الدرس : 1 - سورة المعارج - تفسير الآيات 1-4 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة المعارج - تفسير الآيات 1-4


1997-07-18

 حتمية الحساب
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الأول من سورة المعارج:
 العذاب الواقع:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾

( سورة المعارج )

 إذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾

 فلا بدَّ للعذاب من أن يقع، والإنسان- أيها الإخوة مخيَّر، فالشهوات التي أمامه محسوسة، لكن عقابها خبر في القرآن الكريم، و الطاعات التي يتحمَّل من أجلها جهداً جزاؤها خبرٌ في القرآن الكريم، فلو أن الشهوات و الطاعات مع نتائجها كانت جميعاً محسوسة لما كان الإنسان مخيَّراً، بل إنه يصبح عندئذ مضطراً، والشيء الدقيق هو أن المؤمن سُمِّيَ مؤمناً لأنه يؤمن بالغيب، و يؤمن بجنةٍ لم يرها،لكن الله أخبره عنها، و يؤمن بنارٍ لم يذق حرَّها لكن الله أخبره عنها، فلو كانت الجنة و النار محسوستان كالشهوات التي بين أيدي الناس، لما اقترف إنسانٌ معصيةً، ولا رقي بطاعة لأنه في هذه الحالة يكون مضطراً.
 مثال:
 أوضح مثلاً على ذلك: ضع على طاولةٍ مبلغاً من المال، وليقف أمامه إنسان، ثم قل له: إن أخذته بغير حقٍ أطلقت عليك النار، فهل يأخذه ؟ إطلاقاً، وضع على طاولةً ثانية صندوقاً، وقل لإنسان: ادفع مائة ليرة وخذ ألفاً، إنك ستجد الناس جميعاً يقفون وراء بعضهم بعضاً ليأخذوا هذه الميزة، فلو أن نتائج الطاعة كانت محسوسة كمقدِّماتها، ولو أن نتائج المعصية كانت محسوسة.. حسِّية.. كأسبابها، لما عصى إنسانٌ ربَّه إطلاقاً ولما ارتقى بهذه الطاعة، إنها طاعةٌ اضطرارية، وأنت لا ترضى و لا ترقى عند الله عزَّ وجل إلا إذا آمنت به غيباً وأطعته على ثوابٍ أخبرك به، ولا ترقى إطلاقاً إلا إذا اجتنبت معصيته على عقابٍ أخبرك الله عنه، و لذلك كانت مشكلة غير المؤمن أنه يتعامل بحواسِّه، فما دام في صحة وبحبوحة، فهو قادر على أن يمارس كل نشاطات حياته، وتكون الشهوات التي بين يديه مستعرة فينغمس فيها، وينسى أن الله أوعد هؤلاء العصاة بعذابٍ شديد، بينما ربنا عزَّ وجل في هذه السورة يقول:

﴿ سَأَلَ سَائِلٌ ﴾

 إن هذه السورة مَكِّيَةٌ بإجماع العلماء..

﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾

 قد يقول الكافر أحياناً -لاستهزائه بحقائق الدين ولعدم تصديقه لكلام الله عزَّ وجل-: أين العذاب ؟ فليأت، وحينما يقول أحدٌ هذا الكلام يكون كتلة من الجهل، لأنه يقول ذلك لخالق الكون، فأنت لا تقول لإنسانٍ قوي يفعل ما يقول: افعل ما تريد، فهذا كلام فيه تحدّ، لكن الإنسان لجهله ولعدم معرفته أحياناً يستعجل عذاب ربِّه، فيقول: أين العذاب ؟ أين المرض ؟ أين الدمار ؟ نحن أقوياء، يقول لك: أنا قوي، وكأنَّه لن يموت، و لن يمرض، وكأنه يضمن ما هو فيه من شهواتٍ وموات.

﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ ﴾

 أي: التمسَ ملتمسٌ عذاباً للكافرين، هذا العذاب قال الله عنه:

﴿ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴾

( سورة المعارج )

 لو أن أهل الأرض كلَّهم و الإنس والجن اجتمعوا على أن يمنعوا عذاباً عن إنسان لا يستطيعون.
 قال عليه السلام:

 

((وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ))

 

[من سنن الترمذي: عن ابن عباس ]

 قال تعالى:

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

( سورة فاطر )

((لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

[من مسند أحمد: عن أبي الدرداء ]

 الخوف دليل العقل:
 أيها الإخوة الأكارم... إن الله جلَّ جلاله يبيِّن في هذه الآية أن العذاب الذي توعَّد به الكافرين واقعٌ لا محالة، وأن القضية هي قضية وقت فقط، فالعذابٌ واقعٌ بهم لا محالة مع وقف التنفيذ إلى أن يستكملوا أجلهم، فالإنسان المحكوم عليه بأن العذاب سوف يصبُّ عليه في الوقت الذي يراه الله مناسباً، لو عرف هذه الحقيقة لما نام الليل.
 يا أيها الإخوة الكرام... كلَّما نما عقل الإنسان نما خوفه، فالخوف متعلَّق بالعقل، وقد قال لي مستهزئ مرة إنسان: أنا لا أخاف من الله، قلت له: معك الحق، قال لي: كيف ؟ قلت: إن بعض الفلاَّحين يذهبون ليحصدوا القمح مع أطفالٍ صغار في سن السنتين، فقد يمر أمام هذا الطفل الصغير ثعبانٌ ضخم، لكن هذا الطفل لا يخاف أبداً، بل يضع يده عليه، قلت له: إذا انعدم الإدراك انعدم الخوف، فالذي لا يخاف ليس عنده إدراك أبداً، وهذه قاعدة أيها الإخوة: " إن صح الإدراك كان الخوف، وإن كان الخوف نقلك إلى السلوك ".
 وأوضح مثل على ذلك أنك إذا كنت في بستان فرأيت أفعى، فخبراتك السابقة، والقصص التي سمعتها، والكتب التي قرأتها، والمشاهدات التي شاهدتها، هذه كلُّها كوَّنت في ذاكرتك مفهومات أن الأفعى قد تكون قاتلة، وسمها قاتل، فهذه المفهومات التي أودعت فيك ؛ من خبرات و تجارب و مطالعات و قراءات شكَّلت لك إدراكاً، فإن رأيت أفعى تتحرك أمامك وكان الإدراك صحيحاً فلا بدَّ من أن تشعر بالخوف منها، فعلامة الإدراك الصحيح الشعور بالخوف، وإن خِفْتَ منها حقيقةً فلا بدَّ من أن تتصرف، فإما أن تهرب وإما أن تقتلها، وصحة الإدراك تنقلك إلى الشعور، وصدق الشعور ينقلك إلى الحركة، الإدراك أولاً ثم الانفعال ثم الحركة، وإذا لم يكن هناك حركة فلا يوجد انفعال، ومعنى عدم وجود الانفعال هو عدم وجود الإدراك، فالإنسان حينما لا يخاف يكون إدراكه للخطر غير صحيح، فقد تجد إنسانين ؛ أحدهما جاهل والآخر طبيب، أما الجاهل فيُمْسِك بالفاكهة ويأكلها والتراب عليها، لكن الطبيب يغسلها كثيراً، لأن إدراك الطبيب بحسب معلوماته ومشاهداته للجراثيم والأمراض والأوبئة والأمراض المُعْدِيَة يدفعه إلى غسل الفاكهة، بينما الذي لا يعلم هذه الحقائق كلها قد يأكلها بترابها وما يدري أنه ماذا يفعل، فالخوف متعلِّق بالإدراك، فالذي لا يخاف الله إدراكه معدوم، ومن هنا جاء الحديث:

 

((أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ))

 فكلما نما إدراك الإنسان نما خوفه من الله، وأذكر أنني زرت بعض المعامل فرأيت صاحب المعمل في وضعٍ صعبٍ جداً، فوجهه مُصْفَر، ونفسه مضطَّربة، فقلت: ما الذي حدث ؟ قال: تعال انظر، لقد كان المعمل قائماً والآلات تعمل بانتظام وكل شيء على ما يرام.. لكنه قال لي: تعال انظر، فنظرت فإذا بجسرٍ مركزيٍ في السقف فيه خط بسيط، قال: جئنا بدكتور في الهندسة وقال: هناك انزياح في أساسات المعمل، وإصلاح هذا الانزياح يحتاج إلى خمسمائة ألف ليرة، فقلت: لو نظر إنسان عادي لهذا الشق في هذا الجسر لقال: إنه يحتاج إلى معجون وطلاء وانتهى الأمر، أما العالم فيقول: هناك انزياح في أساسات، وهذا آيلٌ إلى السقوط، فلا بدَّ من إصلاح هذه الأساسات بأقرب وقت.
 فالعلم معه خوف، ويصحبه إدراك للنتائج، والإنسان إذا خاف بعينيه كان في مستوى البهيمة، أما إذا خاف بعقله فإنه يكون في مستوى الإنسان، وأقرب مثل على ذلك الدُخان، فالمدخن يدخِّن دون أن يشعر بشيء، ويقول لك: (الدخان ما فيه شيء مضرّ )، أما حينما يُداهمه المرض الخبيث، ولا يسمح له الدخان أن يعيش ولا ساعة أو ولا سنة يدرك أنه خاف بعينيه ولم يخف بعقله، أما إذا خاف الإنسان بعقله تصوَّر المستقبل قبل أن يصل إليه، فمن أدق تعريفات العقل: أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه.
 نحن عبيد وعباد..
 أيها الإخوة... أردت من هذه المقدمة أن أقول: إننا جميعاً عبيدٌ لله عزَّ وجل، فنحن عَبيد وعِباد، و(عَبيد) جمع عبد، وفيها معنى القهر، فكلنا عبيدٌ لله ؛ بمعنى أننا مقهورون في وجودنا وفي سلامة وجودنا، وفي استمرار وجودنا إلى الله عزَّ وجل، وكلكم يعلم أن أي خللٍ في جسم الإنسان يجعل حياته جحيماً لا يُطاق، وأن أحداً لا يملك أجهزته، ولا خلاياه، ولا سيولة دمه، ولا دماغه، ولا قلبه، ولا رئتيه، ولا أمعاءه، ولا أي غدةٍ في جسمه، فإذا كنا عبيداً مقهورين لله عزَّ وجل فكيف نعصيه ؟ كيف نعصيه وكل مقومات سلامتنا وسعادتنا بيده سبحانه ؟؟
قال أحدهم لأحد العلماء: أريد أن أعصي الله، فقال له: لا شيء عليك، اعصه إذا شئت، ولكن احتط لخمس نقاط، قال له: ما هي ؟ قال: إن أردت أن تعصيه فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه، و إن أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه، فقال: أين أسكن إذاً ؟ قال: تسكن أرضه وتعصيه ؟ هذا ليس معقول، قال له: هات الثانية، قال: إن أردت أن تعصيه فلا تأكل من رزقه، قال: وماذا آكل إذاً ؟ قال: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ؟ قال: هات الثالثة، قال: إن أردت أن تعصيه فاجهد أن تعصيه في مكانٍ لا يراك فيه، قال: هو معنا دائماً، قال: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ؟! قال: هات الرابعة، قال: إن أردت أن تعصيه وجاءك ملك الموت فلا تذهب معه، ارفض، قل لا أريد أن أموت، قال: لا أستطيع ذلك، قال له: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ولا تستطيع أن تتفلَّت من ملك الموت !! قال له: هات الخامسة، قال له: إذا جاءك الزبانية ليأخذوك إلى النار فلا تذهب معهم، قال له: لا أستطيع، قال له: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ولا تستطيع أن تتفلَّت من ملك الموت ولا من زبانية جهنم ؟؟ فكيف تعصيه إذاً ؟.
أيها الإخوة.. إن الإمام الغزالي لمَّا خاطب نفسه قال: " يا نفس لو أن طبيباً منعك من أكلةٍ تحبِّينها فلا شك أنك تمتنعين "، فأنت تطبِّق تعليمات الطبيب بحذافيرها من أجل صحتك و قلبك، "أيكون الطبيب أصدق عندك من الله "، إنك تصدِّق الطبيب، وقد تبيع بيتك الذي في الطابق الرابع في اليوم التالي، وقد تعبت في شرائه، وتزيينه، وهندسته، وتأثيثه، قد تبيعه فوراً لأن الطبيب أمرك بهذا، فأنت تصدِّقه دون أن تصدق الله عزَّ وجل ؟!.. " إن منعك طبيبٌ من أكلةٍ تحبينها فلا شك أنكِ تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ فإن كان كذلك فما أكفرك، أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله "، فالطبيب يقول لك: هذا الدرج قد يؤثِّر على قلبك، وهذا الطعام قد يرفع ضغط الدم عندك، و الوعيد هو ضعف في القلب أو ارتفاع في الضغط، أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله ! إذاً فما أجهلكِ.
 إخواننا الكرام... إن أي إنسانٍ يعصي الله هو مدموغٌ بالكفر والغباء والجهل، لأننا بيد الله، وفي قبضة الله ؛ حياتنا، وأجهزتنا، وأعضاؤنا، وأنسجتنا، فهذا نمو الخلايا إما أن ينمو نمو نظامياً فالوضع سليم، وإما أن تنمو هذه الخلايا نمواً عشوائياً فالوضع مميت، فمن منا يملك قلبه ورئتيه ومعدته وأمعاءه وكبده، وكليتيه، وحركته، ودمه السائل إن أصبح لزجاً، من منا يملك ذلك ؟ إذا كنا في قبضة الله عزَّ وجل فكيف نعصيه ؟ ماذا تقول له إذا قال لك: يا عبدي لم عصيتني ؟ هل معك جواب ؟
 لا تدع الدنيا تستهلكك:

 

﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾

( سورة المعارج )

 العذاب الذي أوعد به الكافرين واقعٌ لا محالة، لكن الإنسان أحياناً يكون كالنعامة ؛ فالنعامة تماماً يَتْبَعُها عدوٌ لها ليفترسها،فتجد أن أفضل شيء أن تغمس رأسها في الرمل، عندئذٍ لا ترى عدوها فالمشكلة في نظرها قد حلّت ؟ فتسهل بذلك لعدوها أن يفترسها بلقمةٍ سائغة، فالحقيقة هي أن هناك مشكلة، وهي أن الإنسان أحياناً الحياة تستهلكه ؛ فمن يوم إلى يوم، ومن فصل إلى فصل، ومن سنة إلى سنة، ومن عمل إلى عمل، ومن مشروع إلى مشروع، تستهلكه الحياة ويغفل عن ساعة لقاء الله عزَّ وجل، فيُؤسس مشروعاً، و يحضِّر دكتوراه، ويفكر في الزواج، وينهمك إلى قمة رأسه في الأمور الدنيوية، ويغيب عنه أنه في لحظةٍ واحدةٍ قد يكون من أهل القبور، فيغدو خبراً بعد أن كان رجلاً، لقد كان رجلاً له وزن و حجم و فكر و عاطفة و نشاط و حركت و مكانة في بيته و مركز تجاري و سمعة، لكنه فجأةً يصبح خبراً على الجدران.
 فيا أيها الإخوة الكرام... وقفتي عند قوله تعالى:

﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾

 إنه واقع لا محالة، ولا نستطيع أن ننجو من عذاب الله إلا بطاعة الله، ولا نستطيع أن ننجو من هذا العذاب الواقع إلا بالصلح مع الله.
 الوهم المريح والحقيقة المُرّة:
 إخواننا الكرام... إن أخطر شيء في الحياة هو الوهم المريح، وأصعب شيء هو الحقيقة المرة، فالإنسان إذا كان رجلاً بالمعنى الصحيح، لا يأبه للوهمٍ المريح بل يبحث عن حقيقةٍ مرة تقلقه، وقد ذكرت الوهم المريح في درسٍ سابق، فقد يسمع طالب في أول عام الدراسي كلمةً غير صحيحة تقول: أنك إن قدَّمت هديةً للأستاذ قبيل الامتحان فإنه يعطيك الأسئلة، فالطالب هنا يرتاح راحة كبيرة جداً، لأن الدراسة قد انتهت، فلن يحضر، ولن يدرس، ولن يذاكر، ولن يلخِّص، ولن يؤدِّي واجباته على إطلاقاً اعتماداً على هذا الوهم المريح، فهو سيطرق باب الأستاذ قبل الامتحان بيوم ليقدِّم له الهدية ويأخذ الأسئلة مكانها، فقد يفعل ذلك، فيصفعه الأستاذ على وجهه ويطرده ويركله بقدمه، وهذه هي الحقيقة المُرة، فالأستاذ لا يفعل هذا أبداً، ولو أنه علم هذه الحقيقة في أول العام لدرس ونال الشهادة، لكنه علمها بعد فوات الأوان ؛ قبل الامتحان بيوم، فالأمر في ذلك الوقت يكون قد انتهى، فيجب على الإنسان ألا يكون ضحية وهم كاذب، و انهماك في الدنيا، وألا يجعل الدنيا تستهلكه، قال تعالى:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾

( سورةالفرقان: آية " 63 " )

 ذكرت من قبل أن العَبيد جمع عبد القَهر، أما العِباد فهو جمع عبد الشُكر قال تعالى:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾

( سورة الفرقان )

 ما معنى: هَوْناً ؟ أي بتؤدة، فهذا الذي يمشي على الأرض هوناً لا يسمح لعمله أن يستهلكه، وما أكثر الذين استهلكتهم أعمالُهم، فهو مُنْغَمِس في علمه إلى قمَّة رأسه ؛ لا يفقه شيئاً ولا يعي شيئاً ولا يهتم بشيء، فقد استهلكه عمله وأنهاه، لكن العبد الذي يمشي على الأرض هوناً لا يسمح لأسرته أن تستهلكه، ولا يسمح لبيته أن يستهلكه، ولا يسمح لمشكلةٍ أن تستهلكه، يمشي هوناً، ويسأل دائماً من أنا ؟ أين كنت ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ أما هذا الذي يعيش لحظته فهو إنسانٌ تافه، يعيش لأنه يعيش، ويعيش لأن قلبه ينبض، لا يعرف من أين ؟ ولا إلى أين ؟ ولا لماذا ؟.
 السلامة والسعادة مطلبان أساسيان:
 يا أيها الإخوة الكرام... إننا لا نحتمل العذاب أبداً، فلو أنَّك سألت خمسة مليارات إنسان يعيشون على سطح الأرض في القارات الخمس: هل هناك مطلبان ثابتان دائمان أساسيان ؟ لقيل لك: نعم هما السلامة والسعادة، فمن منا يحب المرض ؟ من منا يحب أن يصيبه مرضاً عضالاً ؟ -لا سمح الله ولا قدر- من منا يحب الفقر المدقع ؟ من منا يحب الذل ؟ من منا يحب أن يكون مهاناً ؟ أن يكون شقياً في بيته ؟ أن يكون دنيئاً أمام الناس ؟ كلنا نحب السلامة، فباستقامتك على أمر الله تسلم، وكلنا نحب السعادة، وباتصالك بالله تسعد، فالسلامة ثمنها الاستقامة، والسعادة ثمنها العمل الصالح، فإن استقمت على أمره سلمت، وإن عملت الأعمال الصالحة سعدت، والذي يطلب السلامة والسعادة عليه أن يصطلح مع الله وأن يطيع الله عزَّ وجل وأن يتقرب إليه بالأعمال الصالحة.

﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2)﴾

( سورة المعارج )

 الحساب على الله:

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾

( سورة الرعد: آية " 1ل " )

 هناك أُناس يتوهمون أن فلاناً رجل صالح، فإذا كنت معه أنجو، فهو يحاول أن يغطِّي أشياء بأشياء، وقد ذكرت اليوم في الخطبة: أن الإنسان إذا كان في أعلى درجة من الذكاء وطلاقة اللسان وقوة الحجة، والتقى مع النبي عليه الصلاة والسلام وكان في خصومة مع أحد أصدقائه، وعرض أمره على النبي، واستطاع بطلاقة لسانه وقوة حجته وحِنكته أن ينتزع من فم النبي فتوى لصالحه، و أي فتوى أهم من فتوى النبي وهو سَيِّد الأمة وسيد ولد آدم المعصوم الذي يوحى إليه، لو أنَّك انتزعت من فم النبي عليه الصلاة والسلام فتوى لمصلحتك بقوة حجتك وبطلاقة لسانك ولم تكن محقاً فإنك لن تنجو من عذاب الله، فـ(العَلْقَة) مع من إذاً ؟ إنها مع الله، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ))

 

( من صحيح البخاري: عن أم سلمة )

 هذا الحديث وحده أيها الإخوة يكفي لئلا نعتمد إلا على الله، وألا نرجو إلا الله، وألا نخاف إلا من الله، وألا نضع آمالنا إلا على الله، فلو أفتى لك النبي عليه الصلاة والسلام، و سمح لك و قضا لك و حكم لك، ولم تكن محقاً فإنك لن تنجو من عذاب الله، وهذا الحديث صحيح،

((لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ))

( من صحيح البخاري: الرواي "أم سلمة"")

 فالإنسان كلما زاد عقله زادت طاعة لله، وزاد حرصه على القرب من الله.
 معاني ( العذاب الواقع ):

﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2)﴾

[ سورة المعارج ]

 وقال بعضهم: هذه الباء زائدة، أي: سأل سائلٌ عذاباً واقعاً للكافرين، فإما أن نفهم هذه الآية على أن الكافر لجهله وبعده وتكذيبه واستهزائه يستعجل عذاب الله عزَّ وجل، فيقول: أين العذاب ؟ لينزل بنا العذاب، وإما أن المؤمنين ينتظرون أن ينزل الله عقابه بالكافرين، وإما أن المسلمين سألوا: على من يقع عذاب الله ؟ ومتى ؟ فهذا من علم الله عزَّ وجل، أي إما أن يسأل مسلم الله عزَّ وجل أن يدمِّر الكافرين، والله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾

( سورة يونس: آية " 46 " )

 أي: إنك يا محمد قد لا تستطيع أن ترى نتائج أو عقاب الكافرين، فقد ترى وقد لا ترى، فإذا كان النبي وهو أكرم الخلق على الله عزَّ وجل يرى أو لا يرى، فنحن ليس هذا من شأننا، فأنت عليك أن تطيع الله عزَّ وجل، والإنسان حينما يستقيم على أمر الله ويصل إلى هدفه مع الله، فلا علاقة له بالطرف الآخر، عُذِّب أو لم يُعَذَّب، " كفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله "، فالإنسان لا يعلِّق أهمية فيقول: لم لا يدمِّر الله هؤلاء الكُفَّار الذين أخرجوا الشعوب من بلادهم وتغطرسوا، وافتخروا، وتحدوا، وهدموا بيوت الناس ؟ أين الله ؟ لماذا لا يدمِّرهم ؟ إن هذا استعجال، و هذا ليس من شأنك، بل هو من شأن الله عزَّ وجل، و أنت عليك أن تطيع الله وانتهى الأمر.

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾

(سورة الزمر )

 تنتهي مهمة الإنسان المؤمن حينما يلتزم أمر الله ونهيه، وحينما يرجو الله عزَّ وجل أن ينصر المؤمنين، وهو يفرح حينما يُنْزِل الله عقابه للكافرين، و لا ينبغي عيه أن ينتظر وأن يسأل وأن يتعجَّب، إذاً: إما أن السائل هو مسلم ينتظر أن يُنزل الله عقابه بالكافرين، وإما أنه مستهزئ كافر يقول: متى وعد الله ؟ وإما أن السائل يسأل متى وأين ؟ فالجواب عند الله عزَّ وجل.

﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2)﴾

 وقد قال الله تعالى:

﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾

( سورة الحاقة )

 آيات الدرس الماضي..

﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) ﴾

( سورة الحاقة )

 فلا تعتمد -أيها الأخ الكريم- على مالك، لقد قال شخص هذه الكلمة: إن المال يحل كل مشكلة، وقالها وهو يجهل أن هناك مشكلات لا يحلها المال، فوقع في ورطةٍ، فدامت ثلاثة وستين يوماً، وكانت في محلٍ لا يُحْتَمَل أن تبقى فيه ساعة، وكان يأتيه هذا الخاطر كل يومٍ.
 وهناك رجل توفِّي، وقبل أن يتوفَّاه الله عزَّ وجل خرج من معمله في جهة الجنوب وكان بيته في المهاجرين، فبقي ساعاتٍ طويلة يبحث عن بيته، فقد ضاع من ذاكرته مكان بيته، و هذا فقد جزئي للذاكرة.. وهناك فقد كلي..، فأصبح لا يعرف أبناءه، فمن اعتمد على ماله فإن المال يذهب بأدنى سبب، ومن اعتمد على عقله وذكائه فالعقل يذهب بأدنى سبب، ومن اعتمد على من حوله فقد يتخلَّى الذين حوله في أحرج المواقف، لذلك:

 

(( لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكرٍ خليلي، ولكن أخٌ وصاحبٌ في الله ))

 إخواننا الكرام... هذه كلمةٌ من القلب: من اعتمد على غير الله فقد أشرك ؛ فلا تعتمد على زوجة، ولا على ولد، ولا على أقرب الناس إليك، ولا على قوةٍ في جسمك، ولا على ذكاءٍ في عقلك، ولا على مالٍ بين يديك، ولا على مكانةٍ تتمتع بها بين الناس، ولا على رصيدٍ من أي نوع، اعتمد على الله، فحينما توحِّد تجد أن الله معك، وإذا كان الله معك فمن عليك، وحينما لا توحِّد تجد أن الله سبحانه وتعالى قد يتخلَّى عنك، وإذا تخلَّى الله عنك لا تجد حولك أحداً.
 سمعت عن رجل له ولدٌ وحيد، وقد قدم لهذا الولد كل شيء، فكسب مالاً حراماً لينفق عليه في دراسته، وكان يعلِّق آمالاً عريضةً على هذا الابن، فأرسله ليدرس ويأتي بالدكتوراه، فتزوَّج هناك وتجَنَّس واستقر، وقطع عن أبيه كل صلة، فكل من يعتمد على غير الله يلقى تأديباً من الله عزَّ وجل، فقُم بكل واجباتك تجاه أولادك و زوجتك و إخوانك، وجيرانك، ولا تعتمد إلا على الله، قُمْ بواجباتك ولا تعلِّق أملاً إلا على الله، و افعل كل عملٍ طيب ولا تجعل لعملك سنداً لك في حياتك الدنيا.
 أيها الإخوة... إن الشرك الخفي تأديبه قاسٍ، لأن الله عزَّ وجل يغار تتكِل على غيره و أن تضع ثقتك في غيره، فلذلك تُفاجأ بكل جهةٍ تضع ثقتك عليها، فتتخلَّى عنك في أحرج المواقف.
 معاني ( المعارج ):

 

﴿ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾

( سورة المعارج )

 قال العلماء:

﴿ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾

 1- أي: ذي العلو والدرجات الفواضل والنِعَمْ.

﴿ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾

 ذي الدرجات العالية الرفيعة، و هذا ثناءٌ على الله عزَّ وجل، وقال بعضهم:

﴿ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾

 مراتب إنعامِه على الخلق.

﴿ ِ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾

 

 ذي الدرجات العُلا، وهذا ثناءٌ على الله، و:

﴿ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾

 

 2- مراتب إنعامه على الخلق، فقد أنعم عليك بنعمة الإيجاد، وأنعم عليك بنعمة الإمداد، وأنعم عليك بنعمة الهدى والرشاد، فجعلك إنساناً بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً، وأعطاك أسرةً، ومنحك زوجةً و أولاداً، وأعطاك عقلاً وحواسَّ أعضاء، وأنت تتحرك، فهناك نعمٌ كثيرة.

﴿ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾

 أي: ذي المراتب في إنعامه على الخلق، وقيل:

﴿ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾

 ذي العظمة والعلاء.
 3- وقال بعض العلماء:

﴿ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾

 معارج السماء، أي طبقات السماء، فـ ( المعارج ): إما الدرجات العُلا وهذا ثناءٌ على الله، أو درجات الإنعام على الخلق، وهذا نوعٌ آخر، أو (ذي المعارج) ؛ أي: ذي العظمة والعلاء، أو ذي معارج السماء، الذي خلق السماء على هذه الطبقات، أو:

﴿ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾

 4- معارج الملائكة.
 5- وقيل: المعارج: الغُرَفْ التي جعلها لأوليائه في الجنَّة، و كل هذه المعاني تَصْدُق على كلمة:

﴿ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾

 الملائكة والروح:
 الملائكة هي هذه الأجسام النورانية التي تُسَبِّح الله عزَّ وجل.

﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾

( سورة التحريم )

 والروح هو جبريل، وهذا من عطف الخاص على العام، فالملائكة وعلى رأسهم جبريل، أو الروح اسم جنس لكل نفوس البشر حينما تموت، فالإنسان حينما يموت تَعْرُجُ روحه إلى السماء لتلقى حسابها عند الله، فإما أنه جبريل، وإما أن الروحَ اسم جنسٍ لأرواحِ بني آدم.

﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾

(سورة المعارج)

 (يوم مقداره خمسين ألف سنة ):
 لهذه الآية وقفةٌ متأنِّية، قال بعض العلماء: هو يوم القيامة، فهو يومٌ طويل على أهل الكفر قصيرٌ على أهل الإيمان، فربنا عزَّ وجل عَبَّرَ عن طول هذا اليوم بخمسين ألف سنة، أيها الإخوة.. لقد جعل الله يوم القيامة على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، ثم يدخلون بعدها النار للاستقرار فيها، أي أن يوم الحسان يطول ويطول حتى يصل إلى خمسين ألف سنة، والقاعدة الدقيقةتقول: أن الألم ساعة، و اللذَّة دقيقة، والزمن يطول ويَقْصُر، فهو يطول على المعذبين ويقصر على المحبِّين:

 

إن يطل بعدك ليلي فلكم  بِتُّ أشكو قِصَرِ الليل معك

 وقد أراد الله جلَّ جلاله أن يبيِّن أن هذا اليوم يوم القيامة هو على الكافرين عسير، فهو عليهم طويلٌ طويل، ومقداره خمسون ألف سنة، وإما أن يكون هذا الرقم معبراً عن طول هذا اليوم، أو أن طوله خمسين ألف سنة من سنيّ الدنيا، فهو إما رقم للتكثير أو رقم للتحديد، فإما أن هذا اليوم مقداره خمسون ألف سنة من سنوات الدنيا، أو أن هذا اليوم طويلٌ طويل طويل فهو يزيد عن خمسين ألف سنة ليُكَثِّر الله هذا اليوم ويجعل هذا اليوم نخافه جميعاً في الدنيا، ومما يؤكِّد معنى أن هذا اليوم يوم القيامة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

 

((والذي نفسي بيده إنه ليُخَفَّف عن المؤمن حتى يكون أَخَفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبة يصلّيها في الدنيا ))

 أي أن هذا اليوم الذي هو خمسون ألف سنة على الكافرين يَقْصُر ويَقْصُر على المؤمنين ليصبح مقدار صلاةٍ مكتوبةٍ في الدنيا ؛ أي: ربع ساعة، ويطول على أهل الكفر ويقصر على أهل الإيمان، فهذا الذي يؤكِّد معنى أن هذا اليوم يوم القيامة.
 وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

 

((ما من رجلٍ لم يؤدِّ زكاة مالٍ إلا جعل الله شجاعاً من نار تكوى بها جبهته وظهره وجنباه في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين الناس ))

 هذا الحديث أيضاً يؤكِّد أن هذا اليوم هو يوم القيامة.

 

﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ ﴾

 فكلمة الروح تعني اسم جنسٍ لأرواح البشر، أي: إن كل إنسان ستصعد روحه إلى السماء لتحاسَبْ عن كل أعمالها، فإن كانت هذه النفس كافرةً طال عليها اليوم طولاً لا حدود له، أو كان مقدار هذا اليوم خمسين ألف سنة، وقال إبراهيم التَيْميّ: " قدر ذلك اليوم على المؤمن لا يزيد على ما بين الظهر والعصر "، وهذا قول آخر.
 ومن حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين، ولذلك سمى نفسه سريع الحساب وسمّى نفسه أسرع الحاسبين))

 تقريب للأذهان:
 بالمناسبة أقول لكم: إن الله عزَّ وجل قال تقريباً لإفهام الناس: يُبقي هذا اليوم في الآخرة للمؤمن ربع ساعة مقدار صلاة مكتوبة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، و هذا تقريب، و ربنا عزَّ وجل سريع الحساب، وهو أسرع الحاسبين، فإذا كان فهمنا هذه الآية فهماً علمياً قلنا: الآن هناك بعض الأجهزة في أمريكا تقرأ أربعمائة وخمسين مليون حرف في الثانية، والذي يمتلك الحاسوب يعرف ما معنى هذا الكلام، فقد تطرح سؤالاً: أن ابحث لي في الأحاديث عن حديث في هذه الكلمة، فيقرأ لك ستين أو سبعين ألف حديث خلال ثوان، فإذا وصل الإنسان إلى سرعة الحساب بهذه الطريقة، فكيف الله سبحانه وتعالى وهو أسرع الحاسبين ؟! فالوقت عنده لا يوجد إطلاقاً، والحساب فوري، وكل إنسان معه نتائج عمله، لكن ربنا عزّ وجل يقول كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( أنه مقدار صلاة مكتوبة ))

 وهذا تقريب للأذهان، وقد قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

( سورة يس )

 فكلمة:

﴿ كُنْ فَيَكُونُ﴾

 تحتاج إلى وقت، فهي تحتاج إلى ثوان، وهذه أيضاً للتقريب، وأحياناً ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾

( سورة الأنعام: آية " 12 " )

 الله لا يكتب، لكننا نحن نثق بالشيء إذا كان مكتوباً ثقة أكبر، يقول لك: أنا معي عقد أو سند أو تصريح أو تنازل، فالإنسان يرتاح للشيء المكتوب، فربنا عزَّ وجل حينما قال:

﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾

 إنما قال ذلك ليطمئننا، أو لنفهم ما معنى أن وعد الله حق، فحتى كلمة:

﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾

( سورة الأنعام: آية " 62 " )

 فلا يوجد وقت على الإطلاق، فالإنسان كاد أن يلغي الوقت، والإنسان بحساباته على الحاسوب كاد أن يلغي الوقت، فكيف الله عزَّ وجل ؟ والله تعالى يقول:

﴿ َصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾

( سورة الفرقان )

 الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن:
 لذلك قال العلماء عن ربهم: إنه لا يشغله شأنٌ عن شأن، فأنت قد تكون مشغولاً بقضية، وحينما تنتهي تلتفت إلى قضية ثانية، فهذا شأن العباد، لكن شأن رب العباد أنه لا يشغله شيءٌ عن شيء، فلو كنت محاسباً وأردت أن تعطي عشرة موظفين الرواتب، فإنهم يقفون أمامك واحداً تلو الآخر، فتبحث عن اسم كل واحد منهم، كما تبحث عن مبلغه، وتنقده راتبه، ويوقع لك، ثم يمشي، ويأتي الثاني، فأنت لا تستطيع أن تدفع للعشرة في ثانية واحدة، لأن هذا ليس من شأن البشر، فأنت مشغول بالأول عن الثاني، وبالثاني عن الثالث، وبالثالث عن الرابع، لكن الله جلَّ جلاله لا يشغله شيءٌ عن شيء..

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

(سورة يس )

 قال بعض العلماء: كما يرزقهم في ساعةٍ واحدة يُحاسبهم في لحظةٍ واحد، فالحساب فوري، ويؤكِّد هذا قوله تعالى:

﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

( سورة لقمان )

 وعن ابن عباس:

﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾

 (هذه الآية في سورة السجدة )، قال: أيامٌ سمَّاها الله عزَّ وجل هو أعلم بها كيف تكون ".
 الآيات المتشابهة:
 أحياناً قد يوجد بعض الآيات -وهي قليلة جداً - متعلقة بذات الله، منها قوله تعالى:

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾

( سورة الفجر: آية " 22 " )

 فأين كان ؟ وإلى أين أتى ؟

 

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

 

( سورة الفتح: آية " 10 " )

 هل لله يد ؟

﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾

( سورة المائدة: آية " 116 " )

 هل له نفس الله عزَّ وجل ؟

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) ﴾

( سورة الرحمن )

 هل الله له وجه ؟ له نفس ؟ له يد ؟ له سمع ؟ له بصر ؟هل يأتي ؟ ينتقل ؟

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

( سورة الملك )

 هو في السماء ؟ والأرض ؟ وهذه الآياتٌ قليلةٌ جداً جداً، ولا تزيد عن أصابع اليد وهي تتعلَّق بذات الله عزَّ وجل، وإن أسلم وأكمل موقفٍ هو أن تفوِّض معناها إلى الله، فآيات التكليف واضحة، وآيات الأمر والنهي واضحة، وآيات افعل ولا تفعل واضحة، وهي لا تحتاج إلى مفسِّر.

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾

( سورة الإسراء )

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾

( سورة النساء: آية " 103 " )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

( سورة البقرة )

 وإن أكمل فهمٍ لها أن تفوِّضَ لله عزَّ وجل أمر معناها، والموقف الثاني هو أن تؤِّلَها تأويلاً يليق بجلال الله، فيده قوته، وسمعه وبصره عِلمه، ومجيئه مجيء أمره، ووجهه هو ذاته، ونفسه هي ذاته، أما أن تُعَطِّل هذه الصفات، فهذا انحرافٌ في العقيدة، أو أن تجسد هذه الصفات فهو انحرافٌ آخر في العقيدة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018