الدرس : 1 - سورة المزمل - تفسير الآيات 1-5 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة المزمل - تفسير الآيات 1-5


1997-11-14

 أهمية عبادة الداعية

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الأول من سورة المزمل.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) ﴾

 المزمل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: تزمل ؛ أي: تلفف بثيابه.
 سببا نزول هذه الآيات:
 1- السبب الأول: (الرواية الأولى):
 يروى أن قريشاً اجتمعت في دار الندوة تدبر كيدها للنبي عليه الصلاة والسلام والدعوة التي جاء بها، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاهتمّ لذلك والتف بثيابه وتزمل ونام مهموماً، فجاءه جبريل عليه السلام بشطر هذه السورة:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) ﴾

 فالدعوة فيها صعوبات، وفيها أعداء و كيد و صوارف وعقبات، والنبي عليه الصلاة والسلام يدعوه ربه في هذه السورة إلى أن يقوم بأعباء هذه الدعوة، والإنسان قد تأتيه أحياناً حالات نفسية تضغط عليه فيميل إلى النوم، و الله جل جلاله يقول للنبي عليه السلام:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) ﴾

 2- السبب الثاني: (الرواية الثانية):
 وخلاصتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحنث في غار حراء قبل البعثة بثلاث سنوات ؛ أي: يتطهر ويتعبد، وكان تحنُّث النبي عليه السلام في كل سنة شهراً كاملاً وهو شهر رمضان، فكان يذهب فيه إلى غار حراء الموجود على بعد ميلين من مكة، فيقيم فيه هذا الشهر، ويطعم من جاءه من المساكين، ويمضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة وتطوراته الواهية، ولم يكن بين يديه طريق واضح ولا منهج محدد ولا طريق قاصر.
 لقد كان عليه الصلاة والسلام يذهب إلى غار حراء فيمضي فيه الليالي ذوات العدد يتعبد و يصلي و يفكر و يتأمل وهو في حيرة كبيرة، لأن قومه في ضلالة شديدة وفي ظلمة حالكة وفي انحراف خطير وفي فتن مشتعلة، ولكنه لا يدري ما العمل.
 وكان اختياره لهذه العزلة طرفاً من تدبير الله له، وذلك لما ينتظره من الأمر العظيم، فقد كان في هذه العزلة يخلو إلى نفسه، فيخلص من زحمة الحياة وشواغلها، ويفرغ لموحيات الكون ودلائل الإبداع، وتسبح روحه مع روح الوجود وتتعانق مع الجمال و الكمال والحقيقة الكبرى، وتتمرن على التعامل معه في إدراك وفهم.
 أهمية خلوة الداعية مع الله عز وجل:
 أيها الأخوة... لا بدّ لأية نفس يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية من خلوة وعزلة مع الله عز وجل، ففي الخلوة يتم الشحن ومع الناس يتم التفريغ، فلا يمكن لإنسان أن يحدث تأثيراً كبيراً في الحياة، أو أن يقلب مجرى الحياة و يغير طبيعة العلاقات، و يضفي على الحياة من بعده روح الفضيلة و الاستقامة دون أمة يكون له مع الله خلوة، ليشحن نفسه في هذه الخلوة، فالتأثير في الناس من دون خلوة كلام غير مقبول على الإطلاق، لأن العطاء يحتاج إلى كسب، و فاقد الشيء لا يعطيه، فلا بدّ للنفس التي تؤثر بمن حولها أن يكون لها خلوة مع الله، لتكتسب بذلك شحنة روحية تفرغها مع الناس، فإذا ضعفت هذه الشحنة ضعف التأثير، و إذا قلّت الخلوة أو انعدمت ضعف التأثير أيضاً.
 إن هذا درس يجب أن يوضع بين أيدي المؤمنين، لا سيما الدعاة منهم، كما يجب أن يوضع بين يدي كل إنسان و كل مجموعة من الناس أرادت أن تحدث شيئاً في الإسلام، فلن تستطيع أن تؤثر إلا إذا شحنت، و لن تستطيع أن تعطي إلا إذا اكتسبت، و لن تستطيع أن تعلّم إلا إذا تعلمت، و لن تستطيع أن تحمل الناس على الاتصال إلا إذا اتصلت.
 أيها الأخوة... لا بدّ لنا من وقت إلى آخر من خلوة وعزلة وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة وهموم الناس التي تشغلهم، و لا بدّ من فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير، و هذه هي الحكمة الأساسية من العبادة، لأن العبادة نافذة إلى السماء، فلا بدّ من لك من أن تتصل بالله و تناجيه و تقف بين يديه و تتفكر في عظمة الكون، فهذا هو الذي يعطيك الشحنة، و هذه هي الشحنة التي تكتسبها من خلواتك مع الله هي زادك في الدعوة إلى الله و قوة التأثير و إحداث التغيير ليشيع من كلامك الخير الكثير.
 أيها الأخوة... إن أكثر الناس يقضون أوقاتهم في الشواغل التافهة، رغم أن الإنسان هو المخلوق الأول الذي خلقه الله لجنة عرضها السماوات والأرض، كما أنه خلقه ليعرفه ويقبل عليه، وهو المخلوق الأول الذي سخر له ما في السماوات والأرض، لكنه مشغول بتوافه الحياة و سفاسفها، و مشغول بالأمور التي تفعلها كل الكائنات بلا فضل ولا أجر ولا شكر، فالإنسان لا يليق به أن تستهلكه الحياة كما هو حال الناس اليوم، فالإنسان الآن مستهلك، و قوائم الأعمال التي يكتبها على دفتره لا تنتهي.
 قلت مرة لأحد الأشخاص: لو ذهبنا إلى مقبرة واطلعنا على أحوال هؤلاء الموتى جميعاً لوجدنا أن كل واحد منهم قد مات وعليه قوائم من الإنجازات التي لم يفعلها بعد، فهذه المشاغل لا تنتهي، و لا بدّ أن تقتطع من وقتك الثمين وقتاً لمعرفة الله والاتصال به والإقبال عليه و التفكر في ملكوته، وإلا لن تستطيع أن تؤثر في نفسك، لأن المهزوم أمام نفسه إنسان ضعيف تافه، و المهزوم أمام شهواته و رغباته و نزواته و مصالحه إنسان لا يستطيع أن يحرك ساكناً، فأنى له أن يحدث في الناس التغيير.
 النبي عليه الصلاة والسلام هو بشر من بني البشر وقد عاش ثلاثاً وستين عاماً.. فما هو أثره بعد هذه الحياة ؟ لقد تعرفت أمم لا تعدّ ولا تحصى إلى الله و أقبلت عليه و سعدت بقربه و اصطلحت معه بسببه عليه السلام، لذلك أقسم الله جل جلاله بعمره الثمين فقال:

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) ﴾

(سورة الحجر)

 كأن الله سبحانه وتعالى قد أعدّ النبي عليه الصلاة والسلام من أجل أن يتحمل عبء هذه الرسالة العظيمة الخالدة، يقول عليه الصلاة والسلام:
جاءني جبريل فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾

( سورة العلق)

 إن أول كلمة نزلت في الوحي هي: اقرأ، فأساس هذا الدين العلم، لكن العلم واسع جداً، فاقرأ العلم الذي يوصلك إلى الله، واقرأ باسم ربك، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ ))

(سنن الترمذي)

 قيمة طلب العلم:
 إن أول خصيصة تمتاز بها أيها الإنسان أن الله جل جلاله أودع فيك القدرة الإدراكية، فإن لم تقرأ عطلت هذه القدرة وهبطت إلى مستوى لا يليق بك، و إن لم تطلب العلم هبطت عن مستوى إنسانيتك إلى مستوى مخلوقات لست منها و هذا لا يليق بك إطلاقاً، وحينما تفكر أن تأكل وتشرب وتكسب المال و تستمتع بالحياة فقط فمعنى ذلك أنك هبطت عن مستوى إنسانيتك إلى مستوى آخر لا يليق بك، لأن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

(سورة الطلاق 12)

 هذه اللام لام التعليل، فعلة وجودنا على الأرض هي أن نعلم، قال تعالى:

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

 فلا شيء في حياتنا يعلو على طلب العلم وحضور مجالس العلم، و لا شيء في حياتنا يعلو على معرفتنا سبب خلقنا، وتكليفنا، وماذا ينبغي أن نفعل، وماذا ينبغي أن ندع، فهذا هو الشيء الأساسي لأن الجنة ثمنها العمل الصالح، والعمل الصالح سببه العلم الصحيح، فإذا لم تعلم لم تعمل، وما لم تعمل فلن تدخل الجنة، و الجنة التي خلقنا لها أساسها العمل الصالح، والعمل الصالح أساسه العلم الصحيح، قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾

(سورة العلق)

 قال: فقرأتها، ثم انتهى وانصرف عني، فخرجت حتى إذا كنت وسط الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول يا محمد: أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل، قدماه في أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، فوقفت أنظر إليه ما أتقدم ولا أتأخر، وجعلت أحول وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية إلا ورأيته كذلك، يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، فما زلت واقفاً لا أتقدم أمامي ولا أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف وانصرفت راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إليها، فقالت يا أبا القاسم: أين كنت ؟ فوالله لقد بعثت في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي ّ، ثم حدثتها بالذي جرى، فقالت: أبشر يا ابن العم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ".
 دور الزوجة:
 هذا هو دور الزوجة، إنه دور المساعد و المشجع و الداعي و المعين، أما الزوجة السيئة فإنها تثبط همة زوجها و تحول بينه وبين طاعة الله، فتكلفه ما لا يطيق، و تحمله على معصية الله و كسب المال الحرام، فتكون سبب قطيعته مع الله، لذلك قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾

(سورة التغابن 14)

 قال العلماء: هذه عداوة مآل وليست عداوة حال، فسبب شقاء هذا الإنسان و دخوله النار هو زوجته التي حملته ما لا يطيق، لكن السيدة خديجة رضي الله عنها التي تتعطر بذكرها المجالس قالت له: ( أبشر يا ابن العم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة )، ولها كلمة أخرى يقشعر لها البدن تقول فيها: (والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر ) إن هذه كلمة الفطرة، فقد أدركت بفطرتها، أن المحسن لن يخزيه الله أبداً.
 ثم فتر الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن كان في الجبل مرة أخرى فنظر فإذا جبريل، فأدركته منه رجفة حتى حثا وهوى إلى الأرض، وانطلق إلى أهله يرتجف يقول: (زملوني دثروني)، ففعلوا وظلّ يرتجف بما به من الورع، وإذا جبريل يناديه: يا أيها المزمل، و هذه هي الرواية الثانية.
 فإن صحت الرواية الأولى أو الثانية، فإن المزمل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال بعضهم: إن هذه الثياب التي تلفف بها هي ثياب النبوة، فالإنسان أحياناً قد يلبسه الله عز وجل ثوباً، فأرقى ثوب يلبسه الإنسان هو أن يكون نبياً مرسلاً.

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴾

 يا أيها المزمل ؛ أي: يا من تلففت بثياب النبوة، وثمن ثياب النبوة التي ترتديها هو أعمالك واستقامتك وحبك وشوقك وإخلاصك وطاعتك.
 انقضى عهد النوم...
 أيها الأخوة الكرام... بعد أن نزل جبريل الأمين على قلب النبي صلى الله عليه وسلم انتهى عهد النوم عنده، فقد دعت السيدة خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أخذ قسط من الراحة بعد أن جاءته الرسالة فقال قولته الشهيرة:

(( انتهى عهد النوم يا خديجة ))

 إن هناك أناساً كثيرين همّهم النوم والاستمتاع بلذائذ الحياة والإغراق بنعيمها، وهؤلاء تافهون عند الله رغم دنياهم العريضة، فسيد هذه الأمة قالت له زوجته خذ قسطاً من الراحة، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( انتهى عهد النوم يا خديجة ))

 لقد ظلّ عليه السلام قائماً بعدها أكثر من عشرين عاماً لم يسترح ولم يسكن ولم يعش لنفسه ولا لأهله، و ما أكثر الناس الذين يعيشون لأنفسهم ولحظوظهم ولشهواتهم ولبيوتهم و لأهليهم ولأولادهم، فهم متقوقعون متمحورون حول مصالحهم، و لا يعنيهم أحد ماداموا قد حصلوا الدنيا العريضة، و هؤلاء كبار في متاعهم صغار عند الله عز وجل، فبيوتهم كبيرة لكن حظوظهم من الله قليلة، وأموالهم كثيرة لكن صلتهم بالله ضعيفة، فحينما خاطب الله عز وجل النبي عليه الصلاة والسلام قال له:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) ﴾

 ما علاقتنا بهذه السورة ؟
 نحن كما يقول معظمنا لسنا بأنبياء ولا مرسلين، ولكننا مؤمنون إن شاء الله، وعلاقتنا بهذه السورة هي أن نخرج من ذواتنا إلى خدمة الخلق، و أن نخرج من بيوتنا إلى الدعوة إلى الله، وأن نخرج من مصالحنا إلى نشر الحق، أن يعنينا أمر المسلمين، و نحمل همومهم، فلا أن نكتفي بهموم بيتنا وهموم أسرنا، و أن يكون نشر الحق شغلنا الشاغل، و أن تكون خدمتنا للخلق هدفنا الكبير، و هذه هي علاقتنا بهذه السورة، فالنبي عليه السلام لم يعش لنفسه ولا لأهله، بل ظلّ قائماً على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ، عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض وعبء البشرية كلها، وعبء العقيدة كلها، و عبء الكفاح والقتال في ميادين شتى.
 فإذا وقفت أمام قبره الشريف فإنك تقول له: أشهد أنك رسول الله بلغت الرسالة وأديت الأمانة وهديت الأمة ونصحتها وكشفت الغمة وجاهدت في الله حق الجهاد وهديت العباد إلى سبيل الرشاد.
 ليسأل كل منا نفسه: ماذا فعلت ؟ ماذا أديت من واجبات تجاه أمتي ؟ تجاه المسلمين ؟ تجاه عقيدتي وديني ؟ هل ساهمت بشكل أو بآخر في ترسيخ دعائم الدين ؟ هل ساهمت بعلمي أو بمكانتي أو بمالي أو بخبرتي أو بطاقتي في سبيل رفع المسلمين للتخفيف عنهم ووصلهم بالله عز وجل و إبعادهم عن الشيطان ومكائده ؟؟ أليس لك دور في الحياة ؟ لقد قال عليه السلام لأحد الصحابة:

 

(( يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبماذا تلقى الله إذاً ؟؟))

إن السؤال الكبير الذي ينبغي أن تسأل نفسك عنه: ماذا أجيب الله عز وجل إذا وقفت بين يديه ؟ هل ستقول له: يا رب زينت بيتي و فرشته، يا رب فعلت كذا وكذا، يجب أن تقول له كلاماً متصلاً بمهمتك في الحياة.
 أيها الأخوة الكرام... إن العمر قصير والرسالة كبيرة جداً، والثمرة يانعة، فهل تدري ماذا ينتظرك إذا كنت سائراً وفق منهج الله عز وجل ؟ تنتظرك جنة عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، أتضيع هذه الجنة بسنوات معدودة لا تقدم ولا تؤخر، والشيء الدقيق الذي ينبغي أن تتساءل عنه هو ماذا حملت من عبء المسلمين ؟ هل تعلمت القرآن وعلمته مثلاً ؟؟
 أيها الأخ الكريم: أقول لك هذه الحقيقة: لا تنشغل بما لا تملك عن الذي تملك، لأن الله جلّ جلاله لا يؤاخذك أبداً فيما لا تملك، فكم من قوة غاشمة في العالم كله تكيد للمسلمين، لكن يجب علينا أن ننشغل فيما نملك، فأنت تملك بيتك وعملك وجوارحك وحواسك ووقتك وتفكيرك، فهل يمنعك أحد من أن تصلي في البيت ؟ أو أن تربي أولادك ؟ أو أن تقرأ القرآن وتعلمه وتتعلمه ؟ هل يمنعك أحد أن تكون صادقاً في عملك مستقيماً في معاملة الخلق ؟ أبدا ً... إن هذا هو جهاد النفس والهوى الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام فجعله أعلى جهاد على الإطلاق، ثم يأتي بعده جهاد الدعوة، قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

(سورة الفرقان)

 إن هذين الجهادَين -جهاد النفس والهوى وجهاد الدعوة - متاحان لكل مسلم في كل مكان وزمان، فإذا أقمتهما كفاك الله ما لا تملك، و إذا أطعت الله فيما تملك كفاك الله ما لا تملك، أيها الأخوة الكرام:

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) ﴾

 إنها دعوة السماء إلى الأرض من خلال النبي عليه الصلاة والسلام..

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر؟؟

 أنت مخلوق عظيم، لكنك عددت نفسك مخلوقاً عادياً، فالإنسان أحياناً بسبب جهله بقيمته يظن أنه (تكملة عدد)، أو إنساناً من هؤلاء البشر المعذبين الضعاف، لكن الحقيقة هي أنك المخلوق الأول الذي كرمك الله عز وجل و خلقك لعبادته، يقول تعالى في الحديث القدسي:

(( خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك، إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرّهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنهمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بالعبد من الأم بولدها ))

 ثمن الجنة:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴾

 

 يخاطب الله عز وجل نبيه الكريم:فيقول له: قم، وهناك قيام نفسي، فالإنسان الفاسق الفاجر أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فكانت سعادته الكبرى في النوم والاسترخاء والتمتع بالملذات والشهوات والمناظر المثيرة، لكن المؤمن يخاطَب من خلال النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول له الله تعالى:

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

(سورة الذاريات)

 أي: اذهب إلى الله و أطعه، فلا ينبغي للإنسان أن يستهلك، ولا أن يكون في زحمة الحياة ورقة في مهب الريح، تذهب يمنة ويسرة دون اختيار منه.

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ ﴾

 قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، و العبء الثقيل المهيأ لك، قم للنصب والكد والتعب.
 أيها الأخوة الكرام... والله الذي لا إله إلا هو، لا يمكن للمؤمن أن يشم رائحة الجنة إن لم يبذل، والدليل قوله تعالى:

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

(سورة آل عمران 92)

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

(سورة العنكبوت)

 وهناك نشاطات سهلة جداً على النفس البشرية، كالسماع والحديث والثرثرة والتعليقات ونقد الكلام، وهذه القضايا سهلة جداً، لكن الله يمتحنك إذا كنت صادقاً أم غير صادق، فهو يريد مصداقيتك كلامك، فتكلم عن نفسك ما شئت، لكن الله عز وجل متكفل أن يجعلك في وضع تكشف فيه تماماً على حقيقتك، ولا بدّ لله عز وجل من أن يحجم الإنسان عاجلاً أم آجلاً، فقل ما شئت وافعل ما شئت، وضع نفسك في أي مرتبة تريد، و قل: ( أنا أكبر مؤمن)، وهذا كله كلام بكلام، لكن الله متكفل أن يضعك في ظرف يكشف حقيقتك ليعرف معدنك.

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ ﴾

 إنها دعوة السماء و صوت الكبير المتعال: قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك، قم للنصب والكد والجهد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، قم وتهيأ للأمر العظيم واستعد له، إنها كلمة عظيمة، فقد ينهض الإنسان أحياناً من فراشه بسرعة ليفعل شيئاً، وكأن في الفراش عقرباً ! فماذا فعلت ؟ اسأل نفسك ماذا فعلت ؟ ماذا قدمت ليوم تقف فيه بين يدي الله عز وجل ؟ إن المؤمن له عند الله سجل ذهبي، و أعمال مشرفة صالحة كبيرة..
 إنها كلمة رهيبة عظيمة تنتزعه صلى الله عليه وسلم من دفء الفراش في البيت، وتدفع به إلى الخضم بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب، في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء بسواء، اخرج من ذاتك و مشكلاتك وهموم بيتك و انتماءاتك الضيقة، وانتمِ إلى هذا الكون العظيم وخالقه الكبير و طاعته والقرب منه..
 إن كلمة ( قم ) فيها إحصاءات كثيرة جداً...
 من هو الإنسان العظيم عند الله ؟؟
أيها الأخوة... دققوا في هذه الكلمات: إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً لكنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً، و أكثر الناس اليوم يعيش لنفسه، فهو موفق في عمله ودخله كبير، فقد حلّ كل مشكلاته المادية، فتجده يعيش لنفسه مستريحاً لكنه يعيش ويموت صغيراً عند الله عز وجل، أما الكبير فهو الذي يحمل العبء الكبير، ألم يقل الشاعر:
ذو العقل يشقى بالنعيم بعقله  وأخو الجهالة بالشقاء ينعم
 إن العظماء يشقون في النعيم، والتافهون يسعدون في الجحيم، إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً ولكنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً، أما الكبير فهو الذي يحمل هذا العبء الكبير، فانظر إلى الأشياء التي تهمك و تقلقك و تعنيك، فإذا قلت لي ما الذي يهمك ويقلقك ويعنيك قلت لك من أنت.
 فما للنبي عليه الصلاة والسلام وللنوم، ما له و للراحة، ما له وللفراش الدافئ والعيش الهانئ والمتاع المريح، لقد عرف عليه الصلاة والسلام حقيقة الأمر وقدره فقال لخديجة وهي تدعوه إلى النوم: مضى عهد النوم يا خديجة، مضى عهد النوم وبدأ عهد الجد والتعب و تحمل التبعات و نشر الدعوة وملاقاة الخصوم و الانصراف عن الجواذب ومجابهة العقبات، هذه حقيقة الإسلام، فإذا كنت مؤمناً فليكن همك كبيراً، فهناك إنسان قبره عمله وأهله و هموم بيته فقط، أما المؤمن فله همّ كبير و هدف عظيم، فهو يحمل رسالة ويشعر بوطء حمل الأمانة، لذلك يسعى وبقدر همته يجري الله على يده الخير.
 روى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن قتادة عن سعيد بن هشام أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوَتر، فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: نعم، قال: ائتِ عائشة فاسألها ثم ارجع فأخبرني بردها عليك، يقول سعيد بن هشام قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ألست تقرأ القرآن، قلت: بلى، قالت: كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، فهممت أن أقوم ثم بدا لي قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت يا أم المؤمنين: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ألست تقرأ هذه السورة:

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4) ﴾

 قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض عليه قيام الليل بأول هذه السورة، فقام عليه الصلاة والسلام وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله ختامها في السماء ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعاً من بعد فريضة، قال: فهممت أن أقوم فبدا لي وَتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وَتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كنا نعدّ سواكه وطهوره فيبعثه الله كما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ثم يتوضأ ثم يصلي ثماني ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه ويدعو ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم ليصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله وحده ثم يدعو ثم يسلم تسليماً يُسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر بسبع ثم صلى ركعتين وهو جالس بعدما يسلم فتلك تسع يا بني، وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا شغله عن قيام الليل شيء أو وجع أو مرض صلى من نهار اثنتي عشر ركعة ولا أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة حتى أصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان.
 هذا كلام السيدة عائشة عن أخلاق رسول الله، وعن قيامه لليل ووتره، و لا أكتمكم أن قراءة هذه السورة وفهمها يُشعران الإنسان أنه صغير جداً، فتشعر أنك لا شيء أمام هذه العبادة وهذا الشوق و الحب و الإقبال و الهمة، ولكن الذي أراه أن الإنسان إذا صغر فإنه قد يكبر، أما إذا رأى نفسه كبيراً فإنه لا يكبر.
 يجب أن تعرف ما العبادة التي كان عليها رسول الله، كما يجب أن تعرف ما الهمة التي كان يتحلى بها رسول الله، و ما الشوق الذي كان يعتري قلب رسول الله، فتقرأ هذا فتصغر، لكننا إذا صغرنا نكبر، أما إذا رأينا أنفسنا كبراء فإننا لا نكبر أبداً.
 و قد يشعر أحدنا أن كل عمله و عبادته و صلاته و صومه قليل أمام هذا، ولكن هذا هو النبي، الذي جعله الله عز وجل في مقام محمود، قال عليه الصلاة والسلام:

((سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَسِيلَةُ قَالَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ))

 قال تعالى:

 

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79) ﴾

 

(سورة الإسراء)

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون مطلع هذه السورة باعثاً لنا جميعاً وأنا معكم على قيام الليل وإتقان العبادة و العمل الصالح الذي نلقاه في قبرنا، والذي لا ينبغي أن نغفل عنه لحظة، فما منا من أحد إلا وسيغادر الدنيا عاجلاً أو آجلاً، ولا ينفعه في قبره إلا العمل الصالح، " يا قيس إن لك قريناً تدفن معه وهو حي ويدفن معك وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك وإن كان لئيماً أسلمك ألا وهو عملك "، والموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل.
 لا تقل: فسد المجتمع..
 يا أيها الأخوة الكرام... إن سبل العمل الصالح مفتوحة في كل العصور، و أؤكد لكم لا تشتكوا، و لا تقولوا فسد المجتمع، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾

(سورة المائدة 105)

 عليك من نفسك و أسرتك و عملك، اضمن لي أن تقيم الإسلام في بيتك وفي عملك وأقول لك سوف ترى حال المسلمين في غير هذا الحال، لا تنشغل بما لا تستطيع عن الذي تستطيع، لا تنشغل بما لا تستطيع أن تفعل معه شيئاً عن شيء بإمكانك أن تغيره، فالذي يهمل ما كلفه الله به ويتطلع إلى ما لا يستطيع أن يغيّره يقع في طريق مسدود.
 إن مطلع هذه السورة يكفي كي يحثنا على أن نحسن علاقتنا بالله عز وجل، وأن نسعد بقربه، وأن نكون عند الأمر والنهي من أجل أن نستحق أن يكفينا الله ما لا نستطيع عليه، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) ﴾

 كيف تطمع أن تؤثر في الآخرين إن لم يكن لك مع الله صلة متينة.

 

﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) ﴾

 

 ولكن أقول لكم من باب التطمين: من صلى الفجر في جماعة ومن صلى العشاء في جماعة فكأنه قام الليل، فصلاة الفجر في جماعة والعشاء في جماعة نوع من قيام الليل، ومن لم يقدر على قيام الليل فقيام الليل ليس فرضاً على المؤمنين، لقد كان فرضاً ثم أصبح سنة، لكنك يمكنك أن تصلي ركعتين أو أربع قبل آذان الفجر فهذا قيام لليل.
 على كل لا بدّ أن تسعد بالقرب من الله، و لا بدّ من أن تشحن في هذه الساعة حتى تستطيع أن تفرغ هذه الشحنة مع الناس تأثيراً وهداية ومعونة، فالإنسان الذي يفقد شيئاً لا يعطيه، و إن لم تشحن فلن تستطيع أن تؤثر، وكأن الله سبحانه وتعالى يقول: أيها المؤمنون قوموا إلى معرفة الله و تطبيق أمره و جهاد أنفسكم وأهوائكم و تعلم القرآن وتعليمه، فهذا هو الذي ينفعنا عند موتنا والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً..

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018