الندوة : 11 - الزكاة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠07ندوات مختلفة - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الندوة : 11 - الزكاة .


2002-11-23

 المذيع: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الهادي الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى مـن والاه وتبعه بإحسان إلى يوم الدين وبعد....
 أيها الأخوة المستمعون: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، شهر رمضان شهر الخير والبركة، فيه يتسابق المؤمنون للعبادات والطاعات، ومن العبادات التي شرع الله تعالى أدائها في رمضان صدقة الفطر، ولكن الناس أيضاً يتسابقون في هذا الشهر لأداء فريضة الزكاة، وحري بنا ونحن في رحاب رمضاننا الفضيل أن نتحدث عن هذا الركن الهام من أركان الإسلام ألا وهو الزكاة، ومن أجل هذا أرحب بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق، والمدرس الديني في مساجد دمشق، دكتور راتب أهلاً ومرحباً بكم.
 الأستاذ: بكم أستاذ محمود، جزاكم الله خيراً.
 المذيع: في البداية يخطر في بال المرء أن يتساءل وقبل أن ندخل موضوعنا بشكل مباشر لماذا وجد هذا التفاوت بين الناس ؟ لماذا هناك غنى وهناك فقر ؟
 الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أستاذ محمود - جزاكم الله خيراً - الإنسان مخلوق للجنة، والدنيا مكان وزمان يدفع فيهما ثمن الجنة.

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

(سورة الملك)

 نحن في دار تكليف والآخرة دار تشريف، نحن في دار عمل والآخرة دار جزاء، نحن في دار تنفيذ أمر ونهي، وفي الآخرة نأخذ ثواب تنفيذ الأمر وثواب ترك النهي، الإنسان كجزء من عقيدة المسلم مخلوق للجنة، وما وجوده في الدنيا إلا ليدفع ثمن الجنة:

 

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾

 

(سورة الزمر)

 لولا أن جئنا إلى أرض لما كنا في الجنة، الإنسان مخلوق للجنة، والدنيا دار عمل فلابد من أن يمتحن الإنسان في الدنيا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى سئل: أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فقال: لن تمكن قبل أن تبتلى ! والإنسان في دار ابتلاء، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي، الحظوظ وأعني بالحظوظ حظ الوسامة و الذكاء والمال والقوة والنسب هذه الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء.
 المذيع: هذا يبتلى بالغنى وذاك يبتلى بالفقر.
 الأستاذ: فلكل إنسان مادة امتحان مع الله، الحقيقة مواد امتحانه مع الله الحظ الذي نلته هو مادة امتحانك مع الله، والحظ الذي حرمت منه هو مادة امتحانك مع الله، فالحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء.

 

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

 

(سورة الإسراء)

 أيستوي ممرض مع طبيب ؟ جندي مع قائد جيش ؟ أستاذ في قرية مع أستاذ في الجامعة، من يبيع الصحون مع رئيس غرفة التجارة !

 

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

 درجات الدنيا لا تعني شيئاً، وقد تعني العكس، لكن درجات الآخرة تعني كل شيء وهي أبدية، الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع توزيع جزاء، أضرب على هذا مثلاً: لو أن إنساناً مسلماً كانت مادة امتحانه في حياته الدنيا الفقر، وعاش ثمانين عاماً نجح بالامتحان، كيف نجح ؟ صبر وتعفف وتجمل ورضي بقضاء الله وبقدره بعد أن استنفذ وسعه وإنسان آخر كانت مادة امتحانه الغنى رسب بالامتحان لم ينجح تكبر وطغى وبغى وأنفق المال على شهواته وملذاته واستعلى به على الناس، بعد أن تنقضي هذه السنوات المعدودة الأبد بأكمله الذي نجح في امتحان الفقر سيدخل الجنة إلى أبد الآبدين، والذي لم ينجح في امتحان الغنى سيدخل النار لأبد الآبدين.
 من هنا يقول الإمام علي كرم الله وجهه: الغنى والفقر بعد العرض على الله، هناك حكمة أن يكون هناك غني وفقير لكن نحن كمؤمنين لا ينبغي أن نرضى بالفقر ينبغي أن نسعى من هنا لا بد من توضيح حقيقة، هناك فقر اسمه فقر الكسل هذا فقر مذموم، لأن صاحبه لا يتقن عمله، كسول، يرجئ يسوف يقعد لا يعمل هذا يغدو فقيراً لكن هذا الفقر وصمة عار بحقه لأن هذا الفقر فقر كسل، وهناك فقر القدر إنسان معه عاهة، هذا الفقر صاحبه معذور إنه قضاء الله وقدره، ولحكمة بالغة سوف يكشفها في المستقبل كان فقيراً وكان مسكيناً، هناك فقر الكسل وهناك فقر القدر وهناك فقر الإنفاق هذا محمود، سيدنا الصديق أنفق كل ماله فأصبح فقيراً قيل له: يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال: الله ورسوله، العلماء ميزوا بين فقر الكسل وفقر القدر وفقر الإنفاق.
 رجل قال للنبي الكريم: والله إني لأحبك، قال انظر ما تقول؟ قال: والله إني أحبك! قال: انظر ما تقول: قال: والله إني أحبك ! قال: إذا كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك عليك بمعنى فقر الإنفاق، إذا كنت تحب الله عز وجل والناس حولك جائعون ومرضى يحتاجون لمالك هل يعقل أن يقسو قلبك وأنت مؤمن ؟ مستحيل، فالمؤمن يرتقي إلى أعلى درجات الجنة بإنفاق ماله، فالشيء العجيب:

 

 

(( سَمِعْتُ عبد الله بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ))

 

(صحيح البخاري)

 الحقيقة أن العلم قوة، والغنى قوة، والمنصب الحساس قوة، فأنت قوي بمنصبك وبمالك وبعلمك، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.
 والنبي الكريم جبار الخواطر قال:

((وفي كل خير.))

 المذيع: سيدي يبدو لي أن الأداة في هذا الامتحان هي الصبر والشكر، سواء للغني أو للفقير للعالم أو للجاهل، الصبر والشكر هما وسيلة الامتحان.

(( عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))

(صحيح مسلم)

 الأستاذ: المؤمن يتمتع بتسليمه لأمر الله، لكن لئلا يفهم الأخوة المستمعين أنني أرضى بالفقر الإنسان عليه أن يسعى، والذي ينظم هذه الحقيقة قول النبي الكريم:

 

((عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

 

(سنن أبي داود)

 أن أستسلم لقدري أنا فقير، ما باليد حيلة !

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ))

 السعي والحركة.

 

(( فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

 مثلاً: لو أن طالباً لم يدرس فلم ينجح هذه كلمة حق أريد بها باطل، أما حينما يدرس ويأتيه مرض لا سمح الله في أثناء الامتحان يحول بينه وبين الامتحان يقول حسبي الله ونعم الوكيل، أنا لا أرضى أن أشيع في الناس أن يرضوا عن الفقر، كاد الفقر أن يكون كفراً، والفقر يسبب المرض والجهل وأسباب كثيرة.
 المذيع: هذا بالنسبة للفقر أما بالنسبة للغنى فإن من مظاهر الشكر في الغنى الإنفاق والزكاة، ندخل الآن لموضوعنا وهو الزكاة.
 الأستاذ: أن تعبد الله فيما أقامك بحسب هويتك، إن أقامك غنياً عبادتك الأولى إنفاق المال، وإن أقامك عالماً عبادتك الأولى تعليم العلم، وإن أقامك قوياً عبادتك الأولى أن تنصف الضعيف وتحق الحق.
 المذيع: العبادة الأولى تجنيد ما أعطاني ربي في سبيل الله، فالغني الذي أعطاه ربه هذا المال يجب أن ينفق في سبيل الله عز وجل الذي أعطاه هذا المال، ورب العزة يقول في كتابه العظيم:

 

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

 

(سورة التوبة)

 لو أخذنا هذه الآية وشرحناها على الإخوة نجد فيها الكثير الكثير
 من تبيان أحكام الزكاة.
 الأستاذ: جاءت كلمة خذ فعل أمر، يخاطب الله بها النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن العلماء أشاروا إلى أن الله لا يخاطب النبي في هذه الآية على أنه نبي بل على أنه ولي أمر المسلمين، يخاطب الحاكم، ذلك أن الإنسان حينما لا يطيع الله يؤذي نفسه، أما حينما لا يدفع الزكاة يؤذي مجتمعه لأن النظام الإسلامي والاقتصادي مبني على الزكاة، فالزكاة تؤخذ ولا تعطى، لم تترك لرغبة المسلمين وحرص المؤمنين، هذه عبادة منوط بها مصلحة المجتمع بأكمله، فيجب أن تؤخذ وهي فريضة.

 

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾

 

(سورة المعارج)

 لأنها فريضة، أما كلمة من لطيفة جداً، هذه المن للتبعيض، ليس في الإسلام ما يسمى بمصادرة المال كله، خذ من أي بعض أموالهم، وقد وجه النبي عليه الصلاة والسلام جباة الزكاة إلى أن يتركوا للمسلم كرائم أمواله، له بقرة يحبها ويعجب بها دعها له خذ غيرها، أمرنا النبي أن ندع للمسلم كرائم ماله، أولاً الزكاة هي بعض المال، وبعض قليل ربع العشر، ومع ذلك كرائم المال ينبغي أن تبقى بيد أصحابها، هذا معنى كلمة من خذ أمر موجه من أولي الأمر للتبعيض، من أموالهم جاءت كلمة جمع، أي أن الزكاة تجب في كل الأموال، ما أنتجته الأرض وفي النقدين الذهب والفضة وفي الركاز الثروات الباطنية وفي العسل وفي كل ما تنتجه الأرض بما يسمى اليوم بالدخل القومي.

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 كل أنواع الأموال، زكاة النقدين، زكاة عروض التجارة، زكاة الإبل والأنعام والأبقار وما إلى ذلك، وزكاة الزروع وزكاة العسل وزكاة الركاز أي المعادن الثمينة، جاءت الكلمة جمعاً لتفيد أن الزكاة تجب في كل أنواع المال، ثم إن هذا الضمير ضمير جمع قال:

 

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 أي أن الزكاة مفروضة على كل الناس من دون استثناء، لا تطوى عن أحد ولا يعفى منها أحد ولا يستثنى منها أحد، نظام الإسلام على الجميع.

 

 

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا....قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.... إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))

 

(صحيح البخاري)

 هذا النظام على الجميع.
 المذيع: هنا قد يتساءل أحد الأخوة المستمعين: كيف على الجميع ؟ وهل تجب على الفقير الذي لا يمتلك النصاب ؟
 الأستاذ: حينما نقول الجميع أي على جميع مالكي النصاب، الفقير يأخذ الزكاة، الزكاة من أجل الفقير.
 المذيع: من أموالهم عندما يصير هذا الفقير غنياً وجبت عليه الزكاة !
 الأستاذ: أرقى أنواع الزكاة أن تقلب آخذ الزكاة إلى دافع الزكاة ! شيء آخر أريد أن أنبه أن زكاة الفطر له حال خاص، زكاة الفطر تجب على كل مسلم و لو كان فقيراً بشرط أن يملك قوت يومه وجبة طعام واحدة لماذا ؟ ليذيقه الله طعم الإنفاق في العام مرة لذلك قالوا: الطعام شيء، والأريحي شيء آخر فهو الذي يرتاح للعطاء، والغني أساساً حينما ينفق ماله يشعر بنموه.

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

 لماذا سمى الله الزكاة هنا صدقة ؟ مع أنه أعطاها اسمها الدقيق في آيات كثيرة، أراد الله من هذه الكلمة أن الزكاة هي إنفاق للمال، والمال محبب للإنسان، قال تعالى:

 

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

 

(سورة آل عمران)

 لولا أن المال محبب في الإنسان لما كان من رقي في إنفاقه ما حكمة أن هذه الشهوات محببة إلينا ؟ لأنك إذا أنفقتها ترتقي عند الله، أما الإنسان لا يرتقي لو أخذ حفناً من الرمل وأعطاها لفقير لا قيمة لها، أما آلاف الليرات يحبها وتحل آلاف المشكلات، والناس جميعاً يحبون المال، وهناك من يظهر ذلك وهناك من يخفي، أما لا يوجد إنسان لا يحب المال فسمى الله هنا الزكاة هنا صدقة، لأنها تؤكد صدق الإنسان هناك عبادات كثيرة لا تكلف شيئاً، لا يرتقي بها الإنسان كثيراً يقول قصر صلاة، تخفيف العبادات ببعض الأحكام الشرعية، نجد أن النفس تميل لذلك، أما أن تعطي من مالك.....
 الإمام علي كرم الله وجهه يقول في حديث رائع: قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالم مستعمل علمه وجاهل لا يستنكف أن يتعلم وغني لا يبخل بماله وفقير لا يبيع آخرته بدنياه فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره، يتعاون مع الشيطان عندئذ، الصدقة تؤكد صدق إيمان الإنسان، لأن البذل دليل صدق، أما الأعمال التي لا تكلف شيئاً هذه لا تعبر عن الصدق، وأكثر الناس يقومون بعبادات لا تكلفهم شيئاً.
 الآن دخلنا للنقطة الدقيقة بأن الصدقة تطهر، تطهر ثلاثة أشياء تطهر الفقير من الحقد، والغني من الشح، وتطهر المال من تعلق حق الغير به، فالمال إذا تعلق حق الغير به فالمال رهن إتلافه ! الحجر المغصوب في دار رهن بخرابها، والمال المتحقق في مال الإنسان ولم تدفع زكاته هذا قد يكون هذا المال سبباً في إتلاف المال كله.
 فلذلك من أدى زكاة ماله أذهب عنه شره، ما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة.
 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((حصنوا أموالكم بالزكاة))

(ورد في الأثر)

 الفقير حينما يرى نفسه فقيراً محروماً والناس يأكلون ويشربون ويتنزهون ويأكلون يتألم، فإذا جاء الغني وأعطاه حاجاته ما يكفيه ويكفي عياله وأهله وأولاده طهر من الحقد، كان الغني مضطراً لأن يضع حراس كثيرين على أبوابه، هذا الفقير حينما أعطاه أصبح حارساً له بالمجان، أحبه.
 الفقير يطهر من الحقد، والغني يطهر من الشح، كيف أن في الجسم مرضاً وبيلاً سرطان مثلاً في النفس مرض وبيل اسمه الشح قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾

 

(سورة الحشر)

 مرض الشح مرض خطير في حياة الإنسان، صاحبه يعيش فقيراً ليموت غنياً، وأندم الناس غني دخل ورثته بماله الجنة، ودخل هو النار ! الشحيح يعيش فقيراً ويموت غنياً، الشحيح يتمنى أهله موته، وإذا مرض وقال الطبيب بسيطة يتألمون ! يريدون أن تكون القاضية.
 فالغني يطهر من الشح، والفقير من الحقد، والمال يطهر من تعلق حق الغير به، وما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة، وحصنوا أموالكم بالزكاة.
 المذيع: هنا ننبه الأخوة المستمعين الذين يظنون أن الزكاة سميت زكاة لأنها تزكي المال، لا تزكي المال فقط، إنما تزكيك أنت أيها الغني أو الفقير.
 الأستاذ: وتزكيهم: تزكي الفقير والغني والمال !
 المذيع: ما الفرق بين تطهر وبين تزكي ؟
 الأستاذ: التطهير من الأمراض، الزكاة للنمو، حينما أدخل لغرفة قذرة أنظفها أولاً، فالتطهير تنظيف، أما حينما أفرشها أزكيها، الزكاة إيجابية أما التطهير سلبي، عندنا مرض طهرنا منه كمرض الشح والبخل وتعلق حق الغير بهذا المال طهرنا منه، أما التزكية الآن: هذا الغني حينما يدفع زكاة ماله لعدد كبير من الفقراء يحبونه ويحترمونه ويسلمون عليه ويبادرون لخدمته يشعر أنه صار في قلب الناس، صار أمة، صار في قلب كل فقير أحبه الفقير وأثنى عليه ودعا له وشكر له وكان ولائه له وكان حارثاً له، لذلك تنمو نفس الغني هذا النمو، حينما تعمل عملاً يحل للناس مشكلاتهم تشعر بقيمتك الاجتماعية، المحسنون في الأرض يشعرون بنمو نفسي، أنت حينما تخدم الناس وتحل مشكلاتهم تشعر بنماء في نفسك.
 مرة قرأت حكمة قصيرة جداً في مجلة المختار مجلة عالمية مكتوب (إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين) إن أسعدت الناس فأنت أسعدهم، أنت حينما تخرج من ذاتك وتحمل هم الناس تشعر بسعادة كبيرة، تحس أنك مقدس وأنك إنسان عاش لما خلق له، وأنك حققت وجودك في الدنيا، إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين.
 فلذلك الغني حينما ينفق زكاة ماله على الفقراء ومن صدقات ماله يشعر بنمو في نفسه، أما الفقير كان محروماً شفيناه من الحقد، أما بهذا المال يشعر أن له شأن في المجتمع، تنمو نفسه، الإنسان بين حالة يئس وتقابض وانكماش وبين حالة نمو وازدهار، فالفقير حينما نأتيه بالمال يشتري لأولاده الطعام الطيب والثياب والشراب واللحم والفواكه والألعاب، يشعر أنه أب قدم لأولاده كل شيء تنمو نفسه، ففي نمو، نمو نفس الغني ونمو نفس الفقير، ينمو بقانون اقتصادي ! الدول العظمى ماذا تفعل مع الدول المتخلفة ؟ تعطيها مساعدات من أجل ماذا ؟ من أجل أن تمتلك قوة شرائية تشتري بها بضاعتها، فالغني حينما ينفق ماله للفقراء يعطيهم قوة شرائية، ماذا يفعلون؟ سيشترون من عنده مرة ثانية ! فالمال ينمو عن طريق الزكاة، لكن هناك رأي آخر، أن المال ينمو بطريق آخر طريق العناية الإلهية، المؤمن حينما ينفق ماله يلهمه الله الطرائق الناجحة في كسب المال ويصرف عنه الطرائق المسببة لإفلاس المال، كأنه في عناية الله وفي حفظ الله وعنايته.
 المذيع: تزكيهم بها، فالهاء تعود على الصدقة.
 الأستاذ: تزكو نفس الغني بالصدقة ونفس الفقير، والمال يزكو أي ينمو بالصدقة، إما بقانون اقتصادي أو بالعناية الإلهية.
 المذيع: بقي سؤال صغير وستكن الإجابة عنه صغيرة: بالنسبة للعقارات ماذا يفعل أصحابها ؟ الأموال غير المنقولة ؟
 الأستاذ: الذي يشتر العقار ليسكنه لا زكاة عليه، والذي يشتريه ليؤجره الزكاة على الأجرة إن لم ينفقها، فإذا أنفقها فلا شيء عليه.
 المذيع: من يمتلك سيارة وما إلى ذلك ؟
 الأستاذ: البيت والسيارة والدكان والأرض وأدوات الحرفة والأثاث هذه مستهلكات أموال جانبية لا زكاة فيها، بينما الأموال السائلة والبضائع والمنتجات الزراعية هذه عليها زكاة.
 المذيع: جزاكم الله خيراً وجعلنا جميعاً من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أيها الأخوة المستمعون باسمكم أتوجه بالشكر الجزيل لفضيلة الدكتور الأستاذ محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق، والمدرس الديني في مساجد دمشق، دكتور راتب شكراً لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 الأستاذ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018