الدرس : 2 - سورة المزمل - تفسير الآيات 1-5 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة المزمل - تفسير الآيات 1-5


1997-11-21

 فضل قيام الليل

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثاني من سورة المزمل.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾

 إن أصل كلمة (المزّمل ) في اللغة هو: المتزمل، فأدغم حرف بحرف، وذلك أيضاً كقولك يا أيها المدثر، فأصلها: يا أيها المتدثر، فما معنى المزّمل ؟ إنها تعني المتحمل، أي: يا أيها النبي، لقد جاءتك هذه الرسالة التي حُمّلتها.

﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

 معاني المزّمل:
 لقد ذكر العلماء عدة معان لهذه الكلمة:
 1- المعنى الأول: المزمل: المتحمل، الذي حمل هذه الرسالة، و أي إنسان إنما هو مكلف بحمل الأمانة، وأمانته هي نفسه التي بين جنبيه ؛ و أمانة النبوة التبليغ، أما أمانة المؤمن فهي أن يزكي نفسه، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

(سورة الشمس)

 2- المعنى الثاني: المزمل: المتلفف، فلو فتحتم في معاجم اللغة لوجدتم معنى المتزمل أو المزمل هو: المتحمل أو المتلفف، فالمعنى الأول أنه قد حمل الرسالة وكلف أن ينقل الحق إلى البشر، و هذه المهمة فيها جهد كبير، فالإنسان أحياناً يكلف بمهمة وقد لا ينام الليل عندما يشعر بثقلها، فأحياناً يرسَل الإنسان ببعثة إلى بلد غربي فيشعر أن جهة ما وثقت به وحملته هذا الأمر، فعندما ينال هذه الشهادة يشعر بمسؤولية، والله سبحانه وتعالى يقول له: يا أيها المزمل، أي: يا أيها النبي الذي حُمل هذه الرسالة، والمعنى الثاني (المتلفف) هو معنى أبسط، أما المعنى الأوسع فهو أنه تلفف بثياب النبوة، و ألبسه الله ثوب النبوة والرسالة.
 3- المعنى الثالث: المزمل هو المتلفف بالقرآن الكريم، وقد كان عليه الصلاة والسلام قرآناً يمشي، و كان خلقه القرآن، فالكون قرآن صامت، و القرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي.
 وهناك معنى دقيق يقول: إن المزمل و المدثر ليسا من أسماء النبي، و هذا الاسم اشتُق من حالة من حالات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أنه كان متلففاً بثوبه، وهذا الأسلوب من اللغة العربية، فأسلوب العرب أنهم قد يشتقون اسماً من حالة إنسان ما من أجل للتحبب والتلطف، فرب العزة في عليائه أراد أن يتلطف مع نبيه.
 شواهد هذا الأسلوب من السيرة:
 من هذه الشواهد أن علياً رضي الله عنه غاضب فاطمة رضي الله عنها، وكان علي نائماً وقد ألصق جنبه بالتراب، فقال له عليه الصلاة والسلام:

((قم يا أبا تراب ))

 وقد كان ذلك تلطفاً به وتحبباً إليه وإشارةَ أني لست عاتباً عليك، فهذا أسلوب من أساليب العرب، والقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين.
 وهناك شاهد آخر.. فقد أراد النبي عليه الصلاة والسلام في معركة الخندق أن يندب صحابياً جليلاً لمهمة خطيرة، وهي أن يدخل هذا الصحابي في صفوف الأعداء ليأتيه بالأخبار، فاحتمال أن يكشف هذا الصحابي قائم، واكتشاف أمره يعني قتله، وقد كان سيدنا حذيفة متلففاً بالثوب نائماً وذلك من شددة البرد و الجوع، فاختاره النبي صلى الله عليه وسلم من بين أصحابه كلهم، فقال لحذيفة بن اليمان:

(( قم يا نومان))

 وذلك تلطفاً وتحبباً إليه وإشعارا له أنه ليس عاتباً عليه، وهذا أسلوب من أساليب العربية في التحبب والتلطفف والتبيان.
 لذلك قيل: المزمل: اسم اشتق من حالة لابست النبي، فلمّا جاءه الوحي شعر أنه حمل عبئاً ثقيلاً، وأن أمامه طريقاً شاقاً مديداً فلجأ إلى النوم الموقت فجاءه الوحي مرة ثانية:

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ﴾

 القيام هنا يعني: انهض لتبليغ هذه الرسالة، فهذا تحبب وتلطف وإشعار بأن الله جل جلاله ليس عاتباً عليه في تزمله و تلففه بالثوب.
 أيها الأخوة الكرام... إن المعنى الثاني يُفهمنا أن كل متلفف بثيابه خالدٍ إلى النوم هو معنيّ بهذه الآية، فالآية تقول له: يا أيها النائم قم فصلّ، ألا يقول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، ففي قاعدة في اللغة أن كل اسم مشتق من فعل ينطبق على كل من اتصف بهذا الفعل.

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾

 أيها المؤمن المتدثر المتلفف بثيابك لا تنس ذكر الله، قم فصلّ..
 فوائد صلاة الليل الصحية:
 لقد مرّ في بعض خطب الجمعة أن بعض العلماء الغربيين وجدوا أن أخطر أمراض القلب من احتشاء القلب و تصلب الشرايين و انسداد الشريان التاجي سببها النوم المديد، لأن الإنسان إذا نام نوماً مديداً أبطأ قلبه إلى درجة أنه ينبض خمسين نبضة، وحينما تضعف نبضات القلب ويقل عددها يمشي الدم في الأوعية ببطء شديد، وحينما يمشي ببطء شديد تترسب على جدر الشرايين المواد الدهنية، وعندئذ يصاب الإنسان بما يسمى بتصلب الشرايين أو انسدادها، يقول أحد الأطباء الغربيين -وهو لا يعرف عن الدين الإسلامي شيئاً -: أنصح الإنسان أن يقطع نومه بعد أربع ساعات أو خمس ويجري التمرينات الرياضية لربع ساعة أو أن يمشي مقدار ربع ساعة، وهذه هي صلاة الفجر، فالذي يصلي الفجر في جماعة أو يصلي قيام الليل فيقطع نومه ويقوم إلى الصلاة لا يدري أنه يحقق صيانة راقية لقلبه وشرايينه، وأن أكثر أمراض انسداد الشرايين أو تصلبها سببه النوم المديد، ومن فضل الله على المسلم أنه لا يستطيع أن ينام أكثر من خمس ساعات متتالية، فإذا نام الساعة الحادية عشر كان لا بدّ أن يستيقظ لصلاة الفجر في الساعة الرابعة، العبادات هي أجل القربات إلى الله عز وجل، لكنها لها فوائد جانبية صحية، و لو أننا نعلم هذه الفوائد لسارعنا إلى طاعة الله أولاً، وإلى صيانة أجسامنا ثانياً، فكل راقدٍ في فراشه معني بهذه الآية إذاً، لأنها لم تأت بلفظ: قم يا محمد، بل: يا أيها المزمل، والمزمل اسم مشتق من فعل، فكل من تلفف بثيابه وخلد إلى النوم والراحة نقول له قم فصلّ.
 أيها الأخوة الكرام... إن (قم) استعيرت لصلاة الليل ؛ أي: قم صلّ صلاة الليل، ومنه: قيام الليل.

﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

 الليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، و من هنا استنبط عليه الصلاة والسلام أنه من صلى المغرب والعشاء وصلى الفجر قام نصف الليل لأن حدّ الليل من صلاة المغرب حتى طلوع الفجر، و صلاة الفجر من قيام الليل، وصلاة المغرب والعشاء من قيام الليل، فالذي يتاح له أن يستيقظ بعد أن ينام ليصلي بعض الركعات قياماً لليل فهذا من كمال هذا الأمر الإلهي.
 حكم قيام الليل:
 السؤال الآن: هل قيام الليل حتم و فرض أم ندب وحض ؟ هل قيام الليل حتم وفرض على النبي عليه الصلاة والسلام وحده أم عليه وعلى الأنبياء معه، أم عليه وعلى أمته معه ؟ الأصح أنه في بادئ الأمر كان فرضاً على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى أصحابه لقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾

(سورة المزمل)

 وقد صلى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه عشر سنين حتى تورمت أقدام أصحابه وتورمت أقدامه الشريفة هو أيضاً، ثم أنزل الله آيات التخفيف وستأتي بعد حين...

﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

 و هذا استثناء من الليل..
 أهمية التوازن بين العبادة ومعاملة الناس:
 جاء سيدَنا عمر رضي الله عنه رسول عامله على أذربيجان، فوصل هذا الرسول إلى المدينة في منتصف الليل، فكره أن يطرق باب أمير المؤمنين، فذهب إلى المسجد، فإذا رجل في الظلام يصلي ويقول: ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أو رددتها فأعزيها، فقال هذا الرسول: من أنت يرحمك الله ؟ قال: أنا عمر، فقال: أمير المؤمنين ؟! (لقد كره أن يطرق بابه ليلاً لئلا يوقظه فإذا هو يصلي في الليل )، قال: يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل، فقال هذا الصحابي الجليل عملاق الإسلام: إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، و يُستنبط من هذا الكلام أن سيدنا عمر رضي الله عنه وازن بين اتصاله بالله وخدمته للخلق، ومعظم الناس يجنحون إلى واحدة من هاتين، فإما أن يستغرق في خدمة الخلق فيضيع ما ينبغي أن يفعله مع ربه، وإما أن يستغرق في العبادة فينسى خدمة الخلق، والأصح أن تقيم توازناً بينهما، فلا بدّ أن تشحن نفسك بالعبادة كي تفرغ مع الناس، و لا بدّ أن تتلقى كي تلقي، و لا بدّ أن تتعلم كي تعلم، و لا بدّ من أن تتصل حتى إذا رآك أحد ذكر الله بك، وذلك من أجل أن تؤثر في الناس بحالك لا بكلامك فقط.

﴿ إِلَّا قَلِيلاً﴾

 هذا استثناء من الليل، وهو يعني: صلّ الليل كله إلا يسيراً، لأن قيام الليل كله غير ممكن وهو شيء غير واقعي يتناقض مع طبيعة الإنسان، وقد تسمعون بعض القصص تروي أن أحدهم صلى صلاة الفجر بوضوء العشاء دون أن ينام في النهار أربعين سنة، وهذا شيء مستحيل وهو مبالغة، لأنه مخالف لطبيعة البشر، لكن الله تعالى قال: قم الليل إلا قليل، والقليل عند العلماء هو ما دون النصف أو الثلث.
 كيف تحول هذا الحكم من مستوى الفريضة إلى مستوى الندب ؟
 لقد حدث ذلك بقوله تعالى:

﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾

(سورة المزمل20)

 هذه الآية خففت عن المؤمنين فرضية قيام الليل..
 وقت مبارك...
 إن الوقت الذي يكون قبيل أذان الفجر هو وقت مبارك كما ورد في الصحاح، فقد روي:
 َأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((يَنْزِلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ مَرَّتَيْنِ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ مَنْ الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ))

 إن الله تعالى يناجي هؤلاء الذين تركوا الفراش الوثير، و لم يكن مقصودهم من ذلك جنات العدن ولا الحور الحسان، لكن سؤلهم و مناهم هو نظر الحبيب، وهذا مطلب القوم الكرام، إن هؤلاء هجروا الفراش ليقفوا بين يدي الواحد الديان ليناجيهم ربهم عز وجل.
 فيا أيها الأخوة الكرام... إذا ضاقت بكم السبل، أو استعصى عليكم أمراً، أو أخافكم شيء، أو تعقدت مشكلة أمامكم وأنتم ضعفاء لا تملكون لها حلاً، فعليكم بقيام الليل، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، وكم نصحت إخوة كرام وضعوا أمامي مشكلة عويصة، فقلت لهم: عليكم بقيام الليل، لأن حديث النبي عليه الصلاة والسلام حديث صحيح صدر عمّن لا ينطق عن الهوى:

 

((يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ))

 

(موطأ مالك447)

 أيها الأخوة الكرام... إن سرّ الدين هو أن تنعقد لك صلة بالله عزّ وجل، فإذا أطعته في النهار ولم تعصه أوقظك في الليل..
 فالقليل: هو أقل من النصف أو الثلث.

 

﴿ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4)﴾

 

 و كما قلت قبل قليل: إن صلاة الليل كانت فرضاً على جميع المسلمين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَك ﴾

 ثم جاء التخفيف، قال العلماء: إن الذي نُسخ هو فرضية قيام الليل، والناسخ هو الآية السابقة وقوله تعالى:

﴿عَلِمَ أَنْ لَنْتُحْصُوهُ﴾

 وقوله:

﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى ﴾

 وقال العلماء هو منسوخ بالصلوات الخمسة،أما الآن فقيام الليل سنة مندوب إليها، وكما يقول البعض: الشتاء ربيع المؤمن، طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه، فالليل الطويل يحتمل القيام، والنهار القصير يحتمل الصوم.
 فضل قراءة القرآن في قيام الليل:

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4)﴾

 إن أجمل ما في قيام الليل هو قراءة القرآن في الصلاة، و يجوزعند الإمام مالك قراءة القرآن من المصحف، فإن أردت أن تقرأ القرآن كله في قيام الليل فلك أن تفتح المصحف أمامك، وأن تقرأ في كل ركعة صفحة، وأن تقرأها قراءةً مرتلة، فما معنى مرتلة ؟
 روى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ برجل يقرأ آية ويبكي، فقال عليه الصلاة والسلام: ألم تسمعوا إلى قول الله تعالى:

 

﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً﴾

 

 اقرأ القرآن بتمهل و تمعن و تدبر، وعش جوّ الآيات، فإن كانت في الآية وصف لعذاب فتعوذ بالله من عذاب أهل النار، وإن كان فيها الآية وصف لأهل الجنة فادع الله أن تكون من أهل الجنة، وإن كان في القرآن آية تدل على عظمة الله فسبح الله ومجده تفاعل مع هذه الآيات، وخصيصة الليل هي السكون والهدوء، فلا يوجد اتصالات هاتفية ولا حركة ولا ضجيج ولا صخب، لأن هذا الليل للمحبين.

قم سر نحونا في الليل لا تخش  وحشة فالأنس في طيب ذكرنا

 أيها الأخوة الكرام... لقد سمع علقمة رجلاً يقرأ قراءة حسنة فقال: لقد رتل القرآن فداه أبي وأمي، وروى عبد الله بن عمر فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

 

((يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا ))

 

(رواه أبو داود1252)

﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً﴾

 كَانَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُدُّ صوته بالقراءة مَدًّا.
 ومعنى قوله تعالى:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾

 أي: يقرؤونه قراءة توافق قواعد التجويد، ويتفهمون المعاني التي ينطوي عليها، و يتدبرون الآيات التي أمروا أن يتدبروها، فمن حسن قراءته إلى حسن فهمه إلى حسن تدبره، و هذا معنى الآية.
 معاني الآية:

 

﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾

 

 لهذه الآية معاني كثيرة، و الحقيقة أن الليل هو وقت النوم، والفراش يغري ويجذب الإنسان إليه، والاسترخاء في الفراش أمر يتوافق مع حاجيات الجسم، فإذا أمر الإنسان أن يقوم الليل والناس نيام ففي هذا الأمر كلفة، و لكن.. ما من شيء يوصلك إلى مرتبة عالية إلا فيه مشقة بالغة.
 1- المعنى الأول:
 إن نيل الشهادة العليا اليوم أمر يحتاج إلى وقت مديد و سهر طويل و جهد جهيد، فالمراتب العليا تحتاج إلى بذل جهد، فلعل المعنى الأول لهذه الآية يقول: إن تكليفك أنت وأصحابك بترك الفراش والصلاة نصف الليل، أمر فيه كلفة ومشقة، لكن طريق المقام المحمود هو صلاة الليل.
 قال الله عز وجل:

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79)﴾

(سورة الإسراء)

 إن المراتب العليا عند الله عز وجل تُنال من هذه الساعات التي يقضيها الإنسان في ذكر الله وتلاوة قرآنه والاتصال به، فالمعنى الأول يقول: إننا حينما كلفناك قيام الليل كان هذا التكليف ثقيلاً على الجسد لكن مريحاً للنفس، ودائماً الأشياء التي تريح الجسد تتعب النفس، فإذا الإنسان أطلق نظره في الحرام استمتع بمنظر الحسناوات، ولكنه إذا جاء يصلي وجد بينه وبين الله حجاباً كثيفاً، فإذا استجبت لرغبات الجسد أتعبت نفسك، أما إذا ضبطت جوارحك فإنك تريح نفسك، و راحة النفس في طاعة الله، بل إن أوامر الدين في معظمها تتناقض مع طبع الإنسان و تتوافق مع فطرته، أوضح مثل على ذلك أن من صلى الفجر في جماعة وعاد إلى النوم شعر بسعادة، ثم يستيقظ الساعة التاسعة وهو في رحمة الله، أما لو ترك صلاة الفجر واستيقظ الساعة التاسعة فإن جسمه يستيقظ مرتاحاً، و لكن كيف حاله مع الله عز وجل عند استيقاظه ؟ إنه يشعر أن الشيطان بال في أذنه.
 إن التكاليف متعبة للجسد مريحة للنفس، و التكاليف كلها تتناقض مع الطبع و تتوافق مع الفطرة، هذا المعنى الأول للآية:

﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾

 فهناك تكليف، فقد يحب الإنسان أن يقال له: دكتور أو برفسور أو أستاذ جامعي، وهذا كلام طيب، فهو يريد أن تكون له مرتبة في المجتمع، و هذه المرتبة العالية في العلم تحتاج إلى ثلاث وثلاثين سنة من الدراسة والامتحانات والقراءة والتلخيص والتأليف والمتابعة، فكل شيء تناله في الدنيا أو الآخرة يحتاج إلى بذل جهد، وسلعة الله غالية، ومن ظنّ أن الجنة تنال بعبادات جوفاء أو صدقات يسيرة يدفعها وهو غافل عن الله، فهو إنسان واهم

((ألا إن سلعة الله غالية))

(( ألا إن سلعة الله غالية))

(( ألا إن سلعة الله غالية))

 وقال تعالى:

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

(سورة آل عمران 90)

 2- المعنى الثاني:
 أي: إنا سنلقي عليك القرآن في قيام الليل، والقرآن قول ثقيل ومنهج كامل، الناس يحبون التفلت، لأن التفلت ليس مقيداً بشيء، فالمتفلت يأكل ما يشتهي وينام حينما يشتهي ويستيقظ متى يشاء و يتكلم ما يشاء و يكسب المال من أي طريق شاء و ينفقه على أي شكل شاء، و يلتقي مع من يشاء ويرفض من يشاء، فحياة التفلت مريحة لكن حياة التقيد بمنهج الله تحتاج إلى إرادة وإلى جهد، لكنها مسعدة، فالقرآن الكريم منهج كامل.. و منهج الله عز وجل الكامل يتدخل في أدق خصوصيات حياتك، وأكثر الناس اليوم يتوهمون أن منهج الله عز وجل هو الصلاة والصوم والزكاة والحج، فمن قال لك أن هذا الدين العظيم الذي أنزله الله على نبيه الكريم هو هذه الفرائض الخمس، أكاد أقول ولا أبالغ إن الدين هو مائة ألف بند في كسب المال و إنفاقه، وفي العلاقة الزوجية و تربية الأولاد، والعلاقة مع الجيران وفي مناسبات الحزن و مناسبات الفرح، في الزواج و الطلاق، في السفر والإقامة في نظافة جسمك، وضبط لسانك، وضبط جوارحك، إنه منهج متكامل، فحينما ضغط المسلمون هذا المنهج إلى خمس بنود كانوا في مؤخرة الأمم، أما حينما طبقوا منهج الله في كل أمور حياتهم فقد وصلوا إلى أعلى المراتب، ومصيبة المصائب اليوم أن الدين في المساجد فقط، أما البيوت بيوت المسلمين فهي غير إسلامية، وأسواقهم غير إسلامية، وتجاراتهم غير إسلامية، وهذه المسافة بين الدين والحياة هي التي جعلت المسلمين وراء الأمم.
 فالمعنى الأول يقول: تكليفك يا محمد بقيام الليل هو تكليف ثقيل على الجسد لكنه مريح للنفس، وهناك مثل في التربية يقول: إن كل شيء كان شاقاً على النفس في البداية فهو مريح لها في النهاية، وإذا كان سهلاً على النفس في البداية كان متعباً في النهاية، و أوضح مثل على ذلك هو تعلم الآلة الكاتبة، فلو أنك لم تتعلم بمنهج صحيح لضربت بإصبع واحدة، ولو بقيت على هذه الحالة مائة سنة لاحتاجت الصفحة إلى ساعة لتقوم بكتابتها، أما حينما تذهب لتتعلم استعمال الآلة وفق منهج صحيح و خبرة عميقة، فتكون عينك على النص وأناملك على أزرار الآلة، فالتعلم في البداية صعب جداً، لكن هذا التعلم الصعب ينتهي إلى راحة كبيرة، فإذا آثرت الطريق السهل فضربت على الآلة بإصبع واحدة فإنك تبقى عشرين سنة تضرب عليها و تحتاج الصفحة منك إلى ساعة وإلى ساعتين، فكل شيء متعب في بدايته مريح في نهايته، و العلماء يقولون من لم تكن له بداية محرقة فلن تكن له نهاية مشرقة، فالمعنى الأول هو مجرد تكليف، فقيام الليل أمر ثقيل، لأنه يكون في وقت النوم و الراحة، والفراش يغري لأن تنساق إليه و تستلقي عليه و تنعم بالدفء في الشتاء، أما حينما تنزع عنك الغطاء وتنهض لقيام الليل فهذا معاكسة لطبيعة الجسم لكنه موافق لطبيعة النفس.
 المعنى الثاني: إن هذا القرآن الكريم منهج تفصيلي يحتاج تطبيقه إلى جهد وإرادة وضبط و يقظة.
 3- المعنى الثالث:
 قولا ثقيلاً: أي ثقيل في خيره، فالإنسان قد يهدي لأحدهم قلم رصاص، وقد يهديه أحياناً هدية سيارة غالية جداً، فنقول: هذه هدية ثمينة ؛أي:ثمنها غال جداً و لها نفع عظيم، فالمعنى الثالث يقول: إن الذي يأتيك من قيام الليل شيء ثمين جداً.
 4- المعنى الرابع:
 ثقيل ؛ أي: مبارك فيه خير كثير، ولحكمة أرادها الله عز وجل كان الوحي حينما ينزل على النبي صلى اله عليه وسلم ثقيلاً عليه، فقد كان عليه الصلاة والسلام يركب ناقة، فلا تحتمل الناقة -على عظم وزنها- الوحيَ، فكانت تبرك، لأن الوحي ليس شيئاً في المنام.. و ديننا كله وحي، فلا بدّ لهذا الوحي من أن يكون واضحاً جداً، وأشد أسباب وضوحه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في أيام البرد القارص إذا نزل عليه الوحي تصبب عرقاً، وكانت ناقته تبرك على الأرض لثقل هذا الوحي، و هذا هو المعنى الأخير لقوله تعالى:

﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾

 إن هذا الوحي ثقيل، فقيام الليل أمر يثقل على الجسد أيضاً..
 فهذا القرآن الكريم منهج تفصيلي كامل، يحتاج إلى إرادة وجهد كبيرين، و هذا القرآن الكريم ثقيل من حيث الخير والبركة، وأخيراً: هذا القرآن الذي نزل عن طريق الوحي كان له وقع شديد على النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7)﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018