الدرس : 5 - سورة المزمل - تفسير الآية 20 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة المزمل - تفسير الآية 20


1997-12-12

 علم الله تعالى

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الخامس والأخير من تفسير سورة المزمل، ومع الآية العشرين وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾

 قوله: (إن ربك يعلم ) يعني أنه يعلم عمل الإنسان و عبادته.
 معنيا الآية:
 ولهذه الآية معنى ضيق ومعنى واسع...
 1- المعنى الضيق: إن الله يعلم أنك تقوم الليل، ويعلم مقدار الليل الذي تقوم فيه.
 2- المعنى الواسع: إن الله يعلم عملك وعبادتك و صلاتك و صيامك و إنفاقك، فهو يعلم عمل الإنسان بأوسع معانيه، فيعلم حق العلم خلفية هذا العمل كما يعلم بواعثه ومؤداه وغايته، و يعلم حجمه ومقدار التضحية في سبيله، ويعلم العوائق والصوارف، فقد تنفق في هذا العمل درهماً، وقد تنفق مائة ألف درهم، وقد يكون الدرهم أكبر عند الله من مائة ألف درهم، ورب درهم أنفقته في إخلاص خير من مائة ألف درهم أنفقته في رياء، و درهم تنفقه في حياتك خير من مائة ألف درهم تنفق بعد مماتك، فالمعنى الضيق هو أن الله سبحانه و تعالى يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقوم أكثر من ثلث الليل، أو يقوم نصفه أو أقل من ثلثيه، فيعلم قيامه في الليل ويعلم مقدار قيامه من الليل، أما لو وسعنا مفهوم هذه الآية لقلنا: إن الله يعلم حجم عملك وما خلف هذا العمل من نوايا، وما أمام هذا العمل من أهداف وما رافق هذا العمل من تضحيات، وما كان أمام العمل من عقبات، وما كان جانبه من صوارف، فهذا كله يعلمه الله عز وجل، فيا أيها المؤمن إنك لا تحتاج مع الله إلى إيصال ولا إلى سند ولا إلى قسم ولا إلى يمين ولا إلى شهادة حسن سلوك، لأن الله يعلم.
 ثمرة الإيمان بعلم الله:
 إذا أيقنت أن الله يعلم ابتعدت عن النفاق و الرياء، ولو أن أول الناس وآخرهم و إنسهم وجنهم أعطوك ولم يأذن الله لك بالعطاء لا يصلك شيء من ذلك، قال تعالى:

 

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

 

(سورة فاطر2)

 ما الذي يدعو الناس إلى الذل و النفاق ؟ إنه الخوف على أرزاقهم، وما الذي يدعوهم إلى الخنوع ؟ إنه الخوف على أجالهم، فلو أيقن الإنسان يقيناً قطعياً أن الأرزاق والآجال بيد الله وحده ما راءى مراءٍ ولا نافق منافق ولا خنع إنسان ولا استذل، إن الله يعلم وإذا علمت أن الله يعلم اطمئن قلبك وانصرفت عن استجداء المديح، و الإنسان أحياناً قد يستجدي المديح ليحقق ذاته، فإذا كان عملك عند الله معروفاً ونيتك مكشوفة وهدفك نبيلاً وباعثك عظيماً، وكانت العقبات أمامك كثيرة والصوارف مغرية، ومع ذلك لزمت الحق وتمسكت به فإن الله يعلم حجم العمل وبواعث العمل وأهداف العمل، ويعلم التضحية التي رافقت العمل، ويعلم المشقة التي تحملتها من أجل هذا العمل والصعوبات والعقبات التي اعترضتك..
 الإخلاص:
 إن الإخلاص يعفيك من استجداء المديح والرياء و النفاق..

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ ﴾

 و هذه الآية نزلت للنبي عليه الصلاة والسلام، وبالتالي هي لكل مؤمن، فعبادتك عند الله معروفة، فهو وحده يعلم، فقد يصلي إنسان قيام الليل، فإذا كان ضعيف الإيمان رأيته يصلي قيام الليل ويملأ الدنيا صخباً وضجيجاً بهذا القيام، أما المخلص فيصلي قيام الليل ولا يتكلم إطلاقاً، فإن تكلم فلحكمة يريدها، كتشجيع الآخرين ليجعل من نفسه قدوة، وإن رأى أن في كلامه ذلك تحقيقاً للذة نفسية سكت لأن الله يعلم، ويجب أن تعلم أن الله يعلم، فإذا علمت أن الله يعلم أخلصت له، و استرحت من حالات كثيرة قد تصغرك عند الناس وعند الله

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ ﴾

 التأديب الإلهي:
 إن الله ربك الذي يربيك ؛ يربي جسدك بإمداده بما يحتاج، و يربي نفسك بنقلها من حالة إلى حالة، وهو الذي يطهرها ويزكيها ويعرفها، فربنا عز وجل يطهر و يزكي، ويقول تعالى في الحديث القدسي عن العصاة:

(( إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب))

 هذا هو تأديب الله للإنسان، و حينما سئل عليه الصلاة والسلام عن أدبه العالي قال:

(( أدبني ربي فأحسن تأديبي ))

 ولكل مؤمن من هذه الآية نصيب، فإن تكلمت كلمة ينبغي ألا تقولها أتاك التأديب ليقول لك: لا تعد هذه الكلمة، وإذا وقفت موقفاً لا ينبغي أن تقفه أتى التأديب قائلاً: لا تعد هذا الموقف، وإذا أنفقت نفقة لا ينبغي أن تنفقها أتاك التأديب وقال: لا تعد هذه النفقة، وإذا أمسكت إمساكاً لا ينبغي أن تمسكه أتاك التأديب وقال: ينبغي ألا تعيد هذا الإمساك، وكذلك إن وصلت صلة لا ينبغي أن تصلها أو قطعت قطيعة ينبغي ألا تقطعها..، هذا هو تأديب الله عز وجل، إن ربك هو الذي يربيك ويربي جسمك، و يربي نفسك، و يربي عقلك، فهو الرب، و ما من اسم من أسماء الله عز وجل أقرب إلى الإنسان من اسم الرب، فالله هو الذي يمدنا.
 منعكس المصّ:
 إن هذا الطفل الذي يولد لتوه قد زوده الله بآلية معقدة جداً سماها العلماء منعكس المص، فتراه يضع فمه على ثدي أمه ويحكم الإغلاق ويسحب الهواء فيأتيه الحليب، و لو جئنا بأهل الأرض و علماء التربية و معلمي البشرية قاطبة فهل يستطيعون أن يعلموا هذا الوليد كيف يمص ثدي أمه ؟ مستحيل... لكن الله زودنا بهذا المنعكس، ولولا هذا المنعكس لما وجدتم أحداً في الأرض، هو ربنا الذي خلقنا وأعطانا نعمة الوجود و نعمة الإمداد ثم هدانا إليه، فالذي وصل إلى الله ينبغي أن يذوب شكراً لله أن خلقه وأمدّه وهداه إليه.

 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ ﴾

 

 تصور أن هناك إنسان بعيد عن هذه الآية أو هذا الإدراك، إنه يعيش في متاهات، تراه يتكلم عن نفسه ويتبجح، ويتكلم عن الآخرين و يمدح نفسه و يدفع الناس إلى أن يمدحوه لأنه لا يعلم أن الله يعلم، أما إذا علم أن الله يعلم فإنه يعمل عملاً بينه وبين نفسه ولا يتمنى أن يطلع عليه أحد.. و لا يتمنى أن يتبجح إطلاقاً..

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾

 إنك حينما تعلم أن الله يعلم ترتاح من النفاق و الرياء و الخوف، فقد يخطئ الإنسان أحياناً، لكن نيته تكون سليمة، فهو ولا يقصد الذي فهمه الناس من عمله،فالله هو الحق ولأنه الحق يظهر الحق، و هو الحق يحق الحق ويظهره ويدافع عن أهل الحق، وهناك إنسان قال: الحمد لله على وجود الله، فالله موجود ويعلم، ويكفي أن تكون علاقتك بالله قوية، و يكفي أن تكون النوايا طيبة، و يكفي أن يكون قلبك سليماً، عندئذ لا تعبأ بأحد، أما البعيد عن هذا المعنى فهو موزع بين الناس، فإن أرضى زيداً أغضب عبيداً، وإن أغضب فلاناً أرضى علاناً، فتراه ساعة يمدح، وساعة يذم، وساعة ينافق، وذلك لأنه لا يعلم أن الله يعلم.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾

 الآية الناسخة:
 وقال بعض العلماء إن هذه الآية نسخت قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) ﴾

 فإما أن حكمها نُسخ عن المسلمين وبقيت فرضيتها على رسول رب العالمين، وإما أن قيام الليل أصبح نفلاً وتطوعاً يفعله كل مسلم دون أن يكون ملزماً، و هناك شيء آخر في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾

 أهمية الجماعة المؤمنة:
 إن هؤلاء كانوا مع رسول الله بأجسادهم و نفوسهم و أرواحهم و عبادتهم وإخلاصهم، لقد استشار النبي عليه الصلاة والسلام الأنصار حينما أرادوا أن يدخلوا معه في غزوة أحد فقال سيدنا معاذ: ( امض يا رسول الله لما أردت و نحن معك، و لو خضت هذا البحر لخضناه معك، وما تخلف منا رجل، صل حبال من شئت واقطع حبال من شئت، و أعط من شئت وامنع من شئت، وسالم من شئت وعاد من شئت، فوالذي بعثك بالحق للذي تأخذه من أموالنا خير لنا من الذي تدعه لنا، فسر على بركة الله).
 هكذا كانوا معه، و الشيء الدقيق أيها الأخوة أن الله تعالى قال:

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾

(سورة الفتح 29)

 فالإنسان وحده لا يفعل شيئاً، أما الجماعة فمباركة، والإنسان وحده قد لا تحل مشكلته أما إذا كان مع أهل الحق فهو في بحبوحة الجماعة و الأنس و الاستقامة.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَار ﴾

 الله يعلم.. ويقدّر..
 إن الله عز وجل يعلم كم من الجهد بذلت، و كم من الوقت أمضيت، و كم من المشقة كابدت، و يقدر الليل والنهار.. فيقدر طول الليل و قصر الليل، و يقدر طول النهار و قصر النهار، و يقدر العمل الذي فعلته في الليل وقد اقتطعت من نومك، ويقدر العمل الذي فعلته في النهار وقد اقتطعت من راحتك وعملك.

﴿ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾

 في هذا الآية كلمتان هما مركز الثقل فيها، " إن ربك يعلم" و " يقدر"، إنك قد تعلم ولا تقدر، وقد تقدر ولا تعلم، فقد يكون هناك إنسان عنده خبرة واسعة، فيقدر حجم التضحية ولكنه لم يعلم تضحيتك، وقد يكون هناك إنسان آخر علم أنك فعلت هذا ولكن لا يقدر هذا العمل، فهذا العمل ليس له قيمة عنده، فأنت بين إنسان يقدر ولا يعلم، أو يعلم ولا يقدر، و الأسوأ من هذين من لا يقدر ولا يعلم، لذلك كان من المشقات التي يعانيها الإنسان المشرك (المشرك شركاً خفياً ) أنه يتمنى أن يعلم الناس عمله ولا يستطيع، و يتمنى أن يقدر الناس جهده ولا يرى أذناً صاغية ولا تقديراً ولا تقييماً ولا تثميناً، أما إذا كان مخلصاً لله عز وجل فلا يعبأ بتقدير الناس ولا تثمينهم ولا مدحهم ولا ثنائهم، كما أنه لا يعبأ بذمهم، فمن عرف نفسه ما همّه ذمّ الناس له.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾

 إن الإنسان أحياناً قد يكون نائماً من نصف ساعة، فيأتيه طارق بحاجة، فيستيقظ ويلبي هذه الحاجة، وقد يكون هناك إنسان آخر يوضع تحت نفس الموقف فلا يلبي، فقد تملك المال ولا تنفق، وقد لا تملك وتنفق، لكن الله يملك وينفق و يقدر.
 قصة..
 لقد سمعت قصة لا بأس من روايتها لكم: كان هناك رجل من أهل الغنى، فأراد أن يُنشئ مسجداً في أحد أحياء دمشق، فبحث عن أرض فوجد أرضاً مناسبة تصلح لمسجد، فسأل عن صاحبها فالتقى به، وصاحبها يعمل (آذن ) في مدرسة ابتدائية وقد ورث هذه الأرض من أشهر ولا يملك من الدنيا غيرها، ودخله أقل من ثلاثة آلاف في الشهر، وعنده خمسة أولاد، وكان يسكن في بيت صغير جداً، ففاوضه على شرائها، واتفقا على السعر وكان السعر مناسب 3.5 مليون، فكتب له شيك بمليونين والباقي عند التنازل للأوقاف، قال له: ما علاقة الأوقاف، فقال: أريد أن أجعلها مسجداً، قال: أعطني هذا الشيك، فأخذه ومزقه وقال: أنا أولى بتقديمها لبيت الله، يقول هذا الرجل الغني: ما صغرت في حياتي كما صغرت أمام هذا الإنسان، إنه إنسان فقير لا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض ن ودخله أقل من أن يكفيه، فما رضي أن ينافسه أحد على تقديم هذه الأرض لتكون بيتاً من بيوت الله، فقال: أنا أولى منك بتقديمها لله عز وجل.
 إذا كان هناك إنسان معه مائة مليون واشترى أرضاً بثلاثة ملايين ونصف، فهل يكون أجره كأجر هذا الآذن ؟؟ لا والله، فرب درهم سبق ألف درهم، فدرهم تنفقه في إخلاص خير من ألف درهم في رياء.
 فيا أيها الأخوة الكرام الإخلاصَ الإخلاصَ، بالإخلاص يرتقي عملنا، ونتصل بربنا، و لا نعبأ بالناس، ونحن لسنا مستهترين بهم طبعاً، ولكننا لا يعنينا مدحهم ولا ذمهم، فمن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس فيه، فربك يعلم وهو يقدر حجم عملك، و يعرف أنك في ضائقة مادية وأعطيت هذا الفقير المؤمن مبلغاً و أنت في أمس الحاجة إليه، إنه يعلم ذلك، ويعلم أنك متعب جداً وأنك في أمس الحاجة إلى النوم، وأنك في إمكانك أن تصرف هذا الذي طرق بابك ولا تستجيب له، لكنك كابدت مشقة كبيرة وقدمت له خدمة عظيمة في هذا الوقت الصعب من الليل، إن الله يعلم الضغوط التي حولك، وكيف أنك تحملتها في سبيل الله، إن ربك يعلم الإغراءات التي أحاطت بك، وكيف أنك أعرضت عنها في سبيل الله، إن ربك يعلم أنك في خلوتك تخشاه، فقد يكون هناك إنسان في غرفته وحده لا أحد يراقبه، لا زوجة ولا ولد ولا صديق ولا أحد، ففتحت نافذة أمام غرفته وخرجت امرأة متبذلة، فغض بصره عنها، فمن يعلم هذا العمل ؟ إنه الله جل جلاله، وقد يكون هناك طبيب من حقه أن يعالج امرأة وأن يكشف عن بعض جسمها، لكنه قد يختلس النظر إلى مكان لا تشكو منه، فمن الذي يعلم ؟ إن الله وحده يعلم:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

(سورة غافر19)

 كما أن المحامي قد يقول للموكل: إن الدعوى ناجحة، وهو يعلم علم اليقين أنها ليست ناجحة، والمواطن لا يعلم ذلك، لكن الله يعلم، فكلمة (يعلم) تعني: يعلم عملك بكل تفصيلاته و أبعاده و نهاياته و خلفياته وملابساته وتضحياته وصعوباته وعقباته و صوارفه، فلو أن حكومة أرادت أن تصنف الموظفين في عشر مراتب، كل مرتبة ثلاث درجات، فهناك ثلاثون درجة، وكل الموظفين لا بدّ أن ينزلوا في هذه الدرجات، والمراتب: ثلاثون درجة وعشر مراتب، أما الله عز وجل فعنده خمسة آلاف مليون إنسان، فهناك خمسة آلاف مليون درجة، فهو يحسب إخلاص كل واحد منهم وتضحيته و استقامته والضغوط التي يتحملها والمغريات التي تحيط به، فالله يعلم حجم عملك تماماً بكل أبعاده وخلفياته وبواعثه وأهدافه.
 فقد يعمل الإنسان في التجارة، فيأتيه مال يتيم، وهو يستطيع - ولا يمكن لأحد على وجه الأرض أن يعلم - أن يضع هذا المال في صفقة غير معلوم ربحها، فيجس السوق عن طريقها، أما الصفقات المعلومة ذات الأرباح المحسوبة والبيع السهل فيضع فيها رأس ماله الأساسي ليستثمره ويقلبه إلى مال أوفر، أما في صفقة ربحها غير معلوم فنراه يقول فيها: أنا سأتّجر بمال اليتيم لئلا تأكله الزكاة، وذلك وفق كلام رسول الله، فهو يضع هذا المال في هذه الصفقة، فإن خسر يقول: ترتيب الله عز وجل، إنه قد جعل مال اليتيم ردءاً لماله، ومن يعلم ذلك ؟؟ لا يستطيع أحد في الأرض أن يعلم أنه جعل من هذا المال وقايةً لماله، ويقول: إذا ربحت هذه الصفقة ربحاً كبيراً فسأُدخل مالي عندئذ في هذه البضاعة، وإذا لم تربح أكون قد عرفت السوق ولم أُضَر، فمن من يعلم حقيقة ما فعلت ؟ الله وحده يعلم ذلك.
 وهناك أعمال كثيرة من هذا القبيل.. فإذا قال طبيب لمريض: أريد هذا التحليل لتشخيص مرضك، وهو لا يحتاج إلى تحليل، و لكن كان في باله شيء، فمن يعلم ذلك ؟ لا يعلمه إلا الله، إن كل حركاتك وسكناتك وأعمالك في علم الله مكشوفة، و الله عز وجل يعلم سرّ ك ويعلم جهرك ويعلم ما خفي عنك، قال تعالى:

﴿ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

(سورة طه7)

 فما خفي عنك يعلمه، وإذا أيقنت أن الله يعلم تأدبت معه كثيراً، وأخلصت له كثيراً واستقمت على أمره، ونفعت عباده، ووقفت عندك حدك، فالقضية المهمة جداً هي أن تعلم أن الله يعلم، أما هذا الذي يخادع الله فإن الله خادعه، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾

(سورة النساء 142)

 أيها الأخوة الكرام... يجب أن تعلموا علم اليقين أنه لا يمكن لحد أن يخدع الله عز وجل، و بالمقابل لا يمكن للإنسان أن يخدع نفسه، لقوله تعالى:

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) ﴾

(سورة القيامة14-15)

 أما ما سوى الله عز وجل و نفسك التي بين جنبيك، فبإمكانك أن تخدعه،فقد تخدع بعض الناس لوقت طويل أو قصير، أما أن تخدع كل الناس طول الوقت فهذا مستحيل، لأن الله عز وجل لا بدّ أن يكشف الحقائق، فهو لا يهدي كيد الخائنين، فأي خيانة على وجه الأرض لا بدّ من أن تفتضح، فتعامل مع الله بإخلاص وصدق وطاعة وإقبال عليه...

﴿ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾

 لقد علم أن في الناس من هو مريض متعب، وأن هناك من له جهد كبير في النهار والليل قصير، وعلم أن المسلمين لن يستطيعوا أن يصلوا قيام الليل دائماً، فقد يصلونه في الشتاء وفي بعض أيام الصيف، لكن لو جعله فريضة لكان مشقة علينا، والله سبحانه وتعالى جعله في أول الأمر فريضة على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى أصحابه، ثم جعله فرضاً عليه ونفلاً على المسلمين وهذا من أنهج الأقوال.
 علم أن لن تحصوه ؛أي: لن تستطيعوا قيام الليل دائماً، فتاب عليكم، فكانت هذه الآية ناسخة لقوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) ﴾

 معاني الآية:

﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ ﴾

 1- المعنى الأول: فاقرؤوا في الصلاة ما تيسر من القرآن، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقرأ مائة آية في صلاة الليل، فهنا الآية تخفيفية أيضاً ؛ أي اقرأ بحسب طاقتك وإقبالك، و القرآن هنا هو الصلاة ؛ أي: صلّ ما تيسر لك من الصلاة، لقوله تعالى:

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً(78) ﴾

(سورة الإسراء)

 و قرآن الفجر هنا هو صلاة الفجر، سميت الصلاة هنا باسم بعض أجزائها، فإذا قلت فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ؛ يعني: فصلوا ما تيسر لكم من الصلاة، و هذا معنى.
 2- المعنى الثاني: فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ؛ أي: اقرؤوا في الصلاة ما تيسر لكم، فالإنسان له إقبال وله فتور، فإذا كنت مقبلاً فأدّ الفروض والنوافل، وإذا كنت في فتور فاكتف بالفرائض، ومعنى قوله تعالى:

﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى ﴾

 فالمريض لا يستطيع أن يصلي قيام الليل.

﴿ وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾

 و هؤلاء الذين يسافرون ليكتسبوا المال قد ورد ذكرهم في القرآن الكريم، فقد ينقطع الرزق في بلدك كلياً، فتسافر كي تبحث عن رزق و عمل، فهذا السفر في سبيل الرزق.
 أنواع السفر:
 أيها الأخوة... كلكم يعلم أن أعظم أنواع السفر هو الجهاد في سبيل الله، ويأتي بعده طلب العلم، ويأتي بعده الفرار بالدين، ويأتي بعده كسب الحلال، ويأتي بعده السفر المباح الذي لا معصية فيه، وبعد ذلك سفر من نوع المعصية فيعاقب صاحبه أشدّ العقاب، فهذه السياحة التي يخالطها المعاصي والآثام والفجور هي من المحرمات.

﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ ﴾

 الراحة في المسجد:
 تعلمون أيها الأخوة أن الإنسان إذا دخل المسجد يقول: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك) ففي المسجد قد تأتيك الرحمة و السكينة و التجلي،و قد تشعر أنك في ظل الله و ضيافته وأنت في بيته، فالذي يأتيك في الصلاة و الذكر و قراءة القرآن و الاستماع إلى درس العلم هو راحة نفسية و شعور بالأمن و شعور بأن الله راضٍ عنك، وهذا من فضل الله عز وجل في المسجد، فإذا دخلت المسجد فقل: ( اللهم افتح لي أبواب رحمتك)، أما إذا خرجت من المسجد فأنت بحاجة إلى عمل و قضاء حاجة و تأمين طعامك وشرابك فقل: (اللهم افتح لي أبوب فضلك).

﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 الحديث في هذه الآية عن المجاهدين، وقد استنبط بعض العلماء أن جَمْع الله هؤلاء مع هؤلاء يعني إمكانية جمع السفر في كسب الرزق الحلال والسفر في سبيل مجاهدة الأعداء فالعمل أيضاً عبادة، لأن الجمع يقتضي المشاركة فقد قال تعالى مثلاً:

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

(سورة الإسراء 23)

 فالله عز وجل رفع برّ الوالدين قريباً من عبادة الله عن طريق هذا العطف، و العطف يقتضي المشاركة، و ربنا عز وجل يقول:

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾

(سورة محمد5)

 فقد جعل صلاح البال قريباً من الهدى، و جعل برّ الوالدين قريباً من عبادة الله، كما جعل الضرب في الأرض ليبتغي من فضل الله قريباً من الجهاد في سبيل الله.

﴿ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 لأن فيكم مرضى و مسافرون ومجاهدون، فقال:

﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ﴾

 أي: القرآن، وذلك يعني: صلِّ قيام الليل واقرأ ما تيسر لك من القرآن، أو صلِّ خمس أوقات في رأي بعض المفسرين.

﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾

 إن إيتاء الزكاة معروف، وقال بعضهم في بعض التفاسير: -وهذا من التفسيرات الوجيهة _ إنه مطلق العمل الصالح يعني: اتصل بالله وأحسن إلى الخلق، فالدين كله اتصال بالخالق وإحسان إلى المخلوق، و هناك حركة نحو السماء هي اتصال بالله وحركة نحو الأرض هي خدمة الخلق وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾

(سورة مريم31)

 وجوب تلازم الإيمان والعمل الصالح:
 الزكاة هنا فسرت تفسيراً واسعاً، و الآية تعني الزكاة و الصدقة، كما أن خدمة الخلق تعنيها الآية كذلك، فيجب أن يكون لك عمل صالح وطيب، فما قيمة الصلاة من دون عمل طيب وصالح ؟؟ بل ما قيمة العمل الصالح من دون صلاة ؟؟ لقد أصبح سلوكاً زكياً، وهناك أشخاص كثيرون لم يؤمنوا بالله إطلاقاً ولكن لهم أعمال طيبة، فهذه الأعمال ينتزعون بها إعجاب الآخرين ويحققون بها مصالحهم، و ليس هذا العمل هو المقصود، فلا بدّ من اتصال بالله وعمل صالح، وكلاهما شرط لازم غير كافٍ، فالاتصال بالله يسمو بعملك، والعمل الصالح يرقى بإيمانك، والعمل يزداد بالإيمان، والإيمان يثمن بالعمل الصالح، قال تعالى:

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

 وهذا يشمل أي عمل صالح على الإطلاق مع أي مخلوق كان، ولو أطعمت هرة، أو خلّصت نملة من الغرق، أو نزعت قشة من أرض المسجد، وهو أي عمل صال مهما بدا لك صغيراً، مع أي مخلوق من حيوان أو بهيمة، كأن تذبح حيواناً مؤنساً ذبحاً سريعاً، فتضربه ضربة واحدة لتحسن قتله، أو تطعم مسكيناً، وأو ترعى يتيماً، أو تكون أباً جيدا ً أو زوجاً مثالياً، أو ابناً باراً، أو جاراً مسلماً محسناً صادقاً، أو أن تكون متقناً في عملك، صادقاً في حرفتك، تقرض الناس قرضاً.. تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.. تدعو إلى الله.. تصلح بين زوجين، فأي عمل صالح مع أي مخلوق يجب أن تعلم أنه قرض لله تعالى، فالمقترض هو الله.
 وقد يقول لك شخص: هذه المعروف لا يضيع معي أبداً، فقد تخدم خدمة لابنه، أو تقدم له خدمة ثمينة أخرى، أو تعاونه في مشكلة، أو تخلصه من ورطة مع الإنسان، فهذا المعروف لا يضيع معه، فكيف مع الواحد الديان ؟؟ هذا قرض حسن.
 قصة:
 لقد ذكرت مرة قصة عن طبيب رأى امرأة شابة جاء زوجها إليه، وكان معها ورم خبيث في الحنجرة، و حالتها ميئوس منها، وقد زاروا جميع البلاد المحيطة ببلدنا للعلاج، ولم يكن هناك أمل أبداً، فالطبيب أعلمه أنه لا يوجد أمل، ثم قال له: أتسمح لي أن أجرب شيئاً ولا أبغي مقابله شيئاً، لقد قال لي: عالجتها في ستة أشهر معالجة مضنية، كل يوم بالأشعة، فتراجع المرض قليلاً قليلاً ثم شفيت منه تماماً، وهي قصة طويلة ولكن هذا ملخصها، قال لي: إن زوج هذه المرأة من ثلاثين عام يأتي كل عام ويقدم لي الهدايا الثمينة وأقول له: يا أخي والله خجلت منك ما قدمت لك شيء، فقال له: لو مت أنا لتابع أولادي من بعدي هذا العمل، لأن هذا الفضل لا يُنسى، فإنسان عنده شيء من الوفاء لم ينس فضل طبيب من ثلاثين سنة، فكيف بالله عز وجل ؟ إنك إذا كنت في خدمة عباده، أو عرّفت عباده به، ومسكتهم بالحق وأسعدتهم بطاعته كنت مصدر أمن لهم، فالله عز وجل شكور، يشكر أي عمل صالح، فقد يكون هناك إنسان خدم المسجد فنظف السجاد وغير ذلك، فأي عمل صالح هو قرض لله عز وجل، وهناك آية أخرى تقول:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾

(سورة البقرة 245)

 فتاجرْ مع الله عز وجل لأن الأرباح مع الله تفوق الخيال، فالإنسان قد يربح عشرين بالمائة، فيقول لك: وفقنا في هذه الصفقة، فإذا اتجرت مع الله كنت أسعد الناس، لذلك:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾

﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

 أي: لن تجدوه بحجمه الحقيقي، بل سيضاعفه لكم أضعافاً كثيرة، أما أن تخسر شيئاً مع الله فهذا غير ممكن، كأن تدفع مبلغاً من المال ولا تجده يوم القيامة، أ, تمضي وقتاً في طاعة الله ولا تجد ثمرته، هذا مستحيل:

﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

 كل عمل مادي فيه تضحية أو تضيع وقت أحياناً فيه مثوبة من عند الله، فكل إنسان له بيت يرتاح فيه، وقد تكون أنت قد أتيت من مكان بعيد، وركبت سيارتين، وجلست على ركبتيك، واستمعت إلى درس علم فهذا عمل طيب، ولن لن يترك الله عملك و لن يضيعه عليك.

﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

 كل عمل صالح لك أجره، فإذا رعيت يتيماً، أو كانت لك أخت عانس فسكنت معك وأكرمتها وهيأت لها الجو المريح، وحفظت لها كرامتها فلن يضيع هذا العمل، وإذا كان لك أب متقدم في السن فتحملت كثيراً من ضغوطه و كنت راضياً بهذا فلن يضيع هذا العمل، وإذا كان هناك إنسان عنده ولد معاق أو عنده مشكلة، فأي عمل صالح بكل ملابساته محفوظ عند الله عز وجل.
 من عمل صالحاً سرّه اللحاق به...

﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

 فإذا قدم الإنسان خير سره اللحاق به، و الحقيقة أن الموت تحفة المؤمن و عرسه لماذا؟ لأنه كان في كل حياته يقدم أعماله أمامه، فأكبر شيء يسره أن يلحق بها، فهو كالذي يرسل ماله إلى بلد معين، فأكبر شيء يسره أن يلحق بماله ليستمتع به في هذا البلد، وهذا شيء واضح جداً، فالمؤمن يعمل للآخرة لذلك ينفق ماله ووقته، وقد يتعب في عباداته، وقد يتعب في ضبط جوارحه لكن كله محفوظ، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴾

(سورة السجدة18)

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾

(سورة القلم35-36)

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

(سورة الجاثية21)

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

(سورة القصص61)

 أنت تتعامل مع خالق الكون، وكل شيء عند الله مسجل، قال تعالى:

﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾

(سورة الكهف49)

 فتاجر مع الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(11)﴾

(سورة الصف10-11)

﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾

 ورد في بعض الأحاديث أن الإنسان قد يطعم لقمة فيجدها يوم القيامة كجبل أحد، وقد يتكلم كلمة حق فيجدها عظيمة عند الله تعالى، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(25)﴾

(سورة إبراهيم24-25)

 تكلم بكلمة حق، أو نصح نصيحة، أو دعا إلى الله، أو أراد أن يعلم الناس القرآن، إنه لا يعلم إلا الله مقدار ما ينتظره من سعادة، بل إن الله عز وجل يقول:

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

(سورة السجدة17)

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

(صحيح البخاري)

 ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، فقد أعطاها لمن يحب ولمن لا يحب، بل إنه أعطاها لمن لا يحب أكثر ممن يحب.

 

﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

 

 إن الماضي يغطى بالمغفرة، والمستقبل يغطى بالعمل الصالح، فإن قدمت العمل الصالح ضمنت المستقبل والماضي بالمغفرة، فاستغفروه لما بدر منكم إن الله غفور رحيم.
 مراكز ثقل الآية:
 إن هذه الآية الأخيرة من سورة المزمل فيها مراكز ثقل:
 1- المركز الأول: إن ربك يعلم، فيجب أن تعلم أن الله يعلم، وأن الله يقدر عملك، فهو يعلم ويقدر.
 2- المركز الثاني: الله عز وجل خفف عن عباده بعض العبادات التي قد تشق عليهم، وجمع بين الجهاد في سبيل الله و كسب الرزق الحلال، ثم إن الله سبحانه وتعالى قال: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ؛ يعني: أقيموا الصلاة التي تتبعها الزكاة يعني العمل الصالح، فلا معنى لصلاة دون عمل صالح، كما أن العمل الصالح بدون صلاة لا قيمة له.

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

 كل أعمالكم تجاه المخلوقات هي قرض حسن لله عز وجل.

﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018