الخطبة : 0439 - الزمن ، الزمن هو البُعْدُ الرابع للأشياء - مفاصل الإنسان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0439 - الزمن ، الزمن هو البُعْدُ الرابع للأشياء - مفاصل الإنسان.


1993-06-04

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الزّمن :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ انتظرنا عيدَ الأضحى المُبارك ، وجاء عيد الأضحى المبارك ، وانقضى عيد الأضحى المبارك . وانتظرنا من قَبل شهر الصيام ، وأتى شهر الصيام، وانقضى شهر الصيام . وانتظرنا عيد الفطر السعيد ، وأتى عيد الفطر السعيد ، وانقضى عيد الفطر السعيد . انتظرنا موسم الحج ، وجاء موسم الحج ، وانتهى موسم الحج . ماذا يعني ذلك؟ إنه الزمن ، إنه الزمن في حركته .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ النُقطة إذا تحرَّكت رسمت خطاً ، والخط إذا تحرَّك رسم سطحاً ، والسطحُ إذا تحرَّك شكَّل حجماً ، والحجم إذا تحرَّك شكَّل زمناً . لذلك قال بعض العلماء: " الزمن هو البُعْدُ الرابع للأشياء " . ما علاقة الزمن بحياتنا ؟ وما دوره في عقيدتنا ؟ وما مكانته في تصوراتنا ؟ إن له أكبر حجمٍ في حياتنا ، بل إن حياتنا كلَّها هي الزمن فقط ، الإنسان - كما يقولون - بضعة أيام كلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه ، كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول المناطقة - أي علماء المَنْطِق - كل حدثٍ لابدَّ له مِن مُحْدِث ، وكل حدثٍ لابدَّ له من سبب ، وكل حدثٍ لابدَّ له من مسرحٍ مكاني ، وكل حدثٍ لابدَّ له من ظرفٍ زماني ، فالإنسان مُحْدَث ، لقد أحدثه الله عزَّ وجل ، لِمَ أحدثه ؟ وأين أحدثه ؟ وما الظرف الزماني الذي يستوعبه ؟ مسرحه المكاني الأرض ، وظرفه الزماني عمره ، والمُحْدِث هو الله ، وعلة وجوده عبادة الله عزَّ وجل .
 علة وجوده ، أو الهدف من وجوده ، أو سبب وجوده أسماءٌ ثلاثة لمسمَّىً واحد . موضوع الخطبة اليوم " الزمن ".

 

الإنسان بضعة أيام كلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الزمن هو الإنسان ، تشتدُّ قيمة الزمن ، تعظُم قيمة الزمن في حياة الإنسان حتى تنطبق عليه كُلِّيَةً ، حتى إننا نقول : إنَّ الإنسان هو الزمن ، بضعة أيام، كلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه .
 لذلك الله سبحانه وتعالى يتحدَّث كثيراً في كتابه عن خسارة الإنسان ، كيف يخسر الإنسان ؟ في بعض السوَر :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

 وفي آيةٍ ثانية :

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ﴾

[سورة الكهف : 103]

 ما معنى الخسارة ؟ معنى الخسارة أنك تمتلك رأسَ المال ، هل يقال لإنسان لا يملك درهماً خاسر ؟ خسر ماذا ؟ لا يوصف إنسان لا يملك رأس المال بالخسارة ، لأنه لا يملك ما يخسره ، لكنَّ الذي يملك رأس مالٍ صغيراً أو كبيراً إذا فقده فقد خسره ، فكيف إذا كان عمرك رأس مالك ؟ فكيف إذا كان الوقت هو أنت ؟ فكيف إذا كُنت بضعة أيام كلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك ؟ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ تصوروا إنساناً يملِك مئة ألف ليرة ، أو يملك مليون ليرة ، وبدأ يُنفق منها على مصروفه اليومي ، لماذا يشعر بقلقٍ شديد ؟ يقول بعض التُجَّار : نأكل من رأس مالنا . لأن هذا الرأس المال من أجل أن تستثمره ، من أجل أن يعود عليك بالربح ، من أجل أن تأكل من رَيْعِهِ لا من أصله ، فإذا أنفقت على مصروفك اليومي من أصل رأس مالك ، تشعر بقلقٍ شديد ، تشعر بخسارةٍ ما بعدها خسارة .

 

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ حينما يُوصف الإنسان بأنه يخسر معنى ذلك أن له رأس مال . هذا الرأسُ المال إما أن تستثمره ، وإما أن تستهلكه ، الأحمق ، والغبيُّ ، والغافل ، والجاهل هو الذي ينفق من رأس ماله . والعاقل ، والفالح ، والذكيُّ ، والموفَّق ، والفائز هو الذي ينفق من رَيْع ماله لا من أصل ماله .

النطق والاستماع نشاطٌ فكري عقلي يؤكِّد إنسانيَّة الإنسان :

 لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في خطبةٍ من خطبه الجامعة المانعة ، قال :

(( لا خير في العيش إلا لمستمع واع أو عالم ناطق ))

[ كنز العمال عن علي ]

 لأن الجماد شيءٌ له حيِّز ، له وزن ، له عَرْض ، له ارتفاع ، له طول ، يشغل حيزاً في العالَم الماديّ ، بينما النبات شيءٌ له حيز ولكنه ينمو ، أما الحيوان فشيءٌ له حيِّز وينمو لكنه يتحرَّك ، الإنسان شيءٌ له حيزٌ ، وينمو ، ويتحرك ، لكنه يفكِّر ، لكنه يعقل . .

﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة الملك : 10]

 علَّة الشقاء تَعْطيل العقل ، " أرجحكم عقلاً أشدُّكم له حباً " . " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت " . ضبط جوارحه ، ضبط لسانه ، ضبط عينه ، ضبط أذنه ، ضبط يده ، ضبط رجله ، ضبط حركته ، ضبط دخلَه ، من أين جاء بالمال ؟ ضبط إنفاقه ، ضبط بيته ، ضبط زوجته ، ضبط بناته ، ضبط عملَه فجعله وفق الشرع ، هذا هو الكيِّس ، هذا هو العاقل ، هذا هو الذكيّ ، هذا هو الفالح ، هذا هو المتفوق :

((الكيس من دان نفس وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هوها وتمنى على الله الأماني ))

[أخرجه الحاكم عن شداد بن أوس]

 أيها الأخوة الأكارم ؛

(( لا خير في العيش إلا لمستمع واع أو عالم ناطق ))

 النطق والاستماع نشاطٌ فكري ، نشاطٌ عقلي ، هذا النشاط عطاء وأخذ ، نُطْق واستماع ، إلقاء وتلقّ ، هذا النشاط هو الذي يؤكِّد إنسانيَّة الإنسان ، هو الذي يرفعك عن مستوى الجماد ، وعن مستوى النبات ، وعن مستوى الحيوان إلى مرتبة الإنسان ؛ ذلك المخلوق الأول ، والمخلوق المكرَّم . .

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72]

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾

[سورة الإسراء : 70]

خطبة النبي صلى الله عليه وسلم عن الوقت و عمله بالإنسان :

((أيها الناس لا خير في العيش إلا لعالمٍ ناطق ، أو مستمعٍ واعٍ ، أيها الناس إنكم في زمن هدنة ))

 أنتم في هدنةٍ مع الله ، كما أن الطالب في أثناء العام الدراسي في هدنة ، متى يحاسب ؟ عند الامتحان ، ومتى يحدد مصيره ؟ بعد الامتحان ، لكنه في أثناء العام الدراسي في هُدنة ، في سلامٍ مع الأساتذة ، ومع الإدارة ، لا يُدرى أينجح أم يرسب ؟ هو مخيَّر بإمكانه أن يدرس أو ألا يدرس ، أن يذاكر أو ألا يذاكر ، أن يداوم أو ألا يداوم . .

((إنكم في زمن هدنة وإن السير بكم لسريع ))

 ما بين طرفة عينٍ وانتباهتها يغير اللهُ من حالٍ إلى حال ، ليسأل كلٌ منا هذا السؤال : كم مضى من عمري ؟ أربعون ، ثلاثون ، عشرون ، خمسون ، ستون . اسأل سؤالاً آخر : كيف مضت ؟ يقول لك : كلمح البصر ، ماذا بقي ؟ هل بقي بقدر ما مضى ؟ لا ندري. إذا مضى الذي مضى كلمح البصر ، فلابدَّ من أن يمضي الذي بقي كلمح البصر . .

((وإن السير بكم لسريع ، وقد رأيتم الليل والنهار يبليان كل جديد ))

 الليل والنهار يعملان فيك ، كما قال سيدنا عمر بن عبد العزيز ، ألا تملك صوراً وأنت شاب ؟ انظر إليها من حينٍ إلى آخر ، وانظر إلى وجهك في هذه اللحظة الراهنة ، هذا من أثر الزمن ، هذا من أثر مُضيِّ الأيام والليالي ، مضيّ الشهور والسنوات ، الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما ، إن لم تعمل فيهما فأنت في خسارة لأنك تستهلك رأس مالك . .

((وإن السير بكم لسريع ))

 هذا من خطبة النبي عليه الصلاة والسلام .

((وقد رأيتم الليل والنهار يبليان كل جديد ))

 لكل جديدٍ بهجة ، حينما يقتني الإنسان مركبةً أول مرة لا تسخو نفسه بنزع الغطاء الشفَّاف عن مقاعِدها ، فرحاً بها ، انظر إليها بعد خمس سنوات ، بعد عشر سنوات ، وقد أكل عليها الدهر وشرب وملَّ منها . .

((يبليان كل جديد ، ويقرِّبان كل بعيد ))

 مهما بدا لك الشيء بعيداً فالليل والنهر يقرِّبانه . .

(( ويأتيان بكل موعود ))

 وقد وُعِدْنا بالموت وسيأتي الموت . فقال له المقداد عليه رضوان الله : يا رسول الله ما الهُدنة ؟ قال :

(( دار بلاءٍ وانقطاع ))

 من تعريفات النبي الجامعة المانعة ، من تعريفاته الدقيقة الدقيقة :

(( دار بلاءٍ وانقطاع ))

  انقطاع ، يأتي الموت ليأخذ منك كل شيء ، هذه الأشياء الكثيرة التي جمَّعتها يوماً بيوم ، وأسبوعاً بأسبوع ، وشهراً بشهر ، وعاماً بعام ، وعقداً بعقد ؛ هذا البيت ، هذه المركبة ، هذه السُمْعَة ، هذه المكانة ، هذه العلامة التجارية ، هذا الاسم المتألِّق ، هؤلاء الأولاد الذين أمامك ، هؤلاء حينما يأتي مَلَك الموت نغادر الدنيا ونترك فيها كل شيء ، هذا معنى :

(( دار بلاءٍ وانقطاع ))

 البلاء الامتحان . .

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

((دار بلاءٍ وانقطاع فإذا التبست الأمور عليكم))

 تداخلت الأفكار ، وكثرت المَذاهب ، واختلف الناس ، واحتدم النقاش ، وكلٌ يدعي وصلاً بليلى ، وكلٌ يدّعي أنه على حق، هؤلاء مع هؤلاء ، وهؤلاء مع هؤلاء ، وهؤلاء لهم حججهم ، وهؤلاء لهم انتقاداتهم .

(( فإذا التبست الأمور عليكم كقطع الليل المظلم ، فعليكم بالقرآن ))

 كلام خالق الكون ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

((فإذا التبست الأمور عليكم كقطع الليل المظلم ، فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع ، وماحل مصدق ، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه قاده إلى النار))

 إن لم تعبأ بالقرآن ، إن لم تأتمر بأمر القرآن ، إن لم تنتهِ عما نهى عنه القرآن ، إن لم تأخذْ بحلال القرآن ، إن لم تدع حرام القرآن ، إن لم تصدِّق أخبار القرآن ، إن لم تصدق ما ينبئك به القرآن عن الغيب ، هذا معنى " جعله وراءه " .

(( ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه قاده إلى النار ، وهو الدليل إلى خير سبيل ))

 ما هذه البلاغة يا سيدنا يا رسول الله ؟! .

((أو هو دليل إلى خير سبيل ، من قال به صدق ، ومن عمل به أُجِرْ ، ومن حكم به عَدَل))

[ كنز العمال عن علي ]

قراءة القرآن و العمل به ضمانة للإنسان من أرذل العمر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين : 4]

 الإنسان في سن الثلاثين ؛ قلبه ينبض ، وعروقه مَرِنَة ، ورئتاه متسعتان ، وعضلاته مفتولة ، وقوَّته نشيطة ، وأجهزته تعمل بانتظام ، كلَّما انقضى عامٌ إثر عام ، ضعفت العضوية ، وَهَنَتْ القوة ، ضعفت الأجهزة ، ضعف عمل القلب ، ضعف عمل الرئتين ، ضعفت العضلات ، نَخِرَت العظام ، هذا معنى :

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾

[ سورة التين : 4-5]

 العضوية يسير خَطُّها البياني نحو الهبوط بعد سن الثلاثين أو الأربعين ، نحو الهبوط إلى أن يبلغ أسفل سافلين ، إلى أن يُرَدَّ إلى أرذل العمر ، إلى أن يصبح كالطفل الصغير، إلى أن يصبح حَشَرِيَّ المزاج ، ثقيل الظِل ، إلى أن يصبح عبئاً على من حوله . .

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين : 4]

﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 انظر إلى الشاب . .

﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾

[ سورة التين : 5-8]

 من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت ، اقرؤوا القرآن ، احفظوا القرآن ، افهموا القرآن ، اعملوا بالقرآن فهو ضمانةٌ لكم من أرذل العُمر ، ضمانةٌ لكم من الخَرَف ، ضمانةٌ لكم من الشيخوخة التي لا تُحْتَمَل ، أما المؤمن فيزداد تألُّقاً مع مضيّ الأيام . يا بني حفظناها في الصغر ، فحفظها الله علينا في الكِبَر .

 

مفهوم الزمن في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مفهوم الزمن في القرآن الكريم دقيقٌ دقيق ، قال تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 أنت حر ، وسرُّ سعادتك في الآخرة أنك حرٌ في كسبك ، لأن عملك أساس سعادتك ، وأساس قيمة عملك أنك مخيرٌ في كسبه ، لذلك قال الله تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 ما علاقة قوله تعالى بعد ذلك :

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 أي أنت الآن تتمتَّع بشيءٍ عظيم ، تتمتَّع بما يسمَّى بحرية الكَسْب ؛ لك أن تصلي ، لك أن تفكِّر ، لك أن تُنْفِق ، لك أن تطلب العلم ، لك أن تقرأ القرآن ، لك أن تطبِّق القرآن ، لك أن تدعو إلى الله ، أنت الآن متمتع بشيءٍ لا يقدَّر بثمن ، إنها حرية كسبك . .

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

  استغلَّ هذه الميزة ؛ أنك حرٌ في كسبك ، منحك الله حرية الاختيار . .

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

 فإن لم تستبق الخيرات . .

﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾

 إذا انتهى الأجل خُتِمَ العمل ، وأُلغي الاختيار ، وأصبح الإنسان رَهْنَ عمله وكَسْبه . .

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[ سورة المدثِّر : 38]

 دقة الآية في تنوّع موضوعاتها ، وفي العلاقة الوشيجة بين موضوعاتها .

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 أنت مخيَّر ، واختيارك في كسبك سرُّ سعادتك الأخرويَّة ، عليك أن تستبق الخيرات ، عليك ألا تسمح للزمن أن يسبِقك ، عليك أن تسبق الزمن ، عليك أن تنفِقه استثماراً لا استهلاكاً ، فإن لم تفعلْ يأتي مَلَكُ الموت أينما كنت . وقد قال بعض المفسرون : في أيّ مكانةٍ كُنت ، وفي أي مكانٍ كنت . في أي مكانةٍ أي مهما عَظُم شأنك ، مهما كثر من حولك ، مهما ازداد مالك ، مهما قوي سلطانك . .

﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾

  في أية مكانةٍ كنتم ، وفي أي مكانٍ أنتم؛ في أطباق الهواء ، في أعماق البحار ، في أية قارَّة ، في أي بيت ، في أي نُزهة . .

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 ينتهي العُمُر ، وينتهي الاختيار ، ويُخْتَم العمل ؛ فإما إلى جنةٍ يدوم نعيمها ، وإما إلى نارٍ لا ينفد عذابها .

 

خصائص الوقت :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من خصائص الوقت سُرعة انقضائه ، الزمن يمرُّ مرَّ السحاب ، لكن دقيقة الألم ساعة ، وساعة اللذَّة دقيقة ، مضيُّ الزمن مضيٌّ سريع ، لكن الزمن إذا احتوى المآسي والأحزان مرَّ بطيئاً فيما يبدو ، وإن احتوى الملذَّات والمسرَّات مرَّ سريعاً فيما يبدو.

﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 لذلك من علامات سرعة انقضاء الزمن أن الله سبحانه وتعالى أشار إلى هذه الحقيقة فقال :

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ﴾

[سورة يونس : 45]

 عاش ثمانين عاماً ، عاش عُمُراً مديداً ، كم لبثتم ؟

﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾

 خصيصةٌ أخرى للزمن أنه ما مضى منه لا يعود ، لا يعوَّض ولا يعود ، لذلك ما دام هذا الزمن يمضي سريعاً ولا يعود إذاً هو أنفس شيءٍ يملكه الإنسان ، فمن جهل قيمته أتت عليه ساعةٌ ولكن بعد فوات الأوان عرف قيمة الزمن ، قال تعالى دقِّقوا في هذه الآيات :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

[سورة المنافقون : 9]

 أيْ خسروا الوقت ، خسروا الزمن ، أي أنفقوا الزمن في اللهو ، في المُتعة ، في المُباحات ، ولم ينفقوه في الطاعات ، ولا في طلب العلم ، ولا في العمل الصالح ، إذاً هم خاسرون ، أنفقوا رأس مالهم ، أكلوا من رأس مالهم ولم يستثمروا رأس مالِهم . .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[سورة المنافقون : 9-10]

 يأتي الجواب :

﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المنافقون : 11]

معرفة قيمة الوقت عند الموت :

 متى نعرف قيمة الوقت ؟ عند الموت ، يتمنى الرجل لو يدفع ماله كله لقاء ساعةٍ تضاف إلى عمره ، يصلي فيها ركعتين ، كل ما يملك في الدنيا يتمنى أن ينفقه نظير ساعةٍ واحدة ؛ يصلي فيها ركعتين . .

﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المنافقون : 11]

 هذا الموقف موقف ندمٍ على قيمة الوقت ، وهناك موقفٌ آخر يذكره الإنسان يوم القيامة ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾

[سورة فاطر : 36-37]

 قال تعالى :

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

[ سورة فاطر : 37 ]

 الشيب هو النذير . .

((عبدي كبرت سنك ، وضعف بصرك ، وانحنى ظهرك ، وشاب شعرك ، فاستح مني فأنا أستحيي منك ))

[ورد في الأثر]

 سن الأربعون هي النذير ، الستون هي النذير ، القرآن هو النذير ، النبيُّ هو النذير ، المصائب هي النذير ، موت الأقارب هو النذير . .

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 37 ]

الأمراض المتعلقة بالوقت :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مرضان خطيران متعلِّقان بالوقت ، المرض الأول : الغفلة ، ونعوذ بالله أن نكون من الغافلين ، قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾

[سورة الأعراف : 179]

 الذي يرى الآيات بعينه فلا يَعْتَبِر ، ويسمع قصص المنحرفين وعقوباتهم فلا يتَّعظ، الذي لا يستخدم عقله لإدراك الحقائق هذا غافل ، والغافل مصيره إلى النار . .

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾

[سورة الأعراف : 179]

 المرض الآخر هو : التسويف ، هلك المسوِّفون ، قال بعضهم : أيها الإنسان إنك بيومك ولست بغدك . كل إنسان يقول لك الآن ، إنسان عاقل ، الذي يقول لك : غداً . هذا جاهل وأحمق ، لأنك بيومك لا بغدك ، ما مضى فات ، والمؤمَّل غيب ، ولك الساعة التي أنت فيها ، لا تملك إلا هذه الساعة ، فإذا أردت أن تتوب فمن الآن ، إذا أردت أن تنفق فمن الآن ، إذا أردت أن تقرأ القرآن فمن الآن ، إيَّاك والتسويف . قال :

((أيها الإنسان إنك بيومك ولست بغدك ، فإن يكن لك غدٌ فكن في غدٍ كما كنت في اليوم ، وإن لم يكن لك غدٌ لم تندم على ما فرَّطت في اليوم ))

 هل هناك أعقل من هذه المحاكمة ؟ إنك بيومك لا بغدك ، إن كان لك غد فكن في غدك كما كنت في اليوم ، وإن لم يكن لك غد ، لا تندم على ما فرَّطت في يومك .
 لذلك قال بعض العلماء : سوف من جنود إبليس . إبليس له سلاحٌ خطير هو يقول له : سوف؛ سوف تفعل ، سوف تتوب ، سوف تصلي ، سوف تطلب العلم ، سوف ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام :

((اغتنم خمساً قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك ))

[ الجامع الصغير عن ابن عباس]

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

مفاصل الإنسان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ عُلماء التشريح ، ولاسيما التشريح الوَصْفِيّ ، عدوا مفاصل الإنسان بعد أن شرَّحوه ، وبعد أن جردوا جهازه العظمي ، وبعد أن درسوه دراسةً متأنيةً دقيقةً ، فعدوا مفاصل الإنسان على الشكل التالي : في عموده الفقري مئةٌ وسبعةٌ وأربعون مفصلاً ، خمسة وعشرون منها غضاريف بين الفقرات ، واثنان وسبعون منها بين الضلوع والفقرات ، وخمسون منها بين الفقرات عن طريق اللُّقيمات الجانبية ، ففي العمود الفقري مئةٌ وسبعةٌ وأربعون مفصلاً .
 وفي الصدر أربعة و عشرون مفصلاً ، مفصلان في عظم القَص ، وثمانية عشرَ مفصلاً بين القصّ والضلوع ، ومفصلان بين الترقوة ولوحَيّ الكَتِف ، ومفصلان بين لوحي الكتف والصدر ، مجموعهما أربعة و عشرون .
 وأما الطرف العلوي ففيه مفصلٌ للكتف ، وثلاثة للكوع ، وأربعة للرُسُغ ، وخمسةٌ وثلاثون مفصلاً لعظام اليد . وأما الطرف السفلي فأربعةٌ وأربعون مفصلاً للفخد ، وثلاثة للركبة ، وثلاثة للكاحل ، وسبعةٌ وثلاثون مفصلاً مفاصل عظام القدم . وأما الحَوْض فثلاثة عشر مفصلاً؛ اثنان الورك ، وأربعة العُصْعُص ، وستة عظيمات الحُق .
 والفَك مفصلان . مئة وسبعة وأربعون ، مع أربعة وعشرين في الصدر ، مع ستة وثمانين الطرف العلوي ، ثلاثة وأربعون ضرب اثنين ، وثمانية وثمانون السفلي ، أربعة وأربعون ضرب اثنين ، وثلاثة عشر الحوض ، واثنان الفَك ، المجموع : ثلاثمئةٍ وستون مفصلاً في جسم الإنسان ، هذا شيء معروف ، وبديهي ، وطلاَّب كلية الطب يدرسونه في السنة الأولى أو الثانية ـ فيما أعلم ـ
 لكن الشيء المُدهش ، لكن دلائل النبوة أن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مُسلم ، يشير النبي في عصرٍ لا يمكن أن يُعلم عدد مفاصل الإنسان ، فيما روته السيدة عائشة رضي الله عنها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :

((إنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنْسان مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وثلاثمئة مفْصَل - هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام- فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ ، وحَمِدَ الله ، وَهَلَّلَ اللهَ - قال : لا إله إلا الله - وَسَبَّحَ الله - قال : سبحان الله - وَاسْتَغْفَرَ الله ، وَعَزَلَ حَجَراً عَنْ طَريقِ النَّاسِ ، أَوْ شَوْكَةً ، أَوْ عَظماً عَن طَريقِ النَّاسِ ، أَوْ أمَرَ بمَعْرُوف ، أَوْ نَهَى عَنْ منكَر ، عَدَدَ السِّتِّينَ والثَّلاثِمئَة فَإنَّهُ يُمْسِي يَومَئِذٍ وقَدْ زَحْزَحَ نَفسَهُ عَنِ النَّارِ ))

[مُسلم عن عائشة]

 هل يستطيع بشر في عهد النبي أن يعد عدد المفاصل التي كشفها علماء الطب الآن ؟ هذا الحديث رواه الإمام مسلمٌ في صحيحه ، وله روايتان اثنتان . في روايةٍ أخرى . .

(( فعليه أن يتصدَّق عن كل مفصلٍ منه صدقةً ))

 وفي روايةٍ ثالثة :

((فعليه لكل عظمٍ منها في كل يومٍ صدقة ))

 وعن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - هذا قول النبي - :

((في الإنسان ستون وثلاثمئة مَفْصِلاً فعليه أن يتصدَّق عن كل مفصلٍ منها صدقةً ، قالوا : فمن يطيق يا رسول الله ؟ قال : النُخاعة في المسجد تدفنها))

[أحمد عن بُرَيْدَةَ]

 أيْ أيّ عمل في خدمة المسجد ؛ ولو نزعت قشةً عن أرض المسجد ، ولو ساهمت في تنظيف المسجد ، ولو قدَّمت خدمةً ، ولو أنفقت مالاً ، ولو أتيت بمصباحٍ ، ولو أتيت بجهازٍ ، قال : قال الإمام المُنْذِرِيّ صاحب الترغيب والترهيب :

(( النخاعة في المسجد تدفنها - فهذا أقل عمل - والشيء تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تقدر فركعتا الضحى تجزئ عنك ))

[رواه الإمام أحمد واللفظ له ، وأبو داود ، وابن حبَّان ، وابن خُزَيْمَة في صحيحيهما ]

 أليس هذان الحديثان من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ؟ عصر النبي ، هل في معطيات العصر إمكانٌ أن نعرف عدد هذه المفاصل ؟ مئة وسبعة وأربعون مفصلاً في العمود الفقري ، خمسة وعشرون غضروفاً بين الفقرات ، اثنان وسبعون بين الضلوع والفقرات ، خمسون بين الفقرات عن طريق اللُّقيمات الجانبية ، أربعة و عشرون مفصلاً في الصدر ، اثنان عظم القَص ، ثمانية عشر بين القص والضلوع ، اثنان بين الترقوة ولوحي الكتف ، اثنان بين لوحي الكتف والصدر ، ثلاثة وأربعون في الطرف العلوي ، واحد مفصل الكتف ، ثلاثة الكوع ، أربعة الرسغ ، خمسة وثلاثون عظام اليد ، أربعة وأربعون الطرف السفلي ، واحد مفصل الفخد ، ثلاثة الركبة ، ثلاثة الكاحل ، سبعة وثلاثون عظام القَدَم ، ثلاثة عشر الحوض ، اثنان الورك ، أربعة العُصعص ، ستة عُظَيمات الحُق ، اثنان الفَك ، مئة وسبعة وأربعون مع أربعة وعشرين مع ثلاثة وأربعين - الطرف العلوي - ضرب اثنين يساوي ستة وثمانين ، مع أربعة وأربعين- الطرف السفلي- ضرب اثنين يساوي ثمانية وثمانين ، مع ثلاثة عشر مع اثنين يساوي ثلاثمئة وستين .

((إنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنْسان مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وثلاثمئة مفْصَل ، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ ، وحَمِدَ الله ، وَهَلَّلَ اللهَ ، وَسَبَّحَ الله ، وَاسْتَغْفَرَ الله ، وَعَزَلَ حَجَراً عَنْ طَريقِ النَّاسِ ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظماً عَن طَريقِ النَّاسِ ، أَوْ أمَرَ بمَعْرُوف ، أَوْ نَهَى عَنْ منكَر ، عَدَدَ السِّتِّينَ والثَّلاثِمئَة فَإنَّهُ يُمْسِي يَومَئِذٍ وقَدْ زَحْزَحَ نَفسَهُ عَنِ النَّارِ ))

 وفي روايةٍ :

(( فعليه أن يتصدَّق عن كل مفصلٍ منه صدقةً ))

 وفي روايةٍ :

(( فعليه لكل عظمٍ منها في كل يومٍ صدقة ))

 والسُلامى في تفسير اللغويين عظام الجسم ومفاصله . هذا الحديث رواه الإمام مسلم . وعن بُرَيدة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول :

((في الإنسان ستٌ وثلاثمئة مفصلاً ، فعليه أن يتصدَّق عن كل مفصلٍ منها صدقةً ، قالوا : فمن يطيق يا رسول الله ؟ قال : النُخاعة في المسجد تدفنها ، والشيء تنحّيه عن الطريق ، فإن لم تقدر فركعتا الضحى تجزئ عنك ))

 قال المنذري : رواه أحمد واللفظ له ، وأبو داود ، وابن حبَّان ، وابن خزيمة في صحيْحيهما .
 أيها الأخوة . . .

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

[سورة النجم : 3-4]

 معطيات عصر النبي لا تسمح لا للنبي ولا لغيره إلا أن يكون يوحى إليه بهذه الحقائق .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018