الدرس : 2 - سورة الحاقة - تفسير الآيات 9-36 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة الحاقة - تفسير الآيات 9-36


1997-07-04

مصير المؤمنين ومصير الكافرين
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الثاني من سورة الحاقة، ومع الآية التاسعة وهي قوله تعالى:

﴿ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ﴾

( سورة الحاقة )

إن الإنسان يوم القيامة رَهين عمله، وإنما تكون نجاته أو هلاكه بحسب عمله، فالدنيا دار ابتلاء، بينما الآخرة دار جزاء، ففي الدنيا قد تستطيع أن تتحرَّك حركةً لا تتأثر بعملك السابق، أما في الآخرة فيكون عملك الذي يتلبَّسك هو سبب فوزك أو هلاكك، ففرعون كان فرعون مصر عندما كان في الدنيا، لكنه في الآخرة جاء بعمله متلبساً وسوف يلقى جزاء عمله تاماً وَفْقَ أدق موازين العدل.
مصير فرعون ومن قبله..

﴿ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ ﴾

من قبله ؛ أي: من تقدَّمه من القرون الخالية والأمم الماضية ؛ أي: جاء فرعون ومن تقدمه من الأمم الخالية والقرون الماضية..
انحراف قوم لوط..

﴿ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ ﴾

هم قوم لوط الذين انحرفوا عن سواء السبيل، و ذكرت لكم من قبل أن الله سبحانه وتعالى خلق الذكر والأنثى، والحكم الشرعي لعلاقتهما هو الزواج، وليس من علاقةٍ بين الذَكَرِ والأنثى إلا علاقة الزواج، فمن خرج عن هذا المنهج فقد خالف حكماً شرعياً ووقع في جريمة الزنى المخالفة للحكم الشرعي، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾

( سورة المعارج )

لكن عمل قوم لوط عملٌ ليس مخالفاً للحكم الشرعي فَحَسْب، بل هو مخالفٌ أيضاً للفطرة السويَّة أيضاً، و مخالفة الفطرة شيءٌ أكبر من مخالفة الحكم الشرعي، لذلك أَهْلَكَ ربنا عزَّ زجل قرية لوطٍ فجعل عاليها سافلها، فأرسل عليهم حجارةً أهلكتهم، لأنهم خالفوا الحكم الشرعي و الفطرة الإنسانية، والذي يلفت النظر أنَّه في هذا العصر الأخير، فَشَت الفاحشة إلى درجة شيوع ذلك المرض الخطير الذي أعيى الجامعات ومراكز البحوث والعلماء أن يجدوا مصلاً مضاداً له، و هو بسبب الشذوذ، والشذوذ هي مخالفة الفطرة السليمة والحكم الشرعي معاً، فربنا عزَّ وجل سَمَّى قوم لوطٍ:

﴿ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ ﴾

و الله جعل عاليهم سافلهم، وأرسل عليهم حجارةً فأهلكتهم، فالله أهلكهم لأن الذي يرتكب جريمة قوم لوط يخالف الفطرة ويخالف الحكم الشرعي ويعمل على إفساد المجتمع، وقد لفت نظري قبل أسابيع، أو قبل شهر تقريباً، أن هناك وزيرَ صحةٍ في أحد بلاد الغرب يحمل دكتوراه في العلوم الإنسانية، يعقد مؤتمراً صحفياً ويصرح بملء فمه أنه شاذٌ جنسياً، قلت: سبحان الله في أي عصر نحن!! يقول عليه الصلاة والسلام:

(( كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف))

وفيما أعلم أن هناك منظَّمات في العالم الغربي تنظِّم هؤلاء الشاذين، وتعطيهم بطاقات، تدافع عن حقوقهم، و تدعو إلى دخلوهم الجيش في أمريكا، كما تدعو إلى رد اعتبارهم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((ما ظهرت الفاحشة في قومٍ))

دققوا في هذا الحديث الذي يعدُّ من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام:

((ما ظهرت الفاحشة في قومٍ حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم))

انظروا إلى هذه الأمراض الجنسية الجديدة، هناك مرض الأَكَلَة يالذي قضي على الإنسان في أربعٍ وعشرين ساعة، فتتفتت أنسجته العضلية تفتُتاً، وهناك أمراضٌ جنسيةٌ لا تعد ولا تحصى، إلا أن أبرزها وأشرها مرض الإيدز.
أيها الإخوة الكرام... قد يبذل العالم ألف مليون من العملة الصعبة لقيادة بحوثٍ تكتشف مصلاً مضاداً لهذا المرض، وما إن يتوصلوا جدلاً إلى مصلٍ مضاد لهذا الفيروس إلا يغيِّر الفيروس شكله فتذهب كل هذه الأموال سدى، والحقيقة أن أضعف فيروس على الإطلاق يتحدى أقوى الحكومات، و يتحدى أقوى الجامعات و أقوى بحوث العلماء، و كل العالم مكتوف اليدين أمام هذا المرض، وجاء في أحد إحصاءات الأمريكية قبل سنةٍ أو أكثر أنه في كل عشر ثوانٍ يموت إنسان بهذا المرض، والشيء الذي لا يصدَّق أن بعوضةً تقف على جسم مصاب فتغرز خرطومها في جسمه وتمتص من دم المصاب وتقف على جسم صحيح فتغرز خرطومها الملوث بهذا الفيروس فلا تنتقل العدوى من هذا إلى هذا، وذلك الله جلَّ جلاله أراده عقاباً للانحراف ولم يريده مرضاً كبقية الأمراض يبتلى به الإنسان، إذاً:

﴿ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ﴾

أي بالمعصية والكفر، و الإنسان حينما يكفر يعصي، و حينما يؤمن يُطيع، فالكفر تكذيبٌ وإعراضٌ وانحراف ؛ والإيمان تصديقٌ وإقبالٌ وانضباط.

﴿ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً(10) ﴾

من هو رسول ربهم ؟
1- قال علماء التفسير: هو سيدنا لوط، لقد عصوه وأبوا إلا أن يحققوا شهواتهم وفق انحرافهم لا وفق منهج الله عزَّ وجل، قال:

﴿يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾

( سورة هود: آية " 78 " )

هذه المرأة خلقها الله لتكون زوجةً، وهذا الذي تبحث عنه يجب أن يُروى من خلال امرأة واحدة فقط، وهي الزوجة..

﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾

( سورة الحاقة )

2- وقال بعض المفسِّرين: الرسول هنا هو سيدنا موسى، وفرعون هو الذي عصى أمره، أما سيدنا لوط فقد عصى قومه أمره.

﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾

أي: أخذةً زائدةً عن الحد المعقول، لأن ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

( سورة البروج )

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) ﴾

( سورة الحج )

﴿ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً ﴾

أي أخذةً عاليةً زائدةً على العذاب الذي يتقبَّله الإنسان، ثم يقول الله عزَّ وجل:
مصير قوم نوح..

﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴾

( سورة الحاقة )

فكيف يخاطب الله قريشاً ؟ إنه يقول:

﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ ﴾

ولو أنه قال: حملناهم لكان المقصود قوم نوح، لكن لمَّا قال:

﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ ﴾

استنبط العلماء أن الذين عاشوا على وجه الأرض هم من نسل سيدنا نوح ومن نجا معه من السفينة، لأن الله سبحانه وتعالى أهلك كل من عاصر هذا النبي الكريم إلا من رَكَّب السفينة..

﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة هود )

فربنا عزَّ وجل لم ينجِّ إلا ركاب السفينة، و البشرية كلها انحدرت من نسل هذا النبي الكريم وهو سيدنا نوح، و نحن من أبنائه.

﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴾

قال بعض العلماء: طغا الماء ؛ أي: طغى على خُزَّاِنِه من الملائكة غضباً لربه، وكأن هذا الماء أُعطي ما يسمى بالتشخيص، أو أعطي نفساً مدركةً، فلم يحتمل كُفر هؤلاء، فكأنَّه تفلت من ضبط خزانه الملائكة.

﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ ﴾

يروى أن الإمام علياً كرم الله وجهه قال: " طغى على خُزَّاِنِه من الملائكة غضباً لربه، فلم يقدروا على حبسه ".
لذلك حينما فار التنّور نبع هذا الماء من كل مكان وشكَّل بحراً هائجاً، ولم ينج من سكان الأرض إلا من ركب سكان نوح، وقال بعضهم: ليس من الماء قطرةٌ تتنزَّل قبله، ولا بعده إلا بكيلٍ معلومٍ غير ذلك اليوم، فالأمور دقيقة جداً، إلا أنه في هذا اليوم فار الماء من كل ينبوع وملأ الأرض وطغى حتى أهلك كل من كفر بهذا النبي الكريم.

﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴾

الجارية: السفينة، كلما مرَّ عليه ملأٌ من قومه سخروا منه، في النهاية لم ينج إلا ركَّاب السفينة..
مراحل الدعوة الإلهية:

﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾

( سورة الحاقة )

قال بعض المفسرين: أراد الله سبحانه وتعالى أن يبقي ألواح السفينة على جبلٍ هو الجودِيّ، لتكون آثار هذه السفينة عبرةً للناس من بعد نوحٍ عليه السلام، وقال بعضهم: إن إغراق قوم نوحٍ الذين كذَّبوه هو الموعظة الباقية التي ينبغي أن نتَّعظ بها وأن نتخذها درساً بليغاً في حياتنا، أي أن ربنا عزَّ وجل يدعونا دعوةً بيانية، فإن استجبنا وسلمنا سعدنا، وإن لم نستجب دخلنا في مرحلةٍ جديدة من مراحل الدعوة إلى الله، وهي مرحلة التأديب التربَوي، فإن استجبنا وتبنا إلى الله عزَّ وجل نجونا وسلمنا وسعدنا، وإن لم نستجب دخلنا في مرحلةٍ ثالثة وهي الإكرام الإستدراجي، فإن تُبنا وشكرنا نجونا وسلمنا، وإن لم نفعل قصمنا الله عزَّ وجل، و هذه هي سياسة ربنا جلَّ جلاله، مع عباده، يدعوهم دعوةٌ بيانية، ثم يربِّيهم تربيةٌ تأديبية، ثم يكرمهم إكراماً استدراجياً، فإن لم يستجيبوا ولم يتوبوا ولم يشكروا أخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر.

﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) ﴾

السماع استجابة!!
الحقيقة أن ربنا عزَّ وجل حينما تحدَّث عن السماع وصف السماع بأنه استجابة..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

( سورة الأنفال: آية " 24 " )

فعلامة السماع الصحيح هو الاستجابة، من هنا قال الله عزَّ وجل:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾

( سورة التحريم: آية " 4 " )

لا يسمَّى سماعاً ولا إصغاءً إلا إذا تاب الإنسان إلى الله عزَّ وجل، أما أن يُلْقِي الإنسان سمعه ويستوعب الكلام ثم لا يتحرك ولا يأخذ موقف، و لا يحاسب نفسه، و لا يدع مُنكراً ولا معصيةً، فهذا السماع لا قيمة له، فهذا الذي يسمع ولا يستجيب هو في حكم الذي لا يسمع.
أيها الإخوة...

﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) ﴾

الأُذُنُ الواعية هي التي تعي الوقت، فما دام الإنسان في بحبوحة و صحة و شباب، وغنى و فراغ و قوَّة و فُسحة من عمره، فيجب أن يستجيب إلى الحق وأن يصغي إليه، وأن يستوعبه، وأن يأخذ موقفاً عملياً، أما إذا أَلْقَى السمع ولم يفعل شيئاً، فهذا يؤكِّد أنه لم يستمع، فأنت إذا قلت لإنسان: على ظهرك عقرب. فبقي هادئاً جداً والتفت إليك وقال: إنني أشكر منك هذه الملاحظة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكّنني أن أكافئك عليها، فهل يكون قد فهم ما قلت له ؟ بالتأكيد لا، فلو أنه فهم أن على كتفه عقرب لقفز وصاح وخرج من جلده خوفاً وفرقاً، لكنه حينما بقي هادئاً، ثم انتبه إلى هذه الملاحظة وشكرك عليها وتبسَّم فمعنى ذلك أنه ما سمع ما قلت له، فالذي لا يستجيب كأنه ما سمع.

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾

( سورة الحاقة )

قال العلماء: هذه النفخة هي النفخة الأولى لقيام الساعة التي لا تبقي أحداً على قيد الحياة..

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) ﴾

الأرض والجبال حُمِلَتَا وارتطمتا ودُكَّتا وسويتا، الآية الكريمة:

﴿ وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

( سورة يونس )

 

﴿ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴾

( سورة الحاقة )

أي: سوِّيتا ببعضيهما ؛ جبال شاهقة، ووديان ساحقة، تلال، أَكَمَات، وهاد، أرض وعرة، أرض مستوية، سواحل، أغوار، كل هذه التضاريس أُلْغِيَت، فدكت دكةً واحدة وأصبحت مستويةً مع بعضها بعضاً..
أهوال يوم القيامة:

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) ﴾

( سورة الحاقة )

والواقعة هي التي لابدَّ من أن تقع.

﴿ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾

فوقوعها محقق، لذلك تأخذ أكثر الكلمات التي يعبَّر عنها في القرآن عن المستقبل الكريم صيغةَ الفعل الماضي لتحقق الوقوع..

﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16)﴾

( سورة الحاقة )

أي إن السماء انشقت و أصبحت ضعيفة، فتفكك هذا التماسك وهذا النظام التجاذُبي الحركي، و تخلخل نظام هذا الكون المبني أقوى البناء، وتفتت الأرض، وتبعثرت الكواكب وأصبحت السماء واهية.

﴿ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾

أي: ضعيفة...

﴿ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ﴾

أي: على أطرافها..

﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾

( سورة الحاقة )

قال العلماء: ثمانية أصنافٍ من الملائكة، أو ثمانية أزواجٍ من الملائكة.

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾

( سورة الحاقة )

بيت القصيد:
دخلنا الآن في بيت القصيد..
يومئذٍ تعرضون على الله عزَّ وجل ؛ فكل إنسان مخبوء بين ثوبين يعرض عمله و نيَّته و مطامحه، و أفعاله، و حركاته، و سكناته، و نشاطاته، و مواقفه، و عطاؤه، و منعه، و غضبه، و رضاه، و وصله، و قطعه، و رحمته، و قسوته، و عنايته، و إهماله، وإخلاصه، و تفلُّتُهُ، و استقامته، و انحرافه..

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾

تربية أولاده، و معاملة زوجته، و معاملة جيرانه، و معاملة شركائه، و معاملة زبائنه، و معاملة من فوقه، و معاملة من تحته، و معاملة من عاصره، في لهوه، في جِدِّهِ، في فرحه، في ترحه، في سفره، في إقامته، في أتراحه.

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾

أي: كأنك تشاهد شريطاً فيه كل تفاصيل حياتك، و كل دقائقها، فكل ما فعلته في الدنيا معروضٌ عليك بأدق التفاصيل والجزئيَّات !!

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾

( سورة الإسراء )

 

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾

لا تستطيع أن تخفي عن الله شيئاً، فأنت بإمكانك الآن أن تُخفي عن معظم الناس أشياء كثيرة، و قد توهم أُناساً كثيرين أنك في وضع وأنت في خلافه، كما قد توهم أناساً كثيرين إلى أمدٍ طويل أنك في حال وأنت في خلافه، لأن الإنسان في الطرف الآخر علمه محدود، و نافذته كلامك وتصريحك، لكن الله سبحانه وتعالى مُطَّلعٌ على ما في النفوس، مطلعٌ على ما في القلوب.
الله مطّلع على الخواطر:

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾

إخواننا الكرام... إن أكبر دافع لطاعة الله أن تعلم أن الله يعلم، وأنه مطلعٌ عليك ومحيطٌ بك، ولا تخفى عليه خافية، وأن تعلم أن الله يحول بينك وبين قلبك، وأن خواطرك في علم الله، و أن تدرك أن خاطراً بسيطاً يمر في ذهنك يعلمه الله ويحاسب عليه، والدليل: هناك من الناس من ينوي نيَّة فيرى نيَّته أمامه، فإن كانت طيبة رأى التوفيق والفوز، وإن كانت سيِّئة رأى الدمار، هذا أكبر دليل على أن الله مطلعٌ على خواطرك الداخلية، وإن آلاف القصص تؤكِّد هذه الحقيقة.
قصة:
أخٌ كريم قال لي: إنه انتهى من خدمته الإلزامية ولا يملك من الدنيا شيئاً، أعطته أخته سوارة من حليِّها، واشترى بها تذكرة طائرةٍ إلى الخيلج، قال لي: وأنا في الطائرة نويت نية في قلبي، ووالله ما حرَّكت شفتاي، إلا أنني قلت في نفسي: إن أكرمني الله فسأبني له بيتاً في منطقتي، وغاب سنواتٍ عِدَّة وأكرمه الله، لكن الله عزَّ وجل كان عالماً بخاطره فأكرمه وأعطاه، فجاء ليقيم هذا المسجد، وهناك إجراءات لابدَّ منها لبناء المسجد، فرأى من التسهيلات ما لا يوصف، وبنى المسجد، وقد صليت بهذا المسجد، وهذا يعني أن أي خاطرٍ يخطر في بالك، و أي نيةٍ تنعقد في نفسك، و أي طموحٍ تتمنَّاه هو في علم الله عزَّ وجل..

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾

هنيئاً لمن كانت سريرته كعلانيته، وسره كجهره، وباطنه كظاهره، لأنه عند الله مكشوف، فقد تخدع أناساً كثيرين إلى أمدٍ طويل، وقد تخدع أناساً قليلين إلى أمدٍ طويل، أما أن تخدع الله عزَّ وجل فهذا مستحيل..

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾

( سورة النساء: آية " 142 " )

كما أنك لن تستطيع أن تخدع نفسك، فتُعْطِيها قيمةً لا تستحقُّها هذا مستحيل، فقد قال تعالى:

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) ﴾

( سورة القيامة )

فموطن الثقل في هذا الدرس، هو هذه الآية:

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾

إن الله يعلم خيانة الإنسان وكذبه،

(( كفى بها خيانةً أن تحدِّث أخاك بحديث هو لك به مصدِّق وأنت له به كاذب ))

فخيانة الإنسان، وظلم الإنسان، و الكذب، و النفاق، والدَجَل، و الإيهام، و الاحتيال، و التدليس، هذا كله في علم الله عزَّ وجل.
الناس يوم القيامة نوعان:

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾

نحن في الدنيا لنا تقسيمات لا تُعَدُّ ولا تحصى، فهناك شرقٌ وغرب، شمالٌ وجنوب، و جهةٌ تؤمن بالفرد على حساب المجتمع، وجهةٌ تؤمن بالمجتمع على حساب الفرد، وهناك أناس من أعراقٍ مختلفة؛ أعراق سامية، أعراق آرية، أعراق أوروبية، كما أن هناك لغات مختلفة، وعادات و تقاليد و عقلية و مشارب و أنماط و أصول مختلفة، أما يوم القيامة فالناس نوعان:

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾

( سورة الحاقة )

إيتاء الكتاب باليمين دليل الفوز والنجاة، فالعرب كانت تتبارك باليمين، بل إن هناك بعض التقاليد الجاهلية ترى أنه إذا طار طائرٌ عن يمين إنسان تفاءل، وإن طار عن شماله تشاءم، وهذا لا أصل له، لكن ورد في القرآن الكريم..
فرحة الفوز !!

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾

فهو دليل فوزه ونجاته..

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴾

اقرؤوا كتابي، فالإنسان حينما ينجح ويتفوَّق، يعطي جلاءه لكل من حوله ؛ ويقول: انظروا إلى الدرجات و المكافئات و التقدير و الامتياز و الثناء، فالإنسان يزهو بنجاحه وتفوِّقه، ونجاح الآخرة هو النجاح الذي يبعث على الفرح، فقد تجد أحياناً إنساناً يفرح بالدنيا، و فرحه بالدنيا ناتج عن ضيق أفقه، فهذه الدنيا من عرفها لم يفرح برخائها، وقد عَزَّى أحد إخوتنا الكرام بيتاً من بيوت دمشق، فقال لي: البيت مساحته سبعمائة متر، و فيه من التزينات ما لا يصدقه العقل، و كل شيءٍ في البيت من أعلى مستوى، فهو مزودٌ بكل ما يطرب له الإنسان، قال: وأنا في التعزية قلت: أين صاحب البيت ؟؟ لقد مضى.. فهذا الذي يؤخذ منك عند الموت ليس عطاءً، لذلك وصفت الدنيا بأنها..

(( من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبة، فجعل الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

يقول الإمام عليٌ رضي الله عنه: " الغنى والفقر بعد العرض على الله "
يجب أن تعتقد أن الذي أنت فيه في الدنيا لا يسمى عطاءً،

(( لو أن الدنيا تَعْدِلُ عند الله جناح بعوضة ما سقا الكافر منها شربة ماء ))

و الله عزَّ وجل يقول:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ(20) ﴾

( سورة الحاقة )

كلمة: ( ظن ) إذا قالها مؤمن فهي اليقين، وإذا قالها الكافر فهي الشك.

﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ ﴾

أي: أيقنت.

﴿ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾

أيها الإخوة... وقفة متأنِّية، هذه الآية تشير إلى أن الذي ينجو من عذاب الله هو الذي يخافه فقط، لا تقل: ضمير، ما معنى الضمير؟ لا تقل: رادع، قل: الذي يخاف الله عزَّ وجل هو الذي ينجو من عذابه في الدنيا والآخرة، و ما سبب نجاة هذا الإنسان الذي أوتي كتابيه بيمينه ؟.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴾

سبب النجاة أنه قال:

﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾

إن أردت قاعدةً ذهبية تُعينك على طاعة الله، وعلى ضبط أمورك، فتمثّل هذه القاعدة: قبل أن تقول كلمة، وقبل أن تُعطي أو تأخذ، قبل أن تبتسم أو تتجَهَّم، قبل أن تغضب أوترضى، قبل أن تخضع، قبل أن تصل، قبل أن تحسن، قبل أن تعفو، هيِّئ لربك جواباً.

﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾

قال لي أخٌ كريم مرةً: إنه استطاع أن يحوز أرضاً عن طريق مناقصةٍ وهميةٍ تمثيلية، فجاء بأشخاص عديدين، ودخلوا في المزايدة، ورست المزايدة على سعرٍ قليلٍ جداً بالنسبة إلى ثمن الأرض، وهناك أيتام يملكون هذه الأرض وأرامل، فلمَّا ذكر لي ذلك، قلت له: كيف تواجه الله يوم القيامة ؟ إن هذا مقياس دقيق، فقبل أن تأخذ ما ليس لك، وقبل أن تعطي، وقبل أن تحابي، قوبل أن تظلم، و قبل أن تستغل، و قبل تغتصب، و قبل أن تفعل شيئاً لا يُرضي الله اسأل نفسك هل هيَّأت لله جواباً ؟.
مرة سألني أخ، وهو يعمل في التموين قال لي: ماذا أفعل؟ قلت له: افعل ما تشاء، اكتب (الضبوط) كما تشاء، أدخل الناس إلى السجن كما تشاء.. فنظر إلي هكذا مستغرباً ما هذا الكلام !!.. قلت: ولكن إذا كنت بطلاً فهيِّئ لربك جواباً عن كل شيءٍ تفعله، فإذا كان هناك إنسان يؤذي المسلمين في طعامهم فيجب أن توقفه عند حده، وإذا كان هناك إنسان يطعم الناس طعاماً فاسداً، أو لحماً فاسداً فيجب أن توقفه عند حده، وذلك لأن علاقتك مع الله، لا مع عبد الله، فهيِّئ لربك جواباً.
وأنا أقول لكم أيها الإخوة وأقول لنفسي أيضاً: قبل أن تفعل شيئاً، قبل أن تعطي، قبل أن تمنع، قبل أن تغضب، قبل أن ترضى، قبل أن تتساهل، قبل أن تتشدد، قبل تُطَلِّق، قبل أن تتزوج، قبل أن تحرم، قبل أن تمنع، قبل أن تذهب إلى هذه النزهة، قبل أن تجلس مع هؤلاء في سهرة، قبل أن تفعل شيئاً هيئ لله جواباً، لأن يوم الحساب يوماً آتٍ..

﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) ﴾

عيشةٍ مرضيٍ عنها، وعيشةٍ ترضى عنك أيضاً ؛ ترضى عنك فلا تذهب عنك، وترضى عنها فلا تَمَلُّها..
عيشة راضية !!

﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾

(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر))

حتى إن الذي يطيب لنا في الدنيا ليس بينه وبين ما في الجنة من شبهٌ إلا الاسم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر))

قال تعالى:

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22) ﴾

( سورة الحاقة )

فيها من الحور العين، وفيها من الولدان المخلَّدين، وفيها ما تلذُّ الأعين وتشتهيه الأنفس، فيها من كل فاكهةٍ زوجان، و فيها من كل شيءٍ يُسعد الإنسان إلى أبد الآبدين، لا تقدم في السن، ولا مرض، ولا كِبَر، ولا حسد، ولا قلق، ولا شيءٍ مما يؤذي الإنسان في الدنيا، وفوق هذا قد ينظُر المؤمن إلى الله عزَّ وجل يوم القيامة فيغيب خمسين ألف سنة من نشوة النظرة..

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

( سورة يونس: آية " 26 " )

الزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، وفوق ذلك..

﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

( التوبة: آية " 72 " )

هذه الجنة التي يزهد بها الناس ويسعون إلى جناتٍ في الدنيا، وهذه الجنات الدنيوية ما إن تكتمل حتى يأتي ملك الموت فيقول: تفضل، الآن ؟ الدنيا تغر وتضر وتمر، الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له، فالذي يضع كل آماله في الدنيا مقامر لأنه قد يخسرها في ثانيةٍ واحدة، وكم سمعنا عن أناس يملكون عشرات ألوف الملايين، وماتوا في ثوانٍ معدودات، بحادث، فهناك إنسان أحياناً يسعى لتجارةٍ عريضة، ويخسر كل ما يملك في ثانيةٍ واحدة، فلذلك أمرنا الله عزَّ وجل أن نسعى إلى الآخرة..

﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) ﴾

بمعنى أنَّك مُضَّجع تأكل من ثمارها، وإن كنت قاعداً تأكل من ثمارها، وإن كنت واقفاً تأكل من ثمارها، ففيها راحة إلى درجة غير معقولة، كيفما أردت.

﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾

هي دانيةٌ منك..

﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

هذه أيام الدنيا هي أيام بذل المال و غض البصر و البعد عن الفتن و البدع التي جاؤوا بها إلينا كي نسهر إلى ساعة متأخرة من الليل في معصية الله عزَّ وجل، فقبل أن نجلس، وقبل أن نستمتع، وقبل أن نفعل ما يفعله معظم الناس، هل فكَّرنا في هذا اليوم ؟.

﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

صلاة الليل، صلاة الفجر في المسجد، تلاوة القرآن، حضور مجلس العلم، تربية الأولاد، خدمة الزوجة، إنصافك من نفسك، الدعوة إلى الله، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، هذه الأعمال الطيِّبة تجد ثمرتها يوم القيامة..

﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

إخواننا الكرام... إن الإنسان حينما يدرس في الدنيا ويتعب تعباً شديداً ثم ينجح، ينسى كل تعبه لحظة النجاح، و هذه الدنيا التي مرَّت تمر كلمح البصر، تذهب منها متاعب الطاعات وتبقى ثمارها، وتذهب لذائذ المعاصي وتبقى تبعاتُها، لذلك يقول الله عزَّ وجل:

﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

أي: الأيام السابقة في الدنيا، و الدنيا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

((سجن المؤمن وجنة الكافر))

هناك ممنوعات و محرمات، هناك أشياء أنت ممنوع من أن تشربها أو تأكلها أو تنظر إليها، وهناك أوامر ونواه و حقوق و واجبات و مسؤوليات و تبعات، وعليك واجب نحو الله عزَّ وجل، و واجب نحو أمك وأبيك، و واجب نحو زوجتك، و واجب نحو أولادك، وواجب نحو من تتعامل معهم.
ندم الخسران..

﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) ﴾

لأنه شيء مخز، فيه فضائح و أعمال سيئة، و معاص، و آثام، وهذا الكتاب ينطق عليه بكل ما فعل.

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) ﴾

( سورة الحاقة )

الموت للكافر أهون من أي شيءٍ بعده، والموت للمؤمن أصعب من كل شيء بعده، فبعده سعادة أبدية، أما ما يعانيه الكافر حينما يموت، من سكرات الموت فهي أهون شيءٍ مما سيراه بعد الموت..

﴿ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴾

يا ليت الموت الذي متُّه كان قاضياً علي كلياً..

﴿ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ﴾

أين المال ؟

﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾

ماذا يفعل المال بعد الموت ؟ بالعكس قد يكون وبالاً على صاحبه، قد ينفقه أولاده في المعاصي والآثام، لقد جمعه وتعب به ودخل به النار.

﴿ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) ﴾

لقد فقد مكانته و وظيفته و شأنه و حُجَّتَهُ...

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾

ضعوا الأغلال في يديه..

﴿ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) ﴾

( سورة الحاقة )

قال بعض المفسرين: تدخل من فمه وتخرج من دُبُرِهِ، أو العكس..

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقة )

لأنه ما آمن بالله العظيم، وما استقام على أمره، و حينما لم يؤمن بالله العظيم تفلَّت من منهجه، ففعل ما يحلو له، فالإيمان بالله من ثمار الطاعة، والطاعة من ثمار السلامة، والسلامة تنتهي إلى الجنة، آمنت فانضبطت، فسلمت، فسعدت، يمكن أن نقول: الناس رجلان: متصلٌ بالله، منضبطٌ بأمره، محسنٌ إلى خلقه، فهو سعيدٌ في دنياه وأخراه، وإنسان مقطوع عن الله، ما آمن بالله العظيم، و تفلَّت من منهجه، و أساء إلى خلقه، فهو شقي في الدنيا والآخرة..

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

وفضلاً عن كفره كان يحارب الأعمال الصالحة.

﴿ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾

أي: لا يحضُّ على إطعام المسكين بل يُثبِّطٌ الهمم والعزائم..

﴿ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾

ليس له صديق، فالإنسان في الدنيا له أصدقاء و له أتباع، و له من يدافع عنه، و له من يتفقَّده، أما هنا...

﴿ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) ﴾

( سورة الحاقة )

كأنه قَيْح..

﴿ لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ ﴾

مصيران لا ثالث لهما:
أيها الإخوة الكرام... هذان المشهدان من مشاهد يوم القيامة ؛ رجلان، رجل قال:

﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾

ورجل قال:

﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾

رجل:

﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾

ورجل:

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)ُ﴾

أي أن لا توجد حالة وسط، ففي الدنيا قد نجد إنساناً بوضع غير جيد وغير سيئ، أما في الآخرة فلا يوجد..

(( فوالذي نفس محمدٍ بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار))

إما في جنةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفدُ عذابها، إما في نعيمٍ مقيم

﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾

وإما " الأغلال في أعناقهم يُسْحَبون إلى النار"، فما في حل وسط، إما في قمم السعادة أو في دركات النار، فلذلك: إذا آمنت بالله العظيم طبَّقت منهجه القوي فسلمت وسعدت، وإن لم تؤمن بالله العظيم تفلّتت من هذا المنهج القويم فشقيت وأشقيت.
إخواننا الكرام... من المناسب أن نعيد قراءة هذه المشاهد في البيت، وأن نذكُر ما قيل حولها لأن هذه السورة سورة الحاقة سورةٌ مباركة، تذكِّر الإنسان بهذه المشاهد وهذه النهايات التي لابدَّ منها، وكلنا على هذا الطريق سائرون، و ما منا واحد إلا وسيكون في أحد هذين المشهدين، ما في حالة ثالثة، في بالدنيا واحد درس، وواحد لم ديرس، و الذي لم يدرس هو (عايش)، (ماشي الحال)، أما في الآخرة فلا يوجد شيء من هذا، فإما أن تكون قد آمنت بالله العظيم وتبعته، فأنت في سلامةٌ وسعادة إلى أبد الآبدين، وإما أنك لم تؤمن، فمن لوازم عدم الإيمان التفلت والمعصية والانحراف والعدوان، ثم شقاءٌ إلى أبد الآبدين، فلذلك: هنيئاً لمن اتعظ في الدنيا قبل الآخرة، و هنيئاً لمن قال: الله ربي قبل أن يقول:

﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾

( سورة الفجر )

فساعات الندم تعتصر القلب، وربنا عزَّ وجل كأنه قد ذكر لنا ما سيكون كي نقف الموقف المناسب، و هذه السورة بين أيديكم، وهذان المشهدان الصارخان الدَّالان على نهاية الإنسان الحتمية ؛ إما مع هؤلاء وإما مع هؤلاء.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018