الدرس : 2 - سورة المعارج - تفسير الآيات 5-18 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة المعارج - تفسير الآيات 5-18


1997-07-25

 مشاهد من يوم القيامة
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الثاني من سورة المعارج، ومع الآية الثامنة وهي قوله تعالى:

﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾

 ضيق أفق الكافرين:
 إن هؤلاء الكفار المُعرِضين، العُصَاة، المنغمسين في ملذَّاتهم المحرَّمة يرون هذا اليوم بعيداً لأنهم لا يؤمنون به، ومعنى بعيد: أنه لن يأتي، فهو في رأيهم بعيدٌ عن الواقع و غير صحيح، إنهم يرونه: علام تعود هذه الهاء ؟ قال تعالى:

﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾

( سورة المعاج )

 هذا اليوم طويلٌ جداً على أهل المعصية والعدوان..

﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ ﴾

 وأرواح المؤمنين و نفوسهم تعرج إلى بارئها لتُحَاسب في يومٍ طويلٍ جداً..

﴿ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾

 فاصبر يا محمد على تكذيبهم صبراً جميلاً..

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ﴾

 كل آتٍ قريب:
 الهاء تعود على يوم القيامة، يوم الدينونة، يوم الحساب و الجزاء و تسوية الحسابات، يوم أن يؤخذ للمظلوم من الظالم، ومن القوي للضعيف، ومن المقهور لمن قَهَرَه..

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) ﴾

 أيها الإخوة الكرام... لقد زرت قبل أسبوع بلدةً عملت فيها مدرِّساً قبل ثلاثين عاماً، وأنا في الطريق تذكرت كيف مضت هذه الثلاثون عاماً ؟ لقد مضت كلمح البصر، وقد كنت مرَّة في حفل، فقام خطيب في الحفل وذكَّرني أنه كان تلميذاً لي قبل أربعين عاماً.. فقلت: سبحان الله كيف مضت هذه الأعوام الأربعون ؟ والأربعون، والخمسون، والعشرون والعشرة.. كلها تمضي سراعاً..

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) ﴾

 " كل متوقعٍ آت وكل آتٍ قريب " فنحن الآن في الصيف، وسريعاً ما يمضي الصيف ويأتي الشتاء، وإذا دخلنا في الشتاء، فإنه سريعاً ما يمضي ويأتي الربيع، فندخل في الربيع، وسريعاً ما يمضي الربيع ويأتي الصيف، وإذا دخلنا في أول العام انقضت الأشهر سريعاً ليأتي العام الثاني، وما إن ندخل رمضان حتى ينتهي ويأتي رمضان الثاني.. فالزمن يجري.. وهؤلاء المكذِّبون الكفَّر المنغمسون في الشهوات يرون يوم الدينونة بعيداً، وهو يوم تسوية الحسابات الذي يُحَاسب فيه الإنسان عن أعماله صغيرها وكبيرها.
 قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

( سورة الزلزلة )

 يوم يحاسب فيه المرء على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، و كل بسمةٍ، وكل عَبوسٍ، وكل عطاءٍ، وكل منعٍ، وكل صلةٍ،وكل قطيعةٍ، وكل كلمةٍ ؛ هل هي قاسيةٍ أو حاميةٍ أو رحيمةٍ أو منصفةٍ، كما يحاسب على كل صلةٍ و زيارةٍ و سفرٍ و إقامةٍ و حفلةٍ، فكُلُّ شيءٍ تفعله مسجلٌ عليك وسوف تُحاسب عنه..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر )

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ﴾

﴿ َيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾

( سورة المؤمنون )

 فالمسافة بين حياة الإنسان وبين أن يكون تحت سطح الأرض تقدر بثوان، فقد يفقد حياته فجأةً، وفي ساعات معدودة يُصبِح تحت أطباق الثرى.
 لقد ذهبت مرَّةً إلى تعزية وسألت عن المتوفى فقيل لي: إن عمره خمسةٌ وخمسون عاماً، وقد ترك مبلغاً فَلكياً، فكيف مات ؟ لقد مات في الفندق ؛ جاءته سكتةٌ دماغية فأنهته بثوان، وفي ذهنه آمال لا تنقضي بعشرين ولا بثلاثين عاماً..

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) ﴾

 ما من إنسان توفَّاه الله إلا وجاءته الوفاة حسماً لآمالٍ طويلة، وقد رسم النبي عليه الصلاة والسلام على الرمل مستطيلاً بقضيبٍ بيده، ورسم خطاً داخل المستطيل، ثم مدَّده إلى خارج المستطيل بمسافةٍ طويلة، فأشار إلى المستطيل بأن هذا أجل الإنسان، وأما الخط الممدَّد إلى ما بعد المستقيم فقال عنه: وهذا أمله. وقال بعض العلماء أن الأمل يُهْلِك الإنسان، أي أنه يتأمَّل أن يعيش سنواتٍ طويلة جداً وقد تكون أكفانه نُسِجت وهو لا يدري.
 مرَّة حدثني أخ فقال: هناك رجل يريد أن يكسو بيته، فحيّر المهندسين ماذا يفعل بالتدفئة المركزية ؛ أيجعل تمديداتها خارجاً ؟ أم يجعلها داخل الجدران ؟ و بقي في حيرةٍ ستة أشهر، فإن جعلها من الخارج أَعطت فاعليةً أكبر لكن منظرها غير أنيق، وإن جعلها من الداخل فلعلَّها تتعطَّل فيضطرَّ إلى تكسير البلاط، فمرت ستّة أشهر وهو يضع حساباته ماذا يفعل ؟ ثم اهتدى إلى الحل الآتي، فقال: يجعلها داخليةً، و حينما تفسد بعد عشرين عاماً يجعلها خارجية ولا يكسِّر البلاط.. وكأنه ضامن لأن يعيش عشرين سنة بعد هذا العمر.. فكم من إنسان انتهى من كسوة البيت فانتهى أجله، و كم من إنسان أنهى دراسته وانتهى مع إنهاء دراسته أجله، و كم من إنسان نال شهادةً ولم يستخدمها، واشترى بيتاً ولم يسكنه، وكم من شابٍ مات في ليلة عرسه.. أعرف شاباً مهندساً وقد كان متفوِّقاً جداً، وأراد الزواج فهيؤوا لحفلة العرس أوزاناً من الحلوى لا يمكن أن تًصدَّق، وفي أحد المشاريع مدَّ رأسه من النافذة ليتفقَّد شيئاً فوقع فوق رأسه قطعة صُلبة قتلته فوراً، فوزِّعت كل هذه الحلوى يوم وفاته أثناء التعزية.. وهناك قصص كثيرة جداً من هذا القبيل ؛ فهناك من يُسافر فلا يعود، ويأتي إلى بلدٍ فلا يرجع إليها، ويعقد قِرانه فلا يدخل، وينال شهادةً فلا يستمتع بها، ويبني بيتاً فلا يسكنه.
 حدثني أخ عن رجل اشترى بيتين متصلين في طابقٍ واحد، وأمضى سنتين كاملتين في كسوتهما، وبعد أن انتهت الكسوة بأسبوعٍ واحد انتهى أجله..

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) ﴾

 أيها الإخوة... إن المؤمن الصادق يجب أن يكون مستعداً لمغادرة الدنيا في أية لحظة والدليل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

( سورة آل عمران )

 أي لا يأتينَّكم الموت إلا وأنتم مستسلمون لأمر الله عزَّ وجل، خاضعون له..

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) ﴾

 فلا يوجد إنسان يموت إلا وكانت في مذكِّراته أعمال لا تنقضي بعامين أو بعشرة أعوام ؛ مشاريع وخطط، وطموحات، وشركات، وعقود، ومنجزات، فيأتي الموت فيهدِم اللَّذات، ويفرِّق الأحباب، ويشتت الجماعات.. " عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به "..
 إخواننا الكرام... بعضهم يقول: إن ذكر الموت فيه تشاؤم، لكن الموت فيه معنى إيجابي، فإذا كنت على طريق فأنت معرَّضٌ لخطرين ؛ خطر التوقف والتعطُّل، وخطر الانزلاق، فالتفكُّر بالموت يحول بينك وبين الانزلاق وبين الوقوف، فأنت متحرِّك، والموت يدفعك إلى طاعة الله والعمل الصالح وإنفاق المال و تلاوة القرآن و طلب العلم و الذكر، والموت يمنعك أن تعصي الله عزَّ وجل، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( أكثِروا ذكرَ هادم اللذَّات ))

 فلم يقل: اذكروا، بل قال: أكثِروا، فالأمر لا ينصبُّ على الذكر بل ينصبُّ على كثرة الذكر، فما الذي يمنع أن يسأل الإنسان نفسه: هل بقي لي بقدر ما مضى؟ إنه سؤال صعب، ولكن ليتصوّر أحدنا أنه مات، ماذا سيكون بعد موته ؟ هل يباع بيته ؟ هل تتزوج امرأته ؟ هل ينضبط أولاده أم يتفرَّقون ؟ هل يجتمعون أم يتنافسون ؟ ماذا سيحصل ؟ و هذه الأشياء التي يقتنيها من سيأخُذها ويستخدمها ؟ وماذا سيكون ؟

 

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوماً على آلةٍ حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنازةً..
فاعلم بأنك بعدك محمـولُ
* * *

 هناك رجل ورِث من رجل مبلغاً ضخماً جداً يزيد عن تسعين مليون، ولكن هذا المبلغ لا يحصَّل إلا بمعاملات طويلة جداً، فترك عمله، وترك متجره وشمَّر وانطلق من دائرة إلى دائرة، ومن مكان إلى مكان، ومن ورقة إلى ورقة، ومن وثيقة إلى وثيقة، ومن براءة ذمَّة إلى براءة ذمَّة من أجل أن يحصِّل هذا المبلغ الكبير، وجاءته المَنِيَّة قبل أن يقبض درهماً واحداً..

 

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) ﴾

 سبحان الله.. إنه شيء يحيّر، فهناك إنسان يُلقى على الفراش ثلاثين عاماً، وإنسان يُخطَف بثانية واحدة وهو سليم لا يشكو من شيء على الإطلاق، فهناك رجل قبل بيوم من وفاته أجرى تخطيط قلب وتبين أن لا شيء فيه، كما أجرى (إيكو) فتبين ألا شيء فيه، فاطمأن..

﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ﴾

( سورة الجمعة: آية " 8 " )

 والإنسان أحياناً يفر من عدوٍ يتبعه، وكم تكون المفاجأة صاعقة لو رأى عدوه أمامه في الاتجاه المُعاكِس ؟ وهذه الآية دقيقة جداً أيها الإخوة:

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ﴾

 الذي أهلك الكافر هو طول الأمل، فقد يكون على مشارف الموت وهو يلعب بالنرد للساعة الثانية، وقد يكون على مشارف الموت وهو لا يصلي، أو يأكل المال الحرام، أو يعتدي على أعراض النفس، أو يسهر إلى الساعة الخامسة صباحاً على أقنية (المجاري) فينتقل من قناةٍ إلى قناة، وعمره ستين سنة وهو على وشك أن يغادر الدنيا..

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) ﴾

 ما النذير ؟؟
 قال تعالى:

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

( سورة فاطر: آية " 37 " )

 ما النذير ؟ قيل: هو الشيب..

 

(( عبدي كبرت سنك، وانحنى ظهرك، وضعُف بصرك، وشاب شعرك فاستحيي منّي فأنا أستحي منك))

 

 إلى متى أنت باللذاتِ مشغولُ  وأنت عن كلِ ما قدَّمت مسؤولُ

 الشيب نذير، وسنّ الأربعين نذير، المصائب نذير، وموت الأقارب نذير..

 

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

 افتراض:
 وعلامة المؤمن أنه يرى أجله قريباً و مجهِّزاً، وقد ضربت مرَّة مثلاً، وهو افتراضي وغير واقعي، ولكن قصدت منه فكرة دقيقة جداً فقلت: افترض أن هناك بطاقة الطائرة إلى أمريكا بخمسمائة ألف، وقد قصدت هنا مضاعفة المبلغ خمس مرَّات، فجعلته خمسمائة ألف ؛ أي: نصف مليون، وافترض أنَّك إن لم تسافر فلن تأخذ قيمتها إطلاقاً ؛ أي: إنها ستضيع عليك.. وهذا افتراض ثان.. فأول افتراض هو مضاعفة قيمة البطاقة خمسة مرَّات، والافتراض الثاني هو أنك إن لم تسافر و تصعد إلى الطائرة خسرت قيمة البطاقة، وافترض أن الشركة الناقلة هي التي تأخذك من البيت، وأنها تأتي في حدود عشر ساعات ؛ أي من الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساءً، وأنها لا تنتظر إلا دقيقةً واحدة، والشركة الناقلة هي التي تأخذك من البيت، وتأتيك من الساعة الثامنة وحتى الساعة الثامنة مساءً..وأنت لا تدري متى تأتي، وهي لا تنتظر إلا دقيقة واحدة، فماذا تفعل أنت من أجل مبلغ خمسمائة ألف ؟ إنك تقف وراء الباب من الساعة الثامنة صباحاً، تقف مع المحفظة، وكل شيء جاهز، لأنك إن لم تكن جاهزاً فالقضية خطيرة جداً، و هذا معنى قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

( سورة آل عمران )

 الموت ليس بيدي يا رب بل بيدك، فإذا كان ليس بيدك فمعنى ذلك أنه ينبغي أن تكون مستعداً له دائماً ؛ بأداء الحقوق، بالتوبة الكاملة، والعمل الصالح، وأداء الصلوات، وإنفاق زكاة المال، وهذا الاستعداد سببه أن الموت قريب، وإنك قد تجد شخصاً مِلء السمع والبصر فيصبح فجأةً خبراً، وقد كان رجلاً فصار خبراً على الجُدران، وكان رجل يركب الدرجة الأولى في الطائرة وتُقدَّم له أنواع الطعام من الشراب و الشاي و القهوة و أنواع الأطعمة الساخنة و المجلاَّت والجرائد، فيرجع بصندوق على أنه بضاعة وتوجد معه أوراق تخليص، فنحتاج إلى موظف جمركي ليخلِّص هذا الطرد، لقد كان رجلاً فصار بضاعةً !!
 لقد ركبت مرَّة في الطائرة إلى المغرب، فانتظرنا في تونس ساعة، فنظرت إلى مكان البضاعة فخرج فجأةً نعش عليه اسم صاحبه.. سبحان الله.. هذا الرجل جاء بالطائرة وعاد بضاعةً..

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) ﴾

 إخواننا الكرام... لا تتشاءموا لأن التفكّر بالموت صحَّة نفسية، فأَكْثِر من ذكره لأن هذا الموت ما ذُكِر في كثيرٍ إلا قلَّله، ولا في قليلٍ إلا كثَّره.. وله مفعول عكسي.. فإذا كنت في غنىً فاحش فلن تأخذ معك شيئاً مما تملكه إلا الكفن، وإذا كنت في فقرٍ مدقع وكنت مستقيماً على أمر الله فالموت بداية الغنى المطلَق، " الغنى والفقر بعد العرض على الله ".
 المهل:

﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) ﴾

( سورة المعارج )

 قيل: المُهل ما أذِيّب من الرصاص، والنحاس، والفضَّة، و المعادن المُذابة، و قال علماء الفلك: " الكواكب الآن عبارة عن معادن منصهرة و متبخِّرة ". فهي غازات معادن، والعُنْصر حينما تسخِّنه ينتقل من حالة الصلابة إلى حالة اللزوجة، إلى الميوعة، إلى الحالة الغازية، فأكثر الكواكب في السماء عبارة عن غازات منصهرة ومتبخِّرة، وقد قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾

( سورة التكوير )

 ومعنى (انكدرت ) ؛ أي: انطفأت و عادت إلى سيولتها..

﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾

 فالسماء معادن مذابة كدرة ليس لها لونٌ صافٍ، وقال بعض العلماء: " كالمُهل ؛أي: قيحٌ من دمٍ وصديد "، وكالمهل: المعادن المذابة ". ويوجد تفسير ثالث: " المهل أي درديُّ الزيت وعَكَرُه ". فهو إما زيت أو قطران يغلي، أو معادن مُنصهرة، أو قيحٌ من دمٍ ومصلٍ، هذا هو وضع السماء..

﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) ﴾

( سورة المعارج )

 العهن:
 الصوف المنتوف، فالجبل شامخ و الصخر القاسي يصبح كصوفٍ منتوف لا وزن له، أي أن هذه الجبال تلين بعد الشدة وتتفرَّق بعد التجمُّع، أو تصير رملاً مهيلاً، ثم عهناً منفوشاً، ثم هباءً منبثاً.. فمن من صخورٍ صمَّاء، إلى رملٍ و عهنٍ و هباء، ففي يوم القيامة يوجد تبدُّل جذري.
 لكل امرئ شأن يغنيه..
 قال تعالى:

﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾

( سورة المعارج )

﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾

( سورة عبس )

 قد تقع عين الابن على أمه، و قد تقع عين الأم على ابنها فتقول له: يا بني جعلت لك صدري سقاءً، وبطني وعاءً، وحجري وطاءً فهل من حسنةٍ يعود عليَّ خيرها اليوم ؟ فيقول لها: ليتني أستطيع ذلك يا أماه إنني أشكو مما أنت منه تشكين. لذلك يبين ربنا عزَّ وجل في آياتٍ كثيرة هذه الحقيقة، أي: يوم لا يسأل قريبٌ قريبه، ولا صديقٌ صديقه، ولا ذو نسبٍ نسيبه من شدة الهول، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه قال:

 

((أن الناس يحشَرون حفاة عُراه غُرَلاًَ ))

 أي غير متطهرين (من الطهور وهو الختان ) تقول السيدة عائشة: يا رسول الله أيرى بعضنا بعضاً هكذا ؟ يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( يا أمَّ المؤمنين الأمر أفظع من أن يعنيهم ذلك ))

 وذلك لشدة الهول، فإذا كان الإنسان محكوماً بالإعدام، وسيق إلى حبل المشنقة، ورأى امرأةً تلفت النظر بثيابها الفاضحة فهل يفكِّر في جمالها ؟ إطلاقاً، إطلاقاً، إنه لا يراها إطلاقاً، فهناك شيءٌ ينسيه كل شيء..

 

﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾

 

( سورة المعارج: آية " 5 " )

 أي لا يسأل القريب قريبه عن حاله وهو يراه في أسوأ حال، و الإنسان الصحيح إذا عاد مريضاً فإنه يسأله عن صحته، وعن الطبيب الذي عالجك والدواء الذي وصفه، وعن الآلام التي تشكو منها، وذلك لأن السائل مرتاح تماماً، فتراه يسأل، وقد يقع الإنسان أحياناً بمصيبة فيفقد ماله كله، فتجد السائل يسأل: متى صودر ؟ ولماذا ؟ وما المخالفة ؟ ومن فعل هذا؟ ويبحث عن إجابة، فهناك فضول، أما حينما يكون السائل في مصيبةٍ كمصيبة المسؤول فإنك تجد هذا ساكتاً وهذا ساكتاً..

﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾

 قال: لا يسأل القريب قريبه عن حاله وهو يراه في أسوأ حال تشغله نفسه عن غيره، و قال بعضهم: " يعرف بعضهم بعضاً ويتعارفون ثم يفرُّ بعضهم من بعض ". أي أنه يراه كما لو أن أناس اتفقوا على سرقة، فهم يعرفون بعضهم بعضاً جيداً، أما حينما يُلقى القبض عليهم فلا يتمنى الواحد منهم أن ينظر إلى الآخر.. وهذا المعنى الثاني.. و ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾

( سورة عبس )

 كل واحدٍ مشغولٌ بشأنه الخاص..

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

( سورة لقمان: آية " 33 " )

 لا الأب يُسأل عن ابنه، ولا الابن يُسأل عن أبيه..

﴿ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾

( سورة فاطر: آية " 18 " )

 نحن لا نزال في الدنيا، وإذا تورَّط الآن إنسان في مخالفة كبيرة جداً مخالفة للقوانين النافذة فقد يعاقب بعشرين سنة في سجن، فمن يتبرَّع أن يدخل مكانه السجن ؟ هذا مستحيل، فإذا وقع إنسان في الدنيا يقول لك أقرب الناس إليه: تورَّط، غلط، الله يصلحه، ثم لا يتكلَّم كلمة، فهو غير مستعد لأن يدافع عنه بكلمة، ويوجد في الدنيا علاقات وصلات، وتجمعات وقرابات، ونسب ومصالح، وشركات، وأصدقاء، ومع كل هذه التجمُّعات يتخلَّى كلٍ منهم عن صاحبه، فكيف بالآخرة حينما نأتي ربنا فُرَادى لا مجتمعين ؟

 

 

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾

 

 

( سورة المؤمنون )

 هناك علاقات النسب في الدنيا، فيقال لك: هذا ابني، وهذا أبي، وهذه أمي، وهذه أختي، وهذا زوج ابنتي، هذه في الدنيا..

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾

﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ(37)﴾

( سورة عبس )

﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (14)﴾

( سورة المعارج )

 أيها الإخوة..قال تعالى:

﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾

 فكل إنسان مشغول بمصيبته، و كل إنسان مشغول بهمّه.
 " يبصّرونهم ":
 أيها الإخوة... في درسنا هذا كلمة ينخلع لها القلب وهي قوله تعالى:

﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾

 

 إن الله عزَّ وجل يُري المؤمن مصير الكافر ليتحقق المؤمن من عدالة الله، فأسماء الله كلُّها محققةٌ في الدنيا إلا اسم العدل، وهذا الاسم يتحقق في الدار الآخرة، فالذي ظُلِم يرى ظالمه، والذي أُخِذ ماله ظلماً يرى الذي أخذ ماله ظلماً، والذي قُهِر يرى الذي قهره أين مصيره، والذي عُذِب يرى مصير الذي عَذَّبه، فكل إنسان مظلوم لابدَّ في هذا اليوم أن يرى ظالمه، وأن يرى مكانه، ن كيف يُعذَّب و يُقتصّ منه..

﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾

 شيءٌ آخر أيها الإخوة... قيل في معنى يبصَّرونهم: ليس في القِيامة مخلوقٌ إلا وهو نُصْبُ عين صاحبٍ له من الجن والإنس، فيبصر الرجل أباه، وأخاه، وقرابته وعشيرته، ولا يسأله ولا يكلمه لاشتغالهم بأنفسهم، فيتعارفون ساعةً من نهار ثم لا يتعرفون بعد تلك الساعة، و أهل يوم القيامة يفرّون من المعارف مخافة المظالم، فأخطر ما في هذه الآية أن الإنسان يرى مكانه لو أنه لم يطع الله عزَّ وجل، كما يرى مكان الذي عصى الله عزَّ وجل، و في الدنيا يوجد قلق دائم..قال تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً(104)﴾

( سورة الكهف )

 أحياناً ترى إنساناً فاجراً كافراً منحرفاً بذيئاً منحرف الأخلاق، ويعتدي على أعراض الناس.
 أيها الإخوة... جاء في بعض التفاسير أن معنى قوله تعالى:

﴿ يُبَصَّرونَهُمْ ﴾

 أي: يُبْصِرُ المظلوم ظالمه، ويُبْصِر المقتول قاتله،و يُبْصِر كل ذي حقٍ الذي أكل حقَّه، وتشتفي نفسه حينما يرى عدل الله مطلقاً قائماً في كل شيء، الآن:

﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾

( سورة المعارج: آية " 11 " )

 يود ذلك الإنسان الذي أجرم في حق نفسه، وغفل عن الله و انغمس في الشهوات و عصى الله عزَّ وجل:

﴿ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾

 هناك من الإخوة الكرام من لديه أولاد صغار في السنوات الأولى ؛ كسن السنتين، والثلاثة، إن كلام الطفل في هذا العمر يعزف على أوتار قلب الأبِ والأُم، كذلك منظر وجهه الجميل و ملامحه اللطيفة و حركاته البريئة و عذوبة حديثه و حركاته، هذا الطفل كما قال عنه الأدباء: " فَلِذة الكَبِد ". (أطفالنا أكبادنا تمشي على الأرض)، و في مقياس المؤاثرة نقول أن الطفل الصغير هو أغلى شيءٍ على قلب والديه على الإطلاق، فربنا عزَّ وجل في آية الفداء قال:

﴿ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾

 

 فمع أن هذا الحب الجارف لهذا الابن الصغير وهو في أجمل أطوار حياته، يتمنَّى أبوه أن يضعه مكانه و ينجو من عذاب النار..

﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ ﴾

 زوجته التي عاش معها عُمُراً وسعِد بها يتمنَّى أن يلقيها في النار لينجو هو من هول عذاب الناب..

﴿ وَأَخِيهِ ﴾

 الذي ساعده في حياته، وكان كلما نابه أمر يقول: أخي، فيقوم أخوه ويمدَّه ويعينه ويدافع عنه..

﴿ وَفَصِيلَتِهِ ﴾

 الفصيلة ليست القبيلة، ولكنها أقل من القبيلة، وهي تعني أقرب الناس إليه ؛ أولاد عمومته، أولاد خالاته، جيرانه، زملاؤه في العمل.. خاصَّة نفسه.. هذه الفصيلة..

﴿ ي يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) ﴾

 ففي ميزان الحُب وتعلُّق القلب بمخلوق يقع الابن في المكان الأول، وفي ميزان المساعدة يكون الأخ في المقام الأول، و في ميزان الاعتزاز الاجتماعي يُعدُّ الأب في المقام الأول، وفي موضع الشهوة تُعَدّ المرأة في المكان الأول، فربنا عزَّ وجل في خمس آياتٍ قرآنية ذكر الأقرباء مرتَّبين، كل منهم مرتب حسب زاوية معينة..

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾

( سورة التوبة: آية " 34 " )

 بدأ بالأب لأن الأب موضع اعتزاز اجتماعي، فيقال لك: أنا ابن فلان، والدي فلان أما في موضع الشهوة فقد ذكر المرأة.
 وقد قال تعالى:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾

( سورة آل عمران: آية " 14 " )

 و في موضع المعاونة واللجوء والاستغاثة قال:

﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾

(سورة عبس )

 إذا كان أبوه كبير في السن، وابنه صغير، فمن الذي يعينه؟ إنه أخوه الذي هو في مستوى سنّه، ففي موطن المساعدة والاستغاثة والمعاونة ذكر الأخ، أما في موطن الأثرة والحب فقد ذكر الابن..
فدية من العذاب:

﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾

( سورة المعارج: آية " 11 " )

 وقد يقع الإنسان في الدنيا في ورطة، وكل ورطة لها ثمن يغطيها، فمن الممكن أن يدفع ألفاً و يتخلص بعد ذلك من هذه الورطة، وهناك ورطة يدفع المرء لها مائة ألف، وهناك ورطة ثانية بمليون، وهناك ورطة يدفع من أجلها عشرة ملايين، فإذا كان الأمر يتعلق بخمس سنوات سجن يقول لك: خذ عشرة وخلصني ؛ فكلما كبرت الورطة يكون الدفع أكبر، لكن الإنسان عندما يرى عذاب النار الأبدي يتمنَّى أن يضحي بابنه الذي هو فلذة كبده، وبزوجته التي صاحبها طوال عمره، وبأخيه الذي أعانه وساعده، وبفصيلته كلّها التي تؤويه وتعينه، فلو إنسان.. فرضاً.. دهس آخر، وكانت الديّة مائتا ألف، فمن يدفعها ؟ إنهم عاقلته، وهم أقرب الأقرباء إليه، فإنهم يتعاونون على دفعها، أما في الآخرة..

﴿ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ﴾

( سورة المعارج: آية " 14 " )

 فإنه يتمنَّى أن يضع خمسة آلاف مليون إنسان – وهم سكان الأرض الآن -جميعاً في النار لينجو وحده منها..

﴿ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ﴾

 ثم.. للاستبعاد..

﴿ ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾

 لا والله.. هناك شخص حصَّل مبلغاً قريباً من ألف مليون بالقِمار، و حينما كان شاباً كان يجمع هذه الأموال الطائلة، ويدير هذه المقامر العديدة، ويأتي بالأموال يضعها في خزانته، ويأكل ويشرب، وينتشي، ويركب المركبات، وقد كان غافلاً، فلما قَرُبَ أجله وكان على فِراش الموت عرف إلى أين هو ذاهب، فطلب أحد العلماء وقال: أنا معي مبلغ قريب من ثلاثمائة مليون ن فماذا أفعل ؟ فقسا عليه هذا العالم وكان محقَّاً، فقال: والله لو دفعتها كلّها لا تنجو من عذاب الله، لأن هذا الطريق صار مسدوداً.
 أيها الإخوة... إن البطل هو الذي لا يصل مع الله إلى طريقٍ مسدود، فليفعل الآن ما شاء ولكن.. عندما يأتي الأجل يجب عليه أن يجد طريقاً موصلاً إلى الله، فإذا قتل إنسان رجل وحكموه بالإعدام، و استؤنف الحكم، ثم مُيِّز، ثم أقرَّته محكمة النقض، ثم رُفِع إلى الرئاسة كي تصدقه، وصدقته، ثم سيق إلى المشنقة، فإذا أحب أن يضحك وهو أمام حبل المشنقة فليضحك، وإذا أحب أن يبكي فليبك، وإذا أحب أن يتوسل فليتوسل، وإذا أحب أن يتجلد فليتجلد، وإذا أحب أن يشتم فليشتم.. افعل ما شئت فلابدَّ من أن يُنَفذ الحكم، فهذا بدأ بابنه..

﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾

( سورة المعارج: آية " 11 " )

 فإن كان ابتنه لا يكفي، فإنه يتمنى أن يفتدي بزوجته..

﴿ وَصَاحِبَتِهِ ﴾

 لا يكفي..

﴿ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ﴾

 قال تعالى:

﴿ ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾

 هذا استفهام إنكاري ؛ أي: إن هذا لا ينجيك هذا..

﴿ كَلَّا ﴾

( سورة المعارج: آية " 15 " )

 أداة ردعٍ ونفي، فهذا كله لا يجديه شيئاً، و لا بدّ من أن يُعذَّب..
 نار لظى..

﴿ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى ﴾

 إذا كان هناك نار مشتعلة، ملتهبة، ونحن في الدنيا، فجرِّب وضع إصبعك على مدفأة مشتعلة، هل تحتمل ذلك ؟ إن آلام الحريق أيها الإخوة لا تُحتمل..

﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾

( سورة النساء: آية " 56 " )

 هذا عذاب أبدي..

﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾

( سورة الزخرف )

 سنوات وسنوات، ومصير آل فرعون:

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾

( سورة غافر: آية " 46 " )

 ستة آلاف عام، وكل عام ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، وكل يوم مرتين..

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾

 هذا كلام خالق الكون، وإننا -أيها الإخوة- إذا كنا أشخاص من جلدتنا وجنسنا و كانوا أقوياء وكانت تعليماتهم واضحة، وعندهم قدرة على كشف المخالفات، فإننا لا نستطيع أن نعصيهم وهم بشر من جلدتك، من بني جنسك لكنهم أقوى منك، وهم قادرون على أن يكشفوا المُخالفة ويوقعوا بك عقاباً أليماً، إنك لا تفكِّر إطلاقاً في أن تعصيهم، فكيف بخالق السماوات والأرض ؟

﴿ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى ﴾

 نارٌ ملتهبة..

﴿ نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ﴾

( سورة المعارج )

 تنزع جلد الوجه، ومكارم الوجه، و جلد الأعضاء، و كرامة الإنسان، فالإنسان حينما يُعذَّب يُهان، فهناك عذاب مهين، و عذاب أليم، و عذاب عظيم..

﴿ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) ﴾

 أي إنها تنزع جلد الرأس، فتصور إنساناً بلا جلد، بجمجمة فقط، هذا شيء مخيف، وتصور إنساناً بلا أعضاء، وقد احترقت معالم وجهه، هذه النار:

﴿ تَدْعُوا ﴾

( سورة المعارج: آية " 17 " )

 نحن في الدنيا نُدعى إلى الله، فنستجيب أو لا نستجيب، لكنه في الآخرة قال: النار تدعوا من أدبر في الدنيا عن طاعة الله وتولّى عن الإيمان، قال بعض العلماء: " تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم، بلسانٍ فصيح ". تعال أنت يا فلان ادخل، تعال أنت وادخل، النار، وقد شبَّهها ربنا عزَّ وجل بمخلوقٍ مدرك يخاطب هؤلاء الكفار والفجَّار بأسمائهم..

﴿ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) ﴾

 أي مشتعلة، متقدة تنزع جلد الوجه..

﴿ تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ﴾

 أو تقول: إليّ يا كافر، إليّ يا منافق، أو تلتقطهم كما يلتقط الطير الحَب، وقال بعض العلماء: " دعوتها لهم تمكينها من تعذيبهم أو أنها تلتقطهم كما يُلتقط الحَب، أو أنها تقول: إليّ يا كافر يا منافق، أو أنها تخاطبهم بأسمائهم واحداً واحداً "..

﴿ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) ﴾

 من أدبر عن الإيمان بالله وتولى أن يطيعه، الآن:

﴿ وَجَمَعَ فَأَوْعَى ﴾

( سورة المعارج )

 همُّه جمع المال و تخزينه، وهمُّه أن يزهو بين الناس، فحجمه المالي كذا، و رصيده في المصرف كذا، وقد ذهب إلى بلدٍ غريب بعيد وأنفق هذا المبلغ الكبير، و أقام عقد قِرانٍ في المكان الفلاني، ودفع ستين مليون، و فعل كذا، و قدَّم خاتماً هدية إلى زوجته بنصف مليون، و سافر إلى المكان الفلاني، ونزل في فندق كلَّفه في اليوم مائة ألف.. مثلاً.. وجمع المال وأنفقه، وتباهى بإنفاقه.. ثم:

﴿ فَأَوْعَى ﴾

 أي إنه خزن المال ولم ينفع به المسلمين..

﴿ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18) ﴾

 توجد مفارقة: الدعاة إلى الله يدعونك إلى الله وأنت حرّ فقد تستجيب أو لا تستجيب، والإنسان حينما لا يستجيب و يعصي و ينغمس في الملذَّات، يُدعى يوم القيامة إلى النار لكنه ليس مخيراً أن يستجيب أو أن لا يستجيب، فهذا الخيار كان في الدنيا، أما في الآخرة فأنت لست مخيراً..

﴿ تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18) ﴾

 وفي درسٍ آخر إن شاء الله نبدأ قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018