الندوة : 09 - من ثمار الإيمان : البعوضة - الأرض - السكينة - التعاون. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠07ندوات مختلفة - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الندوة : 09 - من ثمار الإيمان : البعوضة - الأرض - السكينة - التعاون.


2002-11-16

 البعوضة.
 المذيع: أيها الأخوة والأخوات - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته -أهلاً بكم ومرحباً - ندعوكم لمتابعة هذا اللقاء الذي من خالاله نتمنى من الله عز وجل التوفيق والإخلاص.
 يسعدنا مع بداية هذا اللقاء أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، والمدرس الديني في مساجد دمشق، فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أتعرف على الله عز وجل من خلال آياته ونعمه، آيات الله سبحانه وتعالى لا تعد ولا تحصى، والله عز وجل يتجلى في كل شيء، ولكما عرف الإسلام ربه كلما ازداد سعادة وازداد في كل شيء، كيف نتحدث فضيلة الشيخ عن آلاء الله وآياته في الآفاق وفي النفس ؟
 الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، أستاذ جمال جزاكم الله خيراً.
 معروفة الله أصل في الدين لأنك إن عرفت الله أو عرفت الآمر تفانيت في طاعته، أما إن عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، السؤال الآن: الذي يقتضيه هذا الموضوع كيف نعرف الله ؟
 الله عز وجل كما أخبر عن ذاته لا تدركه الأبصار، ولكن الكون كله ينطق بوجوده ووحدانيته وكماله، بل إن الكون كله مظهر لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، وفي القرآن الكريم ألف وثلاثمائة آية تتحدث عن الكون وعن خلق السماوات والأرض، وعن خلق الإنسان والحيوان والنبات، هذه الآيات التي في القرآن الكريم هي في الحقيقة رؤوس موضوعات للتفكر، وحينما نعرف الله عز وجل نتفانى في طاعته، لكن مشكلة المسلمين اليوم أنهم أتقنوا معرفة الأمر، ولم يطبقوا الأمر، لأن معرفتهم بالآمر ضعيفة جداً، كأن هذه المرحلة المكية في حياة المسلمين أغفلت الآن، هناك مرحلة مدنية فيها التسريع، وهناك مرحلة مكية فيها تعريف الإنسان بالله عز وجل.
 مثلاً: لو أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

(سورة البقرة)

 من منا لا يعرف البعوضة ؟ هل من مخلقو أهون على الإنسان من البعوضة ؟

 

((عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

 

(سنن الترمذي)

 هذه البعوضة على هوال شأنها عند الإنسان، ضربها الله مثلاً لعظمته وقدرته وصنعته فقال:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 العلماء يقولون: إن وجزن البعوضة يساوي ميلي غرام، واحد على ألف من الغرام ! وهذه التي تلدغ الإنسان أنثى، من منا يستطيع أن يفرق بين الأنثى والذكر ؟ لكن علماء الحشرات يفرقون بالمجاهر العملاقة، والدليل أن الله عز وجل يقول:

 

 

﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

 هي أنثى ! أستاذ جمال - البعوضة في وجهها مائة عين، وفي فمها ثمانية وأربعون سناً، ولها ثلاثى قلوب قلب مركزي وقلبين لكل جناح، وفي كل قلب أذينان وبطينان ودسامان، والشيء الذي لا يصدق في البعوضة أنها تملك مستقبلات ضوئية أي أنها ترى ما حولها لا بشكله الحقيقي أو حجمه ولكن بحرارته أي أنها تستخدم الأشعة تحت الحمراء، وأن هذه المستقبلات الضوئية الحرارية يمكن أن تتحسس بواحد من الألف من الدرجة المئوية، وكأن هذه المستقبلات الضوئية الحرارية رادار، فإن كانت في غرفة مظلمة وفيها إنسان نائم تتجه إليه مباشرة بحسب حرارته، اتجهت إليه ماكل دم يناسبها، عندها جهاز لفحص الدم فإذا وقعت على جبين إنسان دمه يناسبها لابد من أن تخدره معها جهاز تخدير، ولابد من أن تميع دمه لأن دمه لا يسري في خرطومها الدقيق، معها جهاز رادار أو مستقبلات حرارية وضوئية وجهاز فحص للدم ماكل دم يناسبها وجهاز تخدير، ثم إنها تملك جهاز تمييع حتى يسري الدم في خرطومها، وما خرطومها ؟ خرطومها لا يصدق ! فيه ست سكاكين أربع سكاكين تحدث جرعاً عميقاً لابد من أن يصل إلى الدم وسكينان يشكلان مع بعضهما أنبوباً لمص الدم، البعوضة تملك محاجم إذا وقفت على سطح أملس، والمحجم يعتمد على الضغط وتفريغ الهواء وتملك مخالب إذا وقفت على سطح خشن، والبعوضة يمكن أن تشم رائحة عرق الإنسان من ستن كيلو متر، والبعوضة يرف جناحاها ستين رفة في الثانية.

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 هذه الآية هي آية كونة قرآنية، هي رأس موضوع كي نتعرف إلى الله من خلالها.
 مثل آخر: لو انتقلنا إلى السماوات الأرض تبعد عن الشمس مائة وست وخمسين كيلو متر، يقطعها الضوء في ثماني دقائق، والشمس تكبر الأرض بمليون وخمسمائة ألف مرة، أي أن جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمائة ألف أرض، ولو ألقيت الأرض في جوف الشمس لتبخرت في ثانية واحدة، لأن جوف الشمس تصل الحرارة فيه لعشرين درجة، أما السطح ستة آلاف بين الأرض والشمس مائة وستة وخمسين مليون كيلو متر، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة، نجمد هذا الموضوع قليلاً.
 ولننتقل لبرج في السماء اسمه العقرب، فيه نجم صغير أحمر اللون، هذا النجم الصغير يسميه علم الفلك قلب العقرب هذا النجم ببساطة يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما.

 

 

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 

(سورة يونس)

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾

(سورة فصلت)

 الأرض مرتبطة بالشمس، بقوى التجاذب، والأرض تسير في مسار إهللجي حول الشمس وبهذا المسار قطر أعظم وقطر أصغر، فإن وصلت الأرض للقطر الأصغر اقتربت المسافة بينها وبين الشمس، الشمس فيها قوة جذب، يمكن أن تنجذب الأرض للشمس فتنتهي، لابد في هذه المنطقة الحرجة من أن تزيد من سرعتها، حتى ينش من هذه السرعة قوة نابذة تكافسئ القوة الجاذبة، فتبقى في مسارها، أما إذا بلغت القطر الأعظم تضعف الجاذبية فيمكن أن تتفلت من مسارها حول الشمس، فتنخفض سرعتها، حتى ينشأ قوة نابذة قليلة تبقيها منجذبة للشمس، من رفع سرعتها ؟ ومن خفض سرعتها في المكان والوقت المناسب؟.
 فقد قال العلماء: لو أن ازدياد سرعتها وتبطئ سرعتها كانا بتسارع وتباطؤ شديدين لانهدم كل ما على الأرض، لكن التسارع بطيء والتباطؤ بطيء، تماماً كما لو وضعت علباً في مركبة وأقلعت بها إقلاعاً عنيفاً، فهذه العلب تقع، أما غن أقلعت بها إقلاعاً متدرجاً فهذه العلب تبقى في مكانها.
 لو تصورنا أن الأرض تفلتت من جاذبية الشمس مالذي يرجعه إليها ؟ قال العلماء افتراضاً: مليون مليون حبل فولاذي قطر كل حبل خمس أمتار، وكل حبل يقاوم قوة شد تساوي مليوني طن، معنى ذلك أن الأرض مرتبطة بالشمس بقوة تساوي مليوني طن ضرب مليون مليون ! هذه القوة الهائلة التي ترتبط بها الأرض بالشمس كي تبقى في مسارها حول الشمس تحرفها ثلاثة ميليمتر في الثانية الواحدة، ولولا هذا البقاء لانتهت الحياة من على سطح الأرض، الله عز وجل يقول:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

 

(سورة الرعد)

 قال علماء التفسير: أي بعمد لا ترونها، فكأن الأرض مرتبطة بالشمس بمليون مليون حبل فولاذي قطر كل حبل خمس أمتار يتحمل من قوى الشد ما يساوي مليوني طن، لو زرعنا هذه الحبال على السطح المواجه للشمس، لكنا أمام غابة من الحبال، بين كل حبلين مسافة حبل واحد، فتستحيل الزراعة والصناعة والبناء والطرقات والمواصلات وانتهى كل شيء !
 المذيع: في الواقع لا يسعنا أيها الأعزاء إلا أن نشكر فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، وخطيب جامع النابلسي بدمشق، الذي تحدث لنا عن آيات الله في الآفاق وفي النفس، نشكركم دكتور وإلى اللقاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 الأستاذ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم

 السكينة.
 المذيع: متابعينا الكرام - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - أهلاً بكم ومرحباً إلى حلقة جديدة من ثمار الإيمان.
 أيها الأعزاء: يسعدنا في هذه الحلقة أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، وخطيب جامع النابلسي في دمشق، فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
 الأستاذ: وعليكم السلام ورحمة الله.
 المذيع: فضيلة الشيخ الحياة الرديدة السعيدة التي ينشدها الإنسان تحتاج إلى الإيمان، هذا الإيمان الذي إن سكن القلب جعله سعيداً في حياته قبل الانتقال لجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، في هذا اليوم فضيلة الشيخ موضوع السكينة، أحببنا أن نتناوله بشيء من الإيضاح والتعمق في مفهومه، كيف نتحدث عن هذا الموضوع.
 الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، أستاذ جمال هناك مقولة رائعة هي: أن الله يعطي القوة والذكاء والجمال والمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، فلعل السكينة هي أثمن ثمار الإيمان ! إن هذه السكينة وردت في القرآن الكريم في عدة آيات وردت في قوله تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (4)﴾

(سورة الفتح)

 وفي آية ثانية:

 

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾

 

(سورة الفتح)

 لا سعادة بلا سكينة، ولا سكينة بلا إيمان، فالسكينة هي الغاية المثلى للحياة الرشيدة، فلا سعادة بلا سكينة، وهذه السكينة تزدهر بغير عون من المال، بل بغير مدد من الصحة، يسعد بها الإنسان ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها و لو ملك كل شيء، هذه السكينة ليست ملك أحد كي يمسكها أويرسلها، ولكنها في متناول كل واحد من البشر إذا دفع ثمنها، ما من نعمة تحجب معها السكينة إلا وتنقلب بذاتها لنقمة، وما من محنة تحفها السكينة إلا وتكون هي بذاتها نعمة، ينام الإنسان على الشوك مع السكينة فإذا هو مهاد وثير، وينام على الحرير وقد أمسكت عنه السكينة فإذا هو شوك القتل، يعالج المرء أشد الأمور ومعه السكينة فإذا هي هوادة ويسر، ويعالج أيسر الأمور وقد تخلت عنه السكينة فإذا هي مشقة وعسر، يخوض المخاوف والأخطار ومعه السكينة فإذا هي أمن وسلام.
 ويعبر المناهج والسبل وقد أمسكت عنه السكينة فإذا هي مهلكة، هذه السكينة لا تعز على طالب كائناً من كان، و في أي مكان وزمان، وفي أي محال ومآل، وجدها إبراهيم عليه السلام في النار، ووجدها يوسف عليه السلام في الجب، كما وجدها في السجن، وجدها يونس عليه السلام في بطن الحوت، في ظلمات ثلاث، وجدها موسى عليه السلام في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة وحراسة، ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين فقدوها في الدور والقصور، وجدها نبينا عليه الصلاة والسلام وصاحبه في الغار والأعداء يتعقبونه ويقصون الآثار، ويجدها كل مؤمن آوى لربه يائساً ممن سواه، قاصداً بابه وحده من دون كل الأبواب،يبسط الله الرزق مع السكينة فإذا هو متاع طيب، ورخاء وفير، وإذا هو رغد في الدنيا وزاد إلى الآخرة، ويمسك السكينة مع الرزق فإذا هو مسار قلق وخوف ومسار حسد وبغض وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض، وقد يكون معه التلف بإفراط واستهتار يمنح الله الذرية مع السكينة فإذا هي زينة الحياة الدنيا، ومصدر فرح واستمتاع ومضاعفة للأجر في الآخرة بالخلف الصالح، ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء وعنت وشقاء وسهر بالليل وتعب بالنهار، يهب الله الصحة والعافية مع السكينة فإذا هي نعمة وحياة طيبة، ويمسك سكينته فإذا الصحة والعافية بلاء يسلطه الله على الصحيح المعافى، فينفق الصحة والعافية فيما يحطم الجسم ويفسد الروح ويذخر السوء إلى يوم السحاب، ويعيط الله الجاه والقوة مع السكينة فإذا هي أداة إصلاح ومصدر أمن ووسيلة إدخار الطيب الصالح من العمل للآخرة، ويمسك سكينته فإذا الجاه والقوة مصدر للقلق على فوته ومصدر للطغيان والبغي ومصدر للحقد والكراهية، لا يقر لصاحبها قرار، ويذخر بها للآخرة رصيداً ضخماً إلى النار.
 المذيع: فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي هذا الكلام الرائع والجميل خلال وحي الله عز وجل والتوجيه الكريم، هذه السكينة التي اشتقنا لنعرف كيف يمكن للإنسان أن تكون في قلبه، كيف يمكن أن يحصل على كلمة السكينة قولاً وفعلاً ؟
 الأستاذ: الحقيقة أن الله عز وجل حينما قال:

 

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾

 

(سورة الرعد)

 لم يقل تطمئن القلوب بذكر الله، لو قال هكذا: لكانت تطمئن بذكر الله وبغير ذكره، أما حينما جاء التركيب قسرياً يحدد مفهومه بدقة بالغة فيه حصر وقصر.

 

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾

 أي لا تطمئن القلوب إلا بذكر الله، بدليل قوله تعالى:

 

 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

 

(سورة طه)

 أحد أسباب الشقاء البشري الإعراض عن ذكر الله، وهناك أمراض لا تعد ولا تحصى ليست أمراضاً بل هي أعراض الإعراض، ولكن كيف السبيل إليها إذا كانت شيئاً لا يثمره الذكاء ولا العلم ولا الصحة ولا القوة ولا المال ولا الغنى ولا الشهرة ولا الجاه وذلك من نعم الحياة المادية، للسكينة مصدراً واحداً لا مصدر ثاني له هو الإيمان بالله واليوم الآخر، الإيمان الصادق العميق الذي لا يكدّره شك، ولا يفسده نفاق، والعمل بمقتضى هذا الإيمان، هذا ما يشهد به واقع الحال وما يؤيده التاريخ الحافل وما يلمسه كل إنسان بصبر منصف من نفسه وفي من حوله.
 لقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس قلقاً واضطراباً وضيقاً وشعوراً بالتفاهة والضياع هم المحرومون من نعمة الإيمان وبرد اليقين، حياتهم لا طعم ولا مذاق لها وإن حفلت باللذائذ والمرفهات، إنهم لا يدركون لها معنى، ولا يعرفون لها هدفاً ولا يفقهون لها سراً، ثمرة من ثمار دوحة الإيمان، وشجرة التوحيد الطيبة التي تأتي أكلها كل حين بإذن ربها.
 السكينة كما سألتموني هي نفحة من السماء ينزلها الله على قلوب المؤمنين من أهل الأرض ليثبتوا إذا اضطرب الناس، وليرضوا إذا سخط الناس، وليوقنوا إذا شك الناس، ويصبروا إذا جزع الناس وليحلموا إذا طاف الناس هذه السكينة نور من الله وروح منه، يسكن إليها الخائف ويطمئن عندها القلق، ويتسلى بها الحزين ويستريح بها المتعب، يوقى بها الضعيف، ويهتدي بها الحيران، هذه السكينة نافذة على الجنة يفتحها الله للمؤمنين من عباده، منها تهب عليهم نسماتها وتشرق عليهم أنوارها، ويفوح شذاها وعطرها ليذيقهم بعض ما قدموا من خير، ويريهم نموذجاً لما ينتظرهم من نعيم، فينعم من هذه النسمات بالروح والريحان والأمن والإيمان، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب والسكينة، قال تعالى:

 

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾

 

(سورة محمد)

 أي ذاقوا طعمها في الدنيا، أسباب السكينة لدى المؤمن أولها أنه هدي لفطرته التي فطره الله عليها وهي فطرة ملتصقة ومنسجمة ومتجاوبة مع فطرة الوجود الكبير كله، فعاش المؤمن مع فطرته في سلام ووئام لا في حرب وخصام ومع من حوله، في شفافية ومشاركة لا في وحشية وعدالة، ذلك لأن في القلب شعثاً لايلومها إلا الإقبال على الله، وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيها حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله وفي القلب فاقة لا تسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص.
 المذيع: فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي السر هو الإقبال على الله عز وجل، هذا هو بيت القصيد.
 الأستاذ: هذا هو سبب السكينة الوحيد.
 المذيع: لا يسعنا في ختام هذا اللقاء في الواقع إلا أن نشكر فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، والمدرس الديني في مساجد مشق، نشكركم فضيلة الشيخ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 الأستاذ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 التعاون.
 المذيع: أيها الإخوة والأخوات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - أهلاً بكم ومرحباً ندعوكم لمتابعة هذه الحلقة الجديدة من ثمار الإيمان، ليلة طيبة ولقاء مبارك مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، وخطيب جامع النابلسي في دمشق، فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
 الأستاذ: وعليكم السلام ورحمة الله.
 المذيع: فضيلة الشيخ دائماً نتحدث عن ثمار الإيمان، وعندما نتناول موضوعاً من هذه الموضوعات نتحدث عن التعاون قال تعالى في كتابه العزيز:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

(سورة المائدة)

 التعاون كيف ومن أين نبدأ ؟
 الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، أستاذ جمال جزاكم الله خيراً.
 الحقيقة أن التعاون أمر إلهي، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وفي السنة الصحيحة أيضاً توجيهات نبوية تدعونا إلى التعاون، وليس الدين كما يتوهم المتوهمون عبادات شعائرية فحسب، بل إن الدين هو الحياة كما أرادها الله عز وجل، صلاح الدين وصلاح الدنيا وصلاح الآخرة، ففي الإنسان نزعة فردية تنطلق من حبه لوجوده، ومن حبه لسلامة وجوده وكمال وجوده ولاستمرار وجوده، وفيه أيضاً نزعة اجتماعية تنطلق أيضاً من نزعته الفردية، لن كثيراً من مطالب الحياة وحاجات الجسد، والنفس والفكر لا تتم إلا عن طريق الجماعة كالأنس بالجماعة والشعور بالأمن والطمأنينة والتماس نصرتها والتقوى بها وتحقيق الحاجات الإنسانية ومصالحه من خلالها.
 لكن النزعة الجماعية التي تنطلق من طاعة الله عز وجل والتقرب إليه وراء أكثر الفضائل الخلقية، فما من فضيلة يصل نفعها وخيرها للآخرين إلا وفيها عنصر التخلي عن الألم، وفيها نوع من التضحية في سبيل المجموع كوسيلة لنيل رضوان الله تعالى، والرذائل الخلقية تنبع من فردية الإنسان ومن تفلته من منهج الواحد الديان، والفضائل الخلقية تنبع من انصياعه لفضائل ربه والتقرب إليه بخدمة عباده.
 أستاذ جمال: جزاكم الله خيراً الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أعطوا كل شيء ولم يأخذوا من الجماعة شيء، والذين على نقيضهم أخذوا من الجماعة كل شيء ولم يعطوا شيء، والذين هم بين بين أخذوا وأعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم وغيرهم ملكوا الرقاب بقوتهم.
 المذيع: فضيلة الشيخ محمد راتب كمال الأعمال العظيمة تتحقق عن طريق التعاون والعمل الجماعي، كيف نسلط الضوء على هذا الجانب ؟
 الأستاذ: لأن الإنسان كائن اجتماعي، فكل كمالاته ينبغي أن تكون جماعية، فإن جلاء الأعمال الكبرى لا تتحقق إلا عن طريق العمل الجماعي المتعاون بخلاف العمل الفردي الذي لايثمر إلا أعمالاً تتناسب مع طاقات الأفراد شدة وضعفاً، والنزعة الفردية تنمو معها رغبة قبيحة بتهديم أعمال الآخرين ! حرصاً على التفرد بنيل التقضير بين الناس، ومع هذه الرغبة القبيحة تتبدد الأعمال الفردية نفسها، أو تضيع ثمراتها، فتحرم الإنسانية ثمرات الأعمال الجماعية وكثيراً من ثمرات الأعمال الفردية.
 إن القوة الانفرادية مع القوة الانفرادية مجتمعتين تساويان أكثر منهما متفرقتين، لأن عوامل الوهم والخوف والتخاذل تتسرب إلى الأفراد وتمتنع منها الجماعة.
 المذيع: هل من دليل لقول الله عز وجل ؟
 الأستاذ: الدليل هو قوله تعالى في كتابه العزيز وهذه الآية أصل في التعاون، قال تعالى:

 

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

 ذلك لأن الإنسان خليفة الله في الأرض، ولأنه مكلف أن يعمرها بكل ما هو خير ونافع، ليكون هذا الإعمار سبباً لسعادته الأبدية في الجنة، ولأن مشيئة الله شاءت أن يتمكن الإنسان لإتقان شيء بينما هو بحاجة إلى كل شيء.
 إذاً كان التعاون ضرورة إيمانية وضرورة حياتية، والتعاون حيادي ومطلق، فيمكن أن يكون في الخير صلاح الدنيا وصلاح الآخرة، كما يمكن أن يكون في الشر في الإثم والعدوان، لذلك جاء الأمر الألهي مخصصاً وهو التقوى والبر كما قال المفسرون صلاح الدنيا، والتقوى صلاح الآخرة، وتأكيداً لهذا التخصيص جاء النهي عن النقيض، فقال تعالى:

 

 

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

 فكل من شارك في خير البشرية في دينها ودنياها مخلصاً لله عز وجل، وله نصيب من هذا الخير يناله في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً، وكل من شارك في عمل آثم يبعد الإنسان عن خالقه أو عمل عدواني في إيذاء لأخيه الإنسان يناله العقاب في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً، وهذا معنى قوله تعالى في التعقيب على الأمر:

 

 

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) ﴾

 المذيع: وهنا دكتور محمد راتب النابلسي يتعمق من خلال كلامكم موضوع التعاون وهناك الاعتصام بحبل الله عز وجل، كيف نطل على هذا الموضوع ؟
 الأستاذ: الحقيقة يوجد آية دقيق جداً تتصل اتصالاً وثيقاً بموضوعنا، التعاون ينبغي أن يكون على شيء، أما تعاون من دون محور لا يجدي ولا يثمر، من هنا قال الله عز وجل:

 

 

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)﴾

 

(سورة آل عمران)

 أستاذ جمال في هذه الآية الكريمة يأمرنا الله جل جلاله أن نعتصم بحبله ونحن مجتمعون غير متفرقين، وأصل الاعتصام اللجوء إلى حبل الله وكتابه وسنة رسوله للاعتصام به، وهذا يستلزم التمسك به والقبض عليه بشدة، حتى يظفر المؤمنون باعتصامهم هذا بالنجاة من الهلاك والاعتصام بحبل الله لا يجدي أن يكون اعتصاماً فردياً، بل لابد من أن يكون اعتصاماً جماعياً لذلك قال الله تعالى:

 

﴿وَاعْتَصِمُوا ﴾

 لم يقل واعتصم وأكد ذلك بالنهي عن التفرق، فقال تعالى:

 

 

﴿وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾

 ثم أجرى الله جل جلاله في هذا النص موازنة بينما كانت عليه الأمة العربية في جاهليتها قبل الإسلام، وما تحولت إليه بالإسلام الذي كان نعمة سيقت من الله إليهم.

 

 

﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) ﴾

 أي أن الأمة العربية قبل الإسلام كانت مجزأة ومتفرقة ومتعادية فيما بينها، وكانت على شفا حفرة من النار بالشرك والظلم والعدوان، فأصبح تجزئها وحدة وتفرقها اجتماعاً وعداوتها محبة فقد ألف الله بين قلوب أفرادها وجماعاتها بالإسلام فأصبحوا بنعمة الله إخوانا، يؤكد هذا المعنى دليل في قوله تعالى:

 

 

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) ﴾

 

(سورة الأنفال)

 المذيع: كان الإسلام وما زال هو المنقذ لوحدة الأمة وقوتها لومجدها وتعاونها، الحديث يجمل ويحلو في هذا اللقاء الطيب.
 الأستاذ: الحقيقة هناك استنباط تحتاجه الأمة العربية والإسلامية وهو أنه ما كان سبب إنقاذ الأمة فيما مضى ووحدتها وقوتها ومجدها يظل هو السبب أبد الدهر لإنقاذها ووحدتها وقوتها.
 وكما قال عليه الصلاة والسلام:

((لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ))

(ورد في الأثر)

 الأستاذ: الإسلام في حقيقته رد النفس الإنسانية إلى فطرتها الخيرة من التعاون والتناصر والتحابب ونهي عن التفاخر والتباغض، وسوّى بين المسلمين وجعلهم إخوة متحابين، فأصبح المسلمون أمة متعاونة على الخير لا يفرق بين أفرادها لون ولا جنس ولا لإقليم ولا مال، فجاء التوجيه الإلهي يدفع المسلمين إلى هذا السلوك الرفيع، فقال تعالى:

 

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) ﴾

 

(سورة التوبة)

 المذيع: في الواقع كلام جميل ورائع حول التعاون، تفضل به فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي خطيب جامع النابلسي بدمشق نشكركم فضيلة الشيخ إلى الملتقى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 الأستاذ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018