليكم إن شاء الله.
الأستاذ: بكم يا سيدي، وكل عام وأنتم بخير.
المذيع: كما سمعتم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ....))

(صحيح مسلم)

إنما أحياناً يقف المرء متسائلاً أمام نفسه وأمام الله هل إيماني قوي أم أنه ضعيف ؟ كيف يمكن للمرء أن يعرف أن إيمانه قوي وليس العكس، ما هي مظاهر ضعف الإيمان؟
الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
هناك أسئلة كثيرة تطرح على الدعاة إلى الله عز وجل، منها يقول أحدهم: أحس قسوة في قلبي، ويقول آخر: لا أجد لذة في العبادات، ويقول ثالث: إيماني في الحضيض، ويقول رابع: لا أتأثر لقراءة القرآن، ويقول خامس أقع في المعصية بسهولة، الحقيقة الدقيقة أن هذه ليست أمراضاً، إنما هي أعراض مرض واحدة ألا وهو ضعف الإيمان، والإنسان لأنه المخلوق الأول، ولأن الله سخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً، ولأنه حمّله أمانة التكليف، وأعطاه حرية الاختيار، ومنحه عقلاً هو مناط التكليف، ولأنه أودع فيه الشهوات يرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، هذا الإنسان متى يتوازن ؟ إذا حقق الهدف من وجوده، متى يختل توازنه؟ إذا ابتعد عن الهدف الذي من أجله خلق، لذلك يكاد يكون الإيمان هو أهم شيء في حياة الإنسان، فلهذا نعد هذه الأمراض أعراضاً وليست أمراضاً.
المذيع: هل هي أعراض فقط ؟ أم أنها أسباب ؟ أم أن هناك علاقة جدلية ؟ قد يكون ضعف الإيمان سببه إتقان العبادات مثلاً !
الأستاذ: هذا الموضوع إن أردنا أن نعالجه معالجة مسهبة لابد من تقسيمه لفقرات ثلاث: إلى مظاهر ضعف الإيمان، وأسباب ضعف الإيمان، وطرق معالجة ضعف الإيمان، فلعلنا في ندوة قادمة نتابع الموضوع لنهايته، على كل ضعف الإيمان له مظاهر، وليس القصد منها أن يخاف الإنسان، القصد منها أن يحذر الإنسان بدايات هذا المرض، ودائماً وأبداً الإنسان العاقل يعيش المستقبل، بينما الأقل عقلاً يعيش الحاضر، بينما الغبي يعيش الماضي، فالإنسان حينما تبدو له بعض المظاهر التي لا يرضى عنها في نفسه كأن تكون صلاته شكلية أو قراءته للقرآن لا معنى لها أو لا تأثر منها، أو يرى في قلبه قسوة لا يتألم بما حوله من مآسي، هذه كلها أعراض لمرض واحد، وأردنا في هذه الندوة إن شاء الله أن نستعرض بعض المظاهر، فدائماً هذه المظاهر مقاييس للإنسان، الإنسان العاقل إذا استمع لندوة أو محاضرة أو قرأ شيئاً دائماً يقول أين أنا مما أقرأ وأسمع ؟ فلو أننا ذكرنا الآن بعض مظاهر ضعف الإيمان فالذي يشعر أن هذا المظهر منطبق عليه ينبغي أن يتحرك لإصلاح الخلل، فإذا كان بعيداً عن هذا المظهر، فليحمد الله عز وجل.
الحقيقة أول مظهر من مظاهر ضعف الإيمان: ارتكاب المعاصي والمحرمات، ذلك أن الإيمان الذي يقبل عند الله، والإيمان الذي ينجي صاحبه هو الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، فإن لم يحملك على طاعة الله ليس إيماناً منجياً عند الله، إبليس مؤمن بدليل قال:

﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

(سورة ص)

آمن به رباً وعزيزاً، وقال:

﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾

(سورة الأعراف)

آمن باليوم الآخر، قال:

﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾

(سورة الأعراف)

آمن به رباً وعزيزاً وخالقاً وآمن به وباليوم الآخر، وهو إبليس! ما كل إيمان ينجي صاحبه، هذه مشكلة كبيرة جداً، الإنسان يتوهم أنه مؤمن يقول: إيماني في قلبي، وإبليس مؤمن ! الإيمان المنجي الذي تنجو به من عذاب الدنيا والآخرة هو الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، وكأن دائرة كبيرة كل من آمن أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ضمن الدائرة، الذي أنكر وجود الله خارج الدائرة، لكن ضمنها هذه الدائرة دائرة ثانية أضيق منها فالذي حمله إيمانه على طاعة الله ضمن الدائرة الثانية، وفي مركز الدائرة الأنبياء.
الشيء الدقيق في هذه الندوة أن كل الإخوة المستمعين ينبغي أن يعلموا أن ما كل إيمان بالله كاف ومنجي لصاحبه، فإذا كان هناك مظاهر لضعف الإيمان معنى هو خارج دائرة الإيمان المنجي، فلمجرد أن يقع الإنسان في المعصية بسهولة دون تردد وقلق وخوف، فهذا أقوى مظهر من مظاهر ضعف الإيمان، ذلك أن المؤمن الصادق ذنبه كجبل جاسم على صدره بينما المنافق ذنبه كالذبابة، وكلما عظم الذنب عند الإنسان صغر عند الله، وكلما صغر الذنب عند الإنسان كبر عند الله بل إن النبي عليه الصلاة والسلام قال مما ورد في الأثر:

(( لا صغيرة مع الإصرار ))

أي الصغيرة إذا أصررنا عليها تنقلب إلى كبيرة، تصور أن مركبة تمشي في طريق عريضة لو أن قائد المركبة حرف المقود سنتيمتر واحد وثبت هذا الانحراف في النهاية في الوادي، الانحراف الطفيف لو ثبت لابد من انهيار وتدهور، أما تسعين درجة إذا عدلت فجأة لا شيء في ذلك !
لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار))

بل إن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

(سورة الأنفال)

احتار علماء التفسير في هذه الآية، هذه الآية واضحة جداً، والنبي عليه الصلاة والسلام بين ظهراني أمته، لكن ما معنى هذه الآية بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى؟ قال علماء التفسير: ما دامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم قائمة في حياة المسلم في بيته وعمله وتعامله التجاري وحله وترحاله وأفراحه و أتراحه وزواجه وتزويج بناته، مادامت سنة النبي مطبقة في حياتنا فهذا الإنسان في مأمن من عذاب الله، لكن هناك من رحمة الله الشيء الكثير، ومادام يستغفر فهناك في بحبوحة ثانية.

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) ﴾

حينما يقع الإنسان في المعصية بسهولة وبلا تردد، وحينما لا يتأثر بمعصيته، بل يتأثر بمصيبة أخرى، سيدنا عمر أصابته مصيبة فقال رضي الله عنه: الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها، فأما أن تكون المصيبة في الدين فذلك الذي يعصي الله عز وجل.
المذيع: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ضرب لنا مثلاً بالنسبة لشعور المرء بذنوبه ومعاصيه، المنافق يشعر بأنها كالذباب !
الأستاذ: لكن المؤمن يشعر بمعاصيه كالجبل، وهناك مظهر آخر من مظاهر ضعف الإيمان هو قسوة القلب، لا يتأثر ! الله رحيم منبع الرحمة، وما من إنسان يتصل بالله عز وجل إلا ويشتق منه الرحمة فإن لم يكن في القلب رحمة هذا دليل البعد عن الله عز وجل، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

(سورة الزمر)

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾

(سورة البقرة)

القلب القاسي دليل البعد عن الله ودليل الانقطاع عن الله، وما من إنسان يتصل بالله عز وجل إلا ويشتق منه الرحمة، وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي:

(( عبادي ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وإذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ))

والراحمون يرحمهم الله، ونحن حينما لا نتراحم يتخلى الله عنا، يحبنا إذا كنا نتراحم وننصف بعضنا بعضاً، المظهر الثالث من مظاهر ضعف الإيمان عدم إتقان العبادات، هذه العبادة تمثل واجباً مقدساً تجاه خالق الأكوان، فإذا أديت أداءً شكلياً والقلب ساه ولاه يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

(( ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي ولم يصر على معصيتي وأطعم الجائع وكسا العريان ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي وعزتي وجلالي إن نور وجهه لضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً والظلمة نوراً يدعوني فألبيه يسألني فأعطيه يسقم علي فأبره أكلؤه بقربي وأستحلفه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها ))

حينما تؤدى العبادات أداء شكلياً لا نقطف ثمارها أبداً !

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ قَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

(مسند الإمام أحمد)

قسوة القلب من مظاهر ضعف الإيمان وأداء العبادة أداء شكلياً من مظاهر ضعف الإيمان.
المذيع: تماماً عندما يعطي المعلم تلاميذه واجباً للبيت، يكتبها بدون أن يشعر التلميذ ماذا كتب، يشعر أنه قام بتأدية واجبه، إنما المقصود أن يحفظ ويتعلم أن يستفيد مما يكتب، هذا يستفيد يصل لثمرة ونتيجة، وذاك لا يستفيد حتى ولو كتب عشرات المرات.
الأستاذ: لو دعيت لطعام ولم تجد على المائدة إلا صحون فارغة تمل من حضور هذه الدعوة، وقد لا تعيدها، أما لو أكلت طعاماً نفيساً....

((عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ قَالَ رَجُلٌ قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا ))

(سنن أبي داود)

لكن لسان حال معظم المسلمين المقصرين ضعاف النفوس أرحنا منها، والفرق كير بين أداء الواجب وبين الحب، أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني، والمظهر الرابع من مظاهر ضعف الإيمان الحقيقة أن الإنسان حينما يعلم علة وجوده في الأرض، لو تصورنا طالباً سافر لبلد غربي ليدرس، وسألناه ما على وجودك ؟ الدراسة، أي شيء يقربه من وجوده هو الطاعة، وأي شيء يبعده عن هدفه، لو اتخذ صديقاً يتقن اللغة ليتعلم منه الحوار، فاتخاذ هذا الصديق صديقاً والتعلم منه ضمن مهمته الأساسية، أما لو ذهب لملهى، الذهاب إلى الملهى لا علاقة له بسر وجوده في هذا البلد ! فنحن حينما نعرف لماذا خلقنا، قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

(سورة الذاريات)

فحينما تكون العبادة علة وجودنا أي شيء يبعدنا عن تحقيق علة وجودنا فهو المعصية، وأي شيء يقربنا من علة وجودنا فهو الطاعة، فالإنسان المؤن حينما يقوى إيمانه وعرض عليه عمل صالح لأن علة وجوده هو العمل الصالح، الإنسان في الأساس مخلوق للجنة، والجنة ثمنها في الدنيا.

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾

(سورة الزمر)

عندما يكون لدى الطبيب مائة مريض، وأجره كبير جداً ودخله فلكي، هذا كله بسبب سنوات الجامعة التي درس فيها وتفوق، فيقول: الحمد لله الذي وفقني في هذه الدراسة، فالدراسة هي السبب في الدخل الكبير تقريباً ! والذي في الجنة يعلم علم اليقين أن مجيئه إلى الدنيا واستقامته على أمر الله وعمله الصالح هو سبب هذه الجنة.
المؤمن الصادق حينما يعرض له عمل صالح من زيارة أخ في الله من عيادة مريض من معاونة فقير من تفقد أرملة من عمل يرضي الله يتفانى في هذا العمل، وأنا أقول دائماً الإنسان إذا عرف الآمر ثم عرف الأمر تفانى في طاعة الآمر، أما إذا عرف الأمر ولم يعرف الآمر تفنن في التفلت من الأمر، حينما لا يستجيب الإنسان لعمل صالح لدفع مال لإنقاذ إنسان مواساة مخلوق بردع صدع بجمع شمل بخدمة إنسان أو مسح كآبة من وجه طفل يحتاج إلى مساعدة، فالإنسان المؤمن ديدنه العمل الصالح، وأقوى دليل على ذلك: أن الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يقول: ربي ارجعوني لعلي أعمل صالحاً، لأن علة وجوده بعد إيمانه العمل الصالح، قال تعالى:

﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

(سورة فاطر)

بل إن حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح.

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

(سورة الأنعام)

نتفاوت جميعاً بالأعمال الصالحة، الفقير إن كان فقير العمل الصالح، وغني إن كان غني العمل الصالح، يؤكد هذا قول الله عز وجل حينما حدثنا عن قصة سيدنا موسى:

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

(سورة القصص)

المذيع: والحديث الذي جئت به عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث المفلس، من جاء بعمل صالح فهو الغني.
الأستاذ: شيء آخر: ضيق الصدر إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، لكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، الحقيقة الدقيقة الصارخة: أنه ما من مخلوق على وجه الأرض يعرض عن ذكر الله إلا له عند الله معيشة ضنك، قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

 

(سورة طه)

فلذلك الكآبة تأتي من المعصية، لأن الإسلام دين الفطرة، أنت حينما تتعرف إلى الله وتنساق إلى منهجه تستقر نفسك وتتوازن وتشعر براحة ما بعدها من راحة، لكن حينما يخرج الإنسان عن منهج ربه ومبادئ فطرته بالوقت نفسه لأن الله عز وجل يقول في الحديث عن الفطرة:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾

(سورة الروم)

فالإنسان مبرمج بالتعبير الحديث أو مولف أو مجبول أو مفطور على طاعة الله، فإن عصاه اختل توازنه، سمعت أن فندق في ألمانيا مكتوب في زاوية السرير إن تقلبت طوال الليل فليس في أثاثنا مشكلة، المشكلة في ذنوبك، الذي يستقيم على أمر الله ينام قرير العين، أما الذي يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني حياته على موتهم كما نسمع ونرى في العالم الغربي وإسرائيل، ومن يبني أمنه على إخافة الآخرين، ويبني غناه على فقر الآخرين هذا وقع في الشقاء النفسي لذلك:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)﴾

(سورة الشمس)

كيف سوَّى الله هذه النفس ؟ قال:

﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

(سورة الشمس)

لا يمكن أن نفهم الآية على أن الله خلق فيها الفجور، لكن نفهمها قطعاً على أن في هذه النفس مبرمجة برمجة راقية جداً بحيث أنها إذا فجرت تعلم ذاتياً أنها فاجرة، كيف الآن الآلات العالية جداً فيها كمبيوتر، فإذا وجد خطأ بالمحرك يظهر على الشاشة، فالنفس الإنسانية مبرمجة برمجة عالية جداً بحيث إن اتقت تعلم أنها اتقت، وإن انحرفت تعلم أنها انحرفت.

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

والإنسان لا ترتاح نفسه إلا إذا أطاع الله، وحينما يتوب الإنسان إلى الله عز وجل يشعر أن جبالاً أزحيت عن كاهله، يشعر بخفة وراحة ما بعدهما خفة وراحة، فضيق الصدر مظهر من مظاهر ضعف الإيمان.
المذيع: حبذا لو هناك تعداد مظاهر كثيرة، فالوقت يدركنا فنرجو ذكرها ثم نشرح ما يتيسر لنا.
الأستاذ: الحقيقة القرآن:

﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

(سورة الحشر)

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾

(سورة الإسراء)

فالإنسان إذا قرأ القرآن ولم يتأثر إطلاقاً، هناك مشكلة كبيرة عنده، إذا لم يتأثر بذكر الله ولا بقراء القرآن ولا بالصلاة فهناك خلل خطير في قلبه.
المذيع: يخشى أن يكون من الظالمين لأنه

﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (82)﴾

(سورة الإسراء)

الأستاذ: لذلك قال سيدنا عمر: تعاهد قلبك انتبه الغرب كله يعتني بالجسد، بينما الدين بالقلب، والدليل:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

(سورة الشعراء)

من هذه المظاهر الغفلة عن ذكر الله، والحقيقة الإنسان الغافل واقع في سبب كبير للهلاك، الغافل عما سيكون بعد حين.
أذكر قصة رمزية: صيادان مرّا على غدير رأيا فيه ثلاث سمكات كيسة وأكيس منها وعاجزة، فتوعدا أن يرجعا ومعهما شباكهما ليصيدا ما في من السمك، فسمع السمكات قولهما: أما أكيسهن لم تكن غافلة فإنها ارتابت وتخوفت وقالت العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، ثم لم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت ! هذا الذكاء والعقل والكيس ! أما الثانية الأقل عقلاً وذكاءً بقيت في مكانها حتى عاد الصيادان هذا الإهمال والتقصير والتسويف والإرجاء، وغداً أتوب وبعد الزاج أتوب وبعد العمل أتوب وبعد انتهاء الصيف أتوب، هذا كله من التسويف، وقد ورد في الأثر: أنه هلك المسوفون، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد سد فقالت: والرب هذه عاقبة التفريط ! غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت، فطفت على وجه الماء، فأخذها الصياد ووضعها على الأرض بين النهر والغدير فوثبت في النهر فنجت ! وأما الثالثة فلم تزل في إقبال و إدبار حتى صيدت !
أنا أرى أن الإنسان العاقل يعيش مستقبله، والأقل عقلاً يعيش حاضره، والغبي يعيش ماضيه، عدم التأثر والغفلة عن الله عز وجل من مظاهر ضعف الإيمان.
ومن هذه المظاهر عدم الغضب إذا انتهكت حرمات الله عز وجل لا يوجد نخوة ولا غيرة على الدين، الإنسان حينما يرى الإنسان الآخر يعصي ويتحدى الإله، ويتكلم كلام لا يليق بأن يقوله إنسان ويسكت هذا عنده ضعف في إيمانه لأنك تغار إذا سبّ أحد أباك، ولا تحتمل، فكيف إذا سبّ أحد خالق الأكوان ! أو تحداه أو تكلم بكلام لا يحتمل ؟ فالذي لا يتأثر ولا يتحرك....
لذلك أرسل الله الملائكة لإهلاك قرية قالوا: يا رب إن فيها صالحاً ! قال: به فابدؤوا ! قالوا: ولما يا رب إنه صالح ؟ قال: إنه كان لا يتمعر وجهه إذا رأى منكراً، نحن نرى في الجامعة العربية مكتوب: كنتم خير أمة أخرجت للناس كلام جميل آية قرآنية، هذه الخيرية لها علة !

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

(سورة آل عمران)

علة هذه الخيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لمجرد أن هذه الأمة تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقدت خيريتها، وأصبحت أمة كأية أمة لا شأن لها عند الله، من هنا قسم العلماء أمة محمد عليه الصلاة والسلام إلى أمتين أمة الاستجابة وأمة التبليغ، فعدم التأثر لانتهاك حرمات الله هذا مما يؤكد ضعف الإيمان في الإنسان، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في ندوة قادمة إلى شرح أسباب ضعف الإيمان.
المذيع: في نهاية هذه الندوة نتوجه بالشكر الجزيل لفضيلة الدكتور الشيخ محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، والمدرس الديني في مساجد دمشق شكراً جزيلاً دكتور محمد راتب وكل عام وأنتم بخير.
الأستاذ: وأنتم بخير وشكراً على هذه الندوة وسنلتقي إن شاء الله في ندوات أخرى والسلام عليكم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018