الخطبة : 0437 - أحاديث شريفة تبدأ بكلمة خيركم - شجرة الزيتون. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0437 - أحاديث شريفة تبدأ بكلمة خيركم - شجرة الزيتون.


1993-04-23

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، و ما توفيقي و لا اعتصامي و لا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلَّى الله عليه وسلم رسولُ الله سِّيدُ الخلق والبشر ، ما اتَّصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهمَّ ارحمنا فإنك بنا راحم ، و لا تعذِّبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

النّعم وسيلة لكسب رضوان الله عز وجل :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ أذكِّركم بقول سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حينما قال : " ثلاثة أنا فيهن رجل - أي بطل - و فيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، يعتريني ما يعتري الناس ، ما سمعتُ حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمتُ أنه حقٌّ من الله تعالى " قال تعالى :

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[سورة النجم: 3-4]

 معصوم في أقواله ، و في أفعاله ، و في إقراره ، وفي مواقفه ، وفي حركاته ، وفي سكناته ، و في بيته ، و مع أصحابه ، و في رضاه ، و في غضبه : " ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا علمت أنه حقٌّ من الله تعالى ، و لا سرتُ في جنازة فحدَّثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ، و لا صليت صلاةً فشُغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها " هذه بطولة عند سيدنا سعد بن أبي وقاص ، بطولة في عباداته ، و بطولة في تعلُّمه ، وبطولة في إعداده لآخرته . قدَّمت لكم هذا القول السديد لذلك الصحابي الرشيد من أجل أن أمهِّد به لطائفة من الأحاديث الصحيحة التي وردت في الجامع الصغير ، بل في صحيح الجامع الصغير ، و كلُّها تبدأ بقوله صلى الله عليه و سلم : " خيركم " فالنبي عليه الصلاة و السلام جاء دينُه متوازناً ، و يشكو العالَم اليوم التطرُّفَ و المبالغةَ و الغلو ، الدين الإسلامي كما يصفه الواصفون دينٌ متوازن ، وازن بين الدنيا والآخرة ، وازن بين حاجات الجسد و حاجات الروح ، وازن بين العقل و الشهوة ، وازن بين الحاجات و القيم ، هذه الموازنة و هذا الاعتدال هو من خصائص الدين الإسلامي ، لذلك يقول عليه الصلاة و السلام فيما رواه أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :

((خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ، ولا دنياه لآخرته ، ولم يكن كلاً على الناس))

[ السيوطي في الجامع الصغير عن أنس ]

 هذا الذي ينكبُّ على الدنيا ينسى فيها كلَّ شيء ، يجعل كسب المال دينَه ، يجعل همَّه التفوُّق فيها ، هي عنده منتهى الآمال ومحطُّ الرحال ، هي كل شيء ، و هذه أكبر مغامرة أو مقامرة يقع الإنسانُ في حبالها ، لأنه لسبب أو لآخر ، لسبب بسيط أو جليل تنتهي حياتُه ، فإذا انتهت حياته قدِم على الآخرة وهو صفر اليدين ، ينطبق عليه قولُ الله عز وجل يصف الكافرَ النادم إذ يقول حينما يقدم الموت :

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

[ سورة الفجر: 24]

 لذلك يقول عليه الصلاة و السلام عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :

((خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ، ولا دنياه لآخرته ، ولم يكن كلاً على الناس))

[ السيوطي في الجامع الصغير عن أنس ]

 اللهُ جل جلاله خلقنا في هذه الدنيا و أعطانا من النعم ما لا يُعدُّ و لا يُحصى ، لتكون هذه النعم و وسيلة إلى رضوان الله عز وجل .

 

حظوظ الدنيا حظوظ حيادية :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ كلُّ حظوظ الدنيا من مال أو صحة أو جاه أو ولد أو زوجة أو ذكاء أو طلاقة لسان أو علم ، كل حظوظ الدنيا إما أنها درجات ترقى بها إلى الآخرة أو أنها دركات تهوي بها إلى النار ، هي حظوظ حيادية ، لذلك المؤمن يتقرَّب إلى الله عز وجل حينما يعمل عملاً صالحاً ، و مهنته عمل صالح ، حرفته عمل صالح ، وظيفته عمل صالح ، الذي أقامه اللهُ به إذا أخلص به لله عز وجل ، و ابتغى به خدمةَ المسلمين ، و مارسه بطريقة شرعية إسلامية ، انقلبت حرفتُه إلى عمل صالح ، لذلك يقول النبي عليه الصلاة و السلام عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :

((خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ، ولا دنياه لآخرته ، ولم يكن كلا على الناس))

[ السيوطي في الجامع الصغير عن أنس ]

 هو في خدمة الناس ، و ليس كلاًّ عليهم ، هو يعطي و لا يأخذ ، هو يبذل و لا يستجلي ، عنصره إيجابي ، فبخدمة مجتمعه ، ينفع الناسَ ، ينصح الناس ، يقدِّم للناس كل شيء ، بل إن قمم البشر هم الأنبياء الذين أعطوا و لم يأخذوا ، و الذين يقعون في حضيض البشرية هم المنحرفون الذين أخذوا و لم يعطوا ، فإذا كنت ممن تعطي و تأخذ فهذا حالٌ وسطي، إذا كنت متقيِّدا بشرع الله عز وجل .

 

كسب الرزق و التفوق في الحرفة و الإتقان في العمل جزءٌ من الدين :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :

((خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ، ولا دنياه لآخرته ، ولم يكن كلاً على الناس))

[ السيوطي في الجامع الصغير عن أنس ]

 من هنا أمسك النبي عليه الصلاة و السلام بيد عبد الله بن مسعود و كان خشنةً جدًّا ، بسبب عمل شاق يعمل به ، رفع هذه اليد بين أصحابه و قال : " إن هذه اليد يحبها الله و رسوله" من هنا كان يقول سيدنا عمر رضي الله عنه : " إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني " فكسب الرزق و التفوق في الحرفة و الإتقان في العمل جزءٌ من الدين ، و إذا أردت الدعوة إلى الله فالناس لن يحترموا مهملاً في عمله ، لن يحترموا مقصِّراً في عمله ، إذا تفوَّقت في عملك احترم الناس دينك و عبادتك و صلاتك و صيامك و حجَّك و سائر عملك .

 

المؤمن يُرجى خيره ويؤمن شره :

 حديثٌ آخر يا أخوة الإيمان يبدأ بقول النبي عليه الصلاة و السلام : خيركم ، قال عليه الصلاة و السلام :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى أُنَاسٍ جُلُوسٍ فَقَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ ؟ قَالَ : فَسَكَتُوا ، فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ رَجُلٌ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا ؟ قَالَ : خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 الناسُ بفطرتهم إذا تعاملوا مع المؤمن رأوا فيه من الطيبة ، و الخير ، و الإنصاف ، و العدالة ، والوقوف عند حدود الله ، و الخوف الشديد لله ، والورع ، و الاستقامة ، و الجهاد ، و الفضل الشيءَ الكثير ، لذلك يرتاحون له ، لذلك ينامون على ريش النعام إذا تعاملوا معه ، لا يقلقون ، و لا يخافون بطشه ، لا يخافون كيده ، لا يخافون احتياله ، لا يخافون كذبه ، لأنه لا يكذب ، و لا يغش ، و لا يحتال ، ولا يغدر ، و لا يطعن ، و لا يسلم :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَحَاسَدُوا ، وَلَا تَنَاجَشُوا ، وَلَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا تَدَابَرُوا ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ ، وَلَا يَخْذُلُهُ ، وَلَا يَحْقِرُهُ ، التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 يا موسى خف ثلاثة ؛ خفني و خف نفسك وخف من لا يخافني . فإذا تعاملت مع من يخاف اللهَ لا تقلق ، لن يأخذ فوق حقِّه أبداً ، لن يطعن ، لن يغش ، لن يغدر ، لأنه عرف الله الواحد الديَّان .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لو أننا عشنا في مجتمع إيمانه كامل لكنا في حياة أسعد‍َ من هذه الحياة ، ترتاح أعصابُنا ، كل شيء معركة في هذه الحياة ، لو أردت أن تشتري حاجة إنك تتوقَّع الغشَّ و الاحتيال و الكذب والغبن و كل شيء ، حياةٌ مشحونة بالمتاعب ، أما لو عشت بين مؤمنين صادقين كما وجَّه النبي الكريم :

(( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))

[ الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

 النبي عليه الصلاة و السلام يصف المؤمن فيقول : " من عامل الناس فلم يظلمهم ، و حدَّثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، و ظهرت عدالته ، ووجبت أخوَّته ، وحرمت غيبته " :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى أُنَاسٍ جُلُوسٍ فَقَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ ؟ قَالَ : فَسَكَتُوا ، فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا ؟ قَالَ : خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا ينبغي للرجل العاقل أن يظن البطولة إذا خافه الناسُ ، إذا خاف الناسُ شرَّه ، إذا اتَّقاه الناس مخافة شره ، لأن النبي عليه الصلاة و السلام يقول :

(( عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ : ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي الْقَوْلِ فَقَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ ))

[ البخاري عن عروة بن الزبير]

 هذا الذي يُخشى أن يظلم ، يُخشى أن يبطش ، يخشى أن ينقل خبراً يسبب كارثة، هذا إنسان ليس مؤمناً إطلاقاً ، لأن المؤمن يُرجى خيره ويؤمن شره ، و شر الناس من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ، فأنت من خلال إيمانك ، ومن خلال استقامتك ، ومن خلال تعاملك مع الناس يستشفُّ الناسُ حقيقتك و بنيتك وجوهرك فيرتاحون لك .

 

الأعمال المخالفة للشرع تضعف فعلَ الخير بين الناس :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حديث آخر يبدأ بقوله صلى الله عليه و سلم خيركم ، مشكلة الدَّين مشكلة المشكلات ، لأن الناس في علاقاتهم المالية يحتاجون إلى أن يأخذوا و إلى أن يعطوا ، أما إذا ماطل المدين ، ماطل في دفع ما عليه ، هذا الذي يفعل ذلك يمنع الخيرَ ، هؤلاء الذين يمنعون الماعون هم الذين يسيئون للمحسنين حتى يرتدع المحسنون عن فعل الخير، تروي قصص العرب أن لصًّا من لصوص الخيل كان في الصحراء ، مرَّ فارسٌ على ظهر جواده فشكا له الفقرَ و الخوف ، شكا له حرَّ الصحراء اللاهبة ، رقَّ له هذا الفارسُ و دعاه إلى ركوب الخيل ، ما إن امتطى ظهر الخيل خلفه حتى دفعه و ألقاه من على ظهرها ، و عدا بالخيل لا يلوي على شيء ، ناداه صاحب الفرس ، قال : يا هذا لقد وهبت لك هذه الفرس و لن أسأل عنها بعد اليوم ، و لكن إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء فتذهب منها المروءة ، و بذهاب المروءة يذهب أجمل ما فيها ، أحياناً الإنسان يقرض قرضاً يأكله عليه المدين ، يسكن إنساناً في بيته فلا يخرج منه ، هذه الأعمال المخالفة للشرع تضعف فعلَ الخير بين الناس ، هذا ما عناه الله بقوله تعالى :

﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾

[سورة الماعون: 7]

 كل من يسيئ للمحسن سوف يمنع خيراً كثيراً ربما عمَّ المجتمع .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ قد تعجبون حينما يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنًّا فَأَعْطَاهُ سِنًّا خَيْرًا مِنْ سِنِّهِ ، وَقَالَ : خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ قَضَاءً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 أي قضاء للدَّين ، خيركم أحسنكم قضاء ، هكذا الحديث ، لذلك شرُّاح الحديث قالوا : إن قضاء الدين نوع من الكرم الخفي ، لأنك إذا أقرضت و جاء المدين و سدَّد لك القرض في وقته المناسب ، هذا مما يقوِّي معنوياتك ، مما يقوي فعل الخير عندك ، مما يعينك على أن تقرض الناس مرة ثانية ، لكن إنساناً واحداً يخلف الوعد و يماطل وهو يملك ، هذا الذي يمنع الخير بين الناس ، لذلك قال عليه الصلاة و السلام :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنًّا فَأَعْطَاهُ سِنًّا خَيْرًا مِنْ سِنِّهِ ، وَقَالَ : خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ قَضَاءً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا رأيتم أن فعل الخير قد انحصر ، و أن الناس زهدوا في الخير ، وقعوا في سوء الظن المبالغ به ، إلى درجة أنهم يسيئون الظنَّ بأقرب الناس إليهم ، معنى ذلك أن الذين أساؤوا للمحسنين ، و الذين أخلفوا وعودهم معهم ، و الذين قابلوا الحسنة بالسيئة هم وراء هذه المشكلة الخطيرة .

 

الكسب الحقيقي مغادرة الدنيا و لك ولد يدعو لك أو علم يعمل به أو عمل صالح :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة و السلام : " خير ما يخلف الإنسان بعده - قد تترك أموالاً طائلة ، قد تترك أموالاً منقولة و غير منقولة ، قد تترك ضيعاً كثيرة ، بيوتات كثيرة ، محلات كثيرة ، عملات كثيرة ، لكن تذكر مقدمة الخطبة ، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه سلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى - يقول عليه الصلاة و السلام ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( خَيْرُ مَا يُخَلِّفُ الرَّجُلُ مِنْ بَعْدِهِ ثَلَاثٌ ؛ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ ، وَصَدَقَةٌ تَجْرِي يَبْلُغُهُ أَجْرُهَا ، وَعِلْمٌ يُعْمَلُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ ))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ]

 هذه الثروة الحقيقية ، هذا المجد المؤثَّل ، هذا الكسب الحقيقي ، أن تغادر الدنيا و لك من بعدك خليفةٌ يدعو إلى الله ، أن تغادر الدنيا و لك من بعدك ولد صالح يدعو لك ، أن تغادر الدنيا ، و تركت علماً ينتفع به ، أن تغادر الدنيا وصدقةٌ جارية يبلغك أجرها إلى يوم القيامة ، قال تعالى :

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[سورة الصافات: 61]

 و قال تعالى :

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[سورة المطففين: 26]

 قال تعالى :

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[سورة يونس: 58]

 افرح بهذه المكتسبات ، افرح بهذه الخيرات ، افرح إذا أمكنك الله من إنجاب ولد صالح ينفع الناس من بعدك ، لذلك كل جهدٍ تبذله في تربية أولادك ، و في تعريفهم بالله ، و في تعليمهم كتاب الله ، و في تخليقهم بأخلاق النبي عليه الصلاة و السلام ، هذا جهد تقطف ثمارَه إلى أبد الآبدين ، أما كلُّ شيء حصَّلته في الدنيا سوى ذلك فتتركه في الدنيا ، و قد قيل : أندمُ الناس رجل غني دخل ورثته بماله الجنة ، و دخل هو بماله النار ، أندم الناس عالِم دخل الناسُ بعلمه الجنة ، ودخل هو بعلمه النار .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛

(( خَيْرُ مَا يُخَلِّفُ الرَّجُلُ مِنْ بَعْدِهِ ثَلَاثٌ ؛ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ ، وَصَدَقَةٌ تَجْرِي يَبْلُغُهُ أَجْرُهَا ، وَعِلْمٌ يُعْمَلُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ ))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ]

الخيرية المطلقة لمن تعلّم القرآن و علّمه :

 و يقول عليه الصلاة و السلام وهو أصدق القائلين بعد كتاب الله عز وجل ، يقول فيما رواه الإمام البخاري عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( خيرُكمْ من تعلّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 وفي رواية :

((خيركم من تعلم القرآن أو علمه ))

 لكن العلماء رجَّحوا الرواية الأولى ، لأن تعلُّم القرآن وحده ليس في مستوى من تعلَّم و علَّم ، فالخيرية المطلقة لمن تعلَّم و علَّم ، فأيُّ وقت تمضيه في تعلُّم كتاب الله ، تلاوة و حفظاً و فهماً و تدبُّراً و تطبيقاً ، وأيُّ وقت تمضيه في تعليم الناس القرآن تلاوة ، و في تحفيظهم إياه ، و في إعانتهم على تدبُّره ، و في دفعهم إلى العمل به ، هذا العمل و ذاك العمل يجعلك من خير الناس قاطبةً بنصِّ قول النبي عليه الصلاة و السلام ، و لا سيما إذا ذكرتَ مقدِّمة الخطبة :

((ثلاثة أنا فيهن رجل و فيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، يعتريني ما يعتري الناسَ ، ما سمعتُ حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمتُ أنه حقٌّ من الله تعالى ))

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ شُرَّاح الحديث قالوا : خير المتعلِّمين و خير المعلِّمين ، في حياتنا الاجتماعية ، وفي الحياة اليومية نشاطات عدَّة ، هناك نشاط تجاري ، هناك نشاط صناعي ، هناك نشاط زراعي ، هناك نشاط تعليمي ، قطاع التعليم ، النشاط التعليمي ، يقع في قمَّة من يعمل في النشاط التعليمي من تعلّم القرآن و علّمه ، لماذا ؟ لأن كلام الله خير كلام ، قد تدرِّس كلاماً لبني البشر ، قد تدرس أحداثاً ، وقائع ، معلومات توصَّل إليها الناس من خلال بحوثهم و تجاربهم ، لكنك إذا توصَّلت إلى فهم كلام خالق الكون - لأن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه - كلام الله رب العالمين كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، كلام لا ريب فيه ، إذا كان نشاطك العلمي و التعليمي ، أو نشاطك التعلُّمي و التعليمي متعلِّقاً بكتاب الله عز وجل وهو الكتاب الذي لا فقر فيه ، و لا غنى دونه ، يقول عليه الصلاة و السلام :

(( خيرُكمْ من تعلّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 و رجَّح علماءُ الحديث هذه الرواية على رواية : " خيركم من تعلم القرآن أو علمه" و يقول الإمام الطيبي : لا بد من تقييد التعلم و التعليم بالإخلاص ، حتى نصل إلى الخيرية التي أشار إليها النبيُّ عليه الصلاة و السلام .
 لذلك يا أيها الأخوة تلاوة القرآن كل يوم تنضوي تحت هذا الحديث ، حضور مجالس التفسير ينضوي تحت هذا الحديث ، تعلم التجويد ينضوي تحت هذا الحديث ، تعليم الصغار القرآن ينضوي تحت هذا الحديث ، الوقوف عند كلام الله أمراً و نهياً ، و حِلاًّ و تحريماً ينضوي تحت هذا الحديث ، اجعل نشاطك التعليمي و التعلُّمي متعلِّقاً بالقرآن الكريم ، لينطبق عليك كلامُ خير الأنام ، عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( خيرُكمْ من تعلّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 و لا تنس أيها الأخ الكريم المقولة الرائعة التي تقول : " إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك " ما دورك الاجتماعي ؟ ما وظيفتك في الحياة ؟ بماذا أقامك اللهُ عز وجل ؟

 

الدين حسن الخلق :

 الحديث الأخير يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة و السلام فيما يقول في الحديث الصحيح ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 ذهب حسن الخلق بالخير كله ، الدين حسن الخلق ، الإيمان حسن الخلق ، الإسلام حسن الخلق ، الذي يرقى بك في الجنة حسنُ الخلق ، الذي يميِّز المؤمن عن غير المؤمن في الأمور الجوهرية حسنُ الخلق ، الإيمان مرتبة أخلاقية ، يجب أن تفرِّق بين المؤمن و غير المؤمن من أخلاقه ، من وعده ، ومن استقامته ، ومن أمانته ، ومن صدقه ، ومن وفائه، ومن إنصافه ، شُرَّاح الحديث قالوا : البِشرُ و التودُّد و الشفقة و الحلم و الصبر وترك الكِبر و ترك الاستطالة على الناس و مجانبة الغلظة و مجانبة الغضب و مجانبة الحقد و مجانبة الحسد ، هذا كلُّه يتأتَّى من اتصال المؤمن بالله عز وجل ، لأن الله سبحانه وتعالى مكارم الأخلاق مخزونة عنده ، فإذا أحبَّ الله عبداً منحه خلُقاً حسناً ، لهذا كان أفضل النبيين النبيُّ عليه الصلاة و السلام أحسنهم خلقاً ، قال تعالى :

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[سورة القلم: 4]

 إذا خلت حياةُ المؤمن من حسن الخلق و بقيت قناعاته وأفكاره الإسلامية وعواطفه الإسلامية واهتماماته الإسلامية فهو أبعد الناس عن الإسلام ، إذا خلت حياة المسلم أو المؤمن من حسن الخلق إن لم يكن منصفاً ، إن لم يكن وقَّافاً عند حدود الشرع ، إن لم يكن وفيًّا ، إن لم يكن أميناً ، إذا خلت حياة المؤمن من حسن الخلق وظن أن إيمانَه يعني ثقافة إسلامية ، مشاعر إسلامية ، اهتمامات إسلامية ، هذا ما عرف من الإسلام شيئاً ، لأن الإمام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه و أرضاه حينما سئل عن الإسلام تحدَّث عن حسن الخلق ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ :

((لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ . . . . . قَالَتْ فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ))

[أحمد عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ]

 بماذا عرَّف الإسلام الإمام جعفر رضي الله عنه ؟ عرَّفه للنجاشي بحسن الخلق .
 نحن أيها الأخوة الأكارم أحوج ما نكون إلى حسن الخلق ، لأن المسلم سفير هذا الدين ، فإذا أَساء أساء لدينه ، أنت على ثغرة - كما قال عليه الصلاة و السلام :

(( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ))

[ ورد في الأثر ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطِّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتَّخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

شجرة الزيتون شجرة مباركة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى : في القرآن الكريم :

﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴾

[سورة المؤمنون: 20]

 و في آية ثانية يقول الله جل جلاله :

﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾

[سورة النور: 35]

 وقف العلماء عند هاتين الآيتين ، أمام هذه الشجرة المباركة ، شجرة الزيتون ، و حيال زيتها الذي يُعدُّ المادة الدهنية الأولى في حياة الإنسان ، بعض العلماء لعدم اطِّلاعهم أو تحقُّقهم من خيرية هذه الشجرة ظنوا أن المواد الدسمة التي تنتجها مواد ضارَّة ، لكن النبي عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ))

[ الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

 و في حديث آخر عَنْ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ))

[ابن ماجه عَنْ عُمَرَ ]

 البحوث العلمية الصحيحة التي ظهرة قبل سنوات تؤكَّد أن زيت هذه الشجرة وقودٌ للإنسان بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ، ففي كل غرام من زيت الزيتون ثماني وحدات حرارية تعدُّ طاقة مثلى للإنسان ، علماء التغذية قالوا : الحوامض الدهنية غير المُشبعة ؛ هناك مادة دسمة مشبعة ، هذه تبقى عالقة في الدم ، و ربما تراكمت في جدران الشرايين فسبَّبت تضيُّقها ، و سببَّت تصلُّبها ، و سبَّبت ضعف القلب ، المواد الدهنية المشبعة ضارة للإنسان ، لكن المواد الدهنية غير المشبعة تتوازن حينما تلتهم بقية أنواع الدهنيات ، العلماء وصفوا زيت الزيتون بأنه حوامض دهنية غير مشبعة تفيد الجسم ، و تمنع الترسبات الدهنية في جدران الشرايين الدموية ، بعكس الحوامض الدهنية المشبعة الموجودة في أكثر الزيوت الحيوانية ، وهذه الزيوت الحيوانية المشبعة تسبب تصلُّب الشرايين و ضعف القلب ، لذلك ينصح الأطباء أن يتناول الإنسان ملعقة من زيت الزيتون كل يوم يقي بها تصلُّب الشرايين ، و يعالج بها تصلّب الشرايين ، و هذا الزيت يطلق البطنَ ، و يسكِّن أوجاعه ، و يخرج الدود ، و أغلب الأدهان الحيوانية غير زيت الزيتون يزعج المعدة ، إلا زيت الزيتون ، وهو مقوٍّ للُّثة و الأسنان مليِّن للجلد ، وهو من شجرة مباركة ، لكن الذي يعجب له الإنسانُ أن الأطباء و لا سيما أطباء القلب بعد حين من الزمن اكتشفوا أن زيت الزيتون مفيدٌ جدًّا للشرايين ، يليِّنها و يدفع عنها تصلُّبها ، و أن زيت الزيتون حمض دهني غيرُ مشبع لا يترسَّب على جدر الأمعاء ، و لا يسبب تضيُّقاً في الشرايين و لا تصلُّباً لها ، هذا معنى قول الله عز وجل :

﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴾

[سورة المؤمنون: 20]

 و في آية أخرى قال تعالى :

﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾

[سورة النور: 35]

 و في آية ثالثة ، قال تعالى :

﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾

[سورة التين : 1-3]

 و في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ))

[ الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

 و في حديث آخر عَنْ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ))

[ابن ماجه عَنْ عُمَرَ ]

 فكلما تقدَّم العلم اقترب مما في القرآن و السنة ، و كلما ابتعد عن القرآن و السنة فهذا دليل تخلُّفه ، و دليل نقصه و انحرافه عن الحقيقة التي جاء بها القرآن .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018