الخطبة : 0646 - الغربة في الدين - الكلية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0646 - الغربة في الدين - الكلية.


1998-01-16

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الغربة :

 أيها الأخوة المؤمنون: تمهيداً لموضوع الخطبة، قد يتلفت الإنسان إلى من حوله، فيجد تفلتاً عن منهج الله، يجد أكلاً للمال الحرام، ويجد انتهاكاً لحرمات الله فيشعر بالغربة، ثم يسأل نفسه، أهذه الغربة شعور مرضي أم شعور صحي ؟.. يجيب عن هذا السؤال النبي عليه الصلاة والسلام، يقول:

(( إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ، إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي ))

[حديث حسن صحيح رواه ابن مسعود]

 وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال قال عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، قَالَ: قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ ))

[ابن ماجة و الدارمي عن عبد الله بن مسعود]

 النُّزاع جمع نازع، والنازع هو الغريب في القبيلة، في القبيلة تجد الرجل أو الرجلين، و النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رابع يقول:

((سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ فَقِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟قَالَ: أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ))

[ أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 وفي حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس ))

[مسند الشهاب عن كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

 إذاً أن تشعر أنك لست مع الأكثرية في تفلتهم، في انحرافهم، في فساد عقائدهم، في إساءتهم، في أكلهم المال الحرام، في تورطهم بعلاقات لا ترضي الله عز وجل، إن شعرت أنك لست مع هؤلاء، وأنك غريب عنهم، فهذا شعور صحي، أجابك عن هذا النبي عليه الصلاة والسلام.

((عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأَبْرَارَ الأَتْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا، وَلَمْ يُعْرَفُوا قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ))

[ابن ماجة عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

الغربة غربة أهل الله وأهل سنته بين الخلق :

 أيها الأخوة الكرام: هؤلاء الغرباء الممدوحون من قبل النبي عليه الصلاة والسلام، المغبوطون لقلتهم في الناس سموا غرباء، وأكثر الناس على غير هذه الصفات.
 وأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع هم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء الناس غربةً، ولكن هؤلاء الغرباء هم أهل الله حقاً، فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله في حقهم:

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 116]

 أولئك هم الغرباء حقاً، غرباء من الله ورسوله، غرباء من دينه، غرباء الغربة الموحشة.
 أيها الأخوة الكرام: الغربة غربة أهل الله وأهل سنته بين هؤلاء الخلق، هي الغربة التي مدحها النبي عليه الصلاة والسلام ومدح أهلها، وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريباً وأنه سيعود غريباً كما بدأ، وأن أهله سيصيرون غرباء.
 إذا كنت مستقيماً على أمر الله والناس يتهمونك في عقلك إن رفضت مبلغاً كبيراً فيه شبهة يحل لك كل مشكلاتك، رفضته ورعاً وخوفاً من الله عز وجل، و بدوت أمام الناس محروماً، واتهمك الناس في عقلك فأنت غريب عنهم، شيء طبيعي أن العاقل بين المجانين غريب، وأن الحكيم بين الطائشين غريب، وأن المنحرف بين المستقيمين غريب.

 

الغربة قد تكون في مكان دون مكان وفي وقت دون وقت :

 أيها الأخوة الكرام: هذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله، أشد ما تبدو هذه الغربة صارخة إذا ذهبت إلى بلاد الغرب، كل السلوك الإسلامي مرفوض، كل التفلت والإباحية والتطاول مقبول، كل الانحلال الأخلاقي مقبول، كل الورع والعفة مرفوضة، فقد تكون هذه الغربة في مكان دون مكان، وقد تكون في وقت دون وقت، وقد تكون بين قوم دون قوم، ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقاً، فإنهم لن يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا الناس وهم في أشدّ الحاجة إليهم، فارقوهم فراراً بدينهم.
أيها الأخوة الكرام: لا يليق بالإنسان أن ينتسب لغير الله ورسوله، لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله، لا يليق بالإنسان أن يغير لغير الله، أنت لله وحده، أنت منسوب إلى هذا النبي العظيم.
 أيها الأخوة الكرام: هذه الغربة لفظاً غربة، لكن ليس هناك وحشة على صاحبها، بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس، وأشدّ ما تكون وحشته إذا استأنسوا، إن احتفلوا وغنوا ورقصوا وصخبوا واختلطوا يشعر بوحشة ما بعدها وحشة، وإذا استوحشوا هو في أنس ما بعده أنس فوليه الله ورسوله والذين آمنوا معه، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه.

 

بطولة الإنسان أن يكون من أهل الله و أن تستقيم عقيدته :

 أيها الأخوة الكرام: من هؤلاء الذين ذكرهم النبي عليه الصلاة والسلام:

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ ))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ أَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ فَكُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ أَشْعَثَ ذِي طِمْرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ جَمَّاعٍ مَنَّاعٍ ذِي تَبَعٍ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 فالبطولة أن تكون من الغرباء، البطولة أن تكون من أهل الله، البطولة أن تستقيم عقيدتك، وأن يستقيم سلوكك، وأن تكون وقافاً عند حدود الله، ولا تعبأ بالأكثرية التي شردت، والتي انحرفت، والتي فسقت، والتي فجرت، والتي لا تعبأ أكان مالها حلالاً أم حراماً، أو أكانت علاقاتها شرعية أو غير شرعية.
يقول الحسن رضي الله عنه: " المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس على عزها، للناس حال وله حال، الناس منه في راحة وهو من نفسه في تعب "، الناس قد يرتاحون وهو لا يرتاح إلا إذا عرف الله، الناس يسترخون وهو لا يسترخي إلا إذا شعر أن الله راض عنه، يقلقه نقص في معرفته، يقلقه نقص في استقامته، يقلقه حركة في الحياة قد لا ترضي الله عز وجل، متاعبه كثيرة، يحاسب نفسه حساباً عسيراً، فإذا كان يوم القيامة كان حسابه يسيراً، أما أهل الدنيا فيحاسبون أنفسهم حساباً يسيراً، ما من انحراف إلا ويغطى عندهم بفتوى، ما من تطاول إلا وله عندهم مبرر، ما من انتهاك لحرمات الله إلا بدعوى الاطلاع والثقافة وما إلى ذلك، يغطون كل انحرافاتهم بفلسفات واهية ضعيفة لا تقف على قدميها، لأنهم منطقيون، فإذا لم يفعلوا هذا اختل توازنهم، يأتون بحجج ضعيفة، وفتاوى ضعيفة، وتبريرات مضحكة كي يتوازنوا، ولو أنهم استقاموا على الطريقة لكانوا في حال غير هذا الحال.

صفات الغرباء الذين أثنى عليهم النبي الكريم :

 أيها الأخوة: من صفات هؤلاء الغرباء الذين أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم تمسكهم بالسنة، إذا رغب الناس عنها، وتركهم ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، المعروف عند الناس ما أحدثوه، لكن المعروف عند أهل السنة ما شرعه النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أشار النبي إلى ذلك فقال:

((كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟ قالوا: أو كائن هذا يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة]

 هؤلاء الغرباء تمسكهم بالسنة إذا رغب الناس عنها أحد علامات إيمانهم، وترك ما أحدثوه وإن كان عندهم هو المعروف، توحيدهم لله عز وجل وإن أنكر الناس عليهم ذلك، وجرب ذلك، إن عزوت الأمر إلى الله وحده، إن بينت للناس أن الله وحده هو المتصرف، وأن يد الله فوق أيديهم، وأنه لا يقع شيء في كون الله إلا بمشيئة الله، وأن أفعال الله كلها فيها حكمة ما بعدها حكمة، ورحمة ما بعدها رحمة، وعد ما بعده عدل، اشمأزت قلوبهم من هذا الكلام، فإذا عزوت الأمور إلى البشر وإلى الأقوياء من البشر ارتاحت نفوسهم، إذا ذكرت الله وحده اشمأزت نفوسهم، وإذا ذكرت معه شركاء يطمئنون، هذا من صفات أهل الدنيا الشاردون.
 أيها الأخوة الكرام: المؤمن يملك تفسيراً إلهياً توحيدياً لكل ما يرى ويسمع، بينما أهل الدنيا يريدون التفسيرات الأرضية، فإذا وقع زلزال يريدون أن يكتفوا بأنه اضطراب في باطن الأرض فقط، أما أن يقبلوه عقاباً إلهياً لانحراف في مجتمع فهذا يرفضونه، إذا ذكر الله وحده وعزي كل شيء إلى تصرفاته، وأن خطة الله عز وجل تستوعب خطة الأقوياء، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة يونس: 24-25]

 أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً، ولم يأتها أمرهم، إذا ملكت تفسيراً لكل ما تسمع ولكل ما ترى تفسيراً توحيدياً فأنت الغريب، أما إذا أرجعت الأمور إلى الأقوياء من بني البشر، وصورت ما يجري صراعاً بين أصحاب القرارات فهذا يبدو غريباً عند الناس، قال تعالى:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ﴾

[ سورة النحل: 112]

 أيها الأخوة الكرام: هم ينتسبون إلى رسول الله وغيرهم ينتسب إلى غير الله ورسوله بل هؤلاء الغرباء ينتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، هؤلاء الغرباء هم القابضون على الجمر حقاً، وأكثر الناس لائم لهم، لقد كان المستجيبون لدعوة الإسلام من القبائل قلائل، أفراد، أي غرباء في القبائل، بل آحاد، تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم حينما دخلوا في الإسلام، فكانوا هم الغرباء حقاً في عهد النبي، حتى ظهر الإسلام، وانتشرت دعوته، ودخل الناس فيه أفواجاً فزالت تلك الغربة، ثم أخذ في الاغتراب والترحل شيئاً فشيئاً، بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجاً، خرج الناس من دين الله أفواجاً فبدأ الاغتراب والترحل شيئاً فشيئاً حتى عاد غريباً كما بدأ، بل الإسلام الحق الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو أشدّ غربةً منه في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه ورسومه ظاهرة، مشهورة، ومعروفة، مساجد من أروع ما يكون، خُطب، كتب، مؤتمرات..
 مليار ومئتا مليون ليسوا مستخلفين، وليسوا مطمئنين، وليسوا موعودين بالنصر، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أين الاستخلاف؟ أين التمكين ؟ يعبدونني، هذا هو الشرط، قال تعالى:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[سورة مريم: 59]

 ولعل المسلمين لقوا ذلك الغي.

 

المؤمن غريب في أمور دنياه وأخراه :

 أيها الأخوة الكرام: الإسلام الحقيقي الذي جاء به النبي والذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غريب جداً، وأهله أشد غربةً.

((عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ قَالَ أَيَّةُ آيَةٍ قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ قَالَ بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ))

[ الترمذي و أبو داود عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ]

 أيها الأخوة الكرام: إذا أراد المؤمن الذي رزقه الله بصيرةً في دينه، وفقهاً في سنة رسوله، وفهماً في كتابه، وأراه الله ما هم عليه الناس من الأهواء والبدع والضلالات، وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، إذا أراد المؤمن وقد رزقه الله هذه البصيرة، وهذا الفهم، وذاك الورع، أن يسلك هذا الطريق، فليوطن نفسه على قدح الجهال، وأهل البدع، وازدرائهم له، وتنفير الناس عنه، وتحذيرهم له، فهو غريب في دينه، لفساد دينهم، غريب بتمسكه في السنة، وتمسكهم بالبدعة، غريب في اعتقاده، لفساد اعتقادهم، غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه، لضلال طريقهم، غريب في نسبته، لمخالفة نسبهم، غريب في معاشرته لهم لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم.
 أي لو أردت أن تستقبل ضيفاً مع زوجته، وأردت أن يكون النساء في غرفة، والرجال في غرفة لأقاموا عليك النكير، بين أهلك الأقربين هذه هي الغربة.
 أيها الأخوة الكرام: المؤمن غريب في أمور دنياه وأخراه، لا يجد من العامة مساعداً ولا معيناً فهو عالم بين الجهال، صاحب سنة بين أهل البدع، داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى غير الله وغير رسوله، آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر بين قوم لديهم المنكر معروفاً والمعروف منكراً. ثم إن هناك معنىً آخر لموضوع الخطبة، بل إن الناس كلهم غرباء في هذه الدار، فإنها ليست لهم بدار قرار، ولا هي الدار التي خُلقوا لها وقد قال عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما:

((كُنْ في الدنيا كأنك غَريبٌ أو عابِرُ سَبيلٍ ))

[ البخاري عن ابن عمر]

العاقل من ينجو بنفسه إن كانت الأكثرية ليست على ما ينبغي :

 يا أيها الأخوة الكرام: نرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون الناس جميعاً على صواب، ولا نيأس، ولا نضعف، بل ندعو إلى الله، ونصلح الناس، ولكن حينما ترى أن الأكثرية ليست على ما ينبغي أن يكون لُذْ بالاستقامة، ولذ بالله عز وجل، وانجُ بنفسك، قال تعالى:

﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة المائدة: 105]

 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الكلية :

 أيها الأخوة الكرام: من الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل والتي بين جوانحنا، في أجسامنا، وجسم الإنسان أقرب شيء إليه قال تعالى:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21]

 إن هذه الكلية من إحدى وظائفها طرح الملح الزائد، فالملح أيها الأخوة له نسبة دقيقة في الدم، إن نقصت عنها أو زادت هلك الإنسان، هو يأكل بلا حساب، قد يأكل أكلاً مالحاً، وقد يأكل بعض الأكلات التي فيها ملح زائد، هو يأكل كما يشتهي، ولكن نسبة الملح في الدم يجب أن تكون بين سبعة إلى ثمانية في الألف، فإن نقصت أو زادت هلك الإنسان، وكانت حياته في خطر، لذلك هذه الكلية التي تراها صغيرة تقوم بعمل كبير، عمل تتوقف عليه حياة الإنسان، إنها مسؤولة عن طرح الملح الزائد في الدم. هي الحارس الأمين للجسم من زيادة الملح والسكر، يساعدها في ذلك الدماغ الذي يصدر الأوامر إلى كل أعضاء الجسم.
 من أدق الأمثلة على عمل الكلية، عندما يتناول الإنسان كمية زائدة من الملح، وخاصة في بعض الأكلات، عندئذ تأتي إشارة إلى الدماغ بأن هذا الملح قد زاد عن حده، فيرسل الدماغ أمراً هرمونياً عن طريق الغدة النخامية بأن تتوقف عن طرح الماء في حجيراتها الاحتياطية، في الكلية حجيرات احتياطية فيها ماء، الغدة النخامية عن طريق الهرمونات تأمر الكلية فتتوقف عن طرح الماء الزائد في حجيراتها، لماذا ؟ لأن الملح إذا ازدادت كثافته شكل خطراً على الإنسان عندئذ يرسل القلب نداءً عن طريق هرمون آخر إلى الأجهزة الهضمية فتثير في الإنسان العطش الشديد، وما من أكلة مالحة إلا وتحتاج إلى ماء كثير بعدها، هذا شيء ثابت. هذا العطش الشديد يدعوك إلى أن تشرب ماء كثيراً، هذا الماء ينتقل بوقت خيالي من المعدة إلى الدم، من أجل أن يحل الملح الزائد، فإذا حلّ الملح الزائد جاء أمرٌ معاكس للكلية بطرح كل الماء الزائد فيها عندئذ يُحل الملح في هذا الماء الزائد ويُطرح خارج الكلية وأنت لا تدري، أنت أكلت أكلةً مالحةً واستمتعت بها، والباقي تقوم به هذه الأجهزة الدقيقة التي لا يعلم دقتها إلا الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام: كل جهاز في الإنسان، وكل عضو فيه، وكل حاسة فيه لو وقفنا على تفاصيلها لدهشنا، ولأخذنا العجب العجاب، كل هذه الدقة وأنت في غفلة عن الله عز وجل. أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ؟؟
 أيها الأخوة : لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت قال تعالى:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل: 88]

 يجب أن تعلم أن كأس الماء الذي تشربه والذي تطرحه يمر عبر أجهزة بالغة الدقة، يحار العقل في فهمها، قبل أن يعرف طريقة عملها.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018